بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 6 - موضوعات إقتصادية.


1997-06-01

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
هل يعقل أن يكون التشريع الإلهي قاصراً عن أن يغطي حاجات المجتمع المتجددة ؟ قد يكون هذا تشريع البشر، البشر تشريعهم قاصر عن أن يتجدد تلقائياً، لكن التشريع الإلهي، الله الذي قال:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾

(سورة المائدة)

الله الذي قال هذا، أيعقل أن يكون دينه عاجزاً عن أن يغطي في التشريعات حاجات المجتمع المتجددة ؟ مستحيل إلا أننا إذا توهمنا أن هناك تقصيراً في التشريع أو نقصاً به فهذا من ضعف المجتهدين ومن تقصيرهم، ففي القرآن آيات كلية يمكن أن تستنبط منها الأحكام الفرعية التي تغطي كل حاجاتنا المتجددة.
اليوم نستعرض بعض قرارات مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في أبو ظبي والموضوعات كلها تتعلق بشأن الاقتصاد، والاقتصاد كما تعرفون عصب الحياة، وأن كل من يناهض هذا الدين يقول: أين هو النظام الاقتصادي في الإسلام ‍‍‍‍‍‍‍!
الحقيقة: أن الإسلام دين الله ليس شرقياً وليس غربياً، ولكنه علوي، الإسلام دين متوازن وازن بين حاجات الفرد وبين حاجات المجتمع، وبين حقوق الفرد وبين حقوق المجتمع وبين متطلبات الفرد ومتطلبات المجتمع، وازن بين المادة والروح، بين الدنيا والآخرة، دين وسطي، دين من عند خالق الإنسان، من عند الخبير، من عند العليم من عند المطلق، علم مطلق خبرة ورحمة مطلقة.
يا أيها الأخوة الكرام: هناك شيء في الفقه لا ندري خطورته نحن الآن، إنه بيع السلم، بيع السلم معاونة الشاري للبائع، وبيع التقسيط معاونة البائع للشاري، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

(سورة المائدة)

البر صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة، ما الذي يمنع أن هذا البدوي الذي عنده قطيع غنم، ولا يجد ثمن إطعامهم علفاً، والغنم على مشارك الهلاك جوعاً، ماذا يمنع أن يبيع هذا الراعي صوف غنمه بعد ثمانية أشهر بثمن يقبضه حالاً، يطعم به غنمه ؟ هذا هو بيع السلم.
إنسان اشترى حاجة موصوفة وصفاً دقيقاً إلى مدة معينة ودفع الثمن حالاً، بيع السلم في الحقيقة معاونة الشاري للبائع.
أما الذي يبيع بالتقسيط لوجه الله عز وجل هي معاونة البائع للشاري، والحياة تعاون بين البائع والشاري وبين الشاري والبائع، أو تعاون بي الأخوة المؤمنين، لأن هذا التشريع للمؤمنين، لكن ما من تشريع إلا ويمكن أن يساء استخدامه، ما من تشريع إلا ويمكن أن يفرغ من مضمونه، ما من تشريع إلا ويمكن أن يعطي نتيجة عكسية لما شرعه الشارع التشريع في خدمة الإنسان، وقد يغدو عبئاً على الإنسان ‍‍!
يقول هذا المجمع الفقهي الإسلامي: من قراراته السلع التي يجري فيها عقد السلم تشمل كل ما يجوز بيعه، ويمكن ضبط صفاته، ويثبت ديناً في الذمة، سواء أكانت من المواد الخام أم من المزروعات أو من المصنوعات، فهناك من يبيع قمحه، يزرع قمحاً معيناً ذات صفات معينة قاسياً طويلاً من النوع الفلاني، يجب أن تقدم لي في الشهر السادس عشرين طن من القمح ذي الصفات التالية، وبثمن الطن كذا، ينقض الشاري ثمن القمح دفعة واحدة، وينتظر من صاحب القمح أن يسلمه إياه بعد حين !
قال: السلع التي يجري فيها عقد السلم تشمل كل ما يجوز بيعه ويمكن ضبطه ضبط صفاته ويثبت ديناً في الذمة سواء أكانت من المواد الخام أم المزروعات، المواد الخام كالصوف، والمزروعات كالقمح شعير ذرة إلى آخره، أو من المصنوعات، أحياناً معمل ليس عنده ثمن مواد أولية يبيع بضاعته بعد شهرين، مائة ألف قطعة من الصفات الفلانية التالية، ثمن القطعة كذا، يقبضها سلفاً ويقدمها بعد شهرين !
أرأيتم أيها الأخوة: أن هذا البيع يقدم للناس تسهيلات كبيرة جداً ؟ يعطي للناس مجال حيوي للحركة.
القرار الثاني: قال: يجب أن يحدد لعقد السلم أجل معلوم، أخي متى تعطيني ثمن هذا القمح ؟ دعها للتيسير، هذه ممنوعة بعقد السلم ! إن شاء الله لن نخيب ظنك، هذا كله كلام يفضي إلى التنازع، يجب أن يحدد لعقد السلم أجل معلوم، إما بتاريخ معين أو بالربط بأمر مؤكد الوقوع، على الحصيدة، الحصيدة أمر مؤكد الوقوع، لكن في أيام البرد يتأخر الحصاد في أيام الحر الشديد يتقدم الحصاد، يمكن أن يتقدم هذا الموعد أو يتأخر، إلا أن وقوعه محقق ولو كان ميعاد وقوعه يختلف اختلافاً يسيراً لا يؤدي للتنازع كموسم الحصاد.
الشرط الثالث في عقد السلم: الأصل تعجيل قبض رأس مال السلم، متى تنقضي الثمن ؟ الآن اذهب بعد شهرين تقريباً، لم نستفد شيئاً، بعد شهرين لديه محصول يبيعه، فلابد من تعجيل قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، ويجوز تأخيره ليومين فقط أو ثلاثة، وإلا ليس له معنى عقد السلم، إن لم تنقضه الثمن حالاً لا قيمة لعقد السلم، فعقد السلم معاونة، تشريع يسع الناس جميعاً، يسع كل الظروف، كم من تاجر عليه التزامات كبيرة، ولا يملك ثمن مواد أولية ليصنع بضاعته فيبيعها، كم من مزارع لا يملك ثمن السماد، أو ثمن البذار، أو ثمن الأدوية، كم من راع لا يملك ثمن العلف، فبيع السلم رحمة من الله عز وجل.
كنت مرة في منطقة وسطة في القطر، في زيارة قرية من القرى، فسمعت أن أهلها متخصصون في بيع السلم أغنياء جداً، وكل البادية تتعامل معهم، ثم فوجئت أن بيع السلم عندهم انقلب إلى نوع من الربا لا يحتمل ! كيف ؟ لو أن رطل الصوف مثلاً بخمسين ليرة يشترونه بخمسة عشرة ليرة، فيستغلون حاجة هذا الراعي إلى ثمن العلف فيشترون صوف غنمه بثلث قيمته، هذا أشد أنواع الربا !
راعي صوف غنمه يقدر بمائة ألف باعه بثلاثين ألف ! أيرضى ؟ مقهور لثمن العلف أو لثمن الدواء أو لسداد دين، إذاً يمكن أن ينقلب بيع السلم إلى نوع من الربا حاد جداً.
هذا البائع أخذ ثمن خمسة طن قمح، ما الذي يضمن لي أن يقدم لي القمح ؟ سمعت أن تاجر في سوق الهال يقرض المزارعين ثمن البذار على أن يأتوا بالمحصول إليه، فمن ثمن محصولهم يأخذون دينهم، يأتي مزارع ويقترض ثمن البذور والأدوية وما شاكل ذلك من تاجر في سوق الهال، ويقدم محصوله مع جاره إلى تاجر آخر ليقبض ثمنه حالاً، ويماطل هذا الذي أقرضه !
إذاً يمكن جداً أن يساء استخدام بيع السلم من الشاري بأن يشتري بثمن بخت، يستغل حاجة المزارع، ويمكن أن يسيء استخدام بيع الثمن البائع، فلا يؤدي المبيع في الوقت المحدد لذلك قال: لا مانع شرعاً من أخذ المشتري رهناً أو كفيلاً من المسلم إليه البائع، يريد رهن.
لو أن هذا البائع حالات نادرة جداً قمحه لم ينبت، صابه صقيع فأتلفه، لديه أرض باعها، بإمكانه أن يشتري قمحاً من جاره وأن يؤدي ما عليه، قال: يجوز للمشتري مبادلة المسلم فيه بشيء آخر غير النقد بعد حلول الأجل، سواء أكان الاستبدال بجنسه أو بغير جنسه ممكن أن يأخذ بدل القمح شعير، بسعر الشعير طبعاً، أو حمص وما شاكل ذلك.
حيث أنه لم يرد في منع ذلك نص ثابت ولا إجماع، ذلك بشرط أن يكون البدل صالحاً، بأن يجعل مسلماً فيه برأس مال آخر.
الآن قرار جديد: إذا عجز المسلم إليه عن تسليم المسلم فيه عند حلول الأجل، فإن المسلم المشتري يخير بين الانتظار إلى أن يوجز المسلم فيه أو يفسخ العقد ويأخذ رأس ماله، عجز الذي قبض المال ووعد بإعطاء البضاعة عن تسليمها، إما أن تنتظر وإما أن يفسخ العقد وتسترد مالك.
وإذا كان عجزه عن إعسار قال: فناظرة إلى ميسرة، لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه لأنه عبارة عن دين ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير.
شرط تأخير أو جزاء تأخير عن كل يوم كذا هذا لا يجوز، لأنه بشكل أو بآخر بيع السلم نوع من القرض فإذا جرى نفعاً صار رباً !
هذا ملخص أحكام بيع السلم المطبقة قديماً، أجمل ما في الموضوع: التطبيقات المعاصرة لبيع السلم، من أجل أن تعلموا أن هذا الدين دين الله، وأنه دين فيه حياة فيه تجدد ليلبي كل حاجات المجتمع وكل الظروف الجديدة
قال: يعد السلم في هذا العصر أداة تمويل ذات كفاءة عالية في الاقتصاد الإسلامي وفي النشاطات الإسلامية، بيع السلم بديل القرض الربوي.
لا تقوم مؤسسة إلا على قرض ربوي، تقوم ألف مؤسسة وألف مزرعة وألف عمل زراعي أو صناعي أو تجاري لا على قرض ربوي بل على بيع السلم، بالتطبيقات المعاصرة.
لذلك يمكن أن تؤسس مصارف إسلامية، تختص ببيع السلم، تمد المزارع برأس مال ليزرع أرضه، وتشتري محصوله بعد حين، أن تمد صاحب مصنع ليؤسس مصنعاً وتشتري إنتاجه بعد حين يمكن، أصبح من الممكن أن نموّل أي مشروع اقتصادي زراعي صناعي تجاري تمويل شرعي نظيف ليس فيه مشكلة مع الله أبداً دون أن يكون التمويل قرضاً ربوياً، يوقع صاحبه في موضوع الربا.
هذا التمويل يمكن أن يكون قصير الأجل أو متوسط الأجل أو طويل الأجل، وهذا البيع بيع السلم يستجيب لحاجات شرائع مختلفة ومتعددة من العملاء، أحياناً إنسان يستطيع أن يشتري يمعمل بسيط، لكن لم يعد معه ثمن مواد أولية فتوقف، لديه خيارين: أو خيار قرض ربوي من البنك بفائدة، ويقع في الربا، الخيار الثاني: أن يبيع منتوجات هذا المعمل للإنسان ويسلمها إياه بعد حين، ويقبض الثمن حالاً ويشتري المواد ألولية ويصنعها، هذا حل ! يقول لك لا بد من البنك الربوي، لا ممكن من دون بنك ربوي، لابد من تمويل مصرفي، هذا تمويل مصرفي إسلامي على طريقة بيع السلم دون حاجة إلى أي شبهة.
قال: يصلح عقد السلم لتمويل عمليات زراعية مختلفة، حيث يتعامل المصرف الإسلامي ومع المزارعين الذين يتوقعوا أن توجد لديهم السلعة في الموسم من محاصيلهم أو محاصيل غيرهم، أنت ممكن أن تشجع الزراعة بعقد سلم لا بعقد ربا، مصرف زراعي إسلامي يقدم للفلاح قرضاً أو يشتري منه نتاجه ويدفع ثمنها معجلاً، ويأخذ البضاعة مؤجلاً.
إذا أخفقوا في الإنتاج يمكن أن يشتروا له إنتاجاً ويؤدون الثمن، أو يفسخ عقد السلم ويسترد المصرف ماله ! يمكن استخدام عقد السلم في تمويل النشاط الزراعي والصناعي ولاسيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة، وذلك بشرائها سلماً وإعادة تسويقها بأسعار مجزية.
يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين، مرة قال لي أحد الأخوة الكرام: لابد من التأمين، قلت له: من قال لك لا بد من التأمين ؟ هناك تأمين إسلامي تعاوني مندوب إليه لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

خمسة تجار عشرة تجار مائة تاجر اجتمعوا وأنشأوا صندوق التأمين ويضع كل تاجر في هذا الصندوق مبلغاً من المال بحسب حجم تجارته، هذا الصندوق يمتلئ، أي أخ مشترك بهذا الصندوق لو تلفت بضاعته أو أعلن إفلاسه أو احترقت بضاعته أو احترق مستودعه بمبلغ ثمانية عشر مليون ‍‍‍! يأخذ تعويضاً عن بضاعته التالفة من هذا الصندوق ولا يتأثر، هذا تمويل إسلامي لا شيء عليه لا شبهة فيه، تأمين تعاوني، لو لم يحد ث شيء لهؤلاء المشتركون المال مالهم يستردونه، أحدهم أصابه شيء يعطونه من هذا الصندوق طيبة بها نفوسهم، تأمين تعاوني مندوب.
وهناك من حدثني أن أصل فكرة التأمين نشأت في بريطانية أساسها تعاوني مجموعة أصحاب سفن اتفقوا أن يضعوا في صندوق بعضاً من أرباحهم، فإذا غرقت إحدى السفن عوضوا على صاحبها دون أن يتأثر !
يمكن تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين وصغار المنتجين الزراعيين والصناعيين عن طريق إمدادهم بمستلزمات الإنتاج في صورة معدات وآلات أو مواد أولية كرأس مال السلم.
أكبر مشكلة يعاني منها الشباب في تأسيس مشروعاتهم رأس المال، رأس المال ليس فيه حل إلا قرض ربوي عند الناس، الحل هنا عقد سلم، تأخذ ثمن الآلة وثمن المواد الأولية وتبيع إنتاجها لذي أعطاك هذا المال بسعر معتدل، هذا تيسير وتسهيل للمؤمنين في تعاملهم مع بعضهم بعضاً.
أنا أردت من هذا الموضوع أن نقتنع أن ديننا يغطي كل حاجاتنا وكل مشكلاتنا وأنه مهما تجددت حاجات المجتمع ففي هذا الدين العظيم تغطية كاملة لهذه الحاجات المتجددة.
الآن بشأن الودائع المصرفية: الودائع تحت الطلب، الآن مصرف إسلامي لا يتعامل بالربا إطلاقاً، مصرف إسلامي الودائع التي تحت الطلب بالتعبير المصرفي الحسابات الجارية تضع مبلغ تأخذ بعضه متى شئت ! هذا الإيداع اسمه حساب جاري، هي في الحقيقة قرض لماذا هي قرض ؟ لأنك ما مكنت المصرف من أن يستثمرها في عمل زراعي أو صناعي مادمت تطالبه بها دائماً، لو قلت: هذا المبلغ لا أطالبك به قبل عامين أصبح استثمار ومضاربة دخلت مع المصرف بمضاربة، أنت شريك في بعض مشروعاته، أما إذا أودعت مالاً في مصرف إسلامي وتريد أن تأخذ عليه أرباحاً وهو تحت القبض والأخذ حساب جاري فهذا لا يجوز، هذا انقلب إلى قرض، ويده عليها يد الضمان مادامت هذه الودائع ينبغي أن يقدمها لصاحبها متى شاء، إذاً يد المصرف عليها يد الضمان، وهذا مختلف عن التجارة وعن الاستثمار وهو ملزم شرعاً بردها عند الطلب.
إن أودعت مبلغاً في حساب جاري في مصرف إسلامي لا يجوز أن تأخذ عليه أرباحاً ولو أنها مشروعة، لأن إيداعك هذا المبلغ على شكل حساب جاري معنى هذا أنت لم تسمح للمصرف الإسلامي أن يستثمرها في مشروع، كأنك وضعتها عنده أمانة !
إذا أعطاك رجل مائة ألف قال لك: يمكن أن أطلبها بعد ساعة ويمكن بعد شهر لعل آخذ خمسين ألف أو عشرة آلاف، هل تستطيع أن تشتري بها سلعة وتبيعها ؟ لا لو دفعتها ثمن بضاعة ولم تستطيع بيع البضاعة وقال لك: أين المائة ألف ؟
إذاً أول قرار: الحساب الجاري لا يجوز أن يناله ربح ول كان مشروعاً، لأن يد المصرف على هذا المبلغ يد الضمان وشرط التسليم الفوري متى شاء، هذه واحدة.
أما الودائع التي تدفع لها فوائد كما هو الحال في البنوك الربوية هي قروض ربوية محرمة، سواء أكانت من نوع الودائع تحت الطلب أم الأجل أم بإشعار أم حسابات التوفير كلها محرمة ! مادام هناك فائدة فهي حرام.
الربا حرام حرام حرام، أما الودائع التي تقدم للمصرف الإسلامي بقصد استثمارها في مشاريع صناعية وزراعية انقلب المودع إلى مضارب، شركة المضاربة شركة تقوم بين شخصين: شخص يمكل المال ولا يستطيع استثماره، وشخص بإمكانه أن يستثمره ولا يملكه فينشأ تعاون رائع بين الطاقات الشابة وبين أصحاب الأموال الذين امتد بهم العمر وضعفوا عن استثمار أموالهم.
بالمناسبة إن أودعت مالك عند إنسان بقصد أن تكون شريكاً له في المضاربة وضمن لك راس المال فهذا عقد ربوي، متى تأخذ الربح حلالاً ؟ إذا كان هناك احتمال ربح أو خسارة مادام احتمال الخسارة ملحوظاً فالربح حلال، أما إذا ضمن لك من أودعه عنده المال رأس المال أصبح عقد ربوي، مادام في ضمان ليس فيه مضاربة، المضاربة ليس من شأنها الضمان.
لكن مع الأسف الشديد أكثر الذين يضعون أموالهم مضاربة عند بعض التجار يفرضون عليهم ضمان رأس المال، والأنكر من ذلك بعض التجار يعطونهم ربحاً ثابتاً، على الألف كذا، لا يوجد حسابات ولا جرد ولا ربح حقيقي، أصبح هذا العمل رباً حرام حرام حرام.
أيها الأخوة الكرام:
أي ربح ثابت على مبلغ تستثمره عناية جهة هو رباً صريح لا شك فيه، الربح المعقول ربح بلا ضمان وغير ثابت، إذا كان هناك ضمان لرأس المال والربح ثابت رباً من جهتين ! رأس المال مضمون رباً، الربح ثابت ربا، ثبات الربح قلب هذه المضاربة إلى عقد ربوي.
أيها الأخوة الكرام: الشيء المؤسف أشد الأسف أن القنوات الشرعية لاستثمار المال حينما يساء استخدامها ويوضع الناس في حالة إحباط شديد، إنسان يجمع أموال الناس بشكل غير معقول، ثم يتحايل علهم ويأخذها ويسافر بعيداً، ماذا فعل هذا الإنسان ؟ زعزع ثقة الناس بالشرع، الشيء الشرعي الوحيد المقبول النظيف الذي شرعه الله عز وجل لعب به فضعضع ثقة الناس فيه فلجأووا إلى الإيداع في البنوك الربوية كي يطمأنوا على أموالهم، هذا هو الذي يمنع الخير !

﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾

(سورة القلم)

هذا الذي يمنع الماعون، كل إنسان يستخدم القنوات الشرعية النظيفة في استثمار المال، يستخدمها استخداماً سيئاً هو يقو يثقة الناس بالمصارف الربوية ويضعفها بالحلول الشرعية.
الحقيقة الإنسان بحاجة ماسة أيها الأخوة إلى أن يتفقه في أمر الدين، ذكرت من قبل أن الإنسان بعد أن يعرف الله، المعرفة التي تحمله على طاعة الله لا شيء هو في أمس الحاجة إليه كان يتعلم أحكام شرعه ودينه ! لأن أناس كثيرون مع طيب نفوسهم وحرصهم على دينهم يقعون في علاقات مالية محرمة كانوا في غنى عنها لو عرفوا الحقيقة.
والشيء الشائع كثيراً يساهم معه بثمن بيت ويطلب منه أن يعطيه أجرة هذه الحصة البيت ثمنه مليون دفع منهم مائتين ألف، لو فرضنا الأجرة بالشهر عشرة آلاف، له ألفين لا مانع أما المشكلة أنه يطالبه أن يضمن هذا المبلغ دون أن ينقص، مادام ضمن رأس المال انقلب هذا العقد من عقد إيجار إلى عقد ربا، بمجرد أن تضمن رأس المال، أما لو كان البيت اشتُري بمليون ورجل واحد ساهم في خمسه، وأجرته عشرة آلاف يستحق ألفين ليرة أجرة، لكن بشرط حينما يريد أن يسترد رأس ماله يعرض البيت للبيع ويقيم تقييماً جديداً، ويعطى نصيبه من هذا البيت وفق التقويم الجديد، إن فعل هذا فلا شيء عليه، أما إذا جعل رأس ماله أصلاً لا يتغير ولا ينقص وتناول على هذا أجرة شهرية هي حقيقتها فائدة ربوية.
إخواننا الكرام دققوا: الذي يقلب الفائدة من ربح إلى فائدة ربوية ضمان رأس المال ! وأنا والله أعلم علم اليقين والله آلاف الأسر وآلاف الناس ممن يرتادوا مجالس العلم إن أودعوا أموالهم عند جهة أو أخرى هذه الجهة يلزمونها بضمان رأس مالهم، وإذا ضُمن هذا المال انقلبت الفوائد إلى فوائد ربوية وهذا مما يوقع الإنسان في شبهة.
أضع بين أيديكم نموذج من موضوع لم يستكمل فيه العلماء البحث، ماذا يقولون ؟ قال: إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورته التاسعة بعد إطلاعه على الأبحاث الثلاث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الاستثمار في الأسهم والاستثمار في الوحدات الاستثمارية التي تبين منها أن الموضوع تضمّن عناصر مسألة شراء أسهم الشركات التي غرضها وأنشطتها الأساسية مشروعة، لكنها تقترض أو تودع أموالها بالفائدة.
في عمل مشروع بناء تعاوني لا مشكلة، هذا المشروع إن أودعت أمواله بالبنوك ونالت هذه الأموال فوائد دخلت الحرمة لا من أصل المشروع بل من طريقة تعامله مع الأموال هذا يقودنا إلى كلمتين: هناك شيء حرام لذاته وهناك شيء حرام لغيره، الشيء الحرام لذاته أن يكون أصله محرماً كأكل لحم الخنزير، أما الشيء المحرم لغيره أن تتعامل معه بطريقة غير مشروعة.
فلذلك لو أننا أسسنا شركة تقوم بإنتاج طباعة غذائية صالحة للناس ومفيدة لهم والأموال في أصلها حلال، لكن جعلنا هذه الأموال كلها مودعة في بنوك ربوية وتنال فوائد.
قال: تبين من هذه الاستثمارات أن الموضوع في الأصل مشروع لكن هذه المؤسسات تقترض أو تودع أموالها بالفائدة وهي لم يقع البت في أمرها بالرغم من عقد ندوتين لبحثها، وصدور قرار مبدأي فيها للمجمع في دورته السابعة، ثم قرار لاحق في دورته الثامنة بأن تقوم الأمانة العامة باستكتاب المزيد من البحوث.
فيما أذكر هذه قرارات أما كل قرار يقابله بحث من ستين صفحة أو سبعين صفحة مقدم إلى المجمع، تقدم بحوث كثيرة جداً فإذا كان الموضوع واضح وأخذ أبعاده الكاملة يصدر قرار، أحياناً تقدم أبحاث قليلة لا تكفي، هذه الأبحاث القليلة التي لا تكفي يرجى البت في أمر هذا الموضوع إلى دورة قادمة.
لذلك القرار: أن تقوم الأمانة العامة باستكتاب المزيد من البحوث في هذا الموضوع ليتمكن من اتخاذ القرار المناسب في دورته القادمة، لذلك قرر تأجيل النظر في هذا الموضوع على أن يعد فيه المزيد من الدراسات والأبحاث بخصوصه.
هذا شيء مطمئن فقد ينعقد المؤتمر يطرح موضع تقدم البحوث، البحوث غير كافية إذا لا يبت في هذا الموضوع يرجى إلى دورة قادمة.
ما يلفت نظري أحياناً أن أخ كريم يخطر له قضية، يسألك حلال أم حرام ببساطة، أربعين خمسين عالم كل عالم من أساطيل العلماء يجلسون ويتناقشون ويقدمون دراسات ولا يستطيع المجتمعون أن يقولوا: هذا حرام ببساطة أو حلال ببساطة، وأي إنسان يريد من رجل يدعو إلى الله بكل بساطة أن يقول له: هذا الشيء حلال أم حرام !
قضية حرام قضية كبيرة، الذي يحرم الحلال يقع في الكبائر لذلك الإمام الغزالي قال

((العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهون من أن يقولوا على الله مالا يعلمون))

لذلك هناك آية قرآنية لعلها في الأنعام تذكر المعاصي والآثام بترج تصاعدي الفحشاء والمنكر إثم والعدوان الشرك الكفر وجعل الله عز وجل في رأس هذه المعاصي المتدرجة:

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾

(سورة البقرة)

لذلك أيها الأخوة: أنا أتمنى عليكم أن تكونوا جبناء في الفتوى فقط ! وإلا كانت أعناقكم جسراً إلى جهنم، فالإنسان ينبغي أن يعد للمليون قبل أن يقول حلال أو حرام، قل أمهلني دعني أفكر وأراجع دعني أبحث وأستشير، ما خاب من استشار.
فلفلت نظري هذه الملاحظة علماء كبار كل عالم يحمل أعلى الشهادات خبرات عشرات السنين ومع ذلك يجتمعون ويرون أن الأبحاث التي قدمت غير كافية لاتخاذ قرار يطلب من العلماء الآخرين أن يكتبوا في هذا الموضوع ويقدموا أبحاثهم في الدورات القادمة من أجل أن نستكمل أطراف البحث ومن أجل أن يكون القرار سليماً.
لدينا موضوع العملة وهذه مشكلة كبيرة: لك معه اثنا عشرة ألف بسنة الخامسة والعشرين بسنة الأربعة والسبعين مثلاً الخمس والعشرين ألف ثمن بيت مساحته مائة وخمس وعشرين متر بأحد أحياء دمشق الراقية، أراد أن يعطيه إياها في عام سبع وتسعين خمس وعشرين ألف، ثمن كم حجرة هؤلاء ؟ لا يساووا شيئاً إطلاقاً، فهذه مشكلة كبيرة جداً.
اشترى منه بستان عشرين ألف، أعطاه عشرة آلاف وقال له: الباقي بعد حين لم يتيسر له، مضت عشرون سنة يا ترى له معك عشرة آلاف فقط ؟ أم له معك نصف ثمن البستان الآن ؟ مشكلة فآلاف القضايا بين الناس، مثلاً: إنسان أقرض إنسان وسافر بعد عشرين سنة يعطيه المبلغ كما هو.
قال: يوجد طبيب أسنان جاءه إنسان بسيط ليجري له بدلة أسنان هذا الإنسان من الريف أحضر معه علبة سمن بلدي هدية، هذا الطبيب أخذها وعدّ هذه العلبة ثمن هذه البدلة هذا الإنسان البسيط الساذج الريفي غاب خمساً وعشرين عاماً، البدلة انتزعت جاء إلى نفس الطبيب ليجري بدلة ثانية، بعد أن أنجزها له قال له: اطلب كم تريد، قال: خمسة آلاف، فكاد هذا الإنسان يخرج من جلده، قال له: خمسة آلاف ! فقال الطبيب: أعطني علبة سمن أخرى إذاً !
أصبح هناك تضخم نقدي كبير، هناك رجل اشترى بيت بعشرين ألف طلاه من فترة بسبعين ألف ! بيت بكامله اشتراه بعشرين ألف وطلاه بسبعين ألف ! هناك تضخم نقدي مخيف هذا التضخم سبب مشكلات أكثرها في الديون.
قال: رجل نام ودخله قليل يجهد في التوفيق بين دخله وإنفاقه، فنام ورأى في المنام أصبح راتبه مليون ليرة شعر بسرور لا يعلمه أحد وفي المنام طرق الباب طارق، قدمت له فاتورة الهاتف: سبعمائة وخمسين ألف ! هذا التضخم النقدي، المال لم يعد له قيمة والفروق واحدة.
قال لي أحد الأخوة الأكارم: تعيّنت سنة الأربعة وستين بالتعليم، طبعاً يحمل ليسانس ودبلوم وأعطوه أول راتب ثلاثمائة وخمس وأربعون ليرة، وكانت الليرة الذهب ثمنها سبع وعشرون ليرة سورية ذات علامة الحصان، فقسّم الثلاثمائة وخمس وأربعون على سبع وعشرين فنتج معه عدد من ليرات الذهب فضربهم بخمسة آلاف فوجد أنهم أعطوه في سنة الأربعة وستين راتب يساوي اثنان وسبعين ألف ليرة ! فمبلغ الثلاثمائة وخمس وأربعون في سنة الأربعة وستين يساووا الآن اثنان وسبعين ألف ليرة ! هذه مشكلة التضخم النقدي التي يعاني منها العالم أجمع.
طبعاً هناك قرارات بشأن هذه القضية الكبيرة التي يعاني منها الناس جميعاً، وفي المحاكم يوجد قضايا ودعاوى كلها مبعثها هذه النقلة المفاجئة في الأسعار.
عندما كنا صغار نقول: رجل معه عشرة آلاف أين يضعهم ؟ مبلغ كبير ثمن بيت في المهاجرين بمواصفات جيدة.
قال لي رجل: أنه باع المنزل بمليونين دولار فقط ! بيت بيع في المزة بمائة و مليون !

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018