بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة البروج - تفسير الآية 01


1998-05-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، في سورة البروج، في قوله تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

[سورة البروج]

 فالأرض كما تعلمون تدور حول الشَّمْس في ثلاث مائة وخمْسة وستِّين يوماً ورُبْعاً، سُرعة الأرض حول الشَّمس ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة فَمُنْذ أن أذَّنَ الظُّهْر مضى ثلاثون دقيقة، فإذا ثلاثون كيلومتر بالثانِية ضرْب ثلاثين ؛ ألف وثمان مائة كيلو، ضَرْب عشرة ثمانية عشرة ألف حوالي خمسين ألف كيلومتر نحن نمشي من أذان الظهر إلى الآن، من أذان الظُّهر وحتى هذه الساعة قطَعَتْ الأرض خمسين ألف كيلومتر وسرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة في هذه الدَّوْرة أيها الإخوة تَمُرّ بِبُروج، وهناك اثنى عشَرة بُرجاً ؛ بُرج العقرب وبرج الأسد وبرج الجدي إلخ... أحد هذه البروج هو برْج العقرب، فيه نَجْمٌ أحمر اللَّون ومتألِّق صغير، قالوا: هذا النَّجْم يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! والشَّمس تَكْبُرُ الأرض بِمِليون وثلاث مائة ألف مرَّة، وبين الأرض والشَّمْس مائة وخمسون كيلومتر، وهذا النَّجْم الضغير يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما ! رئيس أكبر قاعدة فضاء أمريكِيَّة مُسْلم من مِصْر، سُئِل في لِقاء عن الشُّموس فقال: الشُّموس لها ثلاثة أطوار ؛ الطَّوْر الأحمر، والطَّوْر الأبيَض والطَّوْر الأَسْوَد، شَمْسُنا شَمْسٌ حَمْراء اللَّون في منتصف عُمْرها، ومضى على تألُّقِها خَمْسَة آلاف مليون سنة، ويُنْتَظَر في استِمرار تألُّقِها خمْسة آلاف مليون سنة ! وحينما تتجاوَزُ الشَّمْس الطَّوْر الأوَّل تنتقِلُ إلى الطَّوْر الثاني ويزيد حَجْمُها مراتٍ كثيرة، ثُمَّ تَنْكَمِشُ فجْأةً إلى واحد بالمائة، وتنقلِبُ أَشِعَّتُها من حمْراء إلى بيْضاء، وعِنْدئِذٍ تتضاعَفُ حرارتها أضْعافاً كثيرة، ثُمَّ تدْخل الشَّمْس في مرحلةٍ ثالثة وهي مرحلة السَّوَاد، تَصَوَّر متر كلغ مُكَعَّب من الحديد ضُغَطَ في ذَرَّة لا تُرى بالعَيْن ولا بِالمِجْهر، وحينها تدْخُل الشَّمْس في مرْحلة التَّكَدُّس فَتَنْكَمِشُ إلى حجْمٍ قليل جداً من شِدَّة الضَّغْط الذي تتحَمَّلُه وينعدِمُ خروج الشُّعاع منها، لأنَّ الشُّعاع كَتَفسير دقيق ذرات كهربائِيَّة تخرج من الجِسْم المُلْتَهِب، وهذا هو النور، هذا الثُّقْبُ الأسود مَقْبرة النُّجوم ولو أنَّ الأرض اقْتربَت من هذا الثُّقْب لأصْبَحَت في حجْم البَيْضَة مع الوَزْن نفْسه، وهذا أحدَث ما في العِلْم الشَّمْس الحَمْراء والشَّمْس البيْضاء والشَّمْس السَّوداء، وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة " مِن أين جاء هذا النبي صلى الله عليه وسلَّم بِهذا العِلْم ؟ هذا الحديث الذي ورد في سنن الترمذي وابن ماجه من دلائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
قال تعالى:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

 

[سورة البروج]

 أحدُ البروج بُرْج العَقْرَب، وأحَدُ نُجومِه قَلْبُ العَقْرب، ويتَّسِعُ للشَّمْس والأرض والمسافة بينهما، لذلك أنت حينما ترى النُّجوم بيضاء في الليل، وليس حمْراء، البيضاء يعني في المرحلة الثانِيَة، والسوداء لا تراها أبداً، ثُقْب أسْوَد كالمَقْبَرَة، ثُمَّ إنَّ هذه الأرض - دَقِّقوا معي- في دَوْرَتِها حول الشَّمْس، المسار إهليلجي، وسرعة الأرض ثلاثون كيلومتر بالثانِيَة، وعندنا قانون الجاذِبِيَّة، الكُتَل تتجاذب بِحَسب حُجومها مضروباً بجداء المسافة بينهما وهذا القانون الذي اكْتَشَفَهُ نيوتن والأرض حينما تقترب من القطْر الأصغري، نحن عندنا القطْر أعظمي بالشِّكْل الإهليلجي، وعندنا القطر الأصغري، الأرض حينما تصل إلى القطر الأصغري تزيد من سرعَتِها وكأنَّها عاقلة، وينشأ من هذه الزِّيادة قُوَّة نابِذة تُكافىء القُوَّة الجاذِبَة، وإلا تنجذب الأرض إلى الشَّمْس فتتبَخَّر في ثانية واحِدَة ! لو بَقِيَت علىسرعتخا هنا لتَفَلَّتَت من جاذِبِيَّة الشَّمْس فَذَهَبَت في الفضاء الخارجي، وانْعَدَمَت أشِعَّةُ الشَّمْس في برودة مُميتة لمات على من في الأرض من أحْياء، والعلماء قالوا: لو أنَّها تفَلَّتَتْ وأرَدْنا أن نُعيدها إلى الشَّمْس كافْتِراض، قالوا: نربطها بِمِليون مليون حبْل فولاذي، قُطْر الحَبْل خَمْسة أمتار، هذه الحِبال تُزْرع على سَطح الأرض المُقابل للشَّمْس، فإذا زُرِعَت أصْبَحنا أمام غابة من الحِبال بين كُلّ حَبْلَيْن خمْس أمتار، وحينها ينعدم البناء والزِّراعة، وتنعدِمُ الشَّمْس أساساً وكُلٌّ من هذه الحِبال يتَحَمَّل قُوَّة شدّ مقدارها مليونين طنّ، فَقُوَّة جذْب الأرض للشَّمْس بِقُوَّة تُساوي مليون مليون طنّ، وَكُلّ هذه القُوَّة المُخيفة من أجل أن تحْرِف الأرض ثلاثة ملمتر كلّ ثانِيَة، قال تعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾

 

[سورة الرعد]

 وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(41)﴾

 

[سورة فاطر]

 معنى الزوال الانْحِراف ولو أنَّها اِنْحَرَفَت عن مسارها لَدَخَلَتْ في ظلام الكَوْن وفي بُرودَةٍ مُميتة قال تعالى:

 

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾

 

[سورة النمل]

 قال تعالى

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)﴾

 

(سورة البروج)

 الذي خلق السماوات والأرض سوْفَ يجْمَعُنا جميعاً في يوم نُحاسب فيه وعلاقة السماء والبُروج والكواكب والمَجَرَّات والسُّرْعات العاليَة، هي بِعلاقة اليوم الآخر، فالذي خلق هذا الكون لم يَخْلُقْهُ عَبَثاً والذي خَلَق الإنسان لم يخْلُقْهُ سُداً، قال تعالى:

 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)﴾

 

[سورة القيامة]

 وقال تعالى:

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾

 

[سورة المؤمنون]

 أيها الإخوة، إنَّ هذه الآيات الكَوْنِيَّة إذا لم نُفَكِّر فيها عطَّلْناها، وإذا عطَّلْناها عَطَّلْنا ثُلث القرآن، وإن لم نؤمن بالله تعالى من خِلال الكَوْن فكَيْف نؤمن به ؟ قال تعالى:

 

﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6)﴾

 

[سورة الجاثية]

 الإيمان عن طريق الآيات الكونِيَّة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018