٠06برنامج الإسلام منهج حياة - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام منهج حياة - الندوة : 15 - علاقة الإنسان بالشأن العام 1 ، ما هو المبدأ الأساس الذي ينطلق منه الإنسان في حياته ؟


2009-09-06

مقدمة :

الأستاذ جميل:
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيها الأخوة والأخوات، أسعد الله أوقاتكم بكل خير، وأهلاً بكم في لقاء جديد، في برنامج: "الإسلام منهج حياة"، ضيفنا هو فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله، الداعية الإسلامي، أهلاً بكم فضيلة الدكتور.
الدكتور راتب:
 بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً.
الأستاذ جميل:
 دكتور ما هو المبدأ الأساس الذي ينطلق منه الإنسان في حياته بحيث يكون المرجع والمعتمد عليه وإن صحّ أن نسميه الثابت المطلق؟

 

التوحيد هو المبدأ الأساس الذي ينطلق منه الإنسان في حياته :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 الحقيقة سأجيب على هذا السؤال، ولكن لا بدّ من أن أنوه إلى أننا دخلنا إلى محطة رابعة، المحطة الأولى: علاقة الإنسان بربه، والمحطة الثانية: علاقته بأسرته وبأولاده، والمحطة الثالثة: علاقته بمن حوله.
 لكن هذه المحطة الرابعة: تتعلق بالشأن العام، المؤمن لا ترتاح نفسه إلا إذا وصل إلى تفسير دقيق، عميق، متناسق، قادر على تفسير كل ما يجري، لأنه في توازن، كيف أتوازن مع وعود الله للمؤمنين بالنصر ومع ما يعانيه العالم الإسلامي؟ بعد أن أكل وشرب وتزوج، وكانت علاقات رائعة جداً مع من حوله، هناك حاجة إلى أن ينسجم مع عقيدته، الذي يجري في الكون، هناك حروب، هناك اجتياحات، هناك قتل، هناك قصف، كيف يفسر هذه الأحداث الكبرى؟ يمكن أن نسمي هذه المحطة الرابعة الشأن العام، أولاً: إجابة عن سؤالك الدقيق هو التوحيد، فما تعلم العبيد أفضل من التوحيد.

التوحيد يعطي النفس راحة لا حدود لها :

 التوحيد: أن ترى أن الله:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة هود]

 أن ترى أن يد الله تعمل في الخفاء، أن ترى:

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود الآية: 123]

 أن ترى أنه:

 

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف الآية:26]

 أن ترى:

 

﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

[ سورة الزخرف الآية: 84]

 أن ترى أنه وحده هو الرافع، وهو الخافض، وهو المعطي، وهو المانع، وهو المعز، وهو المذل، أن ترى أن الله تعالى لا يتخلى عن عباده المؤمنين، أن ترى أن هؤلاء الطغاة بعلم الله:

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[سورة إبراهيم]

 هذه المعاني التوحيدية تعطي النفس راحة لا حدود لها.

 

الله عز وجل لم يكلف الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه أن كل شيء يرجع إليه :

 حينما تطمئن أن الأمور بيد الله، وأن الله سبحانه وتعالى كامل كمالاً مطلقاً، وأن الأمر يرجع إليه، بل إن الله عز وجل ما كلفك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن كل شيء يرجع إليه، قال:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[سورة هود 123]

 فهذا التوحيد أن ترى أن علاقتك مع جهة واحده وليست مع جهتين، مع الله، كل شيء بأمره، كل شيء بيده.

 

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[سورة يس]

 هذا المعنى الدقيق للتوحيد يعطي النفس راحة لا حدود لها.

 

كل شيء وقع أراده الله وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة :

 لذلك قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء]

 أي أحد أكبر عذابات النفس أن ترى مع الله إلهاً آخر، لذلك أن تؤمن بالله خالقاً شيء، وأن توحد شيء آخر، أن توحد أن ترى أن الله موجود، وواحد، وكامل، وأن الأمور كلها بيده، فلذلك قيل: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، لكن التوحيد يمكن أن يلخص بهذه المقولة: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، لكن الذي وقع لم يأمر به ولم يرضَ عنه، عند علماء العقيدة عبارة أراد: أي سمح ولم يأمر، أراد ولم يرضَ.
 فالأب حينما يأخذ ابنه إلى المستشفى هل هو راض أن يكون على طاولة الجراحة؟ لا، يتمنى ألا يكون هذا، لكن تقضي الحكمة والمصلحة أن تجري له العملية.
 لذلك حينما نقول أراد بمعنى سمح، وقد يسمح بشيء هو الحكمة المطلقة، لكن هذا الشيء سببه أن هناك تقصيراً عند الإنسان، لذلك: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
الأستاذ جميل:
 دكتور في حديثنا عن الخير، هذا ضمن فلسفة الخير والشر، ما هو الخير؟ هل الخير أن يكون غنياً أو أن يكون صحيح الجسم؟ والشر هل هو الفقر أم أن يكون مريضاً؟

 

تناقض الشر المطلق مع وجود الله عز وجل :

الدكتور راتب:
 والله ليس هناك شر مطلق، أن أعتقد أن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي موظف للخير المطلق:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة]

 الشر النسبي بالضبط كمركبة، كسيارة صنعت لتسير، علة صنعها أن تسير، لكن فيها مكبحاً، والمكبح أيديولوجياً يتناقض مع علة صنعها، المكبح يوقفها، لكن لا بدّ من المكبح لضمان سلامتنا، بل إن الآية الكريمة يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة القصص]

 حينما يكشف الغطاء لولا هذه الشدائد لم تكن لكان الله ملوماً، أو لكان هذا نقصاً في حكمة الله.

 

فلسفة المصيبة :

 إذاً ننتقل الآن إلى فلسفة المصيبة، المصيبة من أجل السلامة، كالمكبح في السيارة يتناقض مع علة صنعها لكن هو ضمان لسلامتها، فالمصائب أنواع، مصائب الأنبياء مصائب كشف، أي هناك كمال لامتناه عند النبي، لا يظهر إلا في الشدة كحالة الطائف، ذهب مشياً إلى هناك، كذبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانهم أن يضربوه، وقف الموقف الكامل، مكنه الله أن ينتقم، فقال: لا يا أخي اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، إذاً هذه المصيبة تكشف هذا الكمال اللامتناهي عند النبي، مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع، يدفعه إلى مزيد من الطاعة، إلى مزيد من الإقبال، إلى مزيد من العمل الصالح، يدفعه بمصيبة أو يرفع مكانه عنده، قال تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[سورة البقرة]

 إذاً مصائب المؤمن دفع ورفع، مصائب الأنبياء كشف، مصائب والطغاة والكفار والمنحرفين مصائب ردع أو قصم.

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام]

الأستاذ جميل:
 دكتور، إلى من تضاف المصائب حال حصولها؟ هل يعكف الإنسان على لوم نفسه أم أنه يفوضها إلى أمر ربه؟

 

توظيف المصائب لخدمة الإنسان :

الدكتور راتب:
 الذي عليه المؤمنون ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، والآيات كثيرة جداً:

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾

[سورة آل عمران الآية:165]

 وهناك آية أخرى:

 

﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 165]

 من عند الله فعلاً، ومن عند النفس سبباً، أي الفعل من خلق الله، أما السبب فمن عند الإنسان، فالإنسان حينما يتجاوز حدوده، عندما يغفل عن سرّ وجوده، حينما يشرد عن ربه، يسوق الله له شدةً، حتى إن بعض العلماء قالوا: ما من شِدة إلا وراءها شَدة إلى الله، وما من محنة إلا وراءها منحة من الله عز وجل، فالمصائب موظفة لخير الإنسان:

 

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[سورة آل عمران الآية:26]

 لم يقل والشر، أي إيتاء الملك خير، ونزعه خير، الإعزاز خير، والإذلال خير.
الأستاذ جميل:
 معنى الأمر فضيلة الدكتور أن المصائب والبلاءات تصيب الجميع، هي تصيب الطائع والعاصي، المسلم والكافر، واستوائهما في البلاء لا يدل على استوائهما في الحال والمكان عند الله عز وجل؟

 

المصائب ترقى بالمؤمن وتردع المنحرف وتكون رفعة لمن صبر عليها :

الدكتور راتب:
 الحقيقة الدقيقة: أن الإنسان مسير في أمه وأبيه، وفي جنسه ذكر أو أنثى، وفي مكان ولادته، وفي زمان ولادته، الإنسان بهذا مسير، وهذا لصالحه، وليس في الإمكان أبدع مما كان، أما مخير فيما كلف، الآن ربنا رب العالمين يربينا، لو الإنسان استخدم اختياره للشر مع الله عز وجل يسلب منه هذا الاختيار مؤقتاً ليؤدبه، فإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبٍّ لبه، أي إنسان اختار أن يغش الناس ليحقق أرباحاً طائلة، فهذا يرتكب حماقةً توقعه في مصيبة كبيرة هي نتيجة هذا الغش الذي اقترفه، إذاً الإنسان مخير ولكن أحياناً يؤخذ اختياره ليؤدبه على نوع اختيار أخذ فيه قراراً، فالحقيقة أن المصائب لها حكمة بالغة، وأنا أقول: لا يستقيم إيمان العبد إلا إذا عرف سرّ المصائب، المصائب ترقى بالمؤمن، وتردع المنحرف، وتكون رفعة لمن صبر عليها.

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل:
 جزاكم الله خيراً فضيلة الدكتور، وأحس إليكم، شكراً لكم أيها الأخوة على حسن المتابعة، نترككم في أمان الله وحفظه.
 والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018