٠9سبل الوصول وعلامات القبول
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

سبل الوصول - الدرس : 52 - الشرك يعيق الوصول إلى الله، والعمل بالمراءاة من الشرك


2009-02-23

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الرياء من الشرك الخفي :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ دقيقٍ جداً يتصل بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" اتصالاً سلبياً، أي أنه يعيق الوصول إلى الله، ألا وهو موضوع "الشرك"، قال شداد بن أوس: رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يبكي، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: الرياء من الشرك الخفي وهو أن تكون بوجهين

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم ))

[أخرجه الإمام أحمد عن شداد بن أوس ]

فالمراءاة من الشرك الخفي، أي أن تعمل عملاً أمام الناس كي تنتزع إعجابهم وفيما بينك وبين نفسك هذا العمل الطيب لا تفعله، تفعله أمام الناس، هذا هو الرياء، والرياء من الشرك الخفي، وفي حديثٍ آخر:

(( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء ))

[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]

الرياء شرك.

 

أنواع الشرك الخفي :

وقد عدد بعض العلماء أنواع الشرك الخفي: من حلف بغير الله فقد أشرك، ومن علق تميمةً فقد أشرك، يعلقون حدوة حصان، أو حذاء صغيراً، هذا كله من الشرك، هذه الحدوة لا تحفظ ولكن الله هو الحافظ، والعوام لهم أعمال كثيرة كلها من الشرك الخفي، ومن أسند الحفظ والرعاية إلى غير الله فقد أشرك، لو عنده كلب حراسة وقال: لولا الكلب لأتى اللصوص فقد أشرك، لولا هذا الطبيب لمات ابني فقد أشرك، الحفظ والرعاية إذا عُزيت لغير الله فهذا نوعٌ من الشرك ـ والعياذ بالله ـ أو حينما تجعل لله نداً، خطيبٌ وقف أمام النبي عليه الصلاة و السلام فقال :

((ما شاء الله وشئت قال : جعلتني لله نداً ما شاء الله وحده ))

[ أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]

يدخل أيضا في الشرك الخفي التمائم والخرزة الزرقاء
أيها الأخوة : وفي حديثٍ آخر ، سمع النبي صلى الله عليه و سلم خطيباً يقول :

(( مَنْ يُطِع الله ورسولَه فقد رشَد، ومن يَعْصِهما فقد غَوَى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت، قل: وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله))

[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]

ومن يعصهما: أي جعل الإله العظيم مع رسوله الكريم بضمير المثنى:

(( وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]

ومرّ عمر رضي الله عنه برجلٍ يطأطئ رأسه في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب.
الإنسان أحياناً إذا صلى أمام الناس يبالغ في الخشوع، قال له: ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب ولكن الخشوع في القلوب .

 

من شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص :

أيها الأخوة: هناك شركٌ خفي خطيرٌ جداً، يقول الله عز وجل يصف المؤمنين قال:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة يوسف ]

أن تبدي الصدقة لك أجر لأنك بهذا تشجع الناس على الإنفاق
طبعاً المعنى هنا الشرك الخفي غير الجلي، لذلك الإخلاص ألا يرى الإنسان في إخلاصه الإخلاص، فمن شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص، أحياناً يتحدث عن إخلاصه أمام الناس، هذا الإخلاص الذي يتحدث عنه أمام الناس يحتاج إلى إخلاص.
المؤمن يخفي أعماله الصالحة كما يخفي أعماله السيئة خوفاً من الرياء، لكن هناك مواطن معينة لابد من أن تعلن ذلك.
أذكر مرة كان هناك بعض الجمعيات الخيرية، يدعون المحسنين قُبيل رمضان للتبرع، فكنت ألقي كلمةً فيهم، فكان المجموع رقم فلكي بالملايين، مرة جربوا طريقةً أخرى أن يعطوا أوراقاً ليملأها المحسنون فكان مجموع ما حصلوا عليه ستمئةُ ألف، العشر، أحياناً الإنسان إذا قال: أنا سأدفع مئة ألف، شريكه يقول: أنا مئة ثانية، مع كل واحد ورقة كتب أحدهم خمسة وعشرين، والثاني خمسة، لكن قال الشريك: مئة فقال الثاني: مئة، لذلك:

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 271 ]

أحياناً أن تبدي الصدقة لك أجر بهذا ، إنك بهذا تشجع الناس على الإنفاق.

 

المشرك من يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار :

أخواننا الكرام: الموضوع خطير جداً، لا يوجد إنسان يعصي الله إلا بسبب الشرك، هو لماذا يعصيه؟ من أجل شهوةٍ يؤثرها، لو علم أن القرب من الله أسعد للإنسان من هذه الشهوة لما عصى، إذاً هو لا يعرف ما عند الله من سعادة لو أطعته، لماذا يعصي الله؟ من أجل المال، لو علم أن الله هو الرزاق وحده لأطاعه، والله عز وجل كافأه بأضعاف مضاعفة، لأنه:

(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

أي إنسان يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار فهو مشرك
أيها الأخوة، دققوا في هذه الآية:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

[ سورة القصص الآية : 57 ]

يقول محام الآن: إن صدقت لا تأتيني ولا دعوى، من قال لك ذلك؟ هذا شرك، إن أطعته تبقى بلا دخل وإن عصيته ترزق؟ هذا كلام غريب، إن لم أغش لا أربح آلافاً، الكلمات التي يقولها التجار متوهمين أنهم إن لم يفعلوا هذا الخطأ لا يربحون كلمات فيها شرك.

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود الآية : 112 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة فصلت الآية : 30 ]

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة القصص ]

أي إنسان يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار فهو مشرك، مستحيلٌ وألفُ ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر.

(( سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ))

[أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي]

تطيعه وتخسر؟ وتعصيه وتربح؟ هذا كلام الشيطان، أيعقل أنك إذا اهتديت إلى الله خُطفت من أرضك؟.

 

الله عز وجل لا يرضى من عباده الشرك :

أيها الأخوة، كلام العوام ممتلئٌ بالشرك الخفي، الشفاعة التي وردت في القرآن الكريم لا تكون إلا لمن رضي الله عنه، ولن تعطى إلا لمن رضي الله له قولاً، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾

[سورة الأنبياء الآية : 28 ]

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 255 ]

والله لا يرضى من عباده الشرك، لذلك من مات غير مشرك نالته منفعة النبي أما من مات مشركاً حُرم من هذه الشفاعة.
الشرك أن تتجه إلى غير الله، وغير الله لا يوجد عنده شيء، الشرك أن تتجه إلى غير الله، أن تعلق الأمل على غير الله، أن تعتمد على غير الله، أن تتوهم أن خيرك من زيد وأن عبيداً قد يؤذيك، حينما تعزو الفعل إلى غير الله وقعت في الشرك الخفي، ليس إلا الله هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو الرزاق، هو المعز، هو المذل، هو الذي يسعد، هو الذي يشقي، حينما ترى أن يد الله تعمل وحدها، حينما ترى أنه لا إله إلا الله، لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع ولا معز ولا مذل ولا مسعد ولا مشقي إلا الله .
أنت دخلت لدائرة ولابدّ من أن تأخذ موافقة على هذا الطلب، أخبرك أحدهم أن هذا الطلب ليس من صلاحية أي موظف في الدائرة إلا المدير العام، هل يعقل أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام؟ لن تأخذ هذه الموافقة إلا من المدير العام حصراً، والدائرة عشرة طوابق، وفيها آلاف الموظفين، كل هؤلاء ليس من صلاحيتهم إعطاؤك هذه الموافقة، هل يعقل أن تقف على باب موظف عادي؟.
هذا هو التوحيد، سعادتك بيد الله، رزقك بيد الله، صحتك بيد الله، كل شيء تتوهمه من عند الناس هو من عند الله.

من اعتمد على غير الله و توهم أن الأمر بيده فقد أشرك :

إنسان يقول لك: لا إله إلا الله، تدقق في أعماله، أعماله لا تنم عن توحيدٍ لله، تنم عن شركٍ خفي ، يقول لك: فلان يلزمني، فلان إذا خدمته يخدمني، وفلان عند الشدة اتصل به يخلصني، ما دمت متعلقٍ بزيدٍ أو عبيد فهذا نوعٌ من الشرك.
من تعلق بإنسان وتوهم أن الأمر بيده يعطي ويمنع فقد أشرك
المعصية أحياناً كلمة تقولها، قد تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ كبير، إنسان يقول لك: الفاعل مرفوع أم منصوب، إذا نصب الإنسان الفاعل فهو بعيدٌ عن اللغة بعد الأرض عن السماء، فهناك أخطاء تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ فادح، لو قال لك أحدهم: كلما أكثرت الملح في الطعام انخفض ضغطك هذا ليس طبيباً، ولا ممرضاً، ولا إنساناً عادياً ، لا يوجد إنسان في الأرض إلا ويعلم أن الملح في الطعام يرفع الضغط، فإذا قال لك: هذا الملح يخفض الضغط، كلمة قالها، معنى ذلك أنه جاهل، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، والله عز وجل يقول :

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية : 41 ]

من دون الله، اعتمد على صديق، على محام، على طبيب، على إنسان قوي علق عليه الآمال، توهم أن الأمر بيده، هو الذي يعطيه، هو الذي يمنعه، فقد أشرك.

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت ]

الله عز وجل نفى أن يكون له شريك أو معين أو ظهير :

والله أيها الأخوة، مرضٌ مستشرٍ في الناس، كل إنسان يتعلق بإنسان آخر، يرى سعادته بالولاء له، أو يرى شقاءه بالولاء له، يبتعد عن الصالحين خوفاً من أن يُتهم أنه منهم، يقترب من المنحرفين الأقوياء متوهماً أن بيدهم عطاءً أو منعاً، أو تقريباً، أو إبعاداً، هذا كله من الشرك ، مرة ثانية:

((الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل ))

[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]

من الشرك أن يكون ولائك لشخص منحرف فقط لأنه جاءك منه خير كبير
إنسان تعرفه منحرفاً جاءك منه خيرٌ كبير، فأنت على ولاءٍ له، تتعامى عن أخطائه الفادحة، عن معاصيه الكبيرة، هذا نوعٌ من الشرك، وإنسان آخر نصحك هذه النصيحة خدشت كبرياءك فغضبت، هذا نوعٌ من الشرك، بعضهم قال: أنت حينما تعتمد على إنسان هذا الإنسان إما أنه مالكٌ لهذا الكون، أو مالكٌ لجزءٍ منه، أو أنه شريكٌ مع الله فيه، أو أنه ظهيرٌ، أو أنه معين، أو أنه شفيع، فالله عز وجل نفى أن يكون له شريك، أو معين، أو ظهير.
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل :

﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾

[ سورة سبأ ]

ولا معين، أيها الأخوة، هذا الذي تتوهم أنه بيده أمرك، ليس مالكاً، وليس شريكاً، وليس معينا،ً وليس شفيعاً، وليس ظهيراً.

 

الموحد من يتجه إلى الله عز وجل لا إلى غيره :

لذلك:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

[ سورة الإخلاص ]

الموحد من يتجه إلى الله عز وجل لا إلى غيره
حينما تتوجه إلى الله فأنت موحد، وحينما تتوجه إلى غير الله فهذا التوجه نوعٌ من الشرك الخفي.
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تعصيه إذا كنت موحداً، بل المعصية سببها الشرك، لا يمكن أن ترجو غير الله إن كنت موحداً، إذا رجوت غير الله فهذا نوعٌ من الشرك، طبعاً الآن ليس في العالم الإسلامي صنمٌ يُعبد من دون الله هذا ولّى، الشرك الجلي من فضل الله تعالى نحن ناجون منه، لكن هناك شعوباً بآسيا تعبد صنم بوذا فهو عندهم إله، في العالم الإسلامي الشرك الجلي من فضل الله علينا لا وجود له، لكن الشرك الخفي هو الذي يتحدث عنه النبي عليه الصلاة و السلام وهو الذي قال :

(( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ))

[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]

الخطأ الذي يرتكبه الإنسان يسبقه خطأ في العلم أو التصور أو التوهم :

الخطأ الذي يرتكبه الإنسان يسبقه خطأ في العلم
أيها الأخوة، أي خطأ يرتكبه الإنسان يسبقه خطأٌ في العلم، أو خطأٌ في التصور، أو خطأُ في التوهم، أنت إذا توهمت أن أمرك بيد فلان طبعاً من لوازم هذا التوهم أن تطيعه وتعصي الله.
عفواً الكلمة لعلها قاسية: إذا أطاع الإنسان زوجته وعصا ربه، وجاء العيد وقال: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، هو في الحقيقة ما قال: الله أكبر، رأى طاعة زوجته أكبر من طاعة الله، قضية خطيرة، أنت حينما تطيع شريكك في معصية في البيع والشراء، وهذه المعصية تدر أرباحاً كثيرة، أنت حينما تقول: الله أكبر في العيد لا تقولها حقيقةً لأنك رأيت طاعة شريكك الذي جلب لك من الربح ما جلب هي أكبر عندك من طاعة الله، فكلمة الله أكبر تعني لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله.

معرفة الله عز وجل أثمن ما في الدنيا :

أيها الأخوة، أثمن ما في الدنيا أن تعرف الله ، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفته فاتك كل شيء:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الكهف الآية : 46 ]

كل شيء زائل ولا يبقى إلا الباقيات الصالحات
والآية دقيقة، المال من دون بنين مؤلم جداً، لمن هذه الأموال الطائلة؟ والبنون من دون مال أشد ألماً .

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

[ سورة الكهف الآية : 46 ]

إذاً المال زائل والأبناء زائلون ولا يبقى إلا الواحد الديان،

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

قال بعضهم: الباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي إذا سبحته، وحمدته، ووحدته، وكبرته، فقد عرفته، وإن عرفته عرفت كل شيء.

(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

إذاً سيدنا هود قال:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود ]

هذا هو التوحيد.

 

الحقد أساسه الشرك بالله عز وجل :

الحقد أساسه الشرك بالله عز وجل أما المؤمن فلا يحقد
أخواننا الكرام، الحقد أساسه الشرك، مثلاً إنسان عنده محاسب اختلف معه فطرده، وشى عليه أن هناك بضاعة غير صحيحة، غير نظامية، فدفع ـ القصة بعام السبعين ـ ستمئة ألف أي يقدر المبلغ الآن بستين مليوناً، فهذا صاحب المحل التجاري من شدة حقده على هذا الموظف أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً، وهو الآن في السجن حكم ثلاثين عاماً، أنا تعليقي على هذه القصة لو أنه كان موحداً لما رأى هذه الخسارة من هذا الإنسان، رآها من الله، فصبر وعوضه الله أضعافاً مضاعفة، الحقد يأتي من الشرك، المشرك يحقد أما المؤمن فلا يحقد، لأنه يرى يد الله وحدها تعمل، فالتوحيد مريح جداً.
أيها الأخوة، هو الدين كله توحيد وتقوى .

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء ]

كل شيءٍ وقع أراده الله :

هناك شيء آخر إذا قال الله عز وجل :

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 59 ]

كل شيءٍ وقع أراده الله
ما دام الله عز وجل يعلم الورقة إذا سقطت، فهناك أعمال كثيرة جداً بيد الله، أنت حينما توحد لا تندم، حينما توحد لا تحقد، حينما توحد لا تيئس، حينما توحد لا تضعف، حينما توحد لا تنافق.
والله أيها الأخوة، يكاد الدين كله أن يكون توحيداً، الموحد علاقته مع جهة واحدة بالأرض.

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد الآية : 19 ]

كل شيءٍ وقع أراده الله ، لكل شيءٍ حقيقة.

(( لا يؤمنَ عبد حتى يؤمنَ بالقدر خَيرِه وَشَرِّه من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه ، وأن ما أخطأه لم يكن لِيُصِيبَهُ ))

[أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]

من ارتقى توحيده سعد و اطمأن في الدنيا و الآخرة :

كلما ارتقى توحيد المؤمن سعد واطمأن ووضع يده على جوهر الدين
أخواننا الكرام، كلما ارتقى توحيدكم سعدتم، وارتحتم، وأرحتم، واطمأننتم، ووفقتم، ووضعتم يدكم على جوهر الدين، جوهر الدين هو التوحيد، بل لا تكون عزيزاً إلا بالتوحيد، الإنسان غير الموحد يخاف، يتمسح بالآخر، يتذلل له، يرجو رضاه، و ليس هناك أصعب من أن تحتاج إلى لئيم، قيل: ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده .
"والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين" .

من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من الدعاء التالي :

من وسائل النجاة من الشرك الخفي الإكثار من الدعاء
أيها الأخوة، من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من هذا الدعاء :

(( اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه ))

[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي علي رجل من بني كاهل ]

أن يستشعر العبد قبح الشرك مهما صغر، أن يستشعر أنه يحبط العمل، أن يعلم المرائي بعبادته أن الناس متى عرفوا أنه يرائي صغر في أعينهم.
هذه كلها أيها الأخوة من وسائل أن ننجو جميعاً من الشرك.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018