بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 44 - الإيمان باليوم الآخر 2


1987-09-06

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ملخص الدرس الماضي:

 في الدرس الماضي بيّنا أن بين يدي الإيمان باليوم الآخر مجموعة من الحقائق، هذه الحقائق تتلخص في أن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأنّ السموات والأرض والجبال أبيْنَ أنْ يحملنها، وأشفقْنَ منها وحملها الإنسان، ومعنى أن الإنسان قد حمل الأمانة، أي قَبِلَ أن يصل إلى أعلى مرتبة وُضعت للمخلوقات، لكنّ هذه المرتبة، مرتبة جمالية، إنه أسعد مخلوق على وجه الأرض، لو أنه حمل الأمانة كما أرادها الله عزّ وجل.
 هذا الإنسان حينما حمل الأمانة سَخَّر اللهُ له ما في السموات والأرض، وزودّه بعقلٍ كقوة إدراكية، وزودّه بحرية اختيار، وزودّه بقدرة ظاهرة على تحقيق مُراده، وزودّه بفطرة سليمة أعانه بها على اختيار الحق، وخلَق له الكونَ، وأنزل الكتب، وبعث الأنبياء، وسخّر الدعاة والعلماء، كل هذا من أجل أن يتعرف هذا الإنسان إلى الله عزّ وجل، فإذا عَرَفه عَبَدَه، وإذا عَبَده سَعِد بِقُرْبِه في الدنيا والآخرة، فالقوة الإدراكية تقتضي أن يتعرف الإنسان إلى الله عزّ وجل، لا أن يسخِّرَها لأهداف رخيصة، والإرادة الحرة مع القدرة الظاهرة على فِعْلِ ما يريد الإنسان، هذا أيضاً يجب أن يكون مؤدِّياً إلى العبادة الصحيحة، والفطرةُ السليمةُ التي فطرَ اللهُ الناس عليها تقتضي أنْ يشكروا الله عزّ وجل، هذا ملخص الدرس الماضي.

من تتمة الحقائق التي ينبغي على الإنسان أن يعرفها عن اليوم الآخر:

1- الابتلاء هو علة وجود الإنسان في الكون:

  نتابع هذه الحقائق التي لابد مِن عَرْضها بين يدي الإيمان باليوم الآخر، ومِن أجل أن يستحقَّ الإنسانُ هذه السعادةَ العظمى يومَ القيامة جَعَلَه في الدنيا مبتلى، فإمّا أن يُؤْثِر رضاءَ الله عزّ وجل، وإمّا أن يؤثر رضاء الناس، إمّا أن يسعد بإقباله، وإمّا أن يبحث عن لذته، إمّا أن يُؤْثِر جانب الخير، وإمّا أن يؤثر جانب الشر، إمّا أن ينطلق من مبادئه، وإمّا أنْ ينطلقَ مِن نزواته, وقد سَرَدْتُ لكم في الدرس الماضي الآيات العديدة التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى، التي تؤكد أن العلة الأولى التي خُلِقْنَا مِن أجْلها في هذه الحياة الدنيا هي الابتلاءُ, قال الله:

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

( سورة الإنسان الآية: 2)

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

( سورة الملك الآية: 1-2)

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 115-116)

 إذاً: النجاح في الابتلاء ثمنُ هذه السعادة العظمى، من أجل أن يُبتلى الإنسان زوّده الله عزّ وجل بأشياء ثنائية، الشيطان يوسوس له، والمَلَك يٌلهمه، فإما أن ينحاز إلى جانب الشيطان، وإما أن يستجيب للمَلَك، فنوازع الخير تدعوه إلى فعل الخير، والشهوات التي أودعها الله فيه تدعوه إلى اقتناص اللذة، ولو على حساب الآخرين، في الحياة إمّا أن يستجيب الإنسانُ لعقله، وإما أن يستجيب لشهوته، إما أن يستجيب لنداء الرحمن، أو يستجيب لوسوسة الشيطان، إما أن يؤثر الفضيلة، وإما أن ينحاز إلى الرذيلة، إما أن يؤثر المصلحة، وإما أن يؤثر المبدأ، فأنت بين المبدأ والمصلحة، بين الحاجة والقيم، بين وسوسة الشيطان ونداء الرحمن، بين نوازع الخير ونوازع الشر، بين الحق وبين الشهوة، هذا التنويع، وهذا التخيير هو علّة الابتلاء.

2- توزيع القدرات البشرية تعود إلى عدة معاني:

 الله سبحانه وتعالى جلّت حكمته زوّد الإنسان بقدرات متفاوتة، فهذا أعطاه ذكاءً، وهذا أعطاه مالاً، وهذا أعطاه قوة عضلية، وهذا أعطاه قوة اجتماعية، وهذا أعطاه قدرة على الإقناع، وهذا كان عليًّا، وهذا كان غبياً, هذه القدرات مَنَحَها الله لعبادة بشكل متفاوت، ولهذا التفاوت تفسيران:
 التفسير الأول: أنّ الله سبحانه وتعالى تفَضَّلَ على خلقه ابتداءً بالإيجاد، وتفضل على خلقه ابتداءً بهذه القدرات الخاصة التي منحهم إياها، فليس للعباد أن يعترضوا على هذه القدرات، لأنها مَحْضُ فضلٍ, هذا تفسير.
  التفسير الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى حينما نَظَرَ إلى خلقه رأى كل مخلوق له طلب، وبحَسَبِ طلبِ هذا المخلوقِ أعطاه القدرات التي تُحَقِّقُ له طلبه، من ذكاء وقوة ومال ومواهب, وليس للمرء حق الاعتراض، لأنه ليس له حقٌّ أنْ يطالبَ ربَّه بشيءٍ، وقد خُلِق مِن عَدَمٍ, يؤكِّد هذا قولُه تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 18-20)

 فهذا الذي مُنح قدرة على الإقناع، إنما كانت هذه القدرة تحقيقاً لطلبه، وهذا الذي مُنح مالاً وفيراً إنما مُنح هذا المال تحقيقاً لطلبه.

المسؤولية تكون على قدر ما أوتي صاحبها من قوة وعلم ومال:

 لكن المسؤولية على قدر الموهبة، فالفصيح الذي أُوتِيَ فصاحةً وقدرةً على الإقناع، وتَلَكَّأَ في نصرة الحق، فهذا حسابُه أشدُّ مِنَ الذي لم يُؤْتَ هذه القدرة، والذي أوتي المال العريض، إذا دُعي إلى فعل الخير، واستنكف فعليه مسؤولية أكبر بكثير مِنَ الذي أوتي كفافَ يومه، وهذا الذي أوتي قوة وشأناً في المجتمع بإمكانه أن يقف إلى جانب الضعيف والمؤمن، واستنكف فله حساب خاص أشدُّ مِنْ حساب الذي كان في الأرض مستضعفاً، فكل إنسان مُحاسَب، ومسؤول على قدر ما مكَّنه الله في الدنيا.
 لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه, يقول:

" لو أنّ بغلة في العراق تعثرت لحاسبني الله عنها, لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ "

" ليتني أقدم على ربي لا لي ولا علي "

" ليت أمَّ عمر لمْ تلد عمر, ليتها كانت عقيمة "

( أقوال مأثورة عن سيدنا عمر رضي الله عنه )

 لقد أدرك عِظَم المسؤولية التي تحمَّلها، لأنّ الله عزّ وجل مكنّه في الأرض، فالمسؤولية والتَّبِعَة على قدر التمكين, الذي اطّلع على العلم، وعرف أحكام العبادات، هذا إذا قصّر في أدائها كان حسابُه أشدَّ مِنَ الذي لم يطّلع، فكلما أُوتِيتَ شيئاً يزيد على الآخرين ارتفع مستوى حسابك عند الله عزّ وجل، هذه حقيقة لا شك فيها، وممّا يؤكَّد هذه الحقيقة أنّ مَن رَزَقَه الله عقلاً وذكاءً, كان مسؤولاً عن هذه المنحة بمقدارها، ومَن رَزَقَه الله عمراً مديداً كان مسؤولاً عن عمره بمقدار امتداده، ومَن حَبَاه اللهُ علماً كان مسؤولاً عن علمه الذي حباه إياه على مقداره، ومَن آتاه اللهُ قوةً جسمانية وشجاعة, كان مسؤولاً عن ذلك بمقدار العطاء الرباني، وهكذا، مِن هنا قال بعض المفسرين في قوله تعالى:

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾

(سورة التكاثر الآية: 8)

 يعني أيَّةَ منحة مَنَحَك اللهُ إياها فستحاسب عليها، هذا المال كيف أنفقته؟ هذه القوة العضلية كيف استهلكتها؟ هذا العقل القوي، هذا الشأن الاجتماعي، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ به وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ "

(أخرجه الترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي برزة الأسلمي )

 هذه المعاني تؤكِّدها بعضُ الآيات، قال تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

( سورة الفتح الآية: 17)

 وقوله تعالى:

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 30-31)

 الشاب الذي ينشأ في بيت علم، يستمع إلى الحق صباح مساء، هذا الشاب مُحَاسَبٌ عند الله أكثر مما يُحَاسَب شاب نشأ في بيت الجهل، في بيت الانحراف، فكل ميزة خصّك الله بها يقابلها مسؤولية تزيد بها عن الآخرين، قال تعالى:

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾

( سورة الطلاق الآية: 7)

 

3- التفاوت العلمي والمادي بين الناس هو مجرد اختبار وامتحان:

 الله سبحانه وتعالى جعل الناس في الدنيا درجات، وفي هذا حكمة بالغة، فهناك تفاوت في القوة الإدراكية، تفاوت في القوة العضلية، تفاوت في الشكل، تفاوت في الشأن، تفاوت في النواحي العاطفية، تفاوت في النواحي الاجتماعية، تفاوت في المستوى الاقتصادي، هذا التفاوت بعلم الله وتقديره, قال تعالى:

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

( سورة الزخرف الآية: 32)

 فهذا جَعَلَه يقبع وراء مكتب فخم، وعنده حاجب، في المظهر الخارجي أن هذا الذي يجلس وراء المكتب له شأن كبير, وهذا الحاجب الذي يقف على الباب شأنه قليل، لكن الله عزّ وجل له مقياس آخر، فقد يكون هذا الحاجبُ عند الله عزّ وجل, إذا كان مطيعاً له، قائماً بواجباته قد يكون له شأنٌ يفوق شأن هذا الذي يخدمه بكثير، فربنا عزّ وجل جَعَلَ الدنيا مراتبَ، وجعل الحياةَ مستويات، لكن الذي يريده هو أنْ يُمْتَحَنَ كل هؤلاء, فالفقير قد يُمْتَحن بصبره على الفقر، وتعففه عن المال الحرام، بينما الغني يُمتَحَن امتحاناً ليس أقلَّ صعوبةً من هذا الامتحان، يمتحنه بقدرته على ضبط نفسه، وهو غني، فهل يحمله غناه على البطر؟ وهل يحمله غناه على الكِبْر أو على الإسراف، أو على البخل، أو على التمتع بما حرّم الله عزّ وجل؟ فالفقير مُبتلى، والغني مُبتلى، المستضعف في الأرض مبتلى، والقوي مبتلى، المستضعف مبتلى بصبره، ورضاه بما قَسَمَ الله له، والقوي مبتلى، فهل تحمله قوَّتُه على تجاوزِ حقوق الآخرين؟ فكلاهما مبتلى، لو دققنا لوجدنا أنه ما مِن مخلوق, ذكراً كان أو أنثى, كبيراً كان أو صغيراً، غنياً كان أو فقيراً، إلاّ وهو مُبتلى بقدر ما أعطاه الله عزّ وجل.
 قد يكون صاحبُ محل تجاري مُبتلًى، وكذلك الصائغ قد يكون مبتلى، وصاحب المحل عنده قائمة ابتلاء طويلة، هل هذه البضاعة اشتراها بشكل صحيح؟ وهل أعطاها سعراً مناسباً؟ وهل باعها بطريقة شرعية؟ وهل عاملَ هؤلاء الموظفين معاملة صحيحة؟ هل عاملهم بالعدل؟ أمّا الصائغ الذي في هذا المحل فهو مُبتلى، هل كان مخلصاً لسيده؟ هل غشّ الناس؟ هل اختلس شيئاً من البضاعة لنفسه؟ فكل إنسان مبتلى على حجمه، أصحاب الأحجام الكبيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، وأصحاب الأحجام الصغيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، فلذلك هناك عدالة في الابتلاء، كما أنّ هناك تفاوتًا في العطاء، أمّا العدالة في الابتلاء فكل الناس مُبْتَلَوْن، المرأة تُبتلى في بيت زوجها، هل كانت زوجة صالحة؟ هل حفظت زوجها في نفسها؟ هل كانت سبباً لمتاعبه؟ أم كانت سكناً له كما أرادها الله عزّ وجل؟ هل أهملتْ أولادها؟

" أيّما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة "

(فيض القدير شرح الجامع الصغير)

 هل كانت عوناً للشيطان على زوجها, أم كانت عوناً لزوجها على الشيطان ؟ هل صبرت عليه؟ والزوج يبتلى, يبتلى مع أمه, مع زوجته, مع أولاده, مع جيرانه, مع زبائنه في عمله، مع مَن هم أدنى منه، مع مَن هم أعلى منه, الابتلاء على قَدَمٍ وساقٍ، فما مِن مخلوق على وجهِ الأرض إلا وهو مبتلى, قال الله:

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود الآية:7)

الحكمة الإلهية في توزيع التفاوت العلمي والمادي بين الناس:

  لولا التفاوت لَمَا كانت الحياة، فلو أنّ الناس جميعاً كانوا في أعلى مستوى فكري، فَمَن الذي يرضى بعملٍ يدويٍّ؟ لو أنّ الناس جميعاً كانوا مَهَرَةً في الأعمال اليدوية, فَمَن الذي يؤلِّفُ الكتب؟ لا بد مِنَ التمايز في كل النواحي، ولو أنّ الناس جميعاً كانوا بقدرات متساوية، فهذه القدرات عندئذٍ لا معنى لها، بل فَقَدَتْ قيمتَها، لو أن الناس كانوا جميعاً بشكلٍ واحد, لَفَقَدَتْ بعضُ الميزات قيمتَها، فهنالك تخطيط إلهي رائع، والكلُّ مبتلًى، وهذه آية أخرى فلنستمع إليها:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 165)

4- العطاء الرباني لإنسان دون إنسان هو ابتلاء وليس تكريم:

 هناك آية دقيقة في سورة الفجر هي من صلب موضوعنا، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر الآية: 15)

 هذه المقولة:

﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾

( سورة الفجر الآية: 15)

 هذه عين الخطأ مِن قائلها، أعطاه مالاً وفيراً، أعطاه شأناً، وهو يظنّ هذا إكراماً، مع أنّ هذا في حق الكريم ليس إكراماً، والدليل: كل هذا العطاء ينقطع بالموت, إذاً: ليس إكراماً، وما منّا واحد إلا وقد َقَتَل بعوضة، فإذا قتل المرء منّا بعوضة بماذا يشعر؟ هل يشعر بالذنب؟ هل يشعر أنّه أزهق روحاً؟ هل يشعر أنه اقترف إثماً؟ ما معنى هذا؟ معنى هذا أن البعوضة حَسَبَ ظنِّه لا شأن لها عند الله إطلاقاً، فنقول له: لا، والدليل عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ "

(أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد في سننه)

  جناح بعوضة, ومع ذلك فإنّ الإنسان إذا أعطاه الله شأناً، أو مالاً، أو قوة، أو شيئاً ممّا يَحسُد الناسُ بعضهم بعضاً عليه هذا ليس عطاءً، والدليل: أنه ينقطع بالموت، يأتي الموت فينقطع كلُّ هذا العطاء, وربنا سبحانه سماه ابتلاء قال:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر الآية: 15)

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر الآية: 16)

 أما الآخر, فقد يظن هذه إهانة، وحرماناً، وبغضاً، وهذا أيضاً عين الخطأ، فعين الخطأ أن تظنَّ أنَّ منحَ المال إكرام، وأنّ الحرمانَ منه إهانةٌ، لكن الصواب, قال تعالى:

﴿ كلا ﴾

( سورة الفجر الآية: 17)

 حرف ردع، أيْ ليس عطائي إكراماً، ولا مَنْعِي حرماناً، إنّ عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عزّ وجل الإنسان مالاً فهذا ابتلاء.

متى يسمى منح المال إكراماً من الله ؟

 فمتّى يُسَمَّى منحُ المال إكراماً؟ إذا أعطاه الله مالاً مبتلياً إياه به، فأنفقه في طاعة الله، وبعد أن ينفق المال في طاعة الله ينقلب هذا الابتلاء إلى إكرام، أكرمني اللهُ بهذا المال، حيث وفَّقَني إلى إنفاقه في طاعة الله, حينما يقترن الإنسان بامرأة، هذا ابتلاء، فإذا وُفِّقَ إلى الأخذ بيدها إلى الله ورسوله، وعلّمها أمرَ دينها، وحثّها على الصلاة، وجعلها مصونة، عفيفة، وجعلها مثلاً أعلى لنساء المؤمنين، الآن هذه الزوجة نعمةٌ من الله عزّ وجل، لماذا؟ لأن هذا المال الذي أنفقتَه في طاعة الله، وهذه الزوجة التي دللتَها على الله سيكونان نوراً لك في قبرك.
 هذا العطاء أصبح مستمراً، ولم يَعُدْ مقطوعاً، لو أنك استمتعت بالزوجة فقط مِن دون أن تَدلَّها على الله، عند الموت تبتعد عنها، وتبتعد عنك، لكنك إذا دللتها على الله, فهذه الزوجة بهدايتها نورٌ لك في قبرك، ويستمر ثواب هذا العمل, فكلُّ عملٍ صالح يستمر أثرُه بعد الموت،قال الله:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر الآية: 15)

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر الآية: 16)

 حينما ينكشف الغطاء يذوب الإنسان خجلاً من الله عزّ وجل، لأن الذي أعطاه إياه هو اللهُ عزّ وجل، وهو عين الحكمة، لذلك قال الإمام الغزالي: ((ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني)).

5- الأجر يكون على قدر الابتلاء:

  آية دقيقة في هذا الموضوع، قال تعالى:

﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 4)

 لمّا يُنهِي الله عزّ و جل جيشاً محارباً، ويقضي عليه، وينهيه بمرض الطاعون، أو ينهيه بزلزال أو ببركان، فهذا انتصارٌ مِن الله مباشرٌ، ليس للإنسان دخل فيه، فلا أجر له فيه، أما عندما يكون المؤمنون مثلاً في بدر، فالله عزّ وجل كان بالإمكان أن يصيح بالكفار صيحة واحدة، فإذا هم جميعاً خامدون، هذا شيء من قدرة الله عزّ وجل، لكنَّ هؤلاء المسلمين عندئذٍ لا أجر لهم، الابتلاء تعطل، لكن الله سمح للكفار أن يحاربوا المؤمنين، وحثّهم على مجاهدتهم فانتصروا، واللهُ سبحانه وتعالى جعل هذا النصر على أيديهم، مِن أجل أنْ يرفع شأنهم، ويُكسبهم الأجر، لذلك إذا أراد اللهُ إظهارَ فضلِه عليك خَلَقَ الفضلَ، ونَسَبَه إليك, قال الله:

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾

( سورة محمد الآية: 4)

 الله عزّ وجل يمكنُه أن يريحك من مشكلة, ويمكن أن يجعلك تعيش بمكان لا خصوم لك فيه أبداً, لكن ليس لك أجر, الخصوم موجودون، والمعارضة موجودة، وهناك مَن ينتقم، وهناك مَن يشكِّكُ، هناك مَن يفتري، هناك من يشوّه السُّمعةَ، هذا كله مِن أجل أن ترقى عند الله عزّ وجل، أن تصبر، وأن تجاهد، وأن تقدِّم كلَّ ما تملك مِن أجل هذه الدعوة, فالله عزّ وجل كان مِنَ الممكن أن يجعل النبي عليه الصلاة والسلام, وأصحابه الكرام لا أعداء له، ولا لأصحابه، هؤلاء صناديد الكفر، كان من الممكن أن يخلقهم اللهُ في زمنٍ آخر، لكن خُلِقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام مِن أجل أن يظهر صدقُ النبي، وأن يصبر, قال الله:

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾

( سورة النحل الآية: 127)

  ائتمروا على قتله، وائتمروا حتى أخرجوه من مكة، وقاوموا أصحابه، وأخرجوهم من ديارهم، وحرموهم حقوقهم، وقاطعوهم، وحاربوهم، وهم صابرون, فالإنسان المؤمن لا ينزعج إذا كان له خصم، ومما يُروى في هذا السياق أن سيدنا موسى في المناجاة قال لله تعالى:

" يا رب لا تبْقِ لي عدواً، فقال: يا موسى هذه ليست لي"

( حديث قدسي)

 قال الله تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 112)

 هذا ابتلاء، والإنسان من دون معارضة، من دون تشكيك، من دون تزوير، من دون افتراء, ليس له أجر، لكن إذا كان ثابتاً على الحق, لا يُغيّر، ولا يُبدّل، بل يصبر، ويوضح، ويُبَيِّن، ويبذل محاولات لترسيخ الحق, فله أجر كبير عند الله عزّ وجل، فهذه الآية دقيقة جداً, إذا هَيَّأ الله عزّ وجل لأحد الناس عملاً طيبًا، أوجد له خصوماً أو معارضين ليزيدوا أجره، كان من الممكن أن يمنعهم عنه، لكن لم يَعُدْ له هناك أجر، والدليل سيرةُ النبي الكريم عليه الصلاة والسلام, كم تحمَّل من المعارضات؟ ذهب إلى الطائف، استقبله أهل الطائف شر استقبال، وسفَّهوا دينه, وعابوا عليه دعوته, وأغروا صبيانهم به, وهو صابر، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا "

( أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما)

 لا يعرف وعورة الطريق من مكة إلى الطائف، وصعوبة السير فيها إلا من زار هذه الأمكنة، شيء مثل الخيال، إنسان يمشي في البلاد الحارة، والأرض الوعرة، والكفار يعارضونه، ويرمونه بالحجارة، ويُدْمُون قَدَمَيه، هذا هو الأجر.

6- ينبغي على المسلم إذا وقع في المحن أن يرضى بالقدر ولا يسخط:

 قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أَخْبَارَكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية: 31)

 قد يكون الواحد منا أحيانا في ضائقة مالية، وأحياناً يأتيه مرض، فبماذا سيتكلّم يا ترى؟ إن قال: يا رب, ماذا فعلتُ لك؟ سقط في الامتحان ورَسَبَ، أما المؤمن فهو صابر، يا رب, لك الحمد على كل حال، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ"

(أخرجه ابن ماجه عن عائشة )

 وعَنْ صُهَيْبٍ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ "

(أخرجه مسلم وأحمد والدارمي عن صهيب)

 قال الشاعر:

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا   فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله وإن فتنوا في حبهم كبدي   باقٍ على ودّهم راضٍ لما فعلـوا

 هذا معنى قول رابعة العدوية:

 

فليتك تحلو و الحياة مريـرة   وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر   وبيني وبين العالمين خـراب

 إذا كان القلب عامراً بذكر الله، وشعرت أن الله راضٍ عنك، فلو أن أهل الأرض جميعاً غضبوا عليك لا تبالي، الأصل أنه راضٍ عنك، مَن بيده كل شيء، منَ إليه المصير، مَن بيده ملكوت السموات والأرض، مَن بيده حياتك، مَن بيده مماتك، مَن بيده رزقك، مَن بيده سعادتك، مَن بيده شقاؤك، هذا هو الأصل, أن اللهَ راضٍ عنك، وانتهى الأمر, لذلك فإنّ أعلى مرتبة في الأرض أنْ يرضى الله عنك, قال الله:

 

 

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

( سورة الفتح الآية: 18)

 هذا هو الكلام الفصل، هؤلاء الذين أرضوا ربهم هم ملوك الدار الآخرة.

كل ما يملكه الإنسان من نعم أو حرمان ابتلاء من الله ودليل ذلك الكتاب والسنة:

  قد يتوَهّم بعضُ الناس، أنّ الابتلاء فقط بالمرض، لا، فالإنسان يُبتلى بالصحة أيضاً، يُبتلى بالغنى، قال ربنا عزّ وجل:

﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 168)

 إذا كان الإنسانُ في بحبوحة، والصحة طيبة، بيته منظم، أولاده أمامه، هذا الوضعُ نفسه ابتلاء، هل تذهب إلى مجلس العلم, أم تؤثر أن تبقى في البيت مستلقِيًا، وأولادك أمامك؟ هذا ابتلاء, معك مال، هل تُؤْثِر أن تنفق هذا المال في نزهة ممتعة، أم تساعد هذا الأخ الفقير على إجراء هذه العملية الجراحية لابنه؟ فالابتلاء بالحسنات والسيئات, قال الله:

﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

( سورة الأعراف الآية: 168)

 وقال تعالى في شأن المؤمنين:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 155)

 نقص الثمرات, يعني أنّ الكمية قد قلّت فيرتفع السعر حتمًا، والأنفس، قد يموت ابن غال على أبيه، ماذا يفعل؟ هناك إنسان يصاب بالجنون، وهناك إنسان يصبر، فالذي لا يصبر لم يعرف الله عزّ وجل, وانظرْ إلى القدوة في مثل هذه المصائب، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

" دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أنس بن مالك)

 لأنه عليه الصلاة والسلام بشرٌ, وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:

" كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ آنْتِ هِيَهْ لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ فَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ قَالَتْ الْجَارِيَةُ دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا أَوْ قَالَتْ قَرْنِي فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي قَالَ وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة"

(أخرجه مسلم عن أنس بن مالك في الصحيح)

  إذا حَزِن الإنسان على موت ابنه من دون اعتراض, فلا مانع, هذا طبيعة البشر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ "

( ورد في الأثر)

 كيف اتفق أنْ انكسفت الشمس يوم وفاة سيدنا إبراهيم، فظنّ أصحاب سيدنا رسول الله أن الشمس كُسفت لموت سيدنا إبراهيم؟ فماذا فعَل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:

" كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي بكرة)

 انظر إلى الواقعية، وإلى الموضوعية، وإلى الفكر العلمي، هذه آية كونية, لا علاقة لها بموت مخلوق من خَلْقِ الله، لو كان الواحد يريد سمعة، أو يريد مكانة, لقال: هذه كرامة لي, فكلما كان الإنسان مع الحقيقة كان أعلى في نظر الله عزّ وجل.
قال تعالى:

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

(سورة الكهف الآية: 7)

 أيضاً زخارف الدنيا، أيام زاهية، وأماكن خلاّبة، وبيوت جميلة، ومنتجعات، ومزارع، ومركبات فخمة، وطائرات خاصة، هذه المتع لا قيمة لها عند الله، والدليل: يأتي الموت فينهيها.
 لا زلنا في موضوع الابتلاء، وعلّة وجودنا على هذه الأرض, أننا مبتلون.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018