بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة النمل - تفسير الآيات 30 - 37


1995-08-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان مع الملكة بلْقيس ملكة سبأ، وقد وصَلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾

[سورة النمل]

 بيَّنتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ كلَّ إنسان يتولى أمرَ عشرةٍ فما فوق عليه أن يجعلَ من هذه الآيةِ منهجًا له، لا ينبغِي أن يتخِذ قرارا إلاَّ بعدَ أن يتبَصَّر و يجمعَ المعلوماتِ ويسمعَ من الطرفِ الآخرِ، قال تعالى:

 

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

 

[سورة النمل]

 قلتُ لكم البارحةَ أيضًا أن البسملةَ التي أمرنا النبي عليه الصلاةُ و السلامُ أن نبدأ بها طعامنا وشرابنا وأعمالنا، وكلّ أمر لم يُذكر فيه اسم الله فهو أبْتَر، فالبسْمَلة تعني أنَّك إذا شَرِبْتَ الماء ينبغي أن تتذَكَّر أنَّ هذا الماء نِعمة الله عز وجل ساقَها إليك، وأنَّهُ ينبغي أن تشْرب الماء وِفْق منْهَج الله تعالى، فالبسملة فيها معنى تَكْريمي، ومعنى تَوْجيهي فالمعنى التكريمي أنَّ هذه نِعْمة أنْعَمَها الله عليك، والمعنى التَّوجيهي أنَّه ينبغي أن تتحرَّك مع هذه النِّعْمة وِفق منْهج الله ؛ هذا بيَّنتُهُ البارحة.
 أما قوله تعالى:

 

﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾

 

[سورة النمل]

 المُسْتعلي لا يتعلَّم، وشَخْصان لا يتعلَّمان ؛ المُسْتحيي، والمُسْتعلي لذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام الداعِيَة أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّم تواضَعوا لِمَن تُعَلّمون، فالمُعَلِّم ينبغي أن يكون مُتواضِعًا حتى يُعين المُتَعَلِّم على التواضُع، إذا بدأ المتعلِّم فتواضَعَ فالمُتَعَلِّم من باب أولى يتواضَع، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

((تواضعوا لِمَن تُعَلِّمون "))

 والتواضع هو تصَنُّعُ الوضاعة ؛ هنا التَّذلُّل وهنا الضَّعف، لذلك فِعْلُ تفاعَل فيه معنى التَّصَنُّع، ومن تمارَضَ مرِضَ، أما التواضُع فلا يعني أنَّكَ وضيع فأنت عند الله كبير، لذلك طالب العِلْم تضَعُ له الملائكة أجْنِحَتَها وهو عند الله كبير، ولكن إذا تواضَع يتواضَعُ لِمَن يتعلَّم منه لأنَّ المُعَلِّم قد أُمِر مُسْبَقًا أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّمُهُ.
 قال تعالى:

 

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)﴾

 

[سورة النمل]

 وقد ذَكَرْتُ لكم أنَّ أرب كلماتٍ مُهْلِكاتٍ ؛ إذا قالها وقصَدَ بها الاعْتِداد بِنَفْسِهِ أهْلكَهُ الله، قال إبليس أنا خير منه، وقال قوم بلقيس نحن أولوا قوَّة وبأسٍ شديد، وقال قارون: إنَّما أوتيتُهُ على علم عندي، وقال فرعون أليس لي مُلْكُ مِصْر، فأنا ونحن ولي وعندي أربعُ كلماتٍ مُهلِكاتٍ إذا رافقها الاعْتِداد بالنَّفْس، لو سألْتَ واحِدًا: من الذي حضَرَ قبل قليل ؟ يقول لك: أنا الذي حضَرْتُ، فهذه ليس فيها اعْتِداد بالنَّفس ولكن إخْبار فقط.
 قال تعالى:

 

﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)﴾

 

[سورة النمل]

 فيا تُرى سُليمان ملِكٌ أم نبيّ ؟! إن كان ملِكًا ودَخَلَ علينا أذَلَّنا وأكل أموالنا وانْتَهَكَ أعراضَنا، فهذه عادةُ المُلوك، قال تعالى:

 

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)﴾

 

[سورة النمل]

 هذا ذكاء من ملكة بلقيس، فهي تريد أن تمْتَحِن ما إذا كان هذا الإنسان الذي أرْسَلَ إليها هذا الكتاب نبيًّا أم ملِكًا ؟ فإذا فرِحَ بالهَدِيَّة ورحَّب بها نَسِيَ مبدأهُ ! ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((والله يا عمّ لو وضَعوا الشَّمس في يميني والقمر في شِمالي على أن أدَعَ هذا الأمر ما ترَكْتُهُ حتَّى يُظْهِرَهُ الله أو أهْلِكَ دونَهُ ))

 معنى ذلك أنَّ الإنسان المؤمن الدنيا كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل مبدئِهِ، ولكنَّ الإنسان الدُّنْيَوي المبادئ كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل الدِّرْهم والدِّينار، رجلٌ ذَهَب إلى بلدٍ غربي فجَلس إلى حديقة، فجلس لِجانِبِهِ إنسان يبْدو أنَّهُ مُثَقَّف، سألهُ عن دينهِ فقال هذا الأخ: أنا مسلِم، فقال ما الإسلام ؟ فهذا الإنسان وكان عالِمًا جليلاً أوتِيَ مَقْدِرَةً على التَّوْضيح، وبيَّن له في خمْسين دقيقة حقيقة الإسلام، فما كان مِن هذا المُسْتَمِع إلا أنْ أخْرَجَ مِن يَدِهِ عُمْلَةً وقال: هذا ربِّي أعْبُدُهُ مِن دون الله، و عن عمر رضي الله عنه قال:

((دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَجَلَسْتُ فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ قَالَ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا قُلْتُ بَلَى ))

[رواه البخاري]

 إنَّما هي نُبوَّةٌ وليْسَت مُلْكًا، فالنبي يمْلِكُ القلوب أما الملِكُ فيَمْلِكُ الرِّقاب وشتَّان بين أن تمْلِكَ القلوب، وبين أن تمْلِكَ الرِّقاب، وأنت كَمُؤْمِنٍ ينبغي أن تمْلِكَ القلوب وليس الرِّقاب، فَمُلْكُ الرِّقاب زائل أما مُلْك القلوب لا ينتهي ولا في الجنَّة، قال تعالى:

 

﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(44)﴾

 

[سورة الصافات]

 لذلك هذه المَلِكَة أرادَت أن تمْتَحِنَ مُرْسِلَ هذه الرِّسالة أَهُوَ نبيُّ رحيم مُنْصِفٌ وذو مبدأ ويخاف الله عز وجل، ويَحْكُمُ بالعَدْل ولا يُذِلُّنا ولا يأخُذُ أموالنا، أم هو ملِكٌ كَغَيْرِهِ مِن المُلوك، ولكن ورد في الحديث القدسي أنا ملِكُ المُلوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بِيَدي فإن العباد أطاعوني حوَّلتُ لهم عليهم قلوب الملوك بالرََّأفة والرحمة وإن العباد عَصَوني حوَّلتُ قلوب عبادهم عليهم بالسُّخْطة والنِّقْمة فلا تشْغُلوا أنْفسكم بِسَبِّ المُلوك وادْعوا لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحهم بِصَلاحكم.
 سُئِلَ تيْمورلَنْد ؛ مَن أنت ؟ فقال: أنا غضَبُ الربّ ! الإنسان إذا غضِبَ يتكلَّم كلامًا قاسِيًا، قد يخْبط بابًا، ولكنَّ الله جلَّ جلاله إذا غضِبَ يُسَلِّط علينا مَن لا يخافه ولا يرْحَمُنا، قال تعالى:

 

﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)﴾

 

[سورة النمل]

 هذه قاعِدَة قال تعالى:

 

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

 

[سورة يس]

 قال تعالى:

 

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86)﴾

 

[سورة ص]

 فأنت تسْلُك طريق الإيمان وتأتَمِر بأَمْر الله عز وجل ؛ هذا أجري فلا تقرُّ عَينُ النبي إلا إذا رأى أُمَّتَهُ مُطَبِّقةً لأمْر الله، وقبل أن يتوفَّاهُ الله عز وجل نَظَرَ إلى أصْحابِهِ نَظْرةً امتلأ قلبُهُ رضًا، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ:

 

(( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ))

 

[رواه البخاري]

 قال تعالى:

 

﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)﴾

 

[سورة النمل]

 اتَّضَح لدى بلْقيس أنَّ مُرْسِل هذه الرِّسالة هو نَبِيٌّ وليس ملِكٌ لأنَّه لم يفْرح بِهَدِيَّتِها ولم يفْرح بها، بل كان مبْدؤُهُ فوق كلّ شيءٍ.
 أيها الإخوة، ذكرتُ لكم أنَّ كلّ عَمَلٍ يفْعلُهُ الإنسان وراءَهُ باعِثًا، إمَّا باعثًا دُنْيَوِيًّا أو باعِثًا أُخْرَوِيًّا، إمَّا باعث الهوى، أو باعث العَقل، وإما إرْضاء الله وإما إرْضاء الذات، وإما الخير أو الشرّ، أو الجَمْعُ أو التَّفريق، وإما العَطاءُ أو المنْعُ، فإن لم تكن على أحد هذين الباعِثَين فأنت على الباعث الآخر، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

 

[سورة القصص]

 هذه القِصَّة تُبيِّن أنَّ مرْتبة الأنبياء مرتبَةٌ عالِيَةٌ جدًّا، وأنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَل بعْضَهم فقراء، لأنَّ الله تعالى قال:

 

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

 

[سورة يس]

 بل جَعَل بعضهم ضُعَفاء وبإمكانِ بعض الناس أن يقول عنهم تُهَمًا مُفْتَراتٍ، فهؤلاء قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ساحر ومجنون وكاهِن !! وهذا الذي قال عنه هذه المقولات ما أصابَهُ مَكروه لِيَكون الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى المُسْتَوَياتٍ، لأنّ الشيء الذي يأتي بالإكْراه لا قيمة له، لذا أيُّها الإخوة، هذه القِصَّة فيها مراكِز ثِقَل، وهذا هو المركز الثاني ؛ أنَّ صاحِب المبدأ لا يفْرحُ بالهَدِيَّة بينما صاحِب الدنيا تُنْسيهِ الهَدِيَّةُ كلَّ مبادِئِهِ، وهذا هو الفرق بين المؤمن المُنْضَبِط وغيره من عباد الدِّرهم والدِّينار،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ ))

 

(رواه البخاري)

 وفي الدرس القادِم إن شاء الله تعالى نتحدَّث عن قَضِيّة نقْل العرْش ونقْلِهِ.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018