بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 34 - معجزة الرسول الكريم : القرآن


1987-05-03

  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

معجزات النبي محمد عليه الصلاة والسلام:

1- القرآن الكريم:

  أيها الأخوة, تحدثنا في الدروس السابقة عن بعض معجزات الأنبياء عليهـم الصلاة والسلام, ننتقل اليوم إلى معجزات النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم, إن أعظم معجزة أيده الله بها هي معجزة القرآن، والملاحظ أن المعجزات التي أيد الله بها أنبياءه السابقين كانت معجزات مادية أي تنقضي في أزماتها، فكون العصا انقلبت ثعباناً فهذا الشيء رأوه في عهد سيدنا موسى وانقضى, وكون البحر قد انشق وصار طريقاً يبساً فهذه المعجزة، رآها من رآها وانتهت، وأن سيدنا عيسى أبرأ الأكمه و الأبرص وأحيا الموتى، فهذه المعجزات انتهت, هذه المعجزات طبيعتها مادية وانقضت, وبقيت خبراً إما أن تصدّقه أولا تصدّقه، ولكن القرآن الكريم بما أنه خبر سابق من أعلى مستوى لذلك ثبتت بالقرآن الكريم معجزات الأنبياء السابقين، لكن القرآن الكريم معجزة من نوع آخر لا تنقضي بحياة النبي، ولا تحصر لأناس شاهدوها، ومستمرة إلى نهاية الزمان, وقد قال العالم ابن رشد: إن دلالة القرآن على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست كدلالة انقلاب العصا حية، ولا كدلالة إحياء الموتى وإبراء المرضى, فإن تلك المعجزات وإن كانت أفعالاً لا تظهر إلاّ على أيدي الأنبياء, وفيها ما يقنع الناس من العامة, إلاّ أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة وأخبار الوحي ومعنى الشريعة.
  فالفكرة دقيقة جداً توضح بالمثل التالي: لو أن رجلين طبيبيــن أرادا أن يثبتا لك أنهما طبيبان حاذقان، فالأول طار في السماء ليؤكد لك أنه طبيب، والثاني شفى مريضاً ذا مرض مستعصٍ, " أي المعجزات أقرب إلى الإقناع " فالأولى منقطعة الصلة بمهمة الطبيب, أما الثاني فمتصلة بمهمة الطبيب, ولذلك فالإبراء دليل قطعي على الطب، ومعرفة السطوح دليل قطعي على معرفة الهندسة, وصنع الأبواب دليل قطعي على صنعة النجارة، فكون العصا أصبحت حية، والبحر أصبح طريقاً، والميت قام وعاد حياً, فهذه أعمال خارقة للعادة ولا يمكن أن يفعلها إلاّ نبي, لكن ليس هناك علاقة سبب بنتيجة أو علاقة دلالة على النبوة بقدر ما أن القرآن الكريم ذو علاقة وشيجة ومتينة بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام, أي أرسل الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام رسولاً ومعه نظام كامل, و هذا القرآن دستور شامل فيه تشريع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, أشار إلى هذه الفكرة في كتابه القسطاس المستقيم فقال: لذلك اختار الله لخاتمة الرسالات السماوية العامة للناس أجمعين المعجزة التي تدخل في صميم كتاب الرسالة نفسها, وجعل هذا الكتاب الذي يطلع عليه الأجيال في كل زمن ويتلونه في كل عصر هو البرهان العظيم الذي يلامسون وجوه إعجازه ويستدلون بها على أمره. فأنت بعد مضي ألف وخمسمئة عام أو أربعمئة عام على بعثة النبي عليه الصلاة والسلام تفتح القرآن، فتقرأ آية، ترى الناس لو اجتمعوا لا يستطيعون أن يصيغوا منهجاً للزوج كهذا المنهج، ولا منهجاً للقاضي كهذا المنهج، ولا منهجاً لمن بيده الأمر كهذا المنهـج، إنه منهج صحي، واجتماعي، واقتصادي، ودولي، وهو منهج في الحرب، و في السلم، و في العلاقات الشخصية، و الأحوال الشخصية، فهذه المعجزة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام هي بين ظهرانينا.

دلائل وعبر من القرآن الكريم على إعجازه:

  وقد تأثرت قبل أيام حينما ذكرت لكم أن النحلة لا تنطلق لجني الرحيق قبل أن تستقر في خلية، وهذه حقيقة مستنبطة من واقع النحل لكن الله عزّ وجل يقول:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

(سورة النحل الآية: 68-69)

 فلو قال: وكلي من كل الثمرات، الواو مطلق العطف, أما " ثم " للترتيب مع التراخي, قال الله:

﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾

( سورة النحل الآية: 69)

 فالنحلة تقطع طريقاً طوله خمسون كيلو متراً في ذهابها لجني الرحيــق, فمن دلهّا على مكان الأزهار؟ و من ألهمها طريق العودة؟ أسئلة كثيرة, وقد أشار ربنا عزّ وجل إلى هذه الأسئلة.
  العنكبوت اتخذت بيتاً، والعلم كشف أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت، والنحلة ذكوراً وإناثاً، أما التي تصنع الشمع وتجني الرحيق وتصنع العسل هي الأنثى قال الله:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي﴾

( سورة النحل الآية: 68)

 ياء المؤنثة المخاطبة، الكون هل هناك كلمة تصلح أن يوصف بها الكون كله؟ ربنا عزّ وجل قال:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

( سورة الطارق الآية:11)

 أي كل كوكب في السماء له مسار دائري يرجع إلى المكان الذي انطلق منه, أي كل سبعين سنة يعود إلى مكانه الذي انطلق منه قال تعالى:

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾

 

(سورة فُصلّت الآية: 42)

 حينما نجد أمامنا كتاباً معجزاً فيه نظام دقيق، و فيه حل أمثل لكل مشكلاتنا نستنبط منه: أن هذا الكتاب هو كلام الله حقاً وصدقاً وليس بكلام بشر, وأن الذي جاء به هو نبي مرسل من عند الله, لأن هذا الذي بلّغه إلينا لا يعقل أن يفعله هو، والذي يجذب النظر كما قلت قبل قليل إلى أن معجزات الأنبياء السابقين المادية لولا القرآن الكريم لم نعلم بها بطريق يقيني ثابت، فالذي يّعرفنا بها بيقين إنما هو القرآن نفسه, فمتى ثبت القرآن ثبتت هذه المعجزات.

من وجوه إعجاز القرآن الكريم:

1- تحدي العالم أن يأتوا بمثله:

  أولاً: الله سبحانه وتعالى تحدى الناس جميعاً أن يأتوا بمثله أو بمثل ســـورة منه, فما استطاع واحد منهم أو جماعة منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى عصرنا هذا أن يعارضه بكتاب مثله, فمثلاً: لو اطلعتم على كتب المواريث فالحقيقة هناك كتب تعد بآلاف الصفحات، لو كلفنا لجنة من كبار العلماء أن تضغط هذه المجلدات والمؤلفات إلى صفحتين مستحيل، فالمواريث كلها مأخوذة من صفحتين, كل هذه الاستنباطات الفرعية، وكل هذه الأحكام التفصيلية، وكل الأحوال التي يتوفى عنها الإنسان مردّها صفحتان من كتاب الله، فهل بالإمكان أن تضغط المؤلفات كلها والتفريعات كلها والاستنباطات كلها بصفحتين, في صفحتين نظّم الله المواريث كلها بشكل عادل, فلا الوقت يسمح ولا الإمكانيات تسمح أن تكتشفوا عظمة التشريع من بحث المواريث وهو آيات معدودة فقط.
 القرآن تحدى الناس جميعاً أن يأتوا بمثله أو بمثل سورة منه على الرغم من وجود أعداء كثيرين للإسلام في عصور التاريخ, ومنهم دول كبرى, وهم يتمنون لو يستطيعون معارضة القرآن لا شتروا ذلك بالقناطير المقنطرة من أنفس ما يملكون، قال تعالى:

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

(سورة البقرة الآية: 23)

  وقال تعالى معلناً عجز الإنس والجن عن معارضته في سور الإسراء:

 

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾

 

(سورة الإسراء الآية: 88)

 

2- إعجازه من حيث الصياغة اللغوية:

  العرب كانت تقول مثلاً: القتل أنفى للقتل، وتعد هذه العبارة من أعلى بيان، وأعلى مستوى في البلاغة وربنا عزّ وجل قال:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

(سورة البقرة الآية: 179)

 حول هذه الآية سبع عشرة خصيصة لهذه الصياغة, قال الله:

 

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 179)

 يعني الحياة تتأتى من قتل القاتل, إذا علم القاتل أنه لابد من أن يُقتل فربما أحجم عن القتل, ووفر حياته وحياة المقتول, فما دام القاتل لابد من أن يقتل إذاً وفرنا حياتين: حياة القاتل نفسه وحياة المقتول, و الآن لا يحضرني السبع عشرة خصيصة في هذه الحالة وإن شاء الله في وقت آخر ألقيها على مسامعكم.

نموذج من الأمثلة على الصياغة اللغوية من القرآن الكريم:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

(سورة هو د الآية: 6(

 لقد وقف العلماء عند هذه الآية, فكلمة دابة هي نكرة, ولم يقل الدابة لأنها معرفة، الدابة التي حدثتك عنها هي على الله رزقها، فإما أن تكون" أل " للعهد الذكري أو للجنس، في " أل " إذا وضعت على كلمة دابة قصرتها على دابة معينة, لكن:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾

( سورة هود الآية: 6)

 هذا التنكير يفيد الشمول، يعني كل أنواع الدواب فالنمل، والغنم، والماعز، والجمال، والفيلة، والكلاب، والبشر، جاءت " من " وهي لا ستغراق أفراد النوع فرداً فردا، وتم استنباطه من كلمة " من دابة " فالدابة نكرة تشمل أنواع الدواب، ولو قال ربنا عزّ وجل: الدواب على الله رزقها، هذه العبارة لا تعني أن رزقها على الله حصراً بل عليه وعلى غيره لكن:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾

( سورة هود الآية: 6)

 النفي والاستثناء جعل الرزق قاصراً على الله عزّ وجل، ولو قلنا: ما من دابة إلاّ الله يرزقها، فالمعنى مهما ذهب ليس على وجه الإلزام، أما " على " فتفيد الإلزام, وهذا من القرآن, لو كان هناك وقت ودرست آيةً آية في صياغتها اللغوية تجد العجب العجاب لا يستطيع بشر أن يفعل هذا، فهو شيء فوق طاقة البشر مثلاً:

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

(سورة سبأ الآية: 24)

 لماذا الهدى جاءت معه لعلى والضلال جاءت معه في؟ إذا قلنا المهتدي وضعه النفسي يشبه إنساناً واقفاً على رأس تلة, والأشياء كلها أمامه مبسوطة واضحة، فالمهتدي يشبه إنساناً وقف على قمة قاسيون فيقول: هذه المزة، وهذه البرزة، وهذا حي الميدان, وهذه المرجة، يقول لك: الأشياء ببساطة لأنه يراها رأي العيــن، الشام كلها أمامه منبسطة، فربنا عزّ وجل قال:

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾

(سورة سبأ الآية: 24)

 " على " للاستعلاء, قال الله:

﴿أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

(سورة سبأ الآية: 24)

 الضلال ليس على ضلال وإنما " في ", إنسان يغرق في أمكنة النجاسة يتخبط فهذه " في " ظرفية، فالضال " في ", أما المهتدي " على ", ومن هذا القبيل هناك شيء لا يعد ولا يحصى فلو تتبعتم صياغة القرآن لرأيتموه فوق طاقة البشر.
 فالإنسان يراعي نقطة ويغفل عن نقاط، والنبي عليه الصلاة والسلام مع أن كلامه ليس في مستوى القرآن, ومع ذلك شيء معجز قال:

" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُم عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ "

( أخرجهما البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في صحيحهما )

 أي صوموا جميعاً لرؤيته، أي إذا رآه واحد منكم فصوموا جميعاً فالصياغة دقيقة جداً، فإذا أكرم الله الإنسان, وكشف له أوجه الإعجاز في كتاب الله فهذه نعمة كبرى, للقرآن وجوه إعجاز كثيرة ففيه مالا يتناهى من الأعاجيب, والفضل لله عزّ وجل بأنه كل يوم يكشف للإنسان في القرآن أشياء ما كان يعرفها من قبل، فحرف الجر يعطي معنى دقيقاً جداً, قال تعالى:

﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾

(سورة يوسف الآية: 58)

 لماذا لم يقل: فدخلوا عليه وعرفهم، أو لماذا لم يقل ودخلوا عليه فعرفهم، أو لماذا لم يقل ودخلوا عليه وعرفهم، ولماذا لم يعمل واو عدد "2" أو واو وتاء أو تاء وواو؟ فهذه إشارة عظيمة جداً فهم أخوته بمجرد أن حضروا حاضرة مصر دخلوا عليه، أي لا يوجد عنده نظام معقد, بعد أن دخلوا عليه عرفهم، لو قيل له: هؤلاء أخوتك على الباب لكان مباشرة أدخلهم وتجاوز القواعد، لكن متى عرفهم ؟ بعد أن دخلوا عليه من استعمال الفاءين.
  أضرب لكم بعض الأمثلة لكن والله الذي لا إله إلا هو ما من آية في كتاب الله لو محصّت فيها ودققت لوجدت العجب العجاب, البارحة مرت معنا آية في العفيف كيف جمعت القرآن والسنّة والإجماع والقياس؟ قال الله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

( سورة النساء الآية: 59)

 إذا تنازعتم في حالة طارئة شديدة ابحثوا عن العلة المشتركة, فهناك بعض المشروبات تسكر وليست بخمر, فهل هي محرّمة ؟ نعم لأن علة التحريم السكْر فأي شيء أسكَرْ فهو محرّم بالقياس، فالقياس مصدر شرعي كبير، فهل الحشيش محرم ؟ هو محرّم لأنه يُذهب العقل، وباب القياس باب رائع جداً, قال تعالى:

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

( سورة النساء الآية: 59)

 فإجماع العلماء هنا في الآية معناها العلماء، فالقرآن والسُنة وإجماع العلماء والقياس في آية واحدة, قال الله:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾

(سورة النساء الآية: 115)

 فإذاً سبيل المؤمنين هو الإجماع وقد قال عليه الصلاة والسلام:

" حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ الأَعْمَى قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ "

( ورد في الأثر)

 لذلك فوجوه الإعجاز كثيرة، إذ فيه ما لا يتناهى من الأعاجيب, وفيه ما لا يحصى من المعجزات الجزئية التي يُنتبه إليها في كل عصر كلما تقدم الناس في ميادين العلم والتجربة ونظم الحياة.
 إن شاء الله في الدرس القادم نذكر بعض وجوه الإعجاز في القرآن, فهناك إعجاز بياني، وإعجاز تشريعي، و إعجاز تاريخي، و إعجاز بلاغي، و إعجاز غيبي، و إعجاز علمي، و إعجاز حسابي, والقرآن الكريم كما أحصاه المحصون كلمة يوم وردت حصراً 365 مرة، وكلمة شهر وردت 12 مرة حصراً, وفي القرآن الكريم عدد كلمات الجنة يساوي عدد كلمات النار، وكلمات الجن ككلمات الإنس، وكلمات الدنيا ككلمات الآخرة، وكلمات الملائكة ككلمات الشياطين، كيف جاءت بأعداد متوافقة تماماً إنه لشيء عجيب؟ فهذا إعجاز حسابي، وهناك إعجاز رياضي، هكذا وإن شاء الله في الدرس القادم نحاول أن نقف على بعض من ألوان الإعجاز من أجل أن نعلم أن هذا القرآن كلام الله، وأن الذي جاء به رسول الله عليه الصلاة والسلام.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018