بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 02 - سورة النمل - تفسير الآيات 15 - 18 -21 - 27


1995-08-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، في سورة النَّمل قِصَّة لها دلالات كبيرة، وبادئ ذي بدْء ؛ القِصَّة في القرآن الكريم ليْسَت قِصَّةٌ وقَعَت، وليْسَت قِصَّة لن تقَعَ بعد اليوم، إنَّها تُمَثِّل نموذَجًا مُتَكَرِّرًا، فما لم تسْتنبِط مِن القِصَّة الحقيقة والمَوْعِظَة والقانون فكأنَّنا لم نقرأ قِصَّة في كتاب الله، فربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

(سورة النمل)

 هل تُصَدِّق أنَّ أعْظم نِعْمَةٍ على الإطلاق أن يُعَلِّمَكَ الله، ولأنّ رتْبة العِلْم أعلى الرُّتَب، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى فضَّل الإنسان على باقي المخلوقات بالعِلْم، وأنَّك إن أرَدْتَ الدنيا فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَ الآخرة فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَهُما معًا فعليم بالعلم ! وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل النبي على أدْنى الناس، وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل القمر ليلة البَدْر على سائر الكواكب، ويَظلُّ المرء عالِمًا ما طلَبَ العِلْم فإذا ظنَّ أنَّهُ قد عَلِم فقد جَهِل، والإنسان دون عِلْم يشْقى في الدنيا والآخرة وأساس الدِّين تَعْرِفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَسْعَدُ بِقُرْبِهِ، فالسَّعادة هي الهَدَف والطاعة هي الثَّمَن، والعِلْم هو السَّبب.
 أبْسَط مثال ؛ إنسانٌ ضَغْطُهُ مُرْتَفِع، والضَّغْط المُرْتفِع أحيانًا ليس له أيّ أعْراض، فقد تَجِدُه في أعلى درجات الحَيَوِيَّة والصِّحَة وضَغْطُهُ ثمانِيَة عشَرة، هل يستطيعُ أن يُعالِجَ هذا الضَّغْط إلا إذا عرَفَ أنَّ معه ضَغْط ؟! فأوَّل خُطْوَة من خطوات مُعالَجَة الضَّغْط المُرْتَفِع أن تقيس ضَغْطَكَ، ولذلك المعرِفَة أساس التَّوْبة، والإمام الغزالي له كلمة رائِعَة قال التَّوبة لها ثلاثة أركان: عِلْمٌ وحالٌ وعَمَل، الحال هو النَّدَم، ولن تنْدَمَ إلا إذا عَلِمْتَ، ولن تتوب إلا إذا نَدِمْتَ، فالإنسان متى يُعالِج نفْسَهُ؟! إذا عَلِمَ أنَّ الشُّحوم مُرتفعَة، والكولسترول نسبتُهُ رفيعة، فمتى يُحَدِّد الإنسان الغِذاء الخاص به ؟ بعد أن يقْرأ التَّحليل، إذًا هل هناك حرَكَة نحو الإصْلاح قبل العِلْم ؟ لا، العِلْمُ مَبْدَئِيًّا، تعْرفُ حجْمَكَ وفي أيِّ طريقٍ أنت، وفي أيِّ اتِّجاه، والمُشْكِلَةُ التي تُعاني منها، فالإنسان كيف يعْلم أنَّهُ على باطِل ؟ إذا لم يَحْضُر مَجْلس عِلْم، وكيف يعْرِف أنَّهُ على انْحِراف ؟ كيف يعْلم أنَّ دَخْلَهُ فيه مُشْكِلَة ؟ إذا لم يحْضُر مجالس العِلم، فَبِهِ تعْرف حجْمَكَ وعمَلَك، ومُطابَقَة عملِكَ للشَّرْع، لذا أكبر نِعْمة على الإطلاق أنْ تتعلَّم، وأن يُؤْتِيَكَ الله عِلْمًا صحيحًا، لذا رُتْبَةُ العلم أعلى الرُّتَب، قال تعالى:

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾

 

[ سورة الأحقاف ]

 فالإنسان لمَّا يُسْمَحُ له أن يتلقَّى العِلْم مِن مَنْبَعٍ صافٍ وِفْق الكتاب والسنَّة ؛ العِلْمُ الذي أرادهُ الله فهذه أكبر نِعْمةٍ يُنْعَمُ بها الإنسان قال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

 

(سورة النمل)

 معنى ذلك أنَّ هناك مؤمن عابِد، وآخرَ عالِمٍ، العابِد مُقاوَمَتُهُ هذه الأشياء مِنَ السَّهْل جدا أن يعْصِيَ الله لأَتْفَه سبب، تنطلي عليه الأمور والخُزَعْبلات والخُرافات، يمْشي في طريق غلَط وهو لا يشْعر، ويأخذ فرْع من فُروع الدِّين، ويجْعَلُهُ هو الدِّين، ويأتي على أحد أصول الدِّين فَيَجْعَلُهُ فرْعًا، قال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

 

(سورة النمل)

 الآن على ماذا يشْكُر الناس ؟ يقول لك: بيْتي أربعين متْرًا ! والآخر يقول لك: لي بِضاعَة أرْبَعُ مائة ضِعْف ! اِنْتَبِه لِما تقول ! فإذا فضَّل الله عليك بالمال، فالمال زائِل، والبيت زائِل، والمركبة والمزْرعة...كُلُّ هذا زائِل، أما العِلْم هو المُسْتَمِرّ، وهو الذي تَسْعَدُ به في الدنيا والآخرة، لذا الإنسان إذا لم يطْلب العِلْم جهل، وطلب العلم فرض عين على كلّ مُسْلِم، فلا تقل لي أنا مهندس لا علاقة لي بالدِّين !! هذا كلام فارِغ، قال تعالى:

 

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾

 

(سورة النمل)

 الآن نحن أمام إعجاز عِلْمي، الله جل جلاله أثْبَتَ للنَّمْل النِّظام الاجْتِماعي والمعرفة، فالنَّمْلة تُخاطِب، وخِطابُها عن طريق المواد الكيماوِيَّة، فإذا الإنسان سَحَق نمْلة بِيَدِهِ، فإنَّه ينْتشر من هذه النَّمْلة رائِحَة هي اسْتِغاثة لِكُلِّ النَّمْل، وبعد وقتٍ قليل تأتي مئات النَّملات أمامها، فهناك خِطاب، وأحيانًا تكون حبَّة القمْح أو الخبر أكبر من طاقتِها فَتُرْسِل إشارة فتأتي

 

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾

 

(سورة النمل)

 زميلاتُها، وأحْيانًا تُخَزِّن النَّملة حبَّة القمْح في وَكْرِها وتنْزَعُ رُشَيْمَها وتأكلهُ !! وهذا مِن أجل أن لا تنْمو هذه الحبَّة، لأنَّها إن ترَكَتْ الرُّشَيْم نَمَتْ هذه الحبَّة، وهناك بُذور لها رُشَيْمان، وحينها تأكل النَّملة الرُّشَيْمَين مِن اجل أن تكون هذه الحبَّة غِذاءً لا نباتًا، فالله سبحانه وتعالى أثْبَتَ للنَّمْلة النُّطْق والمعرفة.
 مرَّةً راقَبْتُ وَكْر نمْل ؛ شيء لا يُصَدَّق ! قطعة خبز تَجُرُّها نمْلة فاسْتَغاثَتْ بِزَميلاتِها فجاءها أربعة نِمال، وكلّ نَمْلة مِن طرَف، والنَّمْلة يمكِنُها أن تَحْمِل عشْرة أمْثال وزْنَها، فإذا الواحِد مِنَّا وزْنُه سبْعين كيلو، فهو لا يُمكنُهُ أن يحْمِل سبعمائة كيلو غرام ! لكنَّ النملة عشْرة أمْثال وزْنَها، وإذا كانت قطْعة الخبز أو الطَّعام ؛ فَمُجْتَمَعُ النَّمْل ومُجْتَمَعُ النَّحْل هو مُجْتَمَعٌ مُتَعاوِن بِأعلى درجات التَّعاوُن، إذْ هناك نِمال يُمَثِّلْن الشُّرْطَة، ويَقِفْنَ على الطريق، ولا يسْمَحْن بأيَّة نمْلة بالخُروج من الطريق، وأُخَر حارِسات، مُجْتَمَعٌ مُنَظَّم ومُتَعاوِن وهناك تنْسيق، وله قِيادة وشرطَة وجِهاز ضَبْط، ومع ذلك هذا المُجْتَمَع يستطيع أن يتواصَل إعلامِيًّا بالنُّطْق، فالله عز وجل تَبْسيطًا لِمَدارِكِنا قال: قالَتْ نمْلة ! قال تعالى:

 

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

 

(سورة النمل)

 أحَدُ شُيوخ الأزْهر كان أُمِيًّا، وبدأ يدْرس العِلْم فَوَجَدَهُ صعبًا فَتَرَكَهُ وحاوَلَ ثانِيًا ثمَّ ترَك، وبعدها يئِسَ، قال: كنت جالسًا مرَّة في مكان فوَجَدْتُ نمْلة تريدُ الصُّعود على الحائط، سَقَطَت فأعادَت الكرَّة، وعدَّ هذا الشيخ المرات التي حاوَلَت فيها الصُّعود فَوَجَدَها أربعين مرَّة !! فقال: عَلَمَتْني نمْلة أن لا أيْأس، ورَجَع وطلبَ العِلْم، وما مات إلا وهو شيْخَ الأزْهَر ! والذي علَّمَهُ نمْلَةٌ:

 

أخْلِقْ بذي الصَّبْر أن يحْظى بِحاجَتِهِ  ومُدْمِنِ القرْع للأبواب أن يَلِجَ
***

 فالله تعالى يَمْتَحِنُ صِدْق الإنسان، فلا يُمْكِنُكَ أن تتعلَّم من أوَّل درْس، ولكن درس مع درس، وصلاة مع صلاة، وإنْفاق مع إنفاق تكون النتيجة، فهذه النَّمْلة علَّمت هذا الإنسان، وأصْبَحَ شيْخ الأزْهر بِفِعْلِها والمؤمن أيها الإخوة لا ييْأس.
 قال تعالى:

 

 

﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

 

(سورة النمل)

 فهذه النَّمْلة عَرَفَتْ مقام النُّبُوَّة، فهي شَهِدَت أنَّ هؤلاء المارَّة إن قَتَلْنَكم فهم لا يشْعرون وليس عن قصْد، لأنَّها عظَّمَت مقام النُّبُوَّة، قال تعالى:

 

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾

 

(سورة النمل)

 معنى ذلك أنَّ سيِّدَنا سُلَيْمان أوتِيَ أن يسْمَعَ حديث النَّمْل، والشيء الآخر أنَّ الآية الكريمة وهي قوله تعالى:

 

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 وقد كان صلى الله عليه وسلَّم يخْطُب على جذع نخلة فقد روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهممَا أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ:

 

(( إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ ))

 

[ رواه البخاري ]

 دخل إلى بستان فرأى فيه جَمَلاً، ولمَّا نَظَر إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ذَرَفَتْ عَيْناهُ، فجاء النَّبي ومسَحَ دُموعَهُ لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها لصافحتكم الملائكة! ))

 فالإنسان كُلَّما ارْتَقى تَشِفُّ نفْسُهُ فيرى ما لا يراه الآخرون، ويسْمَعُ ما لا يسْمَعُهُ الآخرون، قال تعالى:

 

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

 

(سورة النمل)

 أوْزِعْني أيْ ألْهِمْني، نحن عندنا حُكْم، ما العَمَل الذي يرْضاهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي يَقْبَلُهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي ترْقى به عند الله عز وجل ؟ والذي تدخل به إلى الجنَّة ؟ العَمَل كما قال الفُضَيْل: لا يقبل إلا إذا كان صوابًا وخالِصا، فالخالِص ما ابْتُغِيَ به وَجْهُ الله وصَوَابًا ما وافَقَ السنَّة، هذا معنى قول الله تعالى:

 

﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

 

(سورة النمل)

 ترْضاهُ بالمناسبة فِعْلٌ مُضارِع، والجملة في مَحَلّ نَصْب صِفَة، والصِّفة قَيْد، أي أن أعْمَلَ صالِحًا مَرْضِيًّا عنه، فالصالِح لا يُقْبَل إلا إذا كان مَرْضِيًّا عنه، ومتى يُقْبَلُ عنه ؟ إذا كان خالِصًا ومُوافِقًا للسنَّة قال تعالى:

 

﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) ﴾

 

(سورة النمل)

 الحقيقة بعد أن قال الهُدهد، وسوف نأخذ قوله في المرَّة القادِمة، قال تعالى:

 

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

 

(سورة النمل)

 سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين ! هذه الآية لِكُل إنسان ولاَّه الله على عشْر أشْخاص فما فوق رئيس دائرة، ومُدير مُستشفى، ومعلِّم بِصَفٍّ، قبل أن تتَّخِذ قرارًا يجب أن تتقصّى الحقائِق، وقبل أن تُنْزِل العِقاب بِزَيْد يجب أن تعرف ماذا فعَل ؟ لذلك هذه الآية يَحتاجُها كُلّ أب، تأتيك ابْنَتُك إلى البيْت تبكي وتتكلَّم عن زَوْجِها، فالأب يغْضب ويزَمْجِر ويتوَعَّد وليْتَهُ اسْتَدْعى زَوْجَها وسألَهُ لماذا أنت غاضِب عليها ؟ فربما حينها تسْكت عن أشياء كثيرة، لذا قال: سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين !

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018