٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 72 - خطبة عيد المعلم - الإسلام والعلم .


2006-03-17

 الخطبة الأولى:
 الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
 يا رب علمنا من علمك المخزون، واحفظنا بسر اسمك المصون، وحققنا بحقائق أهل القرب، واسلك بنا مسالك أهل الحب، وأغننا بتدبيرك عن تدبيرنا، وأخرجنا من ذل معصيتك إلى عز طاعتك، وطهرنا من الشك والشرك، اللهم بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا،  وإياك نسأل فلا تخيبنا، ومن فضلك نرغب فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فحاشا يا رب أن نفتقر في غناك، و أن نضل في هداك، و أن نذل في عزك، و أن نضام في سلطانك .
 وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، خير نبيٍ اجتباه، وللعالمين أرسله، أدى الأمانة و بلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد .
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
 موضوع الخطبة اليوم الإسلام والعلم، فبالعلم يكرم المرء، وبالجهل يهان .
 فالنبي صلى الله عليه وسلم حدد الغاية الأولى من بعثته، والمنهج الأمثل لدعوته، فقال فيما رواه الإمام مالك:

(( إنما بُعثتُ معلماً، إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق))

 فالهدف الأول لدعوته، هو إرساء البناء الأخلاقي للفرد، والمجتمع، لأنه ثمن سعادة الدنيا والآخرة، والوسيلة هي التعليم لا التعنيف، قال صلى الله عليه وسلم:

 

(( علموا ولا تُعنِّفوا، فإن المعلم خير من المُعنِّف ))

 والله جل جلاله بدأ أول سورة أنزلت من القرآن الكريم بكلمة " اقرأ " التي نزلت أول ما نزلت من القرآن الكريم:

 

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾

 

( سورة العلق )

 وقد أشار الله جل جلاله إلى العلم بمفتاحه وهو فعل اقرأ، وفي اللغة إن الفعل إذا حذف مفعوله أطلق معناه، فلنقرأ في كتاب الله، أو في بيان المعصوم صلى الله عليه وسلم، أو في كتاب الكون ؛ فالكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي، لكن الله جل جلاله قال: " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ " فالأصل في القراءة الأولى أن تكون قراءة بحث وإيمان، تنتهي يقيناً إلى معرفة الله موجوداً وواحداً وكاملاً، وخالقاً ومربياً ومسيرا، وهذه القراءة مقدور عليها بدليل أنها تنطلق من أقرب شيء إلى الإنسان من نفسه التي بين جنبيه، قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾

 ولكن القراءة الثانية هي قراءة الشكر والعرفان، أساسها شكر المنعم على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد .

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾

 قراءة شكر وعرفان، بعد قراءة البحث والإيمان، لقد سخر الله الكون لهذا الإنسان تسخير تعريف وتكريم، أما تسخير التعريف فكل ما السماوات وما في الأرض ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، ويشف عن أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، قال تعالى:

 

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

 

( سورة الجاثية )

 أما تسخير التكريم ففي قوله تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

 

( سورة الإسراء )

 واجب الإنسان تجاه تسخير التعريف أن يؤمن، وواجب الإنسان تجاه تسخير التكريم أن يشكر، فالإنسان إذا آمن وشكر فقد حقق الغاية من وجوده، لذلك يتوقف التأديب والمعالجة، يقول الله عز وجل:

 

﴿مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

 

( سورة النساء )

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

 فالتعليم بالقلم هو اللغة التي امتن الله جل جلاله على الإنسان بها حينما قال:

 

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

 البيان الشفهي يعبر به الإنسان عن أفكاره وعن مشاعره، ويتعرف إلى أفكار الآخرين ومشاعرهم، فيتعلم بالبيان ويعلم، والبيان الكتابي تنتقل المعارف من إنسان لآخر من دون اتصال، ومن جيل إلى جيل من دون مجاورة، ومن أمة إلى أمة من دون معاصرة، ثم تنتقل المعارف وتتراكم إلى خزائن العلم للإنسانية كلها، هذا بفضل

 

﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾

 أما القراءة الثالثة فهي قراءة الوحي والإذعان، فمعرفة طرف من حقيقة الذات الإلهية، وكمالها المطلق، ومعرفة الماضي السحيق، والمستقبل البعيد ومعرفة حقيقة الحياة الدنيا، ومعرفة حقيقة الحياة الآخرة، ومعرفة حقيقة الإنسان وسر وجوده، وغاية وجوده، ومعرفة حقيقة النبوات، و الرسالات، ومعرفة حقيقة المنهج ودقائقه ومفردات التكاليف، وتفاصيلها، هذا كله يؤخذ من الوحيين الكتاب والسنة، وهذا مما يستنبط من قوله تعال:

﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

 ولكن لا يعني هذا الكلام أن المسلمين اليوم يقرؤون هذه القراءات الثلاث ولو قرؤوها لما استطاع أحد أن ينال منهم، ولكن هذا من قبيل ما ينبغي أن يكون لا ما هو كائن .
 أما القراءة الرابعة فهي القراءة النفعية ليس غير، وهذه القراءة لاتتناقض مع القراءات الثلاث، ولكن... حينما نكتفي بها، ونسخرها لنهب الثروات وسحق الشعوب... تكون قراءة طغيان وعدوان، قال تعالى:

 

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾

 

( سورة العلق )

 وهذا طغيان العلم الذي يقود الإنسان الذي قرأ هذه القراءة النفعية، بعيداً عن الإيمان والعرفان والإذعان، يقوده هذا العلم إلى القوة فيبني مجده على أنقاض الآخرين، ويبني غناه على فقرهم، ويبني قوته على ضعفهم، ويبني أمنه على خوفهم، ويبني عزه على ذلهم، ويبني حياته على موتهم، وبهذا يكون قد طغى بالعلم، واستخدم العلم لغير ما أريد منه، وقد ضرب الله لنا مثلاً في القرآن الكريم قوم عاد نموذجاً متكرراً لهذا الإنسان الذي قرأ قراءة نفعية فطغى وبغى ونسي المبتدا والمنتهى، ونسي الجبار الأعلى .
 فعاد ـ مثلاً ـ تفوقت في شتى الميادين قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾

 

( سورة الفجر )

 وعاد تفوقت بالبناء والعمران والحصون والمنشئات، والصناعات، قال تعالى:

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾

 

( سورة الشعراء )

 وعاد تفوقت بالقوة العسكرية قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

 

( سورة الشعراء )

 وعاد تفوقت بالناحية العلمية قال تعالى:

 

﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾

 

( سورة العنكبوت )

 ولم يكن فوق عاد إلا الله، بدليل أن الله ماأهلك قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من أشد منه قوةً، إلا عاداً حين أهلكها قال:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾

 

( سورة فصلت )

 وعاد بسبب تفوقها وبعدها عن الله وقراءتها لما في الكون قراءة نفعية تكبرت بغير حق، واستعلت وتغطرست وتجبرت وبغت،لا في بلدها فحسب بل في كل البلاد، قال تعالى:

 

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

 

( سورة فصلت )

 فماذا كانت محصلة هذا التفوق المادي، لقد طغوا في البلاد، والطغيان مجاوزة الحد بالعدوان، ولم يقل طغوا في بلدهم، بل قال

﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾

 في البلاد كلها، ليصف طغيانهم بالشمول، وأنهم أكثروا فيها الفساد، ولم يقل فسدوا، ليبن أن إفسادهم عم الأرض.
والحديث عن مصير عاد في القرآن لا يخص عاداً الأولى بل يتجه إلى كل قوم سلكوا مسلك عاد، فقوم عاد نموذج متكرر بدليل أن الله تعالى يقول:

 

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾

 

( سورة الأعلى )

 وهذا يعني فيما يعني أن هناك عاداً ثانية، أو انتظروا عاداً ثانية، لقد كان تأديبهم بالأعاصير التي تدمر كل شيء أتت عليه.

 

﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾

 

( سورة الحاقة )

 فماذا كانت النتيجة ؟

 

﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

 

( سورة الفجر )

 أي بالمرصاد لكل من يكون على شاكلة عاد من أمم الأرض .

 

 إذن هناك قراءات أربع: قراءة بحث وإيمان، وقراءة شكر وعرفان، وقراءة وحي وإذعان، وقراءة طغيان وعدوان، الثلاث الأولى تسمو بالإنسان وتسعده، والرابعة تسقطه وتشقيه، ونحن إذ نكرم المعلم في عيده نتمنى عليه أن يجعلها منهجاً له تعليمه وتوجيهه .
إن طلب العلم وقراءة ما في الكون والكتاب، قراءات ثلاث فريضة محكمة من فرائض الدين، لا تقل أهمية عن فرائضه الأخرى، بل هي أخطر فرائضه،
 وفي الحديث الصحيح:

(( طلب العلم فريضة على كل مسلم ))

[حديث حسن بطرقه كما قال الحافظ المزي، رواه الإمام أحمد في العلل، وابن ماجة في السنن رقم 224 ]

 حتى إن طلب العلم يفضُلُ في ثمراته نوافل العبادات.. ففيما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( إن طلب العلم ساعة خير من قيام ليلة، وطلب العلم يوماً خير من صيام ثلاثة أشهر... ))

 

[روي في مسند الفردوس، عن أبن عباس ]

 والإسلام من خلال القرآن والسنة، يرفض أشد الرفض أن تكون القوة، أو المال، أو النسب، أو المظهر أساساً للمفاضلة بين الناس، لكنه اعتمد العلم قيمة وحيدة مرجِحة بين بني البشر.. قال تعالى:

 

﴿ِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

 

[سورة الزمر 9]

 روى الديلمي وابن عبد البر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( تعملوا العلم ؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمـــه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والأنيس في الوحشة، والصاحــب في الوحدة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح عند الأعداء، والزين عند الأخلاء، والقرب عند الغرباء، ويرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الجنة قادة... ))

[رواه ابن عبد البر في العلم وقال حديث حسن ]

 والعلم ؛ علم بالله، وعلم بأمره، وعلم بخلقه، أو علم بالحقيقة، وعلم بالشريعة، وعلم بالخليقة، والعلم بالله أصل الدين، والعلم بأمره أصل العبادة، والعلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا.
 لقد دعا الإسلام إلى العلم بالله، من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض، حيث تتابع الأمر به في سور القرآن، وعُدَّ الأساس الأول لبناء دعائم العقيدة والإيمان.. قال تعالى:

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 

[سورة يونس]

 والتفكر في خلق السماوات والأرض نوع من العبادات بل هو من أرقى العبادات، ففي صحيح ابن حبان عن عطاء أن عائشة رضي الله عنها قالت: " أتاني النبي صلى الله عليه وسلم في ليلتي وقال: ذريني أتعبد لربي عز وجل فقام إلى القُربة، فتوضأ، ثم قام يصلي، فبكى حتى بلَّ لحيته، ثم سجد حتى بلَّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه، حتى أتي بلالٌ يؤذنه بصلاة الصبح، فقال يا رسول الله ما يبكيك ؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال ويحك يا بلال وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله تعالى عليَّ في هذه الليلة":

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

 

[سورة آل عمران]

 ثم قال عليه الصلاة والسلام:

(( ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ))

 وورد عنه أنه قال:

(( أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً ))

 وقال الحسن البصري، رحمه الله: " من لم يكن كلامه حكمةً فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره عبرةً فهو لهو.. ".
انظر إلى الشمس وسل من رفعها ناراً، ومن نصبها مناراً، ومن ضربها ديناراً، ومن علقها في الجو ساعة، يدب عقرباها إلى قيام الساعة، ومن الذي آتاها معراجها، وهداها أدراجها، وأحلها أبراجها، ونقَّل في سماء الدنيا سراجها، الزمان هي سبب حصوله، ومنشعب فروعه وأصوله، وكتابه بأجزائه وفصوله، لولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه، ذهب الأصيل من مناجمها، والشفق يسيل من محاجمها، تحطمت القرون على قرنها، ولم يمح التقادم لمحة حسنها.
 وهي تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة حجماً، وتبعد عن الأرض مئة وخمسين مليون كيلو متر مسافة، وهناك نجم في برج العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، وتصل الحرارة في مركزها إلى عشرين مليون درجة، فلو ألقيت الأرض في جوف الشمس لتبخرت في زمن قصير، ويزيد طول ألسنة اللهب المنطلقة من سطحها عن نصف مليون كيلو متر، لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

 

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ؛ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

 

[سورة فصلت]

 وانظر إلى القلـــب في فعله وأثره، وغرضه ووطره، وقــــدْرِه وقَدَره، وحيطانه، وجدره ومنافذه وحُجره، وأبوابه وستره، وكهوفه وحفره، وجداوله وغدره، وصفائه وكدره، ودأبه وسهره، وصبره وحذره، وعظيم خطره، لا يغفل ولا يغفو ولا ينسى ولا يسهو، ولا يعثر ولا يكبو، ولا يخمد ولا يخبو، ولا يمل ولا يشكو، وهو دائب صبور بأمر الذي أحسن خلقته، وأعدَّ له عدته، وأوقد فيه جذوته، وقدّر له أجله ومدته، يعمل من دون راحةٍ ولا مراجعةٍ ولا توجيه.
 يضخ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعبة من الدم، تجري في مئة وخمسين كيلو متراً من الأوعية، ويضخ القلب في عمر متوسط ما يملأ حجماً يساوي واحدةً من أكبر ناطحات السحاب في العالم.. لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

 

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ ؛ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

 

[سورة فصلت]

وانظر لتلك الشجـــرة  ذات الغصون النضرة
كيف نمت من حبـــة  وكيف صارت شجـرة
فابحث وقل من ذا الـذي  يُخرج منهــا الثمرة
وانظر إلى الشمس التـي  جذوتهــا مستعـرة
من ذا الذي أوجدهــا  في الجو مثل الشـررة
وانظر إلى الليل فمــن  أوجد فيـه قمــره
وزانه بأنجــــــم  كالــدرر المنتثـرة
وانظر إلى الغيم فمــن  أنـزل فيه مطــره
فصـير الأرض بــه  بعد اصفرار خضـره
ذاك هـــــو الله  الذي أنعمه منهمــرة
ذو حكمة بالغــــة  وقـــدرة مقتــدرة
***

 هذا عن العلم بالله، علم الحقيقة، فماذا عن العلم بأمر الله علم الشريعة ؟ إن الإنسان إذا تفكر في خلق السماوات والأرض، فعرف الله خالقاً ومربياً ومسيراً، وعرف طرفاً من أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، يشعر بدافع قوي إلى التقرب إليه من خلال امتثال أمره، واجتناب نهيه، عندها يأتي علم الشريعة ليبيّن أمر الله ونهيه في العبادات والمعاملات والأخلاق.
 والشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة وإن أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
 قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه:

 

(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم ))

 وفي الحديث الشريف الصحيح:

 

 

(( قليل الفقه خير من كثير العمل ))

 بل إن التفقه في أحكام الشريعة والعمل بها يُعدُّ أفضل أنواع العبادات قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الدار قطني:

 

(( ما عُبدَ الله بشيءٍ أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيءٍ عماد، وعماد الدين الفقه ))

 بقي علم الخليقة، لقد دعا الإسلام إلى العلم بطبائع الأشياء وخصائصها، والقوانين التي تحكم العلاقة بينها، كي نستفيد منها تحقيقاً لتسخير الله جلّ وعلا للأشياء.. قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

 وتعلُّم العلوم المادية يحقق عمارَة الأرض عن طريق استخراج ثرواتها، واستثمار طاقاتها، وتذليل الصعوبات، وتوفير الحاجات تحقيقاً لقوله تعالى:

 

﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾

 

[سورة هود]

 وتعلم العلوم المادية، والتفوق فيها قوة، يجب أن تكون في أيدي المسلمين، ليجابهوا أعداءهم، أعداء الحق والخير والسلام، تحقيقاً لقوله تعالى:

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

 

[سورة الأنفال 60]

 لأن القوة في هذا العصر هي قوة العلم، بل إن الحرب الحديثة ليست حرباً بين ساعدين، بل هي حرب بين عقلين.
 ولحكمة بالغة لم يشأ الله جل وعلا أن يكون الانتفاع بخيرات الأرض وثرواتها وطاقاتها انتفاعاً بشكل مباشر، يلغي دور الإنسان، وإنما جعل هذا الانتفاع متوقفاً على جهد بشري: علم وعمل، فقد أودع الله في البذرة قوة إنبات، ولكن لابد للإنسان من أن يزرعها ويرعاها، وأن يحصدها، ليجني ثمارها، وأودع الله في الأرض خامات المعادن، ولكن لابد للإنسان من أن يبحث عنها ويكتشفها، وأن يستخرجها، كل هذا ترسيخاً لقيم العلم والعمل، وابتلاءً لإنسانية الإنسان، فهل يرفعه العلم والعمل إلى أعلى عليين، أم يسقطانه إلى أسفل سافلين ؟.
 وبالتحرر من الجهل والوهم، واعتماد النظرة العلمية، واتباع الطريقة الموضوعية، نستطيع أن نسقط كل الدعاوى الباطلة المزيفة التي يطرحها أعداؤنا أعداء الدين للنيل من إمكاناتنا وطموحاتنا، فباعتماد النظرة العلمية تصح رؤيتنا، وبإيماننا بالله واستقامتنا على أمره نستمد قوتنا، قال تعالى:

 

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

 

[سورة آل عمران]

 إن التعلم والتعليم قوام هذا الدين، ولا بقاء لجوهره، ولا ازدهار لمستقبله إلا بهما. والناس أحد رجلين: متعلم يطلب النجاة، وعالم يطلب المزيد.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( العالم والمتعلم شريكان في الخير، ولا خير في سائر الناس ))

 

[ انظر إرواء الغليل للألباني 2/141 ط المكتب الإسلامي]

 وقد قيل:
 تعلموا العلم ؛ فإن كنتم سادة فقتم، وإن كنتم وسطاً سدتم، وإن كنتم سوقةً عشتم .
 لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
ولا بد من أن تكون عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً، ولا تكن الخامسة فتهلك
 وإن هذا العلم دين، فانظر عمَّن تأخذ دينك.. خذه عن الذين استقاموا، ولا تأخذه عن الذين مالوا.
العلم الذي نرتزق منه وكفى.. ليس إلا حرفة من الحرف.
 والعلم الذي لا يصل تأثيره إلى نفوسنا، ومن ثم إلى سلوكنا، ما هو إلا حذلقة لا طائل منها.
 العلم الذي يجعلنا نتيه به على غيرنا، ما هو إلا نوع من الكبر.
 والعلم الذي يعطل فينا المحاكمة السليمة والتفكر السديد نوع من التقليد.
 والعلم الذي يوهمنا أننا علماء كبار، هو نوع من الغرور..
 والعلم الذي يسعى لتدمير الإنسان، والفتك به، ويسعى لصناعة المرض نوع من الجريمة .
 والعلم الذي نستخدمـه للإيقاع بين الناس، والعدوان على أموالهم وأعراضهم، نوع من الجنوح والانحراف.
 والعلم الذي لا يتصل بما ينفعنا في ديننا، ودنيانا، نوع من الترف المذموم..
 وفي الدعاء النبوي الشريف:

(( اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن أذن لا تسمع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع ))

 وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( تركت فيكم واعظين، ناطقاً وصامتاً، فالناطق هو القرآن، والصامت هو الموت، ويهما كفاية لكل متعظ ))

 وقد أخبر الواعظ الناطق عن الواعظ الصامت، حيت قال الله تعالى:

 

 

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

 يانفس لو أن طبيباً منعك من أكلة تحيبينها، لاشك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله تعالى، إذن فما أكفرك، ثم أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله، إذن فما أجهلك،
والحمد لله رب العالمين.

 

 

***

الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين .
 إليكم هذه القصة كنموذج من العلماء العاملين:
 كان أيوب ملك مصر وكان جباراً شديد الهيبة، حتى إنه ما كان أحد يستطيع أن يتكلم بحضرته، ولا أن يشفع لأحد عنده، ولا يتكلم أحد أمامه إلا جواباً لسؤال، وإذا سجن إنساناً نسيه، ولا يستطيع أحد أن يكلمه فيه، أو يذكره به، وكان له هيبة وعظمة، في نفوس الناس سواء الخاصة منهم والعامة، فماذا كان موقف العالم الجليل العز بن عبد السلام من هذا الملك الجبار ؟
 في يوم العيد خرج موكب السلطان يجوب شوارع القاهرة، والناس مصطفون على جوانب الطريق، والسيوف مسلطة، والأمراء يقبلون الأرض بين يدي السلطان هيبةً وأبهةً، وهنا وقف العز بن عبد السلام، وقال: يا أيوب، هكذا باسمه مجرداً بلا ألقاب، فالتفت أيوب الجبار القوي ليرى من الذي يخاطبه باسمه الصريح، وبلا مقدمات، وبلا ألقاب، ثم قال له العز بن عبد السلام: ما حجتك عند الله عز وجل غداً إذا قال لك: ألم أبوئك ملك مصر، فأبحت الخمور ؟ فقال: أو يحدث هذا في مصر ؟ قال: نعم، في مكان كذا وكذا حانة يباع فيها الخمر، وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، فقال: يا سيدي أنا ما فعلت هذا، إنما هو من عهد أبي، فهز العز بن عبد السلام رأسه، وقال: إذاً أنت من الذين يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة، قال: لا أعوذ بالله، وأصدر أمراً بإبطالها فوراً ومنع بيع الخمور في مصر.
وسأله طالب من طلابه: يا سيدي: كيف واجهت السلطان ولم تخف من بطشه ؟ قال: يا بني استحضرت عظمة الله عز وجل وهيبته فلم أرَ أمامي أحداً.
 ومرة طرق باب العز بن عبد السلام نائب السلطنة، ومعه مجموعة من الأمراء، وكانت سيوفهم مسلطةً يريدون أن يقتلوه، فخرج ولد العز بن عبد السلام، واسمه عبد اللطيف، فرأى موقفاً مهيباً مخيفاً، فرجع إلى والده، وقال يا والدي انج بنفسك، الموت الموت، قال: ما الخبر ؟   قال: كيت وكيت، فقال العز بن عبد السلام لولده: يا ولدي والله إن أباك لأحقر، وأقل من أن يقتل في سبيل الله، ثم خرج مسرعاً إلى نائب السلطنة، فلما رآه نائب السلطنة يبست أطرافه، وتجمد، وأصابته حالة من الذعر والرعب، وأصبح يضطرب، وسقط السيف من يده، واصفر وجهه، وسكت قليلاً، ثم بكى .
 من هاب الله هابه كل شيء، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018