٠9سبل الوصول وعلامات القبول
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

سبل الوصول - الدرس : 47 - الرضا عن الله


2009-02-18

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الرضا عن الله :

أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد يتصل أشد الاتصال بـ:" سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع: "الرضا عن الله".
أيها الأخوة، من الثابت أن الإنسان بين حالين، بين حالة الرضا وبين حالة السخط، الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب من الله، والسخط من لوازم البعد عن الله، القرب يؤكد أنك راضٍ عن الله.
الرضا عن الله من لوازم الإيمان
الآن تفسير الرضا، تعليله: طفل صغير على كرسي طبيب الأسنان، حينما يتألم يضجر، ويبكي، ويضطرب، وقد يمسك يد الطبيب لأنه لا يعلم أن هذا الألم لابد منه ولصالحه، إنسان راشد يجلس، يقول له الطبيب: قلبك لا يحتمل المخدر، يجب أن تتحمل فيتألم أشد الألم وهو يتحمل.
كلما زاد علمك زاد رضاك عن الله، وكلما قلّ علمك قلَّ رضاك، فالعلم متعلق بالرضا، إذاً الرضا من لوازم الإيمان، السخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب، السخط من لوازم البعد، الرضا من لوازم الاتصال بالله، السخط من لوازم البعد عن الله، العلماء قالوا: الرضا مستحبٌ مؤكد، فقد ورد في الأثر القدسي:

(( من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليلتمس رباً سوائي ))

[أخرجه الطبراني عن أبي هند الداري ]

حينما تنطلق من مقولةٍ رائعةٍ جداً، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذا كلامٌ دقيق لو استوعبه الإنسان لرضي عن الله، كل شيء وقع أراده الله، الإله العظيم صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى سمح به، ولو لم يكن هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغةٌ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها لم يسمح الله به، إذاً لكل واقعٍ حكمة، وقد يكون الموقِع مجرماً، معنى سمح به لا يعني أنه رضيه ولا أمر به، أراد ولم يأمر، أراد ولم يرضَ، لكن هكذا تقتضي الحكمة، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذه المقولة على إيجازها تملأ قلب المؤمن رضا عن الله.

 

الحال و المقام :

أيها الأخوة، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المانعة:

(( اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ))

[أخرجه أبو يعلى والطبراني والبزار والإمام أحمد وابن حبان عن عبد الله بن مسعود ]

أي يجب أن ترضى بالله وهذا قدرك، وينبغي أن ترضى بالله وهذا إيمانك، هناك فرق بين أن ترضى قدراً وبين أن ترضى إيماناً، أن ترضى قدراً يقول لك: ليس بيدنا شيء، أما أن ترضى إيماناً تشكره على قضائه وقدره.
لذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه: "الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين".
السكينة التي تغشى المؤمنين في مجلس العلم هي حال وهبي
هناك موضوع دقيق يحتاج إلى شرح، هناك عند بعض العلماء حالٌ ومقام، الحال وهبي، والمقام كسبي، أنت بجلسة فيها إنسان موصول بالله تشعر براحة كبيرة، هذه الراحة جاءتك من هذا المجلس، أما أنت في بيتك، وفي عملك، وفي شؤونك الخاصة، لست بهذا الحال، هذا الحال جاءك من هذا المجلس.

(( لو تكونون على كل حال على الحال الذي أنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة بأكفكم ولو أنكم في بيوتكم ))

[أخرجه الترمذي والدرامي والطبراني عن أبي هريرة ]

هذا شيء واضح جداً، الإنسان عندما يجلس مجلس علم، يقول لك: والله شعرنا براحة كبيرة، و هناك تعبيرات كثيرة تقابل هذه الراحة، التعبير القرآني أشعرنا بسكينة أي:

(( مَا اجتمعَ قَوم في بيت من بُيُوتِ الله تباركَ وتعالى يَتْلُونَ كتابَ الله عزَّ وجلَّ ويَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نزلت عليهم السكينةُ، وَغَشِيَتْهم الرحمةُ ، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ))

[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]

هذا الذي يصيب من يحضر مجلس علم هذا حال وهبي، أما حينما تجتهد أنت، وتجاهد نفسك، وهواك، وتزداد يقيناً، وتزداد قرباً، وتزداد اتصالاً، الحال الذي شعرت به في هذا المجلس يبقى مستمراً معك، هذا الحال الذي يبقى معك ملكك، هذا هو أنت، هذا هو المقام، المقام كسبي، الحال وهبي، الحال طارئ.
تصور راكب دراجة تعلق بسيارة، الآن حركته في الطريق الصاعدة ليست ذاتية من تعلقه بالسيارة، أما حينما يركب سيارة ملكه فيها محرك شخصي، الحركة ذاتية.
الفرق كبير بين الحال وبين المقام، المقام كسبي، الحال الذي تشعر به بسبب مقامك الذي حصّلته بجهدك، هذا شيء ثابت، أما كل إنسان بجلسة فيها درس علم يقول لك: والله سررنا، هذا السرور ليس منك من جو المجلس، لكن لا مانع من أن تكثر من هذه المجالس حتى تشتاق إلى أن تملك هذا الحال، فالفرق دقيقٌ جداً بين المقام وبين الحال.

 

بطولة الإنسان أن يملك مقام القرب لا أن يأتيه ومضة :

مقام القرب من الله الذي يحصله المؤمن بجهده وبذله وانضباطه مقامٌ كسبي
لذلك أيها الأخوة، الرضا كما تبين من هذه الملاحظة وهبي لكن هناك جانباً كسبياً، المقام الذي حصلته بجهدك، وجهادك، وبَذلك، وعطائك، وانضباطك، وإقبالك، وعملك الصالح، له منعكس حال، هذا الحال كذلك كسبي، الحال الذي يأتيك من دون جهد وهبي، أما الحال الذي يأتيك بعد جهد جهيد فهذا كسبي، فالبطولة أن تملك مقام القرب لا أن يأتيك ومضة، أو تأتيك مس من القرب من الله عز و جل، فالبطولة أنه إذا ذقت طعم القرب ستعمل على أن تتابع وتجاهد وتسعى كي تملك هذا الحال، أي المؤمن سعيد بأي حال.

(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))

[أخرجه مسلم، عن صهيب الرومي ]

أي كما قال بعضهم: إنك إذا بذلت ما كُلفت به من معرفةٍ بالله، من فهمٍ لكتابه، من استقامةٍ على أمره، جاءك الرضا، هذا الرضا منعكس هذا المقام.

 

الإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر أما المؤمن فالله يلقي في قلبه الأمن و السكينة:

أيها الأخوة: من الثابت لو أن الإنسان في أعلى مستويات الحياة، له دخل فلكي، دخل غير محدود، بيت متميز، مركبة فارهة، أي كل شيء في أعلى مستوى، ولم يكن هذا الإنسان راضياً عن الله فهو أشقى الناس.
الإنسان البعيد عن الله يعيش حالة قلقٍ دائم، أما المؤمن فيلقي الله في قلبه الأمن
لذلك قالوا: أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، فالإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر، دائماً فقير حقيقي لأنه يخاف الفقر، مريض حقيقي لأنه يخاف المرض، الآن بعض الأزمات القلبية سببها الخوف من أزمة قلبية، الناس يعيشون في قلق، أما المؤمن فالله عز وجل يلقي في قلبه الأمن.
أيها الأخوة، ولو أن إنساناً في أدنى مستويات الحياة، والله أذكر مرة دخلت إلى بيت يمكن أعلى بيت في جبل قاسيون، بيت متواضع بشكل لا يُتَصور، شعرت أن هذا البيت قطعة من الجنة، قد تسكن ببيت، ثمنه مئة وثمانون مليوناً، وقد تسكن ببيت أربعين متراً، فالله عز وجل عندما يلقي في قلبك السكينة أي مكان يصبح جنة.
قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي؟ يقول هذا العالم الجليل: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن ]

من تعرف إلى أسماء الله الحسنى ازداد قرباً منه واطمئناناً وثقةً وتوكلاً :

أخواننا الكرام، الآية الدقيقة جداً التي تؤكد هذا المعنى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد ]

من تعرف إلى أسماء الله الحسنى ازداد قرباً منه واطمئناناً وثقةً وتوكلاً
ذاقوا طعمها في الدنيا، أنا أقول بعبارة أخرى: إن لم تقل أنا أسعد الناس ففي الإيمان خلل، تتعامل مع من؟ مع خالق السموات والأرض، مع القوي، مع الغني، مع الكريم، مع الرحيم، وكلما تعرفت إلى أسماء الله الحسنى ازددت قرباً منه، واطمئناناً، وثقةً، وتوكلاً.
إنسان يطوف حول الكعبة يقول: يا ربي هل أنت راضٍ عني؟ قيل: إن وراءه الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله! أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ما هذا الكلام؟! فقال له الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، البطولة لا في الرخاء، أن تأتي الشدة وتقول: يا ربي لك الحمد.

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر ]

هناك آية يقشعر منها البدن:

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾

[ سورة ص الآية : 44 ]

إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه.

 

الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل :

أخواننا الكرام، الحظوظ؛ المال حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، يكون عندك زوجة جيدة جداً حظ، عندك أولاد أبرار حظ، لك سمعة طيبة حظ، هذا أنا أسميه حظوظ، الحظوظ ثابتة الذي معه مئة مليون مئة مليون، الذي معه ألف ألف، المشكلة في منعكسات الحظوظ، أحياناً إنسان بالمنفردة وهو راضٍ عن الله، والله لا أبالغ في جنة، أنا لا أتكلم من فراغ، حدثني أناسٌ كثيرون في جنة، وبقصر منيف في وحشة، البطولة منعكس ما عندك، قد يكون ما عندك شيء بسيط، لكن منعكسه رضا عن الله.
لذلك أنا ذكرت هذا الموضوع لأنه من أشد الموضوعات اتصالاً بسبل الوصول وعلامات القبول، المؤمن راضٍ عن الله، راضٍ عن قضائه وقدره، راضٍ عما فيه، وراضٍ عما ليس فيه، انظر الدعاء ما أدقه:

(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]


>أنت أمام أحد أمرين؛ شيءٌ تحبه نلته، وشيء تحبه لم تنله، إن نلته قل: يا رب اجعله في سبيلك، اجعله قوة لي في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً ألقاه يوم ألقاك، وإن زويت عني المال ينشأ فراغ ناتج عن قلة المال، الذي عنده أموال طائلة تحتاج إلى وقت لإدارتها، و الذي لا يوجد عنده شيء عنده وقت فراغ كبير، يا رب إن رزقتني مالاً وفيراً اجعله في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً أتقرب به إليك، وإن زويت عني المال اجعل الفراغ الناشئ عن قلة المال في سبيلك.
أخواننا الكرام، مرة أخ كريم دعاني إلى أن أزور أخاً في حمص، دخلت إلى بيته رأيته مستلقياً على فراش، قال لي: أنا بهذا الوضع من سبعةٍ وعشرين عاماً، صدقوا ولا أبالغ هذا الأخ الذي ابتلاه الله بهذا البلاء عنده ثقة بالله، وعنده معنويات عالية، وعنده رضا عن الله يفوق الأصحاء، أناسٌ كثيرون زاروه، راض عن الله، مرة زاره عالم قال له: إن شاء الله أنت من أهل الجنة، قال له: أنا في الجنة الآن، الآن في الجنة! حينما ترضى عن الله فأنت في جنة، والساخط يكون معه مئة مليون يقول لك: لا يوجد ربح، ما معنى خسرنا؟ أي نزل ربحه إلى ثلاثين مليوناً وهو ساخط عن الله، هناك ناس بقمة النعم وهم ساخطون، و شخص لا يوجد عنده شيء وهو راض عن الله، الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل.

 

على المسلم أن يعتز بدينه الذي ارتضاه الله له :

وعن العباس بن عبد المطلب:

(( إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]

على المسلم أن يعتز بدينه الذي ارتضاه الله له
أي الخمر حرام، دعي إلى طعام قدم له خمر، قال: أنا معي قرحة، لا، قل: أنا مسلم، اعتز بدينك، أنا لا أشرب الخمر، معه قرحة، استحى بدينه، يريد أن يصافح امرأة خجل، فلف يده، قل: أنا لا أصافح.
مرة ببلد عربي وزير نفط دعا وزيرة النفط البريطاني، طبعاً أخذ كبار موظفيه لاستقبالها في المطار، أحد كبار موظفيه امتنع عن مصافحتها، فانزعج الوزير انزعاجاً بالغاً، وقال له: لمّ لم تصافحها؟ قال له: أنا هكذا، هناك دعوة على الغداء قال له: لا تأتي، طرده، قال له: وليكن، في الظهيرة على طعام الغداء قالت له: هناك إنسان لم يصافحني، أين هو؟ فشعر بالإحراج وقال لها: اعتذر، قالت: أرغب بالالتقاء به، قال لهم: أخبروه ليأتي، جاء قالت له: لما لم تصافحني؟ قال لها: والله أنا مسلم وديني يمنعني من أن أصافح امرأةً أجنبية، وأنت امرأةٌ أجنبية، فكرت فكرت، فقالت للوزير: لو أن المسلمين أمثال هذا لكنا تحت حكمكم، اعتز بدينك لا تستحِ.

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت]

اعتز بدين لا يوجد فيه ربا، والله عز وجل عاقب أهل الأرض بانهيار النظام المالي، اعتز بدين حرم الخنزير، والله عاقب أهل الأرض من مئتي حالة إلى إحدى عشرة ألف حالة خلال أربعة أسابيع، والمرض يزداد انتشاراً، أخواننا الكرام:

(( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]

اعتز بهذا الدين، الربا محرم، الاختلاط محرم، الملهيات التي لا ترضي الله محرمة، اعتز بهذا الدين وارضَ به، لا تستحِ به، أهل الدنيا كل أفكارهم سوداوية يقول لك: هناك فقر قادم أي الغذاء لا يكفي الأرض، هناك مجاعات، دائماً يعطيك الأفكار السوداوية السيئة.
مرة زارنا أخ عضو في حوض دمشق، والله حدثني حديثاً عن هبوط مستوى المياه في هذا الحوض، واحتمال الجفاف الكلي ـ القصة قديمة طبعاً ـ لم أستطع أن أقف، أي الشام انتهت، لكن العام الذي بعده أكرمنا الله بثلاثمئة وسبعين ملي، وهناك ينابيع من ثلاثين سنة غارت، تفجرت، فدائماً البعيد عن الله سوداوي، دائماً يؤوس، قنوط ، كل الأخبار سيئة، لا تقبل هذه الأخبار.

 

الله موجود وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى :

أنا أقول لكم هذه الكلمة: تكلم ما شئت، اسمع ما شئت، لا تنسى أن الله موجود، وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى، هذه الدولة العملاقة المتعجرفة، من يظن أن انهيار النظام المالي أضعفها كثيراً؟ من يظن؟ هناك أشياء كثيرة لم تكن في الحسبان، هذه العصا الغليظة، إسرائيل في المنطقة التي صُممت وجهزت لتكون العصا الرادعة لأي دولة شرق أوسطية، وحروبها السابقة معروفة، كل كم سنة هناك حرب، حرب طاحنة، جيوش وقفت أمامها فئة قليلة في عام ألفين وستة تحدتها، وفئة قليلة في عام ألفين وثمانية تحدتها، فهذه العصا الغليظة كُسرت، وصار الآن همهم البقاء وليس الأمن، اختلف الوضع، أحياناً تجد هناك تطورات ليست من صنعك، من صنع الله عز وجل، الله موجود، قل: الحمد لله على وجود الله .
الله موجود وفي أي لحظة يقلب موازين القوى
أيها الأخوة قال تعالى:

﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة البقرة ]

ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يرجع هذا التدافع، عندما كان هناك تدافع الدول الضعيفة مرتاحة جداً، وعندما التغى التدافع صار هناك قطب واحد، الدول الضعيفة تعبت كثيراً لكن على كلٍّ:

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 34 ]

لا يوجد شيء يستمر، حتى الأمم لها آجال،

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

لذلك مرة اطلعت على تقرير للسي أي إي يؤكد أن عمر إسرائيل بقي له عشرين عاماً، التعليل هو الهجرة المعاكسة بسبب انعدام الأمن.

 

الرضا حال يلازم الإيمان والسخط يلازم الكفران :

أيها الأخوة، عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( مَنْ قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحدَهُ لا شريك له وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، رَضِيتُ بالله ربّاً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دِيناً غُفِرَ له ذَنْبُه ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ]

أي حال الرضا حال يلازم الإيمان، والسخط يلازم الكفران، الرضا يلازم العلم، والسخط يلازم الجهل، الرضا يلازم القرب من الله، والسخط يلازم البعد، والدنيا مؤقتة، فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره بحيث أعطاه الدنيا.
هذه البيوت الرائعة جداً، والمركبات الفارهة، والطيران، ما رآها النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق، فمعنى ذلك هناك في الجنة:

(( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة :

أخواننا الكرام، من رضي عن ربه فقد عرفه، ومن عرفه رضي عن ربه، أي هناك علاقة ترابطية، حينما ترضى عنه يرضى عنك، الدليل:

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾

[ سورة البينة الآية : 8 ]

المؤمن راضٍ عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة
علامة رضاه عنك أنك ترضى عنه.
والله أخ طبيب بالمستشفى جاءه مريض معه ورم خبيث منتشر بأمعائه، جلس في غرفة، كلما زاره رجل يقول له: اشهد أنني راضٍ عن الله، يا رب لك الحمد، عجيب! هذه الغرفة استقطبت الناس، يدخل الطبيب يرتاح، الممرض يرتاح، هناك أنوار في هذه الغرفة، وآلام لا تحتمل، صابر، وكلما جاءه شخص يقول له: يا رب إنني راضٍ عنك فارضَ عني، اشهد يا أخي أنني راضٍ عن الله، أربعة أيام أو خمسة توفاه الله، و هذه الغرفة منورة، وفيها تجليات رائعة، لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جاء مريض بالمرض نفسه وبالغرفة نفسها، ما من نبي إلا وسبه، يسب، ويصرخ، فأهملوه، الله عز وجل أطلع أهل المستشفى من هو المؤمن، من هو غير المؤمن، بالمرض نفسه، وبعد عدة يوم مات.
أي المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة، حتى في المرض الشديد، راض لا يتكلم كلمة.
أخ من أخواننا توفاه الله بمرض خبيث، تقول زوجته: سنتان لم يتكلم كلمة غلطاً، سنتان و هو يعاني من آلام لا تحتمل، هذا حال الرضا، حال كبير جداً، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من هؤلاء، العلماء قالوا: الرضا باب الله الأعظم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018