بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 36 - من معجزات القرآن


1987-05-17

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من وجوه إعجاز القرآن الكريم:

1- حفظ القرآن وصيانته من أي باطل يتطرق عليه:

  قلنا في الدرس الماضي إن القرآن الكريم من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام وهو معجزة خالدة مستمرة, وتحدثنا عن بعض وجوه إعجازه فكيف أن الله سبحانه وتعالى صانه وحفظه فقال في محكم تنزيله ؟

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾

(سورة الحِجر الآية: 9)

 وقال تعالى:

 

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾

 

( سورة فصلت الآية: 42)

 فالباطل لا يمكن أن يتطرق إلى كتاب الله لا من حيث أخباره عن الأمم السابقة, ولا من حيث تنبؤاته لمن سيكون, ولا من حيث الحقائق العلمية التي جاء بها, ولا من حيث التشريعات التي أوردها، كل ما في القرآن الكريم لا يمكن أن يكون باطلاً, والباطل هو الشيء الذي ينقض أو يبطل، أو يلغى أو يسقط، هناك نظريات كثيرة أصبحت باطلــة كان يظن أن الأرض في العصور السابقة محمولة على قرن ثور فهذه نظرية باطلة، وكان يظن أن الأرض منبسطة لكنها كروية, فالنظرية أن الأرض منبسطة باطلة, وكان يظن أن في جوف الأرض مائعاً نارياً, ويتجه العلماء اليوم إلى أن هناك طبقات مستعرة ولكنها ليست مائعة, وكلما تقدم العلم كشف زيف بعض النظريات السابقة فهذه النظريات التي جاء بها الإنسان باطلة, لا يمكن ولا في المستقبل أن يكون في كتاب الله حقيقة يثبت العلم خطأها أو يثبت نقيضها، لأن الله عزّ وجل قال:

﴿ لايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾

( سورة فصلت الآية: 42)

 كلما تقدم العلم كلما التقى مع الدين, و أحياناً لقصــور العلم ولافتقاره إلى الوسائل الفعالة لضبط الحقائق قد نجد أن هناك بعداً أو تناقضاً بين نظرية علمية قاصرة، وبين حقيقة جاء بها القرآن, فمهما تقدم العلم، ومهما تطورت الآلة، ومهما ازدادت المكتشفات، لن تستطيع هذه كلها أن تنقض شيئاً في كتاب الله, وهذا تحدثنا عنه في الدرس الماضي.

2- سلطانه العجيب في هداية الإنسان وتأثيره على قلبه وعقله:

 وجه آخر من وجوه إعجازه كما قال بعض العلماء: سلطانه العجيب في الهداية، فحينما تقرأ كتاب الله عزّ وجل تشعر وكأن هذا الكلام ليس كلام البشر، بل كلام خالق الكون، الذي خلق السموات والأرض, ورفع السماء بغير عمد، ومن بيده أمرك ومصيرك، ورزقك وحياتك، لذلك تُليت بعض آيات القرآن على بعض العلماء الأجانب فقالوا: هذا الكلام من فوق هكذا عبروا، أي قائل هذا الكلام يرى الكون كله، فقال العلماء: سلطان القرآن العجيب فيه هدايته للإنسان، وفيه تأثيره المعنوي على عقول الناس، إذا كان الإنسان صافياً أو بعيداً عن أثقال المادة وعن زيف الحضارة، وقرأ كلام الله عزّ وجل يخشع قلبه، و يقارب أن يبكي، ويشعر أنه يذوب، ويقشعر جلده من خشية الله، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

(سورة الأنفال الآية: 2)

 تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بالله عزّ وجل، فهذا التأثير وهذا السلطان العجيب الذي إذا قرأت القرآن شعرت به من إعجاز القرآن الكريم.
 الحقيقة ببعض الأعمال العظيمة هناك سر لا نعرف ما هو؟ فالأثر واضح أما طبيعة هذا السر فلا نعرفه, ولو أن إنساناً قرأ كتاباً آخر من صنع بشر مهما كان هناك تألق لفظي، ومهما كان هناك سجع في اللفظ، وفواصل دقيقة، وصور، وتشابيه، واستعارات، وانتقاء الكلمات وموسيقى داخلية، وموسيقى خارجية، تشعر أن هذا كلام البشر, ولكنك إذا تلوت كتاب الله عزّ وجل تشعر أنه كلام الخالق بسلطانه العجيب! وهذا هو السر في تجمع مختلف الشعوب والأمم حوله, و كلام البشر تقرؤه مرة ومرتين, وثلاثاً وأربعاً، تشعر بأنك تخلصت منه، وفهمت معانيه، ويمكن لو أنك كلّفت أن تقرأه مرة خامسة لشعرت بالضجر والضيق، ما السر؟ إنك لو قرأت كلام الله آلاف المرات فتُشعر أنه كل مرة كان عليك جديداً لا تبلى جدته، ولا يخلق على كثرة الترداد، وتقول هذه الآية: أقرأها آلاف المرات, وكلما قرأتها اقشعّر جلدي, قال الله:

﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى *وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾

(سورة الضحى الآية: 1-11)

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

(سورة الليل الآية: 1-21)

  في سورة الرحمن:

 

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

 

(سورة الرحمن الآية: 1-7)

 تقرأ بعد ذلك:

 

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

(سورة الرحمن الآية: 13)

 كررت هذه الآية 33 مرة, وكأنها لازمة تترنم بها هذا سر صياغة كلام الله, و نحن عاجزون عن إدراك السر, قال الله:

﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

(سورة الحشر الآية: 21)

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

(سورة البقرة الآية: 185)

  إن سلطانه عجيب! ونحن عرفنا الأثر ولم ندرك سر التأثير، فسيدنا جعفر قرأ القرآن على النجاشي, ومن حوله الرهبان فأخذت الخشية تتغشاهم فأجهشوا جميعاً بالبكاء, أرسل النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين عالماً من علماء النصارى إلى رسول الله, فلما قرأ عليهم سورة " يس " بكوا جميعاً وآمنوا, هكذا تروي السير، فربنا عزّ وجل ذكر هذه الحادثة فقال:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾

(سورة المائدة الآية: 83)

 جاء في الصحيحين عن جبير بن مُطعم رضي الله عنه قال:

" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ قَالَ سُفْيَانُ فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي "

( أخرجهما البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم عن أبيه في صحيحهما )

 يتأثر الإنسان في القرآن, ولكن من انطمست فطرته بالشهوات وغاص بالملذات الحسية إلى قمة رأسه فهذا قلبه ميت، ولكن من كان بعيداً عن نزوات الشهوة, وعن أوحال المادة, وقرأ كلام الله عزّ وجل فربما قال: إن أجمل ساعات حياتي حينما اقرأ كتاب الله، لأن رحمة الله تتنزل على قلبه.

3- الشمول:

  من وجوه إعجازه أيضاً, أن ما في كتاب الله من حكم وأحكام، وعظــات وأخلاق، ومبادئ وعقائد، وتشريعات وأخبار عما مضى, وعما هو آت، ومعارف جزئية، وعلوم كلية، بلغت كلها مبلغاً لا يرقى الإنسان إلى الإتيان بمثله في تماسكها، وترابطها، وموافقتها للحق والمصلحة وسعادة الناس جميعاً, وما زال على تعاقب العصور بهذا المستوى رغم تقدم العصور, وتطور المعارف وتجربة مختلف المبادئ, والقوانين والأنظمة الوضعية والإنسانية, ولم يزل كذلك أبد الدهر, مع كل هذه الكمالات فقد أُنزل على رجل أُميّ لم يتعلم القراءة والكتابة, ولم يسبق له دراسة ولا قراءة, ولا تعلم على يد أحد، ولا علمه أحد، وفي أمة أميّة لا تعرف شيئاُ من هذه العلوم والمعارف التي جاء بها, وهذا أكبر دليل على أن هذا الكلام من عند الله, قال الله تعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام في معرض الحديث عن أهل الكتاب في سورة العنكبوت:

﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾

(سورة العنكبوت الآية: 47-48)

 من حكم الله البليغة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أُميّاً, لماذا؟ لأنه لو درس أو تعلّم أو استوعب ثقافة عصره ثم جاءه الوحي لاختلط على الناس الوحي بالثقافة، ولقالوا: يا محمد قل لنا: هذه من عند ربك أم من عندك؟ ولكان أكثر سؤال يتوارد عليه طوال حياته هذا السؤال, ولحكمة بالغة منع عنه ثقافة العصر، إذ جعله أُميّاً ليكون كل علمه من عند الله.

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

(سورة النجم الآية: 3-4)

 ليكون كل علمه وكل أقواله إنما هي وحيٌ يوحى, ولذلك فقد قال علماء الأصول: القرآن وحي متلو، والسنّة وحي غير متلو، و أكثر العلماء على أن الأحاديث الشريفة إن هي إلا وحي يوحى, ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام أُمياً لئلا يختلط وحي السماء بثقافات البشر.

4- إعجازه في البلاغة والفصاحة:

 من وجوه إعجاز القرآن الكريم بلاغته وفصاحته, و أعلى كتابة في اللغة العربية من حيث الفصاحة والبلاغة هي كتاب الله عزّ وجل, فالفصاحة في كلماته، والبلاغة في تراكيبه، وانتقاء الكلمات من أعلى مستوى, وتأليف الكلمات في جمل من أرقى بنية، وتناسب الألفاظ مع المعاني، وتناسب المعاني مع مقتضى الحال، يعد أعلى مستوى في اللغة العربية, وأما الكلام عن إعجازه اللغوي، وإعجازه البياني، فحديث طويل أُلفت فيه المجلدات، فماذا نفعل في هذه الدقائق أو ماذا نفعل في هذه الساعات؟ مجلدات بأكملها أُلفت حول إعجاز القرآن, فبذل المال، وبذل النفس، في القرآن الكريم جاء بهذا الترتيب, قال الله:

﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾

(سورة الحجرات الآية: 15)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

(سورة الصف الآية: 10-11)

 في أكثر من 18 موطناً فيما أذكر ورد بذل المال مقدمٌ على بذل النفس, لأن بذل المال أهون من بذل النفس إلا في موطن واحد ورد فيه بذل النفس مقدماً على بذل المال, قال الله:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾

(سورة التوبة الآية: 111)

 وهنا بيع قطعي وفي البيع القطعي يقدم الأهم على المهم، بينما في البذل يقدم الأيسر على الأعسر، حكمة بالغة.
 في مواطن كثيرة وردت كلمة "غفور رحيم", إذا اجتمع اسم المغفرة والرحمة فاسم الغفور مقدمٌ على اسم الرحيم, لماذا ؟ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، الغفور مقدمٌ على الرحيم, ولذلك ورد في الترتيب كما يلي إلا في آية واحدة جاءت فيها كلمة رحيم غفور, هذه آية وحيدة ورد فيها اسم الرحيم قبل اسم الغفور, قال الله:

﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾

(سورة سبأ الآية: 2)

 لماذا؟ لأنه في آيات أخرى حيثما وردت كلمة العلم وردت معها كلمة الرحمة, لأن العلم من غير رحمة طامة كبرى كما هي الحال في هذا العصر, حينما تقدم العالم الغربي تقدماً مذهلاً في العلوم, ولم يرافق هذا التقدم تقدم في القيم فأصبح هؤلاء كالوحوش الكاسرة, أرادوا أن يأكلوا الشعوب كلها, وأن يعيشوا على أنقاضها, فهم يسببون لها متاعب لا حصر لها، من أجل أن يرتفع مستوى معيشتهم، فربنا عزّ وجل قال:

﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ﴾

(سورة غافر الآية: 7)

﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

(سورة الأعراف الآية: 52)

﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾

(سورة الكهف الآية: 65)

 في أكثر الآيات تأتي كلمة الرحمة مع العلم, لأن العلم من دون رحمة سلاح مدمر، والعلم من دون رحمة جعل القنبلة النووية، وهذه القنبلة الذرية أُلقيت في الحرب العالمية الثانية، وكانت في البدايات قنبلة متواضعة جداً 300000 إنسان ماتوا بثوانٍ، فهذا هو العلم من دون رحمة, والآن يقولون: هناك حرب جرثومية, و حرب كيميائية، ومواد تصيب الإنسان بالشلل، ومواد كيميائية تصيبه بالهوس والخَوَر، وهناك قنابل عنقودية، و قنابل تلفزيونية، وقنابل حارقة، فهذا ليس بعلم بل كله جهل، وهذا كله علم من دون رحمة، وهناك قنابل تبيد البكتريات في الأرض، فتصبح الأرض غير صالحة للزراعة, فهذا ليس بعلم، قال الله:

﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾

(سورة غافر الآية: 7)

﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾

(سورة الكهف الآية: 65)

﴿كِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾

(سورة الأعراف الآية: 52)

 في أكثر الآيات اجتمعت الرحمة مع العلم، وفي عصرنا هذا انفرد العلم من دون الرحمة، ومن علامات آخر الزمان أن تنعدم الرحمة من قلوب الناس، لا يرحمك مهما كنت ضعيفاً, وقد يتلذذ بشقائك، هكذا العالم الغربي يخلق في العالم مشاكل، ويبيع هذه البلاد أسلحة من أجل أن يفنى بني البشر.

ما هي الحكمة من التقديم والتأخير بالكلمات في القرآن الكريم ؟

 لماذا ذكر الله كلمة رحيم غفور, ولماذا ذكر كلمة رحيم قبل الغفور؟ قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾

(سورة سبأ الآية: 2)

  وهناك شواهد أخرى حول هذا الموضوع كثيرة, قال الله:

 

﴿ أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾

 

(سورة المؤمنون الآية: 78)

 دائماً السمع مقدم على البصر في أكثر الآيات, لأن تخلّق السمع يكون قبل تخلّق البصر، فهناك ترتيب زمني، وقد يكون هناك ترتيب من حيث الأهمية، فالسمع يؤمن لك دائرة أمان أوسع من دائرة البصر، فسائق السيارة لا يرى شيئاً أمامه, ولكن هناك صوت للمحرك خطير، يقول لك: يوجد صوت, فدائرة السمع أوسع من دائرة البصر, فقُدّم السمع على البصر إما تقديماً في المرتبة, رتبته أعلى من رتبة البصر إلاّ في آية واحدة, قال الله:

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾

(سورة السجدة الآية: 12)

 لأن سرعة انتشار الصورة يعني " الضوء " أسرع بكثير من سرعة انتقال الصوت، سرعة الصوت 330 متر بالثانية، لكن سرعة الضوء 300000 كيلو متر بالثانية، ترى البرق وبعد حين تسمع صوت الرعد، فانتقال الصوت إليك كان بطيئاً جداً، قال الله:

﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾

(سورة السجدة الآية: 12)

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

(سورة الجمعة الآية: 11)

 الله بدأ بالتجارة, لأنه لا لهو من دون تجارة، فاللهو يحتاج لأموال طائلة، فإذا دخل رجل قاعة فيها قمار فيجب أن يكون معه ملاييـــن، قال الله:

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

(سورة الجمعة الآية: 11)

 هنا قُدم اللهو عن التجارة, لأنك إذا تركت الصلاة لعلة اللهو أشد إثماً وتفريطاً من تركها لعلة التجارة.
 الأقارب جاء ترتيبها في كتاب الله بشكل عجيب, فربنا عزّ وجل في سورة آل عمران يقول:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾

(سورة آل عمران الآية:14)

 الله عزّ وجل بدأ بالنساء, ثم البنين، ثم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ثم الخيل المسومة، ثم الأنعام، ثم الحرث، سنأخذ أول واحدة, لماذا بدأ بالنساء؟ لأنَّ الآية في موضع المتعة, قال الله:

﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

(سورة آل عمران الآية:14)

 لذلك قال النبي الكريم:

" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ "

(أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي في سننه)

  وهناك آية ثانية:

 

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

 

(سورة التوبة الآية: 24)

 فالمحبة الحسية للمرأة في الدرجة الأولى، و المحبة القلبية للأب، لأن حبه لابنه سبق حب ابنه له من باب الوفاء، فربنا عزّ وجل بموضوع الاعتزاز الاجتماعي بدأ بالأب, قال الله:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾

(سورة التوبة الآية: 24)

 أبوة فبنوة فأخوة، وهذا ترتيــب الأقارب.
  وهناك آية ثالثة:

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾

(سورة المعارج الآية: 11-14)

 في موطن دفع الفدية أغلى شيء الابن، وفي آية رابعة:

 

﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾

 

(سورة عبس الآية: 33-37)

 ففي موطن الاستنجاد والاستغاثة الأخ, أما الذي يعينك فأخوك، فهنا بدأ بالأخ، وهنا بدأ بالابن، وهنا بدأ بالأب، وهنا بدأ بالزوجة، وهذا الترتيب دقيق جداً، إذ يعجز عنه البشر, والله عزّ وجل عليم بما في النفوس، قال:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

(سورة المُلك الآية: 14)

 فالقرآن الكريم من حيث الإعجاز, واللهِ لا يفي بحق هذا الموضوع لا درس ولا درسان, ولا سنة ولا سنتان, ولا العمر يمكن أن يفي بحق هذا الموضوع, ففيه إعجاز تشريعي، و إعجاز بياني، و لغوي، و حسابي، ورياضي، فمن دروس التفسير ومن خلال شرح الآيات الكريمة يبدو لكم بعض إعجاز القرآن الكريــم، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018