بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة النمل - تفسير الآيتان 60 - 61


1995-08-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: الآيات الأخيرة من سورة النَّمل لها مِحْوَر ؛ كيف أنَّ المسْبَحة أو السُّبْحة فيها حبَّات وفيها خيْط وهذا الخيط لا يُرى ولكن دليل وُجودِهِ ترابُط هذه الحبَّات، فنحن الآن أمام مجموعة آيات، وهناك مِحْوَرٌ يَجْمَعُ بينها جميعِها، ما هذا المِحْوَر ؟ قال تعالى:

﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ﴾

(سورة النمل )

 خلقَ السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً، وأنْبَتَ بِهذا الماء حدائِقَ ذاتَ بَهْجَة لا يسْتطيعُ البشر جميعًا ولو اجْتَمَعوا أن يُنْبِتوا قَمْحًا ولا زرْعًا.
 قال تعالى:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً ﴾

 

(سورة النمل )

 جعلها تدور بهذه السُّرْعَةَ حوْل نفْسِها، وحَوْل الشَّمْس، ومع دورانِها مُسْتَقِرَّة، ومدارُها إهليلجي ولها قطر طويل وآخر قصير، ومن جعلها تزيدُ من سُرْعَتِها ؟ لينشأ من سرعَتِها قُوَّة نابِذَة تُكافِؤُ القوَّة الجاذِبَية ومنْ جَعَلها تُخَفِّضُ من سُرعَتِها ؟ كي تَقِلَّ قُوَّتِها النابِذة لأنْ لا تتفلَّت مِن مسارِها حَوْل الشَّمْس؟ ومن جَعَل تسارُعها بطيئًا ؟ ومَن جَعَل التباطؤ بطيئًا ؟ ومن جَعَل الأشياء مُسْتَقِرَّة على الأرض ؟ قال تعالى:

 

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)﴾

 

(سورة النمل )

 هذه الآيات كُلُّها فيها مِحْوَر، وهذا المِحْوَر أنَّ الإنسان خُلِقَ ضعيفًا، ولم يطْمَئِنّ إلا إذا ركَنَ إلى قُوَّة، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

 

[ سورة المعارج ]

 والإنسان خُلِقَ عَجُولاً، لا يُسَكِّن روْعَتَهُ، ولا يُطَمْئِنُ خَوْفَهُ، ولا يقضي حاجَتَهُ إلا أن يلْجأ إلى رُكْنٍ وثيق، لذا أنت شئْتَ أم أبَيْتَ فلا بدّ مِن أن تعْبُدَ قُوَّةً، والعبادة لا بدّ منها، وأنت إما أن تكون عَبْدًا لله تعالى، وإما أن تكون عَبْدًا لِعَبْدٍ لله تعالى ‍! بُنْيَتُكَ ضعيفَة، وخلقَ الإنسان هلوعًا، فهذا الضَّعْف الخَلْقي ليس عَيْبًا فيك بل هو لِصالِحِك تمامًا الأجْهِزَة الغالِيَة جدًّا فيها وصْل ضعيف يُسَمَّونهُ فيوز فإذا جاء التَّيار قَوِيًّا أتْلَفَ هذا الوَصْل وحُفِظَ الجِهاز، فهذه النُّقْطَةَ الضَّعيفة في الجِهاز هي لِصالِحِ الجِهاز، ضمانًا لِسَلامَتِهِ، فالإنسانُ خُلِقَ ضعيفًا لِيَفْتَقِرَ بِضَعْفِهِ فيَسْعَدَ بافْتِقارِهِ، وله خُلِقَ قَوِيًّا لاسْتَغني بِقُوَّتِهِ، ولَشَقِيَ بها ! فالبُنْيَة أنَّك ضعيف وتخاف من أدْنى خطَر، وينْخَلِعُ القلب لأدْنى مُصيبَة ويتوقَّعُ الإنسان كُلّ شيء، فهذا الضَّعْف الخَلقي، وهذا الخوف، وهذا الجَزَع، وهذه العَجَلَة لا بدّ مِن أن تَدْفَعَك لِتَعْبُدَ إلهًا قَوِيًّا فالإنسان متى يطْمَئِنّ ؟ إذا عرَفَ أنَّ هناك قُوَّةً تَحْميهِ، فهذا على مُسْتوى الدنيا تجد من يُصاحِب القَوِيّ يَطْمَئِنّ، ويشْعر أنّ ما مِن واحِدٍ يتعدَّى عليه، يُخَبِّر ذاك القويّ ‍‍!! لكِنَّك إذا شَعَرْتَ أنَّ الذي خَلَق السماوات والأرض مَعَك، ولا يتخلَّى عنك، ويُدافِعُ عنك ويرْزُقُك مِن حيث لا تَحْتَسِب، ويُوَفِّقُكَ وينْصُرُك، ويُؤَيِّدُكَ، فأكبر قُوَّة بالكون هو الله عز وجل، فَمحْوَر الآيات أنَّ الإنسان خُلِقَ ضعيفًا، لِيَفْتَقِرَ بِضَعْفِهِ فَيَسْعَدَ بافْتِقارِه، مادام ضعيفًا وهلوعًا فلا بدّ له مِن قُوَّةٍ يرْكَنُ إليها والغَلَط أن ترْكَنَ لِغَيْر الله تعالى فهذا هو مِحْوَر الآيات.
 فأنت أيها الإنسان أَتَعْبُدُ إلهًا خلق السماوات والأرض وأنْزَلَ مِن السماء ماءً فأنْبَتَ به حدائِق ذات بَهْجَة، هل تَعْبُدُ من هو دونهُ ؟ ! قال تعالى:

 

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)﴾

 

(سورة النمل )

 ثُمَّ هذه الأرض مَن يُسَيِّرُها حوْل الشَّمس، وحول نفْسِها؟ ومَن جعَلَ الأشياء تَسْتَقِرُّ عليها ؟ اُعْبُد هذا الإله العظيم، قال تعالى:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

 

(سورة النمل )

 لذا أَنْ تَعْبُدَ قُوَّةً منيعَةً فهذا شيءٌ في أصْل فِطْرَتِك، ولاحِظ أنَّ الإنسان إن لم يُؤْمِن بالله تعالى تَجِدُه يلْجأ إلى إنسانٍ قَوِيّ ! ينْطَوي تحت لِوائِهِ وأُناسٌ كثيرون يلجئون إلى القِوَى البَشَرِيَّة حتَّى يطمئِنُّوا، فأنت بِحاجَة إلى قَوِيٍّ يَدْعَمُكَ، وإلى من يَحْميك، إلى مَن يُغَطِّيك، وإلى قُوَّة إن اسْتَنْجَدْتَ بها نجَّتْك، فالغَلْطَة الكبيرة أنَّ جِهَةً غير الله تعالى يُمْكِنُ أنْ تَحْميكَ، وأن تُسْعِدَكَ، وأن تُجيبَكَ وأنت مُضطَر، وأنَّ جِهَةً غير الله يُمكِنُ أن ترْزقكَ، قبيلَةٌ صنَعَت صَنَمًا مِن تمْرٍ فلمَّا جاعَتْ أكَلَتْهُ !! أتأكُل إلهَكَ ؟!! فالآن بِشَرْق آسيا بوذَا إلهٌ، وله معابِد ضَخْمة ليأكُلَها في الليل، ويأكلها الكَهَنة.
 فيا أيها الإخوة، هذه الآيات دقيقة، فأنت أيها الإنسان ضعيف ولا بدَّ لك مِن قُوَّة كي تَحْميكَ، وأن تُسْعِدَكَ، وأن تُذيبَكَ وأنت مُضطَر فالبُطولة الحقيقيَّة أن تعرِفَ القوَّة الحقيقيَّة، مَن تعبُد ؟ قال تعالى:

 

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ﴾

 

(سورة النمل )

 الله تعالى الذي خلَقَ السماوات والأرض هو الذي تَعْبُدُه فإذا كانت المجرَّة التي اكْتُشِفَت قبل أسبوعَين بُعْدُها عن الأرض ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والأربَع سنوات ضَوْئِيَّة لو أردْتَ أن تصل إليها بِمَرْكَبَةٍ لاحْتَجْتَ إلى خمسين مليون عام ! وقبل أسبوعَيْن أرْسَلوا مرْكَبَةً إلى المُشْتري وبَقِيَتْ تنطلِق في الفضاء خمْس سنوات بِسُرْعة خمسين ألف ميل بالساعة، وعلى هذه المَرْكَبة مَرْصَد عِمْلاق قُطْرُ عَدسَتِهِ ثمانِيَة أمتار، والْتَقَط قبل أسبوعَين أو ثلاثة هذه المجرَّة، قال تعالى:

 

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

 

(سورة النمل )

 الذي ينبغي أن تعبُده لا بدّ أن يكون خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماءً، فلو لم يُنْزِل الله تعالى الماء لانْتَهى كُلّ شيء، تأتي أحْيانًا سنوات عِجاف تتراجَعُ فيها المحاصيل، وتغور الآبار، فمرَّةً أنْتَجَ قُطْرنا ثلاثة ملايين طنّ قَمْح، ونحن حاجَتُنا مليون طنّ والمليونَيْن هو مِن الفائِض، ومرَّةً أنْتَجْنا مائة وستّة وسبعون ألف طنّ فاسْتَوْرَدْنا بِمَبْلَغٍ فلَكي قمْحًا لِنَأْكُلَهُ، لذا الذي ينبغي أن تعبُدهُ أن يكون هو الرَّزاق ذو القوَّة المتين، والذي ينبغي أن تعْبُدَه أنْبَتَ لك النبات المحاصيل والشَّجَر، والذي ينبغي أن تعْبُدَه جعل الأرض مُسْتَقِرَّة وكلّ ما عليها مُسْتَقِرًّا، وجعل الأنهار مِن أجل حياتِك، والذي ينبغي أن تعْبُدَه أرْسى هذه الجِبال الشَّوامِخ، والذي ينبغي أن تعْبُدَه جَعَل بين البحرين حاجِزًا، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يسْتجيبُ لِدُعائِكَ وأنت مُضْطَرّ والذي ينبغي أن تعْبُدَه يَجْعَلُكَ خليفَةً له في الأرض، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يَهْديك في ظُلمات البرّ والبحر، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يُحَرِّك هذه الرِّياح فَتَسوقُ السَّحاب، والذي ينبغي أن تعْبُدَه بدأ الخلْق وسَيُعيدُ الخلق ؛ فهذه هي صِفات الخالق الذي يجب أن تعبُدَهُ من أجلها، أما أنْ تَعْبُدَ مَخْلوقًا ضعيفًا سَبَقهُ عَدَم وسيَنْتهي إلى عَدَم لا يمْلِكُ لِنَفْسِهِ نفْعًل ولا ضَرًّا، فالذي يُعَلِّق الآمال على مَخلوقٍ مِثْلهُ، ويَعْتَقِد أنَّ هذا المخلوق ينفَعُهُ ويضُرُّه، وأنّهُ يسْمَعُهُ إن دعاهُ، وقَعَ في وَهْمٍ كبير، فالآيات تُريد أن تنْهانا عن الشِّرْك، والمِحْوَر لهذه الآيات ؛ أنَّك إنسانٌ ضعيف وقد خُلِقْتَ ضعيفًا لِصالِحِ إيمانِك مِن أجل أن تلجأ إلى الله، فإذا الْتَجَأت إلى ما سِواه فقد وَقَعْتَ في وَهْمٍ كبير، وشرِّ كبير، فلو فرضْنا أنَّ أحدهم ذاهِبٌ إلى حلب ليأخذ مبلغًا، فهذا قد يرْتكب عِدَّة أخطاء، فقد يجلس في غير المكان الذي دفَعَ من أجله، ويجلس في اتِّجاهٍ مُعاكِس وغيرها من الأخطاء ولكنَّه لا يُمكن أن يرتكِبَ خطأً واحِدًا، وهو أن يتَّجِهَ إلى درْعا، فهذا معنى قول الله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)﴾

 

[ سورة النساء ]

 فإذا كنتَ مُتَوَجِّها إلى الله فَكُلُّ شيءٍ ينْحَلّ، أما إن كُنْتَ مُتَوَجِّها إلى غير الله، فهذا هو الشِّرْكَ الذي لا يُغْفَر، وهذا هو السَّراب، قال تعالى:

 

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾

 

[ سورة النور ]

 فَالذي يُشْرك، كَمَن هو في الصَّحراء،يظنّ أنَّه رأى الماء فإذا ذَهَب لم يَجِد شيئًا.
 هذه الآيات من أجل التوحيد والشِّرْك، وأنت في أصل بُنْيَتِك تحتاج إلى قوَّة تلجأ إليها، فإن لم تعرف الخالق لجأتَ إلى المخلوق الذي لا ينفعُ ولا يضرّ.
 فَمُلَخَّص الموضوع، يجب أن تعرِف على مَن تعتَمِد، إلى من تلجأ، ومَنْهجُ مَن تتَّبِع، والقرآن كلُّها على التَّوحيد، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التَّوحيد.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018