بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العبادات الشعائرية : المسح على الخفين .


1985-04-07

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

المسح على الخفين :

 أيها الأخوة المؤمنون، ( باب المسح على الخفين )، صحَّ المسح على الخفين في الحدث الأصغر، وما هو الحدث الأصغر؟ ما يوجب الوضوء، والحدث الأكبر ما يوجب الغسل، صحَّ المسح على الخفين في الحدث الأصغر للرجال والنساء ولو كانا - هذه الألف على من تعود؟ على الخفين - ولو كانا من شيء ثخين غير الجلد، فعلى المذهب الحنفي لا يشترط أن يكون الخف جلداً، بل شيء ثخين غير الجلد، سواء كان لهما نعل من جلد أو لا.

شروط المسح على الخفين :

 يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط.
 الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في آخر أيامه ألَّف رسالةً عنْونَها بالمسح على الخفين، وعدَّ الجوربين خفَّين، ويشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط:

1 ـ لبسهما بعد غسل الرجلين :

 لبسهما بعد غسل الرجلين، فلا يجوز لك المسح على الخفين إلا إذا لبست الجوربين، الترتيب سنة، فلو أنّ إنسانًا غسل رجليه ولبس الخفين وأتمَّ الوضوء جازَ، لكن يجب أن يتم الوضوء قبل نقضه، لأن الخفين يمنعان سريان نقض الوضوء إلى الرجلين، لكنهما لا يرفعان نقض الوضوء، وهذا شيء دقيق، فيجب أن يلبس الخفين بعد غسل الرجلين ولو قبل كمال الوضوء، وقبل أن ينتقض، فلو انتقض الوضوء قبل كماله لوجب نزع الخفين، إذاً الشرط الأول لبسهُما بعد غسل الرجلين ولو قبل كمال الوضوء، إذا أتمه قبل حصول ناقض للوضوء.

2 ـ سترُهما للكعبين :

 الشرط الثاني سترُهما للكعبين، أن يكونَ الخفان ساترين للكعبين.

3 ـ إمكان متابعة المشي فيهما :

 الثالث إمكان متابعة المشي فيهما، أيْ أنْ يستطيع لابسُ الخفين أن يمشي بهما، فلا يجوز المسح على خف من زجاج، ولا من حديد، ولا من خشب، فيجب في الخفَّين استطاعةُ المشي بهما.

4 ـ خلوُّ كلٍّ منهما من خرق قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم :

 الشرط الرابع خلوُّ كلٍّ منهما من خرق - ثقب - قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم، فإذا كان في الجورب أو الخف خرقٌ يزيد عن مقدار ثلاثة أصابع من أصغر أصابع القدم لم يجُز المسحُ عليهما.

5 ـ استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ :

 الشرط الخامس استمساكهما على الرجلين من غير شدٍّ، أي من قماش له قوامٌ يقوم بنفسه.

6 ـ منعهما من وصول الماء إلى الجسد :

 الشرط السادس منعهما من وصول الماء إلى الجسد.

7 ـ مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر :

 الشرط السابع مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.

وقت المسح :

 متى يبتدئ وقت المسح؟ قال الفقهاء: ابتداء المدة من وقت الحدث بعد لبس الخفين، مثلاً إنسان توضَّأَ عند العصر ولبس الخفين عند المغرب، وما انتقض وضوءه بين العصر والمغرب، إذًا لم تبدأ بعدُ مدةُ المسح، وعند العشاء انتقض وضوءه الآن من العشاء يوم وليلة للمقيم، أو ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، إذاً مِن أولِ حدثٍ بعد لبس الخفين يبدأ وقت المسح، فإن مسح مقيمٌ ثم سافر استمتع برخصة السفر، وهو مقيم مسح عند صلاة الصبح، وعند العصر طرأ له سفر، انقلبَت المدةُ من يوم وليلة إلى ثلاثة أيام بلياليها على مسحه الأول، وإنسان آخر مسافر وصل إلى بيته، وكان قد مضى على لبس الجوربين أو الخفين بعد غسلهما يوم وليلة، فمنذ أقام المسافرُ يدخل في حيِّز الإقامة، ويجب نزعهما إنْ كان قد مضى على إقامته منذ بدأ المسح يوم وليلة، وإذا كان أقل فلَهُ أن يتمَّ يومًا وليلةً، أي إن كان مقيمًا وسافر يدخل في مدة السفر، وإنْ كان مسافراً وأقام يدخل في مدة الإقامة.
 وقدر المسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد على ظاهر مقدَّم كل رِجْل، ثلاثة أصابع إذا مررت بها من أصغر الأصابع على مقدم الرِجْل فهذا هو المسح على الخفين.

سنن المسح على الخفين و نواقضه :

 سننه: مدُّ الأصابع منفرجة من رؤوس أصابع القدم إلى الساق، ومع مدِّ الأصابع انفراجُها أيضًا.
 ينقضُ مسح الخف أربعة أشياء، كلُّ شيء ينقض الوضوء ينقض المسح، ولا ينقض لبس الجوربين أو الخفين، أي أنك لا تحتاج إلى مسح مرة ثانية، ونزعُ الخف ولو بخروج أكثر القدم، فلو فرضنا طفلاً نزع جورب والده فخرجت معظَمُ الرِّجل من الجورب انتقض المسح على الخفين، وإصابةُ الماء أكثر إحدى القدمين في الخف على الصحيح، لو فرضنا شخصًا من دون أن ينتبه داس في مجمع ماء فابتلَّتْ أكثر القدم بالماء انتقض المسح على الخفين، لأنه وقع عندئذٍ اختلاطٌ بين المسح والغسل، ومضيُّ المدة ينقض المسح على الخفين، مضى يوم وليلة أو ثلاثةُ أيام بلياليها، فالمضيُّ وحده أو نزعُ الخف أو ابتلالُ الرجل بالماءِ أو ما ينقض الوضوء، أربعةُ أشياء تنقض المسح على الخفين، هذا هو المسح على الخفين، له فرض، وله سنن، وله نواقض، وله شروط، وله مدة، وله تعريف وهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 روى حديث المسحِ أكثر من ثمانين صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة، وقال بعض الحفاظ: خبرُ المسحِ على الخفين متواترٌ كما في فتح الباري، طبعاً وحتى لو كان الماء متوافرًا، وأناس يعانون من التحسس، أو أنْ يكون الشخص في الخدمة العسكرية ويصعب عليه خلعُ هذا البوط، فالإسلام يسر في وقت حرج كبير، وفي أيام الشتاء البارد تخاف أن تصاب الرِّجلُ بأمراض كتسليخ لحمها، فالإسلام يسر، فحيثما وُجِدَتْ حاجةٌ للمسح على الخفين فهذه رخصة، وإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.

* * *

صفات علماء الدار الآخرة :

 عودٌ إلى إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، صفات علماء الدار الآخرة، وها نحن نعرض صفةً من صفاتِ علماءِ الدار الآخرة وهي أن يكون شديد العناية بتقوية اليقين قال عليه الصلاة والسلام:

(( اليقين الإيمان كله ))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 قد قال بعضهم: "رأسمال الدين اليقين"، وقال عليه الصلاة والسلام:

(( تعلموا اليقين ))

[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]

 ماذا فهِم الإمام الغزالي من هذا الحديث الشريف؟ فهِم أن معناه: جالِسوا الموقنين، واستمعوا منهم علم اليقين، وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم، وبعد قليل سأشرح لكم ما هو اليقين، قال عليه الصلاة والسلام:

(( تعلموا اليقين ))

[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]

(( اليقين الإيمان كله ))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 وقد وردت في وصية لقمان لابنه: " يا بني لا يُستطاع العمل إلا باليقين"، فإذا ثبت لك أن في هذه الأرض ماء، وعندك مزرعةٌ كبيرةٌ توشك أن تموت عطشاً، وقد ثبت لك يقيناً أن في الأرض ماءً، فما الذي يحملك على أن تستأجر حفارةً وتدفع لها ثمناً باهظاً وتؤمن لها المعدات وتشتري القمصان وتدفع مبلغًا مقدمًا قد يصل إلى مئة ألف؟ ما الذي يحملك على دفع هذه المبالغ؟ إنّه يقينك أن هناك ماءً يمكن استخراجُه، وهذه الوصية لطيفة.
 "يا بني لا يُستطاع العمل إلا باليقين"، تقول لإنسان: هذه الصفقة حرام، يقول: لا، ليست حرامًا، فيها ربح مئتان وخمسون ألفًا، " ضع في الخرج"، طبعاً لا يتيقن أن الخسارة من الله سبحانه وتعالى، ولو تيقن أن معصية الله تسبِّب خسارةً ماديةً في الدنيا قبل الآخرة لَما أقدم عليها، يعرض له بيت ليشتريَه، ونقص ماله مئتي ألف، فيأخذها قرضًا بفائدة، ركبتُ بالسيارة العامة منذُ يومين، فقال رجل لآخر: مئة ألف صارت مئة ألفٍ وثلاثة وثمانين ألفًا مع الفوائد، لأنّ يقينه ليس هناك حل لهذه القضية إلا بهذه الطريقة، فلو كان عنده يقين بأن الله سبحانه وتعالى حاضر ناظر، ورأى أن عبده يتهيَّب أن يأكل مالاً حراماً فإنّه يَيَسِّر له هذا المبلغ من طريق شرعي، إذا قال رسول الله:

(( اليقين الإيمان كله ))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 فهذا صحيح وصواب، تجد طالبًا يدرس ولا يوقن بالنجاح، ولو لم يكن موقِنًا بالنجاح لمَا درس، تجد طالبًا يختار فرعًا في الجامعة ولا يوقن من جدواه، فلو تتبَّعتَ أعمالنا اليومية فلن تجد إنسانًا موقنًا بأنّه لا يربح، ولَم فتَحَ محلاً، فلو لاحظت أعمالنا لوجدتَ أنّ المحرك الأول لأعمالنا الدنيوية هو اليقين، فإذا كنت ضعيفَ اليقين تتردَّد وتقول: لا يوجد همّة، ضعفُ الهمّة من ضعف اليقين، وانعدام العمل من انعدام اليقين، وقوة العمل من قوة اليقين، فلذلك النبي الكريم قال:

(( اليقين الإيمان كله ))

[ الطبراني عن ابن مسعود]

 وقال:

(( تعلموا اليقين ))

[أبو نعيم من رواية ثور بن يزيد]

من يوقن بشيء يعمل له بصدق و مثابرة :

 "يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين"، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، فلو فرضنا إنسانًا قرأ القرآن، وهو موقن أنه كلام الله، وأنّ كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الله عز وجل وعَد المنفق بالتعويض والخَلَف، وأنّ هذا المبلغ مهما كبُر إذا دفعه ابتغاء مرضاة الله فإن الله عز وجل سوف يعوضه أضعافاً مضاعفة، إذا بلغ يقينك بهذه الآيات مبلغاً صحيحاً عندئذ تفتح وتعطي، وتقول: هذه خمسة آلاف أقدِّمها للمسجد، أو هذه عشرة آلاف، فمتى تدفع المالَ؟ إذا كان عندك يقين مئة بالمئة أن هذا المبلغ سوف يضاعفه الله لك أضعافاً كثيرة في الدنيا والآخرة.
 إذا كان الإنسانُ صاحبَ مصلحة، وهذه البضاعة عليها طلبٌ شديد، وأسعارها مرتفعة تراه يشتريها بقوة قلب، ويقول لصاحب البضاعة: أعطِني كلَّ شيء عندك، فيقول له: السعر مرتفع، يقول له: لا يهم أنا ما فاصُلتك، ولا سُمتُ البضاعة، لماذا اشترى هذا بقوة؟ لأنه يعرف أنه سيبيعها بسرعة، وسوف يربح بها أضعافًا مضاعفة، فلما يتيقن التاجر أنّ هذه البضاعة مطلوبة، وزبونها موجود ويتقاضى الثمن نقدًا، وسيربح بالمئة مئة، تراه يسعى لشراء البضاعة بشكل جنوني، لأنه متيقن من الربح، فانظر إلى الإنسان كيف يسلك للدنيا، أمّا إذا كانت بضاعة لا يعرفها يقول لك: لا أعرف أَتُباع أم لا تباع، هذه بضاعة جديدة، وسوف أجرب السوق، هل تباع؟ فتراه يشتريها بتردد، أما إذا تيقن من بيعها فسيشتريها، هذا في الدنيا، وإذا تيقن الطالبُ أن هذه الشهادة سوف يتعين بموجبها فوراً، ودخلُها كبير، ترى دراسته جدية، وانظر إلى إنسان درس الطب، وعلِمَ أنّ البلد بحاجة إلى أطباء، والأطباء دخلُهم كبير، ولهم مكانة اجتماعية، فإذا درسَ الأول الطب، والثاني درسَ الحقوق، فترى طالب الطب همَّتُه للدراسة أشدُّ، وطالب الحقوق باعتبار أنّ حمَلة هذه الشهادة كثروا، وفرص العمل قليلة، فترى دراسته لا هِمَّةَ فيها، لأن يقينه بالتعليم أقل.
 أعتقد أنّ الأمثلة أصبحت كافية، فعندما يوقن الإنسان بالربح، ويوقن بالفائدة تراه يحمله يقينُه على عمل صادق.

أسباب استقامة المؤمن أنه يوقن أن لكل سيئة عقاباً :

 هات ليَ يقينًا بالآخرة وخذْ عملاً صادقًا متواصلاً، والنفس لها قوانينها، فإذا تيقنت أن الحياة فانية وزائلة وأن ما عند الله خير وأبقى، وإذا تيقنت أن الآخرة هي كل شيء، فلا يمكن إلا أن تعمل لها بصدق و مثابرة، وإذا تيقن الإنسانُ أن هذه المعصية لها عقاب، وأنّ لكل سيئةٍ عقاباً، ولن يفوت عقاب سيئة واحدة عند الله عز وجل فلن يسيء أبدًا، وهذا الذي جاءه زبون وطلب منه سعرًا فوق الحد المعقول، التكلفة بقيمة ألفين، فقال له: عشرة آلاف، فقال له جاره: لماذا طلبتَ أضعاف ما تستحقُّ؟ فأجابه: هكذا أصول العمل، وهذه تصليحة وهي غنيمة، هذا الرجل عنده ابن يعمل بمخرطة، فتدخل نثرة فولاذ في عينه، تكلفه في اليوم الثاني عشرة آلاف ليرة بالعملة الصعبة، هذا لو حضر مجلس علم وعنده يقين أن المال الحرام لا بد أن يذهب أضعافاً مضاعفة لمَّا غشَّ زبونه صاحب التصليحة، ولماذا المؤمن يستقيم؟ لأنّ عنده يقينًا أنّ هذه المعصية لها عند الله عقاب، ومن الناحية المادية والتفسير العلمي أحدُ أسباب استقامة المؤمن أنه يوقن أن لكل سيئة عقاباً، إذا أكل مالاً حراماً فسوف يتلف اللهُ له ماله، وإن اعتدى على الآخرين أُعتُدِيَ عليه، وإن نظر إلى نساء الآخرين فسينظر الناسُ إلى نسائه، وإن أزعجهم أزعجوه، فلكل سيئة عقاب، واليقين شيء مهم، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يُقصر عامل حتى ينقص يقينه، ما يقصِّر عامل إلا إذا تزعزع يقينه، وإذا كان عندك يقين أن كتاب الشكر من رئيسك في الدائرة يترجم إلى بعثة فوراً، والبعثة وراءها دكتوراه، ومن ورائها منصب أعلى، ودخل أكبر تهتم برضا رئيسك اهتمامًا بالغًا، أما إذا كان كتاب الشكر حبرًا على ورق، ولا يقدم ولا يؤخر فإنّك لن تبالي به، إنّها قضايا ثابتة، وهي قوانين مرغِّبة للنفس.

معنى اليقين :

 وبعد، فما معنى اليقين؟ تكلمنا عن أهمية اليقين، قال: اليقين له معنيان، عند الفلاسفة له معنى، وعند المتصوفين له معنى، عند الفلاسفة: الأمور أربع درجات، أن يستوي عندك الإنكار والثبوت، سُئِلتَ عن فلان وأنتَ لا تعرفه أمسافر هو أم مقيم؟ فتقول: لا أدري، فهذه درجة يستوي عندك سفره وعدم سفره، ودرجة أعلى يغلب على ظنك أنه مسافر، ودرجة أعلى من ذلك أنّك ودَّعته في المطار، لكن لا تدري أعاد أم لم يعد؟ والدرجة الرابعة ودَّعته في المطار وجاءتك رسالة منه قبل يوم يخبرك فيها أنه مقيم هناك، فصار اليقين عدم الشك، أعلى درجة في اليقين انعدام الشك، قالوا: هذا تعريف الفلاسفة، وهناك أمثلة معقدة أنا بسَّطتُها لكم، فإما أن يستوي عندك الثبوت أو النفي، أو أن يغلب عندك الثبوت مع احتمال النفي، أو أن يغلب عندك الثبوت مع ابتعاد النفي، وإما أن يغلب عندك الثبوت مع نفي النفي، إذاً انعدام الشك هو اليقين عند الفلاسفة.
 أما ضعف اليقين عند الصوفيين فله معنىً آخر، مَن منا يشك أنه لن يموت؟ لا أحد، ومع ذلك معظم الناس لا يعملون لما بعد الموت، فهؤلاء وإنِ اِنعدم الشكُّ عندهم، وإنْ ثبت لديهم يقيناً أنهم سيموتون فلأنهم لا يعملون لما بعد الموت فهم ضعاف اليقين بالموت، وهذا معنىً أرقى، أحياناً يكون الطبيبُ عنده يقين قاطع أن التدخين يضر، ومع ذلك يدخن، نقول: هذا فلسفياً يوقن بضرر التدخين، أما صوفياً فضعيف اليقين بضرره مع أنه يوقن، ولكنه لأنه لم يترك الدخان فهو ضعيف اليقين به، وهذا الموضوع دقيق.
 عند الصوفيين أو عند الفقهاء ضعف اليقين عدم الالتفات إلى الشيء، إذْ يؤمن بالآخرة ولا يعمل لها، ويؤمن بالنار ولا يتّقيها، ويؤمن بالجنة ولا يسعى لها، ويعرف أن هذه معصية ولا يتركها، ويعرف أن هذه طاعة ولا يقبِل عليها، هذا هو ضعف اليقين عند الفقهاء والصوفيين.

مواضيع نموذجية عن اليقين :

1 ـ التوحيد :

 وبعد فهذه أربعة مواضيع نموذجية عن اليقين، فأولُ هذه الموضوعات التوحيدُ، إذْ لا يوجد إنسان إلاّ ويعرف معنى لا إله إلا الله، أي لا مسيِّر لهذا الكون إلا الله، ولا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا رافع إلا الله، ولا خافض إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا قابض إلا الله، ولا باسط إلا الله، فهذا المعنى لا يوجد إنسان إلا ويعرفه، ولكن عملياً عندما تغضب من زيدٍ لأنه حرمك شيئًا، فهذا الغضب من زيدٍ هو إشراك بالله عز وجل، وهو ضعف اليقين بالتوحيد، وحينما يمتلئ قلبك حباً لمن أعطاك شيئًا ما، ونسيت أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سمح له أن يعطيك، فهذا إشراك بالله، وضعف يقين بالتوحيد، فالتوحيد على المستوى النظري سهل، أما على المستوى العملي فهو صعب.
 لو فرضنا أن إنسانًا أساء إليك إساءة بالغة لا سمح الله، تقول لصديقك: بقيتُ ثلاثة أيام لا أنام الليل مِن فِعلتِه، فهل رأيتَ هذا من الله عز وجل؟ لا، بل رأيتَه من صديقك، وامتلأ القلب غيظاً منه؛ هذا هو الشرك بالذات، هذا هو ضعف اليقين، ولكنك لو كنت قويَّ اليقين بالتوحيد لرأيت أن هذا الذي أساء إليك إنما هو عَصا بيد الله عز وجل، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سمح له بذلك تأديباً لك ومعالجةً، فينتفي من قلبك كلُّ غضب وحقد على الناس، انظر فإنّ الأدوات بيد الله، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾

[ سورة البروج : 20 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾

[ سورة الفتح: 10 ]

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأنفال: 17 ]

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

أسعد إنسان في الأرض هو الإنسان الموحد :

 لذلك أسعد إنسان في الأرض هو الموحد، لأنّه يعلم أنّ كل علاقاته مع جهة واحدة، مع الله عز وجل، وأيّ إنسان أساء له يراه عصا بيد الله، عندئذٍ ينعدم من قلبه الحقدُ والكراهية، ويرى علاقته مع الله وحده، وهذه واحدة من وحدات اليقين، فكل إنسان يمتحن يقينه، من أي مستوى يقينه؟ هل ترى الخير من الله؟ هل تذم الناسَ على ما لم يعطك الله؟ هل تمدحهم على ما آتاك الله؟ هذا هو ضعف اليقين بالذات، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفى من العقل واليقين، فحقائق الدين واضحة، ولكن إمّا أن تعيشها، وإما ألاّ تعيشها، إن عشتها فأنت موقن بها، وإن لم تعشها فلست موقنًا بها، وهذا هو التوحيد.

2 ـ الرزق :

 موضوع آخر لليقين هو الرزق، قال تعالى:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة هود: 6 ]

 إذا بلغك أنه سوف يستغنون عن خدماتك في هذه المصلحة، تقول: من أين آكل وعندي خمسة أولاد وبيتي بالأجرة؟ تنام مذعورًا لأنّ يقينك بهذه الآية ضعيف، أما المؤمن فهو موقن أنّ الله هو الرزاق ذو القوة المتين:

((أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 المؤمن موقن أن رزقه بيد الله، وأجله بيد الله، لذلك يقول الحق، ولا تأخذه بالله لومة لائم، ولا يخشى أحداً إلا الله، فاليقين بالتوحيد موضوع كبير، ولاحظ نفسك حين تنقم على الناس إذا حرموك شيئًا تجِد يقينك بالتوحيد صفرًا، ولما تحب إنسانًا أعطاك شيئًا يقينك بالتوحيد صفر أيضًا، ولما يمرض أحدُ أولادك وتأخذه إلى الطبيب فيعاينه ويصف له دواء ويشفى، فتقول: ما شاء الله، ما أمهرَ هذا الطبيب، يحمل شهادة بورد، أمّا قبل أنْ تأخذه إلى الطبيب، يا ربِّ حرارته واحد وأربعون، التهاب سحايا، يا رب ليس لي غيرك، فأرسلك إلى طبيب ألهمه الدواء الناجح، وهذا الدواء سمح له أن يؤثر، فلمّا أثّر وتراجعت الحالة تقول: هذا طبيب ليس له مثيل، فهذا هو ضعف اليقين بالله عز وجل، أما المؤمن إذا أخذ ابنه إلى الطبيب وشفي، يقول: يا رب لك الحمد، أنت ألهمت الطبيب الدواء الناجح، وأنت سمحت للدواء أن يؤثر التأثيرَ الشافي، وأنت كتبت له الشفاء، لكن لما تعتقِد أنّ الخيرَ والشرَّ من الناس فهذا هو ضعف اليقين بالتوحيد.

3 ـ جزاء العمل :

 عندما يعتقد الإنسان أنّ دخله كبير نظرًا لخبرته العالية، ويقال عنه: هو في هذه المصلحة ثلاثون سنة، فهو فارسُ مهنته، والزبائن يتزاحمون فوق بعضهم، فالله عز وجل يؤدِّبه، قالوا: رجلٌ وصل إلى درجة مذهلة من الغنى في قطر عربي مجاور، فقال: أنا اغتنيتُ، أي أنّه لن يفتقر بعد اليوم و في اللغة الدارجة (قَبَرَ الفَقْرَ) - قال رجل صادق عندي: حينما مات جمعوا له من الناس مالاً كي تنفقوا على تجهيزه ودفنه، هذا الذي قال: أنا اغتنيت، فهو ضعيف اليقين، لأن الله عز وجل الذي أعطاه يسلبه، الله الذي أعطاه هذا المال قادر أن يسلبه إياه في دقائق، كل خبراتك من هذا العقل لو تعطل شيء في العقل، نقطة دم إذا تجمدت في بعض الشرايين تفقد ذاكرتك وكل معلوماتك، قد يكون الإنسان له مكانة كبيرة، رجل وصل إلى درجة مدير عام معه دكتوراه بالجيولوجيا، وله مكانة كبيرة، وسيارته على الباب، وزوجته فرنسية فقد بصره تحملوه شهراً ذهب البريد إلى البيت ثم سرحوه، زاره صديق قال له: أتمنى يا دكتور أن أبقى على الرصيف على هذا الثوب وأتسول و يرد الله لي بصري.
 بالصحن قطعة لحم دفعتها إلى زوجتك حتى هذا المستوى يجب أن يجزيك الله عليه، أُعطيت قطعة حلوى قلت في نفسك: هذه لابني أطعمتها له، هذه القطعة لها عند الله حسابها، أنت كان من الممكن أن تأكلها لا أحد شاهد ما قُدم لك، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة: 7-8 ]

 إذا عندك يقين في هذه الآية تقبل على العمل الصالح إقبالاً شديداً وتنتهي عن المعاصي انتهاءً عجيباً، بهذا الآية.

4 ـ اليقين الرابع أن الله مطلع عليك :

 اليقين الرابع أن الله مطلع عليك، مثلاً إنسان دخل يسرح شعره بلّ شعره فتذكر أنه لم يصلِّ العصر فقام ليصلي، أي أنت تدخل لمقابلة إنسان وشَعْرُك غير مسرَّح ومبلَّل؟ سرِّحه أولاً قبل أنْ تدخل في الصلاة، كذلك ما وجدت جاكيت البيجامة فصليت العصر بالقميص الداخلي، ألم تعلم أنّ الله يطَّلع عليك وأنّ هذا اللباس لا يليق للصلاة؟ قال تعالى:

﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾

[سورة الأعراف:31]

 سيدنا رسول الله استأجر أجيرًا، فخلع ثيابه واغتسل أمام الناس، فقال له: خذ أجارتك لا حاجة لنا بك إني أراك لا تستحيي من الله.
 يجب أن يكون عندك يقين بأن الله مطلع عليك في سرك وجهرك، في خلوتك وجلوتك، من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، ويجب أن يكون عندك يقين أنه: من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، وتحتاج إلى يقين تدرك به أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء، وإلى يقين بأن الرزق بيد الله، فهذه إذًا أربعة مواضيع، التوحيد، والرزق، وجزاء العمل، والاطلاع عليك، كلُّ هذا بيد الله، ويعلمه الله، فراقِبْ نفسَك.
 إذا خاطبك إنسان بلهجة قاسية تثب عليه لتأكله، أين اليقين بأن الله تعالى هو الذي أنطقه؟ وهو الذي سمح له أن يزعجك؟ فعُدْ إلى نفسك وانظُرْ ماذا فعلت، فما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بسبب منك:

﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

[ سورة آل عمران: 182 ]

 هذا هو اليقين حقًّاً، لذلك، وما قسَم الله لعباده نصيباً أوفرَ من العقل واليقين، فإنْ كنت عاقلاً وموقناً فقد ملكتَ كلَّ شيء، لكن لضعف يقينه صار ضعيفًا متردِّدًا، وقد يغدو مخذولاً.

* * *

أخبار سيدنا جعفر رضي الله عنه :

 لدينا بعض الوقت فلنَعُدْ إذًا إلى أخبار سيدنا جعفر رضي الله عنه، فقدْ قضى عند النجاشي عشر سنوات آمناً مطمئنًّاً هو وزوجته، وفي السنة السابعة للهجرة غادرا بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين متجهين إلى يثرب، فلما بلغوها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً لتوِّه من خيبر بعد أن فتحها الله له، فَفَرِح بلقاء جعفر فرحاً شديداً، حتى قال: ما أدري بأيهما أنا أشد فرحاً أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ انظر إلى هذه اللغة اللطيفة.
 ولم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصةً بعودة جعفر بأقلَّ من فرحة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان جعفر شديد الحدب على الضعفاء، كثير البر بهم، حتى إنه كان يلقب بأبي المساكين، قال أبو هريرة: "كان خير الناس لنا معشر المساكين جعفر بن أبي طالب"، فإذا كان لك عمل يا أخي السامِع، وبُحِثَ موضوعُ الفقراء والضعفاء والمساكين فلا تأخذ موقفًا عنيفًا، بل خذ موقف العطف، وكنْ محامياً لهم، مدافعًا عنهم، فهؤلاء المساكين الضعاف، كما قالوا: كان يمضي بنا إلى بيته، ويطعمنا ما يكون عنده، حتى إذا نفدَ طعامه أخرج لنا القربةَ التي يوضع فيها السمن، فنشقُّها ونلعق ما علق بها، ولم يطُل مكثُ جعفر بن أبي طالب في المدينة، ففي أوائل السنة الثامنة للهجرة جهز النبي عليه الصلاة والسلام جيشاً لمنازلة الروم في بلاد الشام، وأمَّر على الجيش زيد بن حارثة، وقال: إنْ قُتِل زيد أو أصيب فالأمير جعفر، فإن قُتِل جعفر أو أصيب فالأمير عبد الله بن رواحة، فإنْ قُتِل عبد الله أو أصيب فليَختَر المسلمون لأنفسهم أميراً منهم، فلما وصل المسلمون إلى مؤتة، وهي قرية واقعة على مشارف الشام، وجدوا أن الروم قد أعدّوا لهم مئة ألف تظاهرهم وتساندهم مئة ألف أخرى من قبائل لخم، و قضاعة، أما جيش المسلمين فكان ثلاثة آلاف رجل، وما أن التقى الجمعان ودارت رحى المعركة حتى خرّ زيد بن حارثة شهيدًا مقبلاً غير مدبر، فأسرع ووثب جعفر بن أبي طالب عن ظهر فرس كانت له شقراء، ثم عقرها بسيفه حتى لا ينتفع بها الأعداء من بعده، وحمل الراية وأوغل في صفوف الروم وهو ينشد:

يا حبذا الجنة واقترابهــا  طيبة وبارد شرابـــها
الروم روم قد دنا عذابهـا  كافرة بعيدة أنسابـــها
عليَّ إن لاقيتها ضرابها
***

 وظل يجول في صفوف الأعداء بسيفه ويصول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله، فأخذ الراية بصدره وعضديه، فما لبث أن أصابته ثالثة شطرته شطرين، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة، فما زال يقاتل حتى لحق بصاحبيه، فبلغ النبيَّ صلوات الله عليه استشهادُ قواده الثلاث، فحزن عليهم أشد الحزن، وأمضه الألم، وانطلق إلى بيت ابن عمه جعفر بن أبي طالب، فألفى زوجته أسماء بنت عميس تتأهَّب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها، وغسّلت بنيها ودهَنَتْهُم وألبستهم، فقالت أسماء: فلما أقبل علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأيت غلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، فَسَرَت المخاوفُ في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره، فحيا وقال: ائتني بأولاد جعفر، فدعوتهم له فهبُّوا نحوه فرحين مزغردين، وأخذوا يتزاحمون عليه، كلٌّ يريد أن يستأثر به، فأكبَّ عليهم صلى الله عليه وجعل يتشمَّمُهم، وعيناه تذرفان من الدمع، قلت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء؟ قال: نعم لقد استشهدوا هذا اليوم، عندئذ غابت البسمة من وجوه الصغار لما سمعوا أمهم تبكي وتنشج، وجمدوا في أماكنهم كأن على رؤوسهم الطير، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمضى وهو يكفكف عبراتِه ويقول: اللهم اخلف جعفراً في ولده، اللهم اخلف جعفراً في أهله، ثم قال: رأيت جعفرًا في الجنة له جناحان مضرَّجان بالدماء وهو مصبوغ القوادم.

قصة جعفر بن أبي طالب مع النجاشي :

 الإنسان له مواقف فلتَكُنْ نبيلة، وسيدنا جعفر وقف هذا الموقف المشرف، فما عليه إن مات شهيدًا، فإذا كان الإنسان منا له مواقف مشرفة في الحياة، فكل شيء زائلٌ عدا هذه المواقف، وكلٌّ إلى زوال، ماذا أكل؟ ماذا شرب؟ ماذا لبس؟ أين ذهب؟ ما نوع بيته؟ ما نوع أثاث بيته؟ كم دخْلُه؟ هذا كله زائل، ولكن الذي يبقى هذه المواقف المشرفة، مِن حبٍّ لله ورسوله، ألا لا إيمان لمن لا محبَّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، ألا لا إيمان لمن لا محبّة له، سيدنا جعفر له قصة مطولة مع النجاشي، وأنا آثرت أن أتجاوزها لضيق الوقت أولاً، ولأنكم سمعتموها مني مرات عديدة، لكني أوجزها، فقد وقف أمام النجاشي وقال:

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ))

[أحمد عن أم سلمة]

 هذا الكلام الموجز من سيدنا جعفر لخَّص الجاهلية والإسلام، فهو كلام بليغ موجز، هكذا كنا، وهكذا أصبحنا، ما قال له: خِفْنَا أن نصلي، مع أن الصلاة فرض، والصلاة وسيلة لهذه الأخلاق.

الإسلام بقي عند الناس صومًا وصلاة وشعائر مفرغة :

 سبحان الله فلقد اختلف الأمر وصار الإنسان إذا صلى ولو أكل أموال الناس بالباطل ولو آذاهم فإنه يحجُّ ويظن أنّ حجَّه يمحو كل مساوئِهِ مع الناس، إساءات، وإخلاف مواعيد، وكذب، وعدوان، وتلبيس على إبليس، فهذا كلُّه يفعله ولا يبالي، لذلك زَهِدَ الناس بالدين، وانفضوا عنه، ولو كان أهلُ الدين يعيشون قيمًا إسلامية رفيعة، إخلاصًا، وفاء، رحمة، بذلاً، تضحية لإدخال الناس في دين الله أفواجاً، ولهذا خرج الناس حقيقةً من دين الله أفواجاً، لأن الإسلام بقي عند الناس صومًا وصلاة وشعائر مفرغة، وعلى المسلمين أنْ يجعلوا الدينَ مكارم أخلاقية، وسيرة اجتماعية حسنة، وقدوة فذَّة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه و سلم، وعندئذ ترفرف راية الدين عالية.
 لكن الإنسان يفهم الدين عبادات فقط فهذا هو الفهم القاصر، أمَّا إذا فهم الدينَ كمالات، فهذا هو الفهم الصحيح، وبهذا الفهم الصحيح فتح الصحابةُ قلوبَ الناس قبل فتح البلاد.

الجمال و الكمال :

 ثم إني أعرِّج على موضوع قصير أعرِّف مِن خلاله الجمال والكمال، فاستمعوا لتعريف رسول الله حيث قال: "الجمال صواب القول بالحق"، فلنتكلم بالحق، والحق ليس عليه رد، والحق غذاء للنفوس كما أن هذا الجسد يحتاج إلى غذاء يومي هذه النفس تحتاج إلى غذاء والحق غذاؤها، الجمال صواب القول بالحق، والكمال حسن الفعال بالصدق، يكون عملك طيبًا، ولكن ليس نفاقاً ولكن صدقاً.

((الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

 تقع حالات وفاة مفاجئة، كأنْ تكون وفاة بحادث، فهذا إنسان عملُهُ طيب، فبينما هو بين أهله إذْ به بعد نصف ساعة قد توفي، وبعد ثلاث ساعات صار في القبر، لا يوجد روتين في دفن الموتى، يموت مثلاً الساعة العاشرة وعند الظهر يصير في التربة، يكون الساعة التاسعة لا يشكو من شيء، وفي التاسعة والنصف أصابتهُ سكتة قلبية، الساعة العاشرة توفي الساعة الثانية عشرة والنصف كان في التربة، فإذا كان مؤمنًا صار في الجنة، والنار كذلك فإذا كان في بحبوحة مثلاً ودخل كبير وعز وجاه، فحادث بسيط قد يجعله من أهل القبور، وإذا كان عمله سيئًا فإلى جهنم:

(( الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

 فالإنسان العاقل يهيِّئ نفسه، والمؤمن العاقل يعدُّ نفسَه دائمًا كأنه على سفر، وكل شيء جاهز، فالموت أقرب إلى المرء من بياض العين إلى سوادها، فالله نسأل الصواب والسداد.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018