بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الجمعة - تفسير الآية 5 ، يجب أن يكون القرآن حجة لك لا عليك


1997-11-03

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الخامسة من سورة الجمعة، وهي قوله تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)﴾

 كلام دقيق وبليغ، إنسانٌ جاءه كتاب الله، كتاب الله بين يديه يسمعه صباحاً ومساءً، يستمع إلى تفسيره في كل جمعة، يقرأ تفسيره يستمع إلى تلاوته، يصغي إلى تفسيره، القرآن بين أيدينا جميعاً نحن إذاً حملنا هذا الكتاب، جاءنا هذا الكتاب، يسر الله لنا قراءة هذا الكتاب، تقرأه بطبعات أنيقة، تستمع إليه بتسجيلات صافيه، قد تراه بعينك، يعني التسهيلات التي يسرت لهذا الكتاب تفوق حد الخيال بأي لغة مترجم، نصاً، وروحاً، ومعناً، أشرطة مسموعة، أشرطة مرئية، دعاة، علماء، حفاظ، في أي مكان، هناك من يقرئك كلام الله عز وجل هذا معنى:

 

﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾

 يقاس عليها القرآن.

 

 

﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾

 

 الكتاب بين أيدينا، بمتناول كل منا، بإمكانه أن يقرأ آياته، أن يقرأ تفسيره أن يستمع إلى تفسيره، أن يشاهد تفسيره.

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 حملوا ولم يحملوا، يعني بلغوا ولم يطبقوا، لم يرتفعوا إلى مستوى القرآن الكريم، لم يحل حلاله، لم يحرموا حرامه، لم يتعظوا بقصصه، لم يعتبروا بآياته، لم يشاهدوا ما أشار إليه القرآن من آيات بينات دالة على عظمة الله عز وجل، هؤلاء:

 

﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 لم يحلوا حلاله في محلاتهم، وفي بيوعهم، وفي علاقاتهم وفي تجارتهم ، وفي صناعتهم، وفي زراعتهم، لم يحلوا حلاله، ولم يحرموا حرامه في احتفالاتهم، في مناسبات الزواج، في مآسيهم، في إنفاق أموالهم، في كسب أموالهم.

 

 

﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 ما طبقوه، ما أخذوا به، ما استجابوا له.

 

 

﴿ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 هذا الإنسان الذي بين يديه الحق ولا يتبعه، هو المغضوب عليه.
قال تعالى:

 

 

﴿ اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾

 

( سورة الفاتحة: 6 )

 الضالون: ما عرفوا الحق، ولم يتبعوه طوعاً، أما المغضوب عليهم، هم الذين عرفوا وانحرفوا.

 

﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 

﴿ قالوا سمعنا وعصينا ﴾

( سورة البقرة: 93 )

﴿ يقولوا سمعنا وأطعنا ﴾

( سورة النور: 51 )

 قال هذا الإنسان النموذج، المتكرر، الذي تجده في أرجاء العالم الإسلامي الذي يستمع إلى كتاب الله، يصغي إلى شرحه يحضر خطبة جمعة، يسمع شريط، يقرأ كتاب، يتلقى العلم الشفهي فإذا دخلت إلى بيته، وإلى معمله، وإلى دكانه، ما وجدت شيئاً من هذا، أراد أن يعلن عن بضاعته يأتي بالسقطات الإعلانات على يد الساقطات، العاريات، وهو من رواد المساجد.

 

﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 يريد أن يقيم عرس لابنه، عرس مختلط، توزع فيه الخمور وهو من بلد مسلم، وهو ينتمي إلى الإسلام.

 

 

﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 يعني حمل القرآن ثم لم يحمله، يعني ملخص الآية هؤلاء الذين لم يستجيبوا لكلام الله عز وجل، قال هذا النموذج البشري المتكرر.

 

 

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾

 هو شيء بين يديكم، ائتي بدابة وضع فوقها كتاب بالفلسفة كتاب آخر في الفيزياء، كتاب في المناهج التربوية، كتاب في الفلك ضع مجلة راقية جداً، كتاب الدين في العقيدة، امشي مع هالدابة عشر ساعات ثم اسأله ماذا فهمت ؟ قل له كم حجم الأرض ؟ قل له خصائص الحديد ؟ بشنهق بس، ما عنده غير يشنهق

 

 

﴿ إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ﴾

 

( سورة لقمان: 19 )

﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾

 ليس المثل قاسياً، هذا الإنسان الذي يعلم، ولا يتعلم، يكلف ولا يستجيب دابة، مثله كمثل دابة.

 

﴿ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾

 هنا التكذيب عملي، وليس نظرياً، إنسان مسلم تسأله هل أنت مؤمن بالله بقلك الحمد لله، هل أنت تؤمن بالجنة ؟ طبعاً، أعوذ بالله الله يدخلنا الجنة، هل أنت مؤمن بالنار ؟ طبعاً الله يقينا حرها، طيب انظر إلى عمله، لا تجد في عمله ما يؤكد أنه يسعى إلى الجنة، ولا ما يؤكد أنه يخاف النار، لا هذه ولا تلك، هذا هو التكذيب العملي.
 أيام إنسان ينصحك بنصيحة، نصيحة طبية قد تكون، بقلك عشية ساويها تشكره أنت، تصافحه، ممنون، إنشاء الله، أنت في المساء حينما لا تطبق هذه النصيحة أنت أحد المكذبين له، بس تكذيب عملي، مو تكذيب نظري، لسانك نطق بالشكر، أثنيت عليه، لكن لأنك لم تفعل ما قاله لك إذاً أنت تكذبه.
فكل إنسان:

 

 

﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

هو مكذب بها.
 بدليل: لو أنك تاجر وأيقنت أن هذه الصفقة تربح أضعاف مضاعفة، وبالسوق مطلوبة جداً، ومعروضة عليك، ومعك ثمنها ومن يشتريها جاهز، والأرباح عالية، لا تتردد ثانية بشرائها، تاجر أنت، معروض عليك بمائة، سعرها بالسوق ثلاث مائة، ومحصورا فيك، وتملك ثمنها، وزبونها جاهز تتردد ثانية ؟ هكذا تعامل الإنسان مع الحياة.
لو أنك أيقنت أن هذا القرآن لصالحك، ويسعدك، وينجيك لما ترددت في تطبيقه.

 

 

﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 أي بين يديه القرآن ولا يطبق آيات القرآن.

 

 

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)﴾

 هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، وأشد أنواع الظلم، ألا تستفيد من دعوة الله إليك.

 

 

﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ﴾

 

( سورة الأنفال: 24 )

 فالذي لا يستجيب يظلم نفسه أشد الظلم، يعني لو إذا إنسان معرض لمرض خطير وبائي، ولم يستجيب لنصيحة الطبيب بأخذ المصل المضاد، هو يظلم من ؟ يظلم نفسه، وأشد أنواع الظلم أن تظلم نفسك، والظالم الكبير هو الذي يحرم نفسه سعادة الآخرة، هي الآية دقيقة جداً، وهذه الآية أسلوب تربوي رائع المرض الخطير الذي ممكن أن نعانيه مرض اليهود.

 

﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 والذي يشبه هذا المرض، أن يحل الإنسان القرآن ثم لا يحمله فهذا أولاً مكذب، وثانياً ظالم، مكذب، وظالم لنفسه.

 

 

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)﴾

 هناك تعليق بسيط على آية البارحة.
قال تعالى:

 

 

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)﴾

يعني أمتي كما قال النبي الكريم: كالمطر لا يدري أولها خير أم آخرها الخير، فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة.
 لا تكون يائس، قد تأتي في آخر الزمان ولك عند الله مقام كبير، لأن الله هو الله، في أي مكان وزمان، وبإمكانك أن تعبده وأن تطيعه، وأن تتقرب إليه، وأن تصل إليه باستقامتك وعملك الصالح.
لذلك فضل الله عز وجل العظيم ليس لأصحاب رسول الله لوحدهم.
قال:

 

 

﴿ وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)﴾

أيها الأخوة:
 الإنسان إذا عرف الحقيقة جند نفسه لطاعة الله عز وجل.
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.
بني إسرائيل:

 

 

﴿ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾

 هم عند الله كالدواب.

 

 

﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾

والمسلمون إذا جاءهم كتاب الله، أو كتاب الله بين أيديهم ولم يعملوا به هم كالدواب أيضاً.
لذلك حينما يهون أمر الله علينا، نهون على الله.
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018