بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 39 - الكرامات


1987-07-05

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الفرق بين المعجزة والكرامة من حيث الأمور العقلية:

  وصلنا إلى موضوع جديد هو الكرامات, فالمعجزات للأنبياء والكرامات للأولياء، فما حقيقة الكرامة؟ هل هي صحيحة؟ وهل هي واقعة فعلاً؟ و هل نثبتها؟ وإذا أثبتناها فما الأدلة؟ وإذا نفيناها, فما الأدلة؟ فالإنسان يجب أن يتعوّد ألا يقبل شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله أو سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وألا يرفض شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله ومن سُنة رسول الله، فلذلك الكرامات موضوع يكثر الحديث فيه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمكنني من توضيح هذا الموضوع الدقيق.
 في دروس سابقة بينت لكم أن المعجزة ممكنة عقلاً, لأن هذا الذي خلق هذا الشيء على هذه الشاكلة يستطيع أن يخلقه على شاكلة أخرى, قال الله:

﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾

( سورة الانفطار الآية: 8)

 والذي خلق الماء مائعاً سائلاً يستطيع أن يجعله صلباً يابساً، و الذي خلق النار تحرق قادر على أن يجعلها لا تحرق، وإذا قيس الأمر بقدرة الله عزّ وجل فالله على كل شيء قدير, هناك أشياء ممكنة عقلاً، وهناك أشياء واجبة عقلاً، وهناك أشياء مستحيلة عقلاً، فالشيء الواجب الوجود هو الله سبحانه وتعالى، والشيء الممكن هو الكون، كان على هذا الشكل ويمكن أن يكون على شكل أخر، فإذا أدخلنا موضوع المعجزات في هذا الموضوع فالمعجزات ممكنة, قال الله:

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 69)

 الله عزّ وجل جعل لكل شيء سبباً, ولكن في أي لحظة يستطيع أن يُلغي هذا السبب أو أن يعطله, ليبين لنا أن هذا الشيء من خلق الله وليس من خلق السبب، والسبب يعني وجد معه ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الشيء، فالمعجزة كما تكلمنا عنها سابقاً بدرس مفصّل ممكنة عقلاً، لكن قد تكون غير ممكنة عادة، فالنار تحرق عادة فأن تضع إنساناً في النار ولا يحترق فهذا غير ممكن عادة, أما عقلاً فممكن, لأنَّ الذي أحرق الإنسان بالنار قادر على أن لا يحرقه بها، وإذا أردنا أن ندخل موضوع الكرامات في هذا الموضوع فالكرامات أمور ممكنة عقلاً، والله عزّ وجل على كل شيء قدير, كما أنه أجرى على يد أنبيائه ورسله بعض المعجزات التي هي خرق للعادات, فمن قدرة الله عزّ وجل أن يُجري على بعض الصالحين من أتباع الأنبياء وعلى بعض الأولياء أموراً فيها خرق للعادات، لكن المعجزة هي خرق لمجرى العـادات الكونية مرافقة لدعوى النبوة، وهناك إنسان يقول: أنا نبي وهذه المعجزة, فالمعجزة ترافق دعوة النبوة ومقرونة بالتحدي, أما الكرامة فهي خرق للعوائد, ولكن غير مقرونة بالتحدي ولا بدعوى النبوة، إنما هي شيء خارق للعادات أجراه الله على يد بعض الصالحين من أوليائه المؤمنين أتباع النبي.

لمن تكون الكرامة ولما وجدت:

 بالمناسبة: هناك قيد للكرامة, فما هذا القيد؟ إن الله سبحانه وتعالى لا يجري كرامة على يد عبـــد من عباده الصالحين إلا إذا كان ملتزماً بأوامر الله سبحانه وتعالى جملةً وتفصيلاً، فإذا كان غير ملتزم بأوامر الله عزّ وجل, وادّعى أنه أجريت على يديه كرامة فهذه ضلالة وليست كرامة.
 لماذا كانت الكرامة؟ هي شاهد مستمر على إمكان المعجزات، معجزات الأنبياء التي جرت بأزمانهم، وهي دليل جزئي على أن هذا الإنسان صالح، كرمه الله سبحانه وتعالى بخرق العادات، إذاً من باب أولى أن أنبياءه المصطفون، وأن رسله المكرَمون تجري على يديهم معجزات باهرات دالات على رسالتهم, وعلى عظمة الله سبحانه وتعالى.

الكرامة شهادة من الله لهذا الإنسان على صلاحه وهي أقل مستوى من المعجزة:

 هذه الكرامات, تؤكد للأتباع أن هذا الإنسان الذي كرّمه الله بهـذه الكرامة مقرّب عنده، وكأنها شهادة الله لهذا الإنسان, كيف يشهد الله عزّ وجـل؟ شهد لأنبيائه بالمعجزات, وشهد لرسله بالكتب، فكيف يشهد لبعض أوليائه بالكرامة؟ بأن يُجري على أيديهم بعض الكرامات، أي بعض خوارق العادات.
 عندنا ملاحظة ثانية, الكرامة مستواها أقل من مستوى المعجــزة، فيجوز النبي أن يبرئ الأكمه والأبرص, ويحيي الموتى بإذن الله، وإحياء الميت معجزة, والكرامة أقل من ذلك, فإذا ادعّى وليٌ من أولياء الله أنه يحيــي الموتى تقول له: لا, الكرامة ليست في مستوى المعجزة, المعجزة لها صفة جماهيرية, يُدعى الناس جميعاً لمشاهدتها، وفيها تحّدٍ وترافق ظهور رسالة سماوية، أما الكرامـة فلها طابع فردي، بهذه القيود والفروق التي وضحتها لكم يتبيّن لنا:
1- أن الكــرامات لا تلتبس بالمعجزات، ولن تختلط الكرامة بالمعجزة.
2- فالكرامة على شكل فردي، والمعجزة على شكل جماعي.
3- المعجزة يرافقها ظهور نبي أو هبوط وحي أو نزول رسالة، بينما الكرامة لا يرافقها هذا.
4- ومع المعجزة هناك تحدٍ من قِبل الناس، ومع الكرامة ليس هناك تحدٍ.

أنواع الكرامة:

1- الكرامة التي تجري وفق العادة:

 هناك تكريم من الله لبعض الناس الصالحين، المتًبعين غير المبتدعين، يجري وفق العادات لا خلاف العادات، وما التكريم الذي يُكرّم الله به بعض عباده وفق مقتضى العادات وليس خِلافها ؟ إنه العلم، إذ يُمنح هذا الإنسان العلم, فالعلم تكريم وأيّ تكريم, بل هو أرفع درجات التكريم, وليس في العلم خرق للعادات, العلماء قسّموا الكرامات على نوعين:
1- نوع يجري وفق العادات: وهذا النوع الذي يجري وفق العادات في مقدمته العلم أو القوة الجسمية, قال الله:

﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾

( سورة البقرة الآية: 247)

 إنسان آتاه الله عزّ وجل القوة فهذه كرامة, ولكن وفق العادات، أو القدرة على التوجيه أو القيادة أو الرئاسة هذه قدرة أيضاً، يوجد إنسان عنده إمكانية يجمع الناس حوله، وعنده إمكانية أن يُوّفق بين المتخاصمين، وعنده قوة حجة، وإقناع، وسياسة، و فهم، وحكمة، هذه كلها كرامات, لكنها كرامات وفق العادات, وليس فيها خرق للعادات، أو أن يعطيه مالاً وفيراً، أو أن يجعله ينجب أولاداً من أعلى مستوى الذكاء، ومن كرامة الله لهذا الإنسان الحكمة, والقدرة على تدبير الأمور، والفطانة، وحُسن التصرف، والتكيّف، المال، والزوجة الصالحة، والأولاد الأبرار، هذه كرامات وفق العادات يكرم الله سبحانه وتعالى بها بعضاً من عباده الصالحين.

2- الكرامة التي تجري خلاف العادة:

 2- وقد يُكرم بعض عباده بأن يُجري على أيديهم خوارق العادة: من الكرامات التي وردت في كتب العقيدة, أن يفتح الله لأوليائه آفاق العلم والمعرفة فهذه كرامة, والدليل قوله تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة الآية:282)

 إذا آتاك الله عزّ وجل الفهم لكتاب الله فهذه كرامـــة، فتقرأ الآية، وتفهمها سريعاً، وتتضح لك: أبعادها ومراميها، وعلاقتها بالآية السابقة ومدلولها، فهذه كرامة من الله عزّ وجل, ومن كرامة الله لأوليائه الصالحين أن يجعل لهم مخرجاً, وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فالحياة فيها أزمات، وفيها ورطات، وفيها مشكلات, قال الشاعر:

كن عن همومك معرضــاً   وكل الأمور إلى القضـا
وابشر بخير عاجـــــل   تنسى به ما قد مضــى
فلرب أمرٍ مسخـــــطٍ   لك في عواقبه رضــا
ولربما ضاق المضيـــق   وربما اتسع الفضـــا
فالله يفعل ما يشـــــا   ء فلا تكن معترضـــاً
الله عودك الجميـــــل   فقس على ما قد مضـى

  ثم الله سبحانه وتعالى إكراماً لك أيها المؤمن, يفتح لك مخرجاً ما كان في الحسبان، إذ يخلق لك فرجاً بعد اليأس، ويخلق لك حلاً بعد التعقيد, قال الشاعر:
نزلت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكان يظن ألا تفرج
 هذه كرامة، فيجوز أن يكون كل واحد منكم مُكرّماً عند الله، كل واحد منكم حصراً، على هذه المقاييس، هذه أنواع الكرامات، و كلمة مخرج تعني أن الأمور مُحكمة, وليس هناك من أمل, و الله عزّ وجل لا يفتح لك المخرج إلا بعد أن تُحكم الشدائد من كل جهة, طرقت باب فلان فوجدته مسافراً, وفلان وعدك بمبلغ, فقال لك: والله ليس معي نقدي, فإذا وجد لك مخرج من أزمة مستحكمة, فهذه كرامة أيضاً, من كرامات الله لأوليائه المؤمنين: بأن يكافئهم على نصر دينه, وبأن ينصرهم ويؤيدهم وأن يجعلهم فوق أعدائهم، وذلك بتهيئة الأسباب ودفع الموانع وإلقاء الرعب في قلب العدو, وذلك في مثل قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

 

( سورة محمد الآية: 7)

 فهذه كرامة، مكافأةً لك على نُصرة دين الله, وعلى أنك وقفت إلى جانب الحق، وآثرت رضاء الله عزّ وجل, وأسخطت الخلق, وأرضيت الحق، قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

( سورة القصص الآية:5-6)

 

أيهما أرفع عند الله الكرامة التي تجري وفق العادة أم خلافها ؟

 هناك كرامات, تجري وفق العادات, وكرامات تجري خلاف العادات، أي الكرامات أرفع عند الله درجة, التي تجري وفق العادات أم التي تجري خلاف العادات ؟ أنت أمام طبيب، واحد آتاه الله علماً عميقاً, وقدرة على تشخيص المرض, وقدرة على وصف الدواء المناسب، وطبيب آخر, آتاه الله شيئاً من خوارق العادات، فلما دخلت عليه طار في الجو أمامك حتى وقف في السقف, منظر مُذهل، وأنت مريض, إلى من تحتاج ؟ إلى الذي أوتي العلم، العلم ليس فيه خرق للعادات, شيء طبيعي.

 تعليق لطيف, قال مؤلف الكتاب: وظاهرٌ أن الإكرام بالعلم أو التأييد بالنصر أجل وأرفع من الإكرام بالمشي على الماء, أو الطيران في الهواء, أو طيّ المسافات البعيدة في زمن قصير, أو تحضير الطعام والشراب في مكان ليس فيه طعام ولا شراب، فالعلم والفهم والحكمة والقدرة على توضيح الحق للناس، وهذا الكلام مؤيد بالأدلة القرآنية القطعية الثبوت والقطعية الدلالة.

الكرامة التي يجريها الله على يد بعض الصالحين من الأمور الممكنة عقلاً:

 فكل منكم فيما أعتقد كرمه الله سبحانه وتعالى بأن فهمه، وعلّمه، وحفظه، و جعل له مخرجاً من بعض أزماته، و أيّده، وقرّبه, فهذا أكبر تكريم, ولذلك يجب أن نعتقد ونحن ندرس العقيدة الإسلامية، أن الكرامات جائزة الوقوع, وأنه لا مانع من أن يُجريها الله على يد بعض الصالحين من عباده إكراماً لهم, وتأييداً للرسول الذين هم من أتباعه.
 ما دامت الكرامات قد ثبتت عقلاً، فالكرامات ممكنة عقلاً, وممكن أن يلقي الله عزّ وجل في قلب عدوك الرعب منك، وأن يُلقي عليك هيبة, فهذا الخصم يخاف منك, وأنت أضعف منه, و أنَّ هذه الورطة بعد أن استحكمت حلقاتها, يفتح لك باباً تخرج منها, فاقتنعنا الآن أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً, لأن الله على كل شيء قدير، وهذا الذي سيحاسبك حينما تمر من أمامه ليحاسبك يأتيه خاطر متعلّق في بيته مثلاً فلا يُدقق فتنجو منه, لأنَّ قلبه بيد الله عزّ وجل، وعلى هذا هناك آلاف القصص، أثبتنا أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً.

الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع الكرامة:

 أيها الأخوة, هناك صوراً كثيرة من الكرامات قد أثبتها القرآن الكريم، وهناك أمثلة كثيرة من الكرامات أثبتتها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ هناك كرامات كثيرة وردت عن أصحاب رسول الله صلوات الله عليه، إذاً لا يمكن أن تُنكر الكرامة لا من وجه عقلي, ولا من وجه نقلي، فهي ثابتة نقلاً وعقلاً، والنقل يتوافق مع العقل، والعقل يتوافق مع النقل، فلا داعي إذن لإنكار الكرامة على أنه متى ظهرت الصدق في طريق روايتها سلمنا بها، فلو فرضنا أن كذاباً قال لك: فلان أكرمه الله عزّ وجل ونجاه من ورطة كبيرة, فقد يكون ناقل الخبر كذاباً, فهل هذه كرامة؟ لا, لا تثبت هذه الكرامة إلا إذا وردتنا بالخبر الصادق, هذا من حيث الشكل, أما من حيث المضمون, فإنسان شرب الخمر ولم يحاسبه الله, وجعله ينطلق في ملكوت السموات والأرض, وهو سكران, فنقول له: هذا دجل, وأنت ضال، فيجب أن يكون موضوع الكرامة وفق طاعة الله عزّ وجل، فإذا تضمنت الكرامة المزعومة مخالفة ظاهر الشرع، أو فيها معصية أو مُنكر، أو تعطيل لحكم الله، أو نحو ذلك, فهذه ليست كرامة بل هي ضلالة من الشيطان.
 والآن نحتاج إلى الدليل, أين الكرامات التي وردت في كتاب الله؟ قصة أهل الكهف, من هم أهل الكهف؟ هل هم أنبياء أم رسل؟ فقصة أهل الكهف هذه كرامة, ولو أنهم كانوا أنبياء أو رسلاً لكانت معجزة, وهذا النوم المديد خرقٌ من خوارق العادات, وقد أكرمهم الله بذلك, وهم فتية مؤمنون صالحون وليسوا بأنبياء, قال الله:

﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴾

( سورة الكهف الآية: 9-12)

  السيدة مريم الصديقة هل هي نبية؟ لا, النبوة محصورة بالرجال, ومع ذلك أجرى الله على يديها شيئاً من خوارق العادات, فقد حملت بسيدنا عيسى عليه السلام دون أن يمسها بشر, أليس هذا خرقاً للعادات ؟

 

﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 47)

 ولما أحست السيدة مريم بقرب ساعات الوضع, ابتعدت عن أهلها إلى مكان خالٍ من الجهة الشرقية, وجلست إلى جانب شجرةٍ من أشجار النخيل التي لا ثمر فيها، وحصلت لها من المساعدات الربانية في وضعها أمور كثيرة منها: تساقط الرطب عليها من النخلة غير المثمرة لما هزت جذعها:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾

( سورة مريم الآية: 25)

  فهذه كرامة, أما بحق سيدنا عيسى فمعجـــزة، ما دامت جاءت قبل الرسالة فهي إرهاص كما تحدثنا من قبل, لما وضعت ابنهــا عيسى عليه السلام حملته, وجاءت به إلى قومها, فجعلوا يوجهون إليها الأسئلة المتندرة, ويحرجونها بالاتهامات الساخرة, وهي صامتة لا تحمل جواباً, وألحّوا في استجوابها عن سبب حملها الذي لم يتصوروا فيه على حد تفكيرهم الضيق إلا الفاحشة, وهي منها براء فأشارت إلى ولدها الرضيع, قال الله:

 

﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

 

(سورة مريم الآية: 29-31)

 فهذه كرامة، ليس من السهل أن يتكلم طفل عمره بضع ساعات أو أيام.
 السيدة عائشة رضي الله عنها نزلت آيات قرآنية تؤكد براءتها مما اتهمت به من حديث أهل الإفك، والله عزّ وجل كرّمها بأن برأها بقرآنه الكريم، وهذه كرامة أيضاً ثابتة في القرآن الكريم، يتضح لكم أن الكرامات مأخوذة من القرآن الكريم.
  هناك غلام نشأ في اليمن في عهد ملكٍ من ملوك حميّر، الذي استعبد الناس وحجبهم عن الإيمان بالله، وكان لهذا الملك ساحر فلما كبر الساحر, قال للملك: قد كبرت سناً فابعث إليّ غلاماً أُعلمه السحر, فاختار الملك غلاماً وبعثه إليه, وتتلمـــذ الغلام على الساحر, وأراد الله بالغلام خيراً فكان يتصل براهبٍ يأخذ عنه الدين والعبادة, وكان مكان الراهب بين منزل أهل الغلام, وبين مكان الساحر, وكان يحتال لتبرير تأخره على الساحر صباحاً, وعن أهله مساءً، وقد تقدم هذا الغلام في درجات التقوى حتى أجرى الله على يديه كرامات كثيرة منها: أنّ دابة خاف الناس منها, وقطعت عليهم طريقهم فأخذ حجراً, وقال: " اللهم إن كان أمــر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس, فرماها فقتلها " فاعتقد الناس به, وسمعوا راهباً وساحراً, فالراهب رجل دين, والساحر رجل كذاب, والملك حينما رأى بعض الناس قد آمنوا بالله خالق السموات والأرض بسبب هذا الغلام، حقد عليهم, وعذّبهم, وقتّلهم, طبعاً القصة طويلة، حاول الملك أن يقتل الغلام فأخذوه إلى جبل فردوه من علٍ فما تمكنوا، وأخذوه إلى عرض البحر ليُغرقوه فما تمكنوا، والله عزّ وجل كان يحفظه يُميت من معه ويحفظهُ هوَ، إلى أن قال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس بصعيد واحد, وتصلبني على جذع, ثم تأخذ سهماً من كنانتي, ثم تضع السهم في كبد القوس, ثم تقول: باسم الله ربّ الغلام ترمي, فإن فعلت قتلتني، ليس لك أن تقتلني إلا بهذه الطريقة، فلما فعل قُتل بهذه الطريقة, فكبر الناس جميعاً, وآمنوا بالله خالق السموات والأرض, وكفروا بهذا الملك الذي يدّعي أنه رب، فكان هذا الغلام قد ضحّى بحياته من أجل أن يؤمن الناس بالله رب العالمين, هذه كرامة وردت في بعض الكتب الصحيحة، والله سبحانه وتعالى أشار إليها, قال:

﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ﴾

( سورة البروج الآية: 4)

 إن الملك لما آمنوا بالله عزّ وجل, حفر لهم أخدوداً, وأشعـــل فيه النار, وحرّقهم فيه, قال الله:

﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

( سورة البروج الآية: 4-8)

 فهذه بعض الأمثلة التي وردت في موضوع الكرامة, فالكرامة حق، ممكنة عقلاً, وثابتة نقلاً، والنقل أي هناك آيات كثيرة, وأحاديث تؤكد الكرامة، لكن أتمنى أن يبقى في أذهانكم أن أرفع الكرامات هو العلم والمعرفة والحكمة والقدرة على هداية الناس، وهذه هي الكرامة المجدية.
 وآخر شيء من الكرامات, حينما كان يخطب سيدنا عمر على المنبر فجأة قطع خطابه, وقال: يا سارية الجبل الجبل, وسيدنا سارية أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان قائداً في جيش يغزو الفرس، ويبدو أن خلف الجبل كميناً للفرس، فسمع سيدنا سارية, وقال: أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل, فهل هذا لا سلكي ؟ لا، هذه كرامة من الله عزّ وجل, وهل هناك كرامة أجريت على يد إنسان فاسق, فاجر, مبتدع, لا يصلي, ويخرق حدود الشرع, وتكون له كرامة, فإياكم أن تسموها كرامة, فهذه ضلالة, لقوله تعالى:

﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾

( سورة الكهف الآية: 51)

 نرى مما سبق أن الكرامة من الأمور الثابتة قطعاً, والتي لا يشك فيها نظراً للأدلة العقلية والنقلية، ومن ينكرها من حيث هي فإنما ينكر شيئاً شهدت بإمكانه الأدلة العقلية, وتظاهرت على إثبات وقوعه الأدلة الشرعية المتواترة من قرآن, وسنّة بلغت في معناها معنى التواتر على ما نعتقد.

المؤمن الموفق يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله:

  لو فرضنا طالباً من طلاب العلم, قضى العام الدراسي في طاعة الله عزّ وجل, ولم يحضر للمادة, وهذا شيء مخالف للسنة, يجب أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب, فرضاً, وشارف الامتحان على المجيء, وهذه المادة التي فحصها غداً ليس متمكناً منها, والفحص مصيري, وسيترتب على هذا الفحص مستقبله, نام ليلة الامتحان, فرأى في المنام أن السؤال هو سوف يأتي في الامتحان, وقرأ السؤال جيداً فأتقنه، دخــــل الامتحان فالسؤال نفسه كتبه, فأخذ علامة تامة، مع أن هذه القصة صحيحة, وهي كرامة لهذا الطالب, أيصح أن تلقى على الطلبة؟ اذهبوا للنوم طوال السنة, وانتظروا مناماً, هل يتعلم الطالب بهذه الطريقة؟ موقفي من الكرامات, أنني لا أنكرها, ولا أرويهــا, فإذا أكثرت من رواية الكرامات، فهذا شيء قد يدعو إلى الكسل، خلاف أوامر الدين, وخلاف الأخذ بالأسباب، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهو نبي الله، وهو رسول الله، وهو المعصوم من أن يُقتل, لماذا اختار خبيراً للطريق, واختار رجلاً يمحو أثار المشي, ورجلاً يأتيه بالأخبار, وآخر يأتيه بالزاد؟ أليس هذا كله أخذاً بالأسباب ؟ هكذا المؤمن, فأتمنى عليكم ألا تتحدثوا بالكرامات، هل أنت بحاجة إلى إنسان يفعل أمامك خوارق العادات, وأنت كما أنت؟ أم تريد إنساناً يشفيك من مرضك ؟.

ينبغي على المسلم أن يكون همه معرفة الله وفهم كتابه:

 الذي أرجوه أن تعتقدوا: أن أعظم الكرامة أن تعرف الله عزّ وجل، وأن تفهم كتابه، و سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تكون فقيهاً، وأن تتلو كتاب الله، و تعلمه للناس، و تُرزق الحكمــة في تصريف الأمور، و التكيف مع الظروف الصعبة، هذه هي الكرامة الحقيقية, فأغلب الظن أن كل من يسمعني, وكل من يحضر هذا المجلس لا شك أنَّ الله أكرمه بطريقة أو بأخرى من هذه الكرامة.

الكرامة من الحوادث الخاصة وليست من العامة كالمعجزات:

 وشيء آخر: الكرامات حوادث خاصة غير قابلة و غير صالحة للنشر، أما المعجزات فحوادث عامّة، فلما أسرى بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس, وعُرِجَ به إلى السماء، أَفي إمكانه أن يسكت عنها؟ هذه معجزة ينبغي أن يبوح بها، فإذا أكرمك الله عزّ وجل بشيء, وحدثت الناس فيه ماذا سيحدث؟ أكثرهم يكذبونك, فأنت قد تكون صادقاً و مخلصاً, وما كذبت فالله كرّمك، فأنا أنصحك إذا كرمك الله عز ّوجل بشيء فلا تتكلم به لأحد فهذا لك خاصة, فالكرامات حوادث خاصة يكرّم الله بها بعض المتقين, فلا يصح أن تتخذ ذريعة للتفاخر, وأن تقول لي: شاهدت مناماً أنني لابس أبيض, و لفة خضراء على رأسي, فدخلت إلى بستان جميل، ووجدت سيدنا الخضر يجلس ليستقبلني, دع المنام لنفسك وأرِحنا منك, فلا يصح أن تتخذ هذه الكرامات ذريعة للتفاخر، أو لتحصيل الأموال, وبعد أن يحكي المنام يفعل المحرمات, أهكذا المسلم؟ إنها تصبح استدراجاً ووبالاً على صاحبها.

الكرامة موضوع إكرام فلا يتخذ منها حكم شرعي:

 لا يمكن أن تتخذ الكرامة ذريعة لإثبات الأحكام الشرعية، كأن تقول: شاهدت في المنام أن رسول الله قال لي: صلِ الفرض فقط، ما هذا الكلام؟ تُرّد الرؤيا, ويثبُت الشرع، من ادعّى أنه رأى رؤيا، أو جاءه هاتف، أو حدثه قلبه بشيء مخالف للشرع, تُردّ الكرامة المزعومة, ويثبت الشرع، وأصح كلمة قرأتها: أننا نفهم الشرع بالعقل, ولا نحكّم العقل بالشرع، فالعقل قد يضل, لأنهُ دون الشرع, وقد يغتّر، وقد يتجاوز الحدود, قد يُكرمك الله بالعلم وهذه كرامة، وقد يُكرمك بالحكم, فيجعلك حكيماً، وقد يُكرمك بالمال، والزوجة الصالحة، والذرية الصالحة، والأولاد الأبرار، والهيبة، والرفعة، والمكانة, فهذه كلها كرامات تجري وفق العادات، ووفق الأصول، فقد درست والله وفقك وأخذت شهادة عُليا, وتعيّنت بمنصب رفيع، وصار لك مكانة اجتماعية، لقد درست دراسة معينة, وأصبحت طبيباً، ولك مكانتك, وأنت مُحسن للناس، الناس رفعوا شأنك، فهذه كرامة, لكنها جرت مجرى العادات، أي لا تبحث عن الكرامــات التي فيها خرق للعادات, وهذه لا تُفكر بها.

الكرامة تكون وفق حالة الشخص:

 الكرامة قد تكون وسيلة لتثبيت الإيمان، وقد تكون امتحاناً له وابتلاء، وقد تكون استدراجاً له، فإذا استمر على معصية بعدها كانت وبالاً عليه, ونكالاً به وحجة عليه من الله تعالى, وأحدهم راكب بالبحر، والبحر هاج، يا الله ليس لنا سواك, فهدأ البحر, وعاد هو إلى الشط، فإذا فعل معصية بعدها, فكانت هذه الكرامة استدراجاً وليست تكريماً, لا يصح بحالٍ من الأحوال الاغترار بأصحاب الكرامات, إذا لم يكونوا ملتزمين بأحكام الشريعة, متقيدين بأوامرها ونواهيها, فأصحاب الكرامات إن لم يكونوا ملتزمين بأوامر الشرع, فهذه ليست كرامات, لا تغتر بهم، الحكم الصحيح هو ميزان الشرع، وكل من رمى من يده ميزان الشريعة لحظة هلك, والشافعي رضي الله عنه, كان يقول: " إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة " ثم قال مرة ثانية: " بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ", فالشرع هو المقياس, والكرامات أشياء شخصية حصلت لك, وليست قابلة للنشر، قد تُكذَّب بها، والإنسان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" وَقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ "

(أخرجه البخاري في الصحيح)

 أرجو الله عزّ وجل أن أكون قد وُفقت إلى تحديد موضوع الكرامة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018