بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الصف - تفسير الآيتان 2-3 ، العبرة في الأفعال لا في الأقوال


1997-10-19

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثانية من سورة الصف ، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

 الإنسان إن لم يؤمن ، مشكلته الأولى أن يؤمن ، فإذا آمن ، ما هي المشكلة الأولى ؟ أن يفعل مالا يقول ، أو أن يقول مالا يفعل يعني هذه المسافة بين أقواله وأفعاله ، هذه الازدواجية ، وهذه مصيبة المصائب ، بين أن تقول ما تفعل ، وبين أن تقول قولاً لا تفعله مسافة كبيرة جداً.
لذلك قالوا: ألف قول في رجل ، لا يساوي حال رجل في ألف رجل ، يعني رجل يفعل ما يقول ، له تأثير بألف إنسان ، بينما ألف إنسان يقولون مالا يفعلون لا يؤثرون بواحد ، الألف من الذين يقولون مالا يفعلون ، لا يؤثرون بواحد ، وواحد ممن يقول ويفعل ، يؤثر في ألف ، ألف مقال في رجل أقل من حال واحد في ألف ، قبل أن نعرف الله ، المشكلة الأولى أن نعرفه ، بعد أن عرفناه ، المشكلة الأولى أن نقول مالا نفعل ، وهذه مصيبة المصائب ، وهذه آفة بني إسرائيل.

 

﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾

 

( سورة البقرة: 93 )

 سمعنا وعصينا ، فكل مجتمع المؤمنين ، معرض إلى هذا المنزلق الخطر ، الحديث بالدين سهل ، بالعكس في وجاهة ، أجلس في مجالس الناس ، كل واحد يتحدث عن القيم الأخلاقية ، وعن الوطنية وعن الأخلاق ، وعن الاستقامة ، إذا دخلت إلى معترك الحياة ، إلى الأسواق ، في البيع والشراء ، في اقتسام الميراث ، تجد كل الذي سمعته من الناس ، هم في واد وأفعالهم في واد ، لذلك هذا المجتمع الذي يصل عدده إلى مليار ومائتين مليون ، ليس له عند الله وزن بعوضة.

 

﴿ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ﴾

 

( سورة الكهف: 105 )

 للكافرين عليهم ألف سبيلٍ وسبيل ، ألف سبيلٍ وسبيل ، مع أن الله عز وجل يقول:

 

﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ﴾

 

( سورة النساء: 141 )

 تعود المسلمون أن يسمعوا كلاماً طيباً ، أما إذا دخلوا إلى الواقع ، لا يجدون وفاء ، ولا ذمة ، ولا استقامة ، ولا صدقاً ، وأمانة تعودنا أن نستهلك الكلام استهلاكاً ، فالأب يلقي على ابنه محاضرة في الصدق ، يقرع الباب بعد عشر دقائق ، قل لهم مو هون يا بني ، انتهى الدين كله انتهى بهذه الكلمة ، أنت هل تدري ماذا فعلت ؟ أنت الآن بحق أبنك مجرم ، لأن علمته وأنت أبوه ، بأن الكذب شيء طبيعي جداً.
 فإذا الإنسان ألقى موعظة بالصدق ولم يكن صادقاً ، ألقى موعظة بالأمانة ولم يكن أميناً ، ألقى موعظة بالرحمة ولم يكن رحيماً ألقى موعظة بالحكمة ولم يكن حكيماً ، ساوه شرخ بالإسلام ، صار في كلام للاستهلاك ، يلقى من على المنابر ، في الدروس ، كلام سهل كلام سهل جداً ، ما في عليه ضرائب ، تكلم ساعة ، بلاش ، ساعتين ثلاثة للساعة الواحدة بالليل ، بلاش ، أما مثل ما قال أحد الأدباء ، إن معظم الناس يستطيعون الحديث عن المثل العلية ، ولكنهم لا يعيشونها لذلك كانت حياة الأنبياء إعجازاً ، من هو النبي ؟ هو رجل ، ما تكلم كلمة إلا وفعلها أبداً.
كنت أقول سابقاً ، لو أن المسلمين الذين عاصروا النبي عليه الصلاة والسلام ، فهموا الإسلام كم نفهمه نحن اليوم ، والله الذي لا إله إلا هو ، ما خرج الإسلام من مكة المكرمة ، كيف وصل الإسلام إلى أطراف الدنيا ، إلى الصين ، إلى فينا ، إلى أسبانيا ، وصل بالاستقامة بالأمانة ،  بالصدق ، بالعفاف ، لذلك الآن مشكلتنا ، علم في ، أدخل إلى معرض الكتب ، الإقبال على الكتب الدينية منقطع النظير ، بدك تفاسير مائة تفسير في ، وكل تفسير ثلاثين جزء، بدك كتب حديث أرقى كتب الحديث ، تريد كتب حديث ، في على الكمبيوتر أحاديث ، بسؤال بسيط تأخذ بحث ، يقرأ لك الكمبيوتر ثلاثة وستين حديث بأربع ثواني ، قل له بدي حديث فيه كلمة محمد ، أمور ميسرة جداً ، الحديث ، التفسير العقائد ، الفقه ، المذاهب كلها ، الفقه المقارن ، يعني في مكتبات ، في كتب إسلامية ، يفوق حد الحصر ، ومع ذلك لا تجد إسلاماً.
 أما في عهد سيدنا عمر ، رأى راعي ، قال له بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، راعي ، قال له هذه ليست لي ، قال: قل لصاحبها مات قال له: والله ليست لي ، قال: قل له أكلها الذئب وخذ ثمنها ، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة لثمنها ، ولو قلت لصاحبها مات أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟.
 يعني هذا الراعي لا معه دكتوراه في الشرعية ، لا معه اختصاص ، ماله بقدم أطروحة معينة ، لا له منصب بالكلية ، هذا الراعي البسيط وضع يده على حقيقة الدين ، تألق ، بجي إنسان يحمل شهادات ، وعنده كتب ، وعنده مكتبة ضخمة ، حينما لا يطبق تعاليم الدين ، يسقط من عين الله ، فالمحك هو التطبيق ، لا تعبئ بكلام الناس إطلاقاً ، كلام الإنسان يهدر ، والكلام سهل ، والكلام ليس عليه ضرائب ، وكل إنسان يعني يكسب مكانته من حديثه ، ومن قيمه ولكن أنظر إليه في بيته ، في عمله ، في بيعه ، في شرائه ، في غض بصره ، في ضبط لسانه ، في الرحمة التي في قلبه ، هذا الذي يرقى عند الله عز وجل.
 إنسان كلما أذن المؤذن كان في الصف الأول ، يسكن بيت ثمنه سبعة ملايين ، تملكه امرأة من تركية ، استطاع أن يخلصها إياه بسبعمائة ألف ، بالعشر ، بأساليب ذكية جداً ، ما قيمة هذه الصلوات يعني أنا أحياناً ، أضطر إلى أن أقول ، هذا الذي يأكل المال الحرام هذا الذي يكذب ، هذا الذي يحتال ، بإمكانه أن يضع صلاته وعباداته في الحاوية ، وهي عند الله ليست مقبولة ، بأنك إذا حججت بمال حرام نادك منادي في السماء أن لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك فنحن لا نتحاج إلى كثرة مقصرة ، بدنا قلة مطبقة ، لا نحتاج إلى كثرة كثيرة ، لن تغلب أمتي من أثني عشرة ألف من قلة ، نحن نريد أن نكون عند الله مقبولين عند الله عز وجل ، لا نقبل إلا بالعمل ، فالواحد يحاسب نفسه حساب عسير ، موضع الصدق ، موضع الأمانة ، موضع الاستقامة ، موضع الضبط ، موضع غض البصر ، موضع العفة هذه ، مثل أضربه دائماً:
شوف واحد قال لك ألف مليون ، لفظها سهل ، أن تملكها ، كم هي المسافة بين أن تلفظها وبين أن تملكها ؟ مسافة كبيرة كثير بإمكان أي فقير بالعالم أن ينطق بألف مليون ، أما الذي يملكها ، طبعاً بحبوحة كبيرة جداً ، ما في عنده مشكلة مالية أساساً ، لو أن أسعار البيوت أرتفع يشتري أكبر بيت ، ولو أسعار المركبات أرتفع يشتري أغلى مركبة ، لأنه يملكها ، الآن المسلمون ينطقون يلفظون بكلمات الحق ، ولا يعيشونها ، لذلك أحد الأدباء قال: إن معظم الناس يستطيعوا أن يتحدث عن القيم الأخلاقية ، ولكنه لا يعيشها ، لذلك كانت حياة الأنبياء معجزات ، ونبي واحد أهدى للبشرية من آلاف الكتاب الذي ملئوا بالفضائل والحكم بطون المجلدات ، مثل أضعه بين أيديكم.
شاعر كالمتنبي قال:

 

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي  وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملئ جفون عن شواردها  ويسهر الخلق جراها ويختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم

 فارس ، شجاع ، شاعر ، حكيم ، في طريقة من البصرة إلى حلب ، هاجمه قاطع طريق ، فولى هارباً ، قال له غلامه ألست القائل:

 

 

الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم

قال له قتلتني قتلك الله ، وقتل ، يعني أستح من غلامه قام رجع قاتل قتلوه.
 فالكلام سهل ، لك أن تقول ما تشاء ، لك أن تدعي ما تشاء لك أن تضع نفسك بأكبر حجم ، لكن الله متكفلٌ أن يعيدك إلى حجمك الحقيقي ، أنا ما بأكل قرش حرام ، لأنه عرض عليه خمسة آلاف ، أما إذا كان مليون ، بختلف الوضع ، يقلك أنا عندي أولاد شو بدي ساوي أختلف الوضع كلياً ، فربنا عز وجل متكفل أن يضعك في حجمك الحقيقي ، قل ما تشاء ، اجعل لك حجم كبيراً ، الله يخلق ظرف دقيق جداً يحجمك ، تعود إلى حجمك الحقيقي ، فالإنسان يجهد في تطبيق العلم يجهد أن يكون عند الله مرضياً ، يجهد أن يبتغي الرفعة عند الله والله عز وجل يقول:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 معاتباً ، أنتم آمنتم بي وعرفتموني ، يا من عرفتموني.

 

 

﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

يعني هو ، الله عز وجل كيف يمقتاً ؟ أو لماذا يمقتاً ؟ إذا رآنا في طريق شقائنا.
 يعني أوضح مثل ، لما الابن يقول لأبوه أنا بدي أخذ دكتوراه طيب ولا يدرس إطلاقاً ، طول النهار مع رفاقه ، مع أصدقائه ، نوم وأكل ، يتألم الأب ، لأن الكلام طيب ، وأما الفعل سيئ ، معنى ذلك أن هذا الشاب يمشي في طريق الهاوية ، يمشي في طريق الانحراف يمشي في طريق الفقر ، برحمة الأب يتألم من ابنه الذي يدعي شيء ويفعل شيء آخر.

 

 

﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾

يعني أشد حالات المقت ، التي يمقت الله بها الإنسان ، أن يقول مالا يفعل ، كان أصحاب رسول الله ، يقرؤون عشر آيات ويطبقونها ، فإذا طبقوها انتقلوا إلى عشر آيات أخرى.
 مرة أحد أخوانا الدعاة له والد عالم جليل ، كان يحمل حاجة بيده ، ويقضي بعض الأعمال التي ، يعني في من يفعلها محله ، فعاتبه وقال له يا أبت أنت تعمل شيئاً لا يليق بك ، قال له أتريدنا أن أخالف سنة رسول الله ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: برء من الكبر من حمل حاجته بيده ، وبرء من البخل من أدى زكاة ماله ، وبرء من النفاق من أكثر من ذكر الله عز وجل ، فنحنا إذا بدكم نحتل عند الله مكانة مرموقة ، أنا لست عند كلام الحكيم الكلام سهل ، ولكن عند همه وهمته ، فالإنسان يجهد نفسه ، أن يكون في مستوى كلامه.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ، واحد أثناء الهجرة عاهد كفار قريش إن أطلقوا ألا يقاتلهم ، وانضم إلى النبي وفرح به النبي وبعد سنوات عدة ، في غزوة رآه يشارك في الغزوة ، قال له إلى أين قال معك أغزو ، قال له ألم تعاهدهم ألا تقاتلهم ، أرجع.
كن دقيقاً في تعاملك ، حتى يرض الله عنا ، نحنا شو مشكلتنا مع الله عز وجل.
 هان أمر الله علينا فهنا على الله ، يعني شذاذ الآفاق ، يكيدون لنا ، قلة قليلة من أعدائنا يتحدون أمة كبيرة ، لأنه ضعفنا ، لأن الحق بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، والمعركة بين حق وباطل لا تطول ، لأن الله مع الحق ، أما بين باطلين لا تنتهي ، فحن الآن مشكلتنا لا بالعلم ، بالتطبيق ، كل إنسان يحاسب نفسه حساب عسير إذا حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسير.
 بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وأرض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018