٠9سبل الوصول وعلامات القبول
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

سبل الوصول - الدرس : 49 - مفهوم الزهد


2009-02-20

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الزهد :

أيها الأخوة الكرام، مع درسٍ جديد وموضوعٍ جديد من دروس: "سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع "الزهدِ".
آياتٌ كثيرةٌ جداً وردت في الزهد من حيث المضمون، أما من حيث اللفظ فليس في القرآن الكريم إلا آية واحدة، هي قوله تعالى في معرض الحديث عن سيدنا يوسف:

﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾

[سورة يوسف ]

من حيث اللفظ هذه الآية الوحيدة، من حيث المضمون آياتٌ كثيرةٌ جداً فحواها يشير إلى الزهد.

 

حقيقة الزهد :

أيها الأخوة، العلماء قالوا: "الزهدُ أن تنصرف عن الشيء احتقاراً له، وتصغيراً لشأنه، وتستغني به بشيءٍ خيرٍ منه".
ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها
هناك نقطة مهمة جداً في موضوع الزهد، ليس الزهد أن ترفض نعم الله عز وجل، هذا ليس زهداً، الزهد أن تستخدم نعم الله عز و جل فيما سمح لك به، أو أن تستعين بهذه النعم على طلب الآخرة، أو أن تسخر هذه النعم لأعمالٍ صالحةٍ ترقى بك عند الله، هذا هو الزهد، لا أن ترفض الدنيا بل أن تستخدمها ابتغاء رضوان الله، أن تستخدم النعم التي أنعم الله بها عليك فيما أمر الله، وأن توظفها في العمل الصالح، هذه هي حقيقة الزهد على خلاف ما يتوهم بعض الناس، الآية الدقيقة:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50 ]

أي ليس على وجه الأرض من هو أضل:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

أما الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل فلا شيء عليه بنص هذه الآية، أي اشتهى المال فكسبه من طريقٍ مشروع، اشتهى المرأة فتزوج، من اتبع هواه وفق منهج الله فلا شيء عليه، إذاً ليس في الإسلام حرمان، في الإسلام تنظيم، ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها.

 

الزهد الحقيقي أن تكسب المال وتجعله بيديك لا بقلبك وتوظفه في الحق :

أيها الأخوة، إذاً الزهد ليس أن ترفض المال وأن تكون فقيراً، أن تكون عالةً على الناس، أن تكون يدك هي السفلى، ليس الزهد أن تفتقر، ولكن الزهد الحقيقي أن تكسب المال، وأن تجعله بيديك لا بقلبك، وأن توظفه في الحق.
الزهد الحقيقي أن تكسب المال وأن تجعله بيديك لا بقلبك
سيدنا الصديق كان غنياً، أنفق كل ماله لرسول الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، قال: فبكى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وقال: ما أنا ومالي إلا لك ))

[أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ]

من أنا؟ إذاً سيدنا الصديق كان زاهداً، لأنه وظف ماله في خدمة الدعوة.
وأي إنسان يوظف ماله، يوظف علمه، يوظف جاهه، يوظف ما رزقه الله، في سبيل الله، هذا يعد في قمة الزهد، ليس الزهد أن تكون ضعيفاً، فقيراً، محروماً، تتمنى ما عند الناس، ليس الزهد أن تتضعضع أمام قويٍ أو غني، الزهد أن تكون يدك هي العليا.

 

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا بعد أن يؤمن بالله :


لذلك في هذا الموضوع الحديث الأول هو قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام مسلم:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

المؤمن القوي بقوة العلم فإن فرص المساعدة والعمل الصالح مفتوحة أمامه
لكن النبي كما تعلمون بالتعبير الدارج جبار خواطر قال:

(( وفي كلّ خير ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

كل مؤمن على العين والرأس ولو كان ضعيفاً أو فقيراً ، لكن:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

التعليل: لماذا أنت في الدنيا؟ بعد أن تؤمن ما المهمة الأولى التي ينبغي أن تفعلها؟ أن تعمل عملاً صالحاً يكون زادك إلى الجنة، بعد أن تعرف الله، بعد أن تعرف سرّ وجودك، بعد أن تعرف غاية وجودك، بعد أن تؤمن بالآخرة، العمل الأول أن تعمل عملاً صالحاً، والدليل الإنسان وهو على مشارف الموت يقول :

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 99-100 ]

أي المؤمن علة وجوده في الدنيا بعد أن يؤمن أن يعمل صالحاً، الآن عندما قال النبي الكريم:

(( المؤمن القويُّ ))

لأن القوة هي قوة المال، ولأن القوة هي قوة المنصب، ولأن القوة هي قوة العلم، القوى الثلاثة الكبيرة قوة المال، وقوة العلم، وقوة المنصب، فأنت إذا كنت قوياً فرص العمل الصالح أمامك لا تعد ولا تحصى، معك مالٌ وفير يمكن أن تنشئ ميتماً، معهداً شرعياً، أن تنشئ سكناً للشباب، أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى إذا كنت غنياً، وإذا كنت عالماً أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى، وإذا كنت في منصبٍ رفيع بجرة قلمٍ تحق حقاً وتبطل باطلاً، تقر معروفاً وتزيل منكراً.
لذلك ينبغي أن تكون قوياً، وإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً من أجل آخرتك، من أجل أن تعمل أعمالاً كبيرة .

 

الزهد في حقيقته لا أن يرفض الإنسان الدنيا ولكن أن يوظفها للآخرة :

فيا أيها الأخوة، هناك مفهوم شائع في أوساط غير المتعمقين في الدين، إنسان بسيط جداً في زاوية، معزول ليس بيده شيء، هذا زاهد، لا، الزاهد من زهد في شيءٍ خسيس وأقبل على شيءٍ نفيس .
المؤمن هو أن تحجز بقوتك و بعلمك الذي علمته في طاعة الله مكاناً في الجنة
أيها الأخوة، الزهد في حقيقته لا أن ترفض الدنيا، ولكن أن توظفها للآخرة، الزهد لا أن تكون أمياً، ولكن أن تكون مثقفاً ثقافةً عالية تسخرها للدعوة إلى الله، الزهد لا أن تكون عالةً على الآخرين، الزهد أن تكون في خدمة الآخرين، هذه المعاني الإيجابية للزهد ترفع من شأن المؤمن، النبي عليه الصلاة و السلام طلب النخبة فقال : " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين".
وأقول لكم الآن: ينبغي أن يكون المؤمن قوياً، أستاذ جامعي كبير، عالم كبير، صناعي كبير، تاجر كبير، لماذا؟ لكن وفق منهج الله، لأن قوة المؤمن قوة للمؤمنين، النبي طلب النخبة، والمؤمن القوي الأصل في هذا الدرس هذا الحديث:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

المؤمن أن تحجز ـ إن صحّ التعبير ـ بقوتك التي أنفقتها في طاعة الله، بمالك الذي أنفقته في طاعة الله، بعلمك الذي علمته في طاعة الله، بجاهك الذي وظفته في طاعة الله، أن تكون حاجزاً مكاناً في الجنة.

 

اللعب عمل عابث لا جدوى منه وليس له أثر مستقبلي :

أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الزاهد هو الذي يزهد بشيءٍ محتقر، ويطمح إلى شيءٍ معتبر، قال تعالى:

﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الحديد الآية : 20 ]

أنما تفيد القصر والحصر :

﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾

[ سورة الحديد الآية : 20 ]

اللعب عمل عابث لا جدوى منه، وليس له أثر مستقبلي
معنى لعب؛ أي اللعب، لو إنسان بقي حتى الساعة الثانية ليلاً يلعب النرد ـ ولعب النرد حرام ـ من لعب النرد فكأنما غمس يديه في لحم خنزير، للساعة الثانية، هذا الوقت الذي أمضاه اللاعبان في لعب النرد، ماذا ينتج عنه؟ لا شيء إطلاقاً، أي عمل عابث، اللعب عمل عابث لا جدوى منه، وليس له أثر مستقبلي.
أوضح من ذلك إنسان جلس في حوض ماء فاتر في بيته، هل يصبح تاجراً كبيراً؟ هل يصبح مثقفاً ثقافةً عالية؟ الاستمتاع ليس له أثر مستقبلي أبداً، حتى اللعب البريء ليس له أثر.
مرّ بعض الصالحين بأناسٍ يلعبون النرد في مقهى فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.
الوقت أنت، أنت أيها الإنسان بضعة أيام، كلما مضى يوم مضى بضعٌ منك، فلذلك الحياة الدنيا لعبٌ، عمل لا طائل منه، إنسان اعتنى بحياته الخاصة عناية تفوق حدّ الخيال، ثم جاءه ملك الموت، هل تعد حياته الناعمة سبباً لدخول الجنة؟ لا أبداً، ترك هذا البيت ووضع في القبر.
الإنسان أحياناً يكون له قريب غني جداً، يموت يذهب للتعزية، هناك سؤال؛ من اشترى هذا البلاط؟ المرحوم، من اختار هذه الثريات؟ من اختار هذا المنظر الطبيعي الجميل؟ من اشترى هذا البيت أصلاً؟ من صمم هذا البيت؟ أين صاحب البيت؟ تحت أطباق الثرى.

 

اللهو واللعب :

أيها الأخوة،

﴿ لَعِبٌ ﴾

أي عمل عابث ليس له أثر مستقبلي، تدرس تصبح دكتوراً، تاجراً، تصبح أكبر تاجر، لكن بأمور اللعب مهما أمضيت الوقت في اللعب فليس له أي أثر مستقبلي، هذا هو اللعب، أي عملٌ عابث ليس له أثر مستقبلي أبداً.

﴿ وَلَهْوٌ ﴾

على المؤمن أن لا يغتر بذكاء أبنائه ونجاحهم ويسهو عن تعليمهم الدين
اللهو أن تغوص في أعماق البحر لتبحث عن الأصداف لا عن اللآلئ، أن تلهو بشيءٍ خسيس عن شيءٍ نفيس، هذا اللهو، أن تنشغل بشيءٍ خسيس، بأعماق البحر لؤلؤ، واللؤلؤ غال جداً، يغوص، ويخاطر، وقد يموت بحثاً عن الصدف لا عن اللؤلؤ، هذا هو اللهو.

﴿ لَعِبٌ ﴾

عمل ليس له أثر مستقبلي،

﴿ وَلَهْوٌ ﴾

أن تشتغل بالخسيس عن النفيس.

﴿ وَزِينَةٌ ﴾

زينة أي شيء له منظر رائع، لكن سوف تتركه وتمضي.

﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾

يقول لك: عندي ثلاثة أطباء، لم يهتم بدينهم إطلاقاً، اهتم بلقب دكتور، أما ابنه لا يصلي، يصلي، عندما سافر إلى بلاد الغرب وقع في الفاحشة، هذه قضية ثانوية جداً، المهم أنه أنجب أولاداً نجباء:

﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾

أيها الأخوة، للتقريب طالب التحق بمدرسة، اهتم بمقعد على النافذة، اهتم بمقعد مريح، جاء بشيء يأكله أثناء الدرس، جاء بأجهزة، بألعاب، كل هذا النشاط يتناقض مع كونه طالباً، و طالب اهتم بالدراسة، اهتم بطلب العلم، اهتم بنيل شهادة عليا، وآخر اهتم بمقعد مطل على الشارع، اهتم بأشياء يأكلها في أثناء الدرس، بمجلة يتصفحها على رجليه دون أن يرى المعلم، أي اهتم بشيء يتناقض مع وجوده في هذه المدرسة، هذا هو الذي ينبغي أن ننتبه إليه.

 

ظاهر الحياة الدنيا أنها لهو و لعب و تفاخر أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة :


أيها الأخوة، حقيقة الحياة الدنيا هكذا:

﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾

هذا ظاهر الدنيا، أما حقيقتها فهي مزرعة الآخرة، المؤمن حينما يدخل الجنة يقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 74 ]

ظاهر الحياة الدنيا أنها لهو و لعب و تفاخر أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة
جاء الله بنا إلى الدنيا، في الدنيا تعرفنا على ربنا، في الدنيا أدينا الصلوات، في الدنيا أدينا العبادات، في الدنيا أدينا الأعمال الصالحة، هذه المعرفة، وهذه الصلوات، وهذه العبادات، وهذه الأعمال الصالحة هي سبب وصولنا إلى الجنة، لذلك نقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾

معنى ذلك أن ظاهر الحياة الدنيا

﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾

هذا ظاهرها، أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة، الحياة الدنيا تسبق الحياة العليا، الحياة الدنيا تتعرف فيها إلى الله، والحياة العليا تقطف ثمار هذه المعرفة، الحياة الدنيا تستقيم فيها على أمر الله، والحياة العليا تستفيد من هذه الاستقامة، الحياة الدنيا مملوءة بالأعمال الصالحة، والحياة الآخرة تعد هذه الأعمال الصالحة سبباً لرقيك في الجنة.
لذلك الدنيا لها شيء آخر، الدنيا جنة للمؤمن، قال بعض العلماء: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد ]

في الدنيا المؤمن ذاق طعم الجنة وهو في الدنيا ، بل إن بعض العلماء يقول:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن ]

جنةٌ في الدنيا وجنةٌ في الآخرة ، واقبلوا هذا الكلام مني إن لم تقل أنا أسعد الناس لأنك عرفت الله، عرفت سرّ وجودك، عرفت غاية وجودك، جعلت الدنيا مطية الآخرة، جعلت الدنيا في خدمة الآخرة، جعلت المال الذي أكرمك الله به، أنفقته في طاعة الله، جعلت جاهك في خدمة الحق، جعلت علمك في خدمة الحق، الدنيا جميلة جداً، جميلة بطاعة الله، بمعرفة الله، بالعمل الصالح، أنجبت أولاداً أبراراً، ربيتهم تربيةً إسلامية، أنجبت بناتٍ طاهرات زوجتهن من شبابٍ مؤمنين.

 

الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح :

أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران ]

البطولة أن ترى حقيقة الدنيا في مقتبل العمر وأن تجعلها في يديك لا في قلبك
كلمة غرور دقيقة جداً، أنا أضرب مثلاً لعلي ذكرنه لكم: أعرف رجلاً ـ توفي رحمه الله ـ عنده دعابة؛ يجمع قمامة المحل التجاري ويضعها في علبة ثمينة، ويغلفها بورق هدايا، ثم شريط أحمر مع وردة، يضعها على الرصيف، إنسان عابر يتوهمها مطيف ألماس، قطعة ذهبية غالية جداً، يحملها ويمضي، ويظن أنه حصّل ثروةً كبيرة، بعد مئتي متر يفك الشريط، بعد مئتي متر أخرى ينزع الورق، بعد مئتي متر ثالثة يفتح العلبة، فإذا فيها قمامة المحل، هذا المثل الصارخ يعبر عن الدنيا عند الموت، يراها لا شيء، يراها لعباً، ولهواً، وزينةً، وتفاخر، وتكاثر، وينسى العمل الصالح.
لذلك العلماء قالوا : الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

إذاً هي متاع الغرور، تبدو لك بحجمٍ كبير، في مقتبل الحياة ترى المال شيئاً عظيماً، ترى المرأة شيئاً نفيساً، في منتصف الحياة ترى المال شيئاً لكن ليس كل شيء، في نهاية المطاف لا ترى شيئاً إلا أن تطيع الله عز وجل،

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

تستمتع بها، وتغتر بها، وتتوهمها بحجمٍ أكبر بكثير من حجمها الحقيقي، فالبطولة أن ترى حقيقتها في مقتبل العمر، البطولة أن تجعلها في يديك لا في قلبك

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

الدنيا تغر وتضر وتمر :

أيها الأخوة، الآية الثانية، يا أيها الناس:

﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة لقمان ]

من هو الغرور ؟ الشيطان.

﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[ سورة النساء ]

وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور
تجد الإنسان الذي غفل عن الله له طموحات كثيرة، يتمنى أن يكون أكبر تاجر، يتمنى أن يكون في قمة المجتمع، يتمنى أن يكون في أعلى منصب، في أعلى مكانة، يتمنى أن يسكن في أجمل بيت،

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

أنا كنت مرة في مدينة في الشمال، أطلعوني على شارع فيه أبنية من الفخامة تفوق حدّ الخيال، بالسبعينات كان هناك بناء يأخذ بالألباب، الرخام فقط كلف مئات الملايين، شيء يفوق حدّ الخيال، صاحبه كان طويل القامة، توفي في الثانية والأربعين وكان لحكمةٍ بالغة القبر قصير، فكان أقصر من قامته، وضعه الحفار في القبر ودفعه من صدره حتى صار بشكل حرف لام ، صاحب هذا البناء الضخم هذا مصيره

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

الدنيا تغر، وتضر، وتمر، عندنا الدنيا تغر، والغرور هو الشيطان

﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

أي الشيطان يعطي الدنيا حجماً كبيراً، يعطي اللذائذ حجماً كبيراً، يعطي المكانة الاجتماعية حجماً كبيراً، على حساب دين الإنسان، وعلى حساب مبادئه وقيمه.
سيدنا علي يقول: "يا دنيا طلقتك بالثلاث، غري غيري، شأنك حقير"، أي الدنيا تغر، وتضر، وتمر.
أحد أخوتنا الكرام يعمل في الأبنية، في مصيف قرب دمشق، مرة كنت عنده أطلعني على بيت ما شاء الله! يفوق حدّ الخيال، الأبهاء، والغرف، والكسوة من أعلى مستوى، أذواق رفيعة جداً، إطلالة، شرفات، مطابخ، غرف، قال لي: بعد أن انتهى البيت طلب مني صاحب البيت أن آتيه بمنظم كهربائي من أجل ثبات القوة الكهربائية، هيأته له، قال لي: أنا الخميس إن شاء الله سأستقر في هذا البيت، جاء الخميس لم يأتِ أحد ، الجمعة لم يأتِ أحد، السبت اتصلت بصاحب البيت فقالت له زوجته: والله مات.
والله هناك أبنية تأخذ بالألباب لم يتح لأصحابها أن يسكنوها، إنسان أُتيح له أن يغسل فيه بعد أن مات، هكذا الدنيا تغر، وتضر، وتمر .

 

أيّ عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً لأن عطاء الله أبدي :

أيها الأخوة:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد ]

أي عطاء مهما كان عظيماً ما دام هناك موت ينتهي فيه فليس بعطاء
المؤمن يتعرف إلى الله، والله عز وجل يصبغ عليه من النعم ما تكفيه، لكن الأصل أنه يعبد الله، أنه في طريقه إلى الجنة، والله عز وجل يخاطب الكفار فيقول:

﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾

[ سورة إبراهيم ]

والله عز وجل يخبرنا ويقول:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة النساء الآية : 77 ]

إله ينصحنا

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

أخواننا الكرام، أي عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً، أي عطاءٍ مهما كان عظيماً ما دام هناك موت ينتهي فيه فليس بعطاء، عطاء الله أبدي.

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

[ سورة البينة الآية : 8 ]

والله عز وجل يعتب علينا حينما يقول:

﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[ سورة الأعلى ]

خيرٌ من الحياة الدنيا وأبدية، الدنيا أقل ومؤقتة.
أيها الأخوة، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله نتابعها غداً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018