بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة القلم - تفسير الآيات 48 - 50 ، الصبر والدعاء


1998-01-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الأوامر أنواعٌ :

 أيها الأخوة الكِرام، الآيات الأخيرة من سورة القلم وهي قوله تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[سورة القلم:48-50 ]

 لو أنّ أحداً منا كان عند طبيب الأسنان وأخْبره أنَّ المُخَدِّر يُضِرّ قلبه، ولا بد من قَلْع ضِرْسِه، سَيُقْلعُ الضِّرْسُ من دون مُخَدِّر وهذا لِصالحِهِ، قَنِع المريض، وبدأ الطبيب ينْزعُ الضِّرس، سَيَكون هناك ألَمٌ شديد ولكنّ المريض واع ومُثَقَّفٌ، وعلِمَ أنّ هذا الألم لا بدّ منه، وأنّ هذا لِصالِحِه، والألم محْدود، وتَعْقِبُهُ راحَةٌ، فَهُوَ يصْبِرُ لِأنَّ الأمر واضِحٌ، متى يكونُ أجرك على الصبر كبيراً ؟ حينما لا ترى الأمر واضِحاً؛ قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الصافات: 102]

 عندما يصعب فهم الحكمة من الأشياء علينا أن نستسلم لله
هناك أوامر نِسْبَةُ العُبودِيَّة فيها عالِيَةٌ جداً، وهناك أوامِرٌ واضِحَةٌ نِسْبَةُ العُبودِيَّة فيها ضئيلةٌ، كلما اتَّضَحَ لك الأمر، وانْجلتْ لك حِكْمَتُهُ، وعُرِفَتْ مقاصِدُهُ، وكانت هذه المقاصِد لِصالِحِك تضْعُفُ في هذا الأمر درجة العُبودِيَّة لله تعالى، وكلما غابَتْ عنك الحِكمة، وغاب عنك المَقْصد، ورأيْتَ شيئاً يصْعُبُ تفْسيره، أنت هنا بِحاجَةٍ كبيرةٍ إلى عِبادة واسْتِسْلامٍ لله، فالأوامر أنواعٌ؛ هناك من تحْتاج إلى عُبودِيّة كاملة، وأُخْرى تحْتاجُ إلى عُبودِيَّة مُتَدَنِّيَة؛ فالأمر واضِحٌ جداً، أنت حينما تُؤمَرُ بالزواج، فالزواجُ شيءٌ مُحَبَّبٌ جداً، أما حينما تؤمر بِتَرْك الطعام والشراب في أيام الصيف وفي الصِّيام فهذا شيءٌ لا يُحْتمل، ومع ذلك أنت صابرٌ، إلا أنّ الذي ينْصاعُ لِأَمْر الله دون أنْ يفْهَمَ حِكْمَتَهُ اسْتِسْلاماً له، يُكافِئه الله تعالى عليه بِأَجْر العُبودِيَّة، ثمّ يكْشِفُ له حِكْمة الأمر، فَجَمَع بين العِلم والعُبودِيِّة في وقْتٍ واحدٍ، والصبر على طاعة وعن معْصِيَة وعلى قضاء الله وقَدَرِه، أحْياناً تجد أنّ مصْلَحَتَك في غير هذا الأمر، ويكون هذا الأمر إلهياً، وقد تجد أنَّ كُلّ المتاعب تأتي من جراء تطبيق هذا الأمر الإلهي لِحِكْمَةٍ أرادها الله، فلابدّ من أنَّك تصْبر، لأنّ الصبر ثمن الجنّة، وكلما ضَعُفَت حِكْمة الأمر في نظرك وغابتْ ارتفع أجْرُ العُبودِيَّة، أوْضَحُ الأمثلة: لو أنَّ أباً قال لابنِهِ: يا بُنيّ نظِّفْ أسْنانك لكيلا تُصاب بِالنَّخْر، ويا بُنيّ اجْتَهِد كي لا تكون في مُؤخِّرة الرَّكْب؛ الأمر واضِح، الابنُ جائِعٌ جداً، والطعامُ نفيس، وإخوته ووالده جالِسون على المائِدة، ثمّ يقول له الأب: لا تأْكُلْ، يحْتاجُ الابن هنا إلى أنْ يثِقَ بِأَبيه، ويحْتاجُ إلى أنْ يُظْهِر طاعَتَهُ لِأبيه؛ فالأمر بِتَنْظيف الأسْنان واضِح، وبالدِّراسة واضِح، أما الأمر بِعَدم الأكل وهو جائِعٌ، وحالُهُ الجَوْع، ولا يوجد مُبَرِّر فهذا يحْتاجُ إلى اسْتِسْلامٍ، فَكُلَما اتَّضَحَتْ لك حِكْمة الأمر ضَعُف في الأمر مرْتبة العُبودِيَّة، وكلما غابَتْ عنك الحِكْمة ارْتَفَعَتْ نِسْبَةُ العُبودِيَّة في الأمر.
 بِالمُناسَبَة هناك قاعِدة أُصولِيَّة: الانْتِفاعُ بِالشيءِ ليس أحَدَ فُروع العِلْم به؛ فإذا كُنْتُ أمْتَلِكُ مُكَيَّفاً وكنت أجهل جهْلاً تاماً حقيقة المُكَيِّف وعَمَلَهُ ومبْدأ عمله؛ لا أعْرِفُ منه شيئاً، إلا أنْ أكْبِس هذا المِفْتاح فإذا الهواءُ يأتيني بارِداً؛ فالانْتِفاعُ بِالشيءِ ليس أحَد فُروع العِلْم به، عَلِمْتَ أو لم تعْلم فإنَّك سَتَنْتَفِعُ، كُلّ إنْسانٍ طبَّق أمْر الله عز وجل قَطَفَ ثِماره؛ لكنَّ هذا الذي يَقْطِفُ الثِّمار دون أن يعْرف الحِكمة؛ هذا عابِدٌ، أما الذي يقْطِفُ الثِّمار ويَعْرِفُ الحِكْمة فهذا عالِمٌ، وهذا يصْلُحُ أنْ يُعَلِّمَ الآخرين.

 

أجْر الصبر حينما تغيب الحِكْمة أشدّ من أجْره حينما تأتيك الحِكمة :

 على كُلٍّ كما قال تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾

[ سورة القلم: 48]

 لابد للمسلم من الصبر على قضاء الله وقدره
شابٌّ ضَيِّقُ ذات اليَد، لا يمْلِكُ حِرْفَةً، ولا بارِقَةَ عمَلٍ، ولا زواجاً، ولا عملاً، ولا شيئاً، ولكنَّهُ يعْبد الله، ويسْتقيمُ على أمْره، ويغُضُّ بصَرَهُ، ويصْدُق، وبِالمُقابل يجد شاباً آخر كُتْلَة في الانْحِراف والفُجور، والمال بين يدَيْهِ بِلا حِساب؛ نقول له: قال تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾

[ سورة القلم: 48]

 هناك حِكْمَةٌ لا تعْرِفها.
 مُلَخَّصُ هذا الكلام: أنت حينما تُؤْمر بِطاعة، أو تُنْهى عن معْصِيَة، أو يأتي قضاءُ الله وقَدَرُه ينْبغي أن تصْبر، سواءٌ كانت الحِكَمُ واضِحة أو غيرُ واضِحةٍ يجبُ أن تصْبر؛ لكنّ أجْر الصبر حينما تغيب الحِكْمة أشدّ من أجْر الصبر حينما تأتيك الحِكمة، إنَّك إنْ صَبَرْت وانْصَعْتَ لأمر الله ولم تعرِف الحِكمة يُكافِئك الله بِأنْ يُعْطيك أعلى درجات العُبودِيَّة، ثمّ يكْشِفُ لك الحِكْمة، قال تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة القلم: 48-50]

الثناء على الله دعاء :

 سيِّدنا يونس؛ نبِيٌّ كريم لَبَث في قومه أمداً طويلاً يدْعوهم إلى عبادة الله عز وجل؛ لكن يبْدو أنَّهُ شَعَر أنه لن يؤمن منهم أحدٌ، نفْسُهُ انْقَبَضَتْ من إعْراضِ هؤلاء، ومن صَدِّهم عن سبيل الله؛ فَتَرَكهم بِمُبادَرَةٍ منه فالْتَقَمَهُ الحوت، فجْأةً وجد نفْسه في ظُلُماتٍ ثلاث، يُمْكن هذه أكبر مُصيبة على الإطْلاق قبل الموت، الموتُ مُصيبة عند بعض المُفَسِّرين، أما حين الحياة فأكبر مصيبة أن تجد نفْسك في بطنِ حوتٍ أزرق، وَزْنُهُ مئة وخمسون طناً، وَوَجْبَتُهُ المُعْتَدِلة أربعة أطنان، رَضْعَةُ أنْثاه ثلاثمئة كيلو غرام، أُنثى الحوت ترْضع ثلاث رضْعاتٍ من أُمِّها؛ وَجْبَتُهُ بين الوَجْبَتَيْن أربعة طن من السمَك، سيّدنا يونس نبيٌّ كريم يجد نفْسه فجأةً في بطن حوتٍ، في ظُلمة البحر، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة بطن الحوت، فهل هناك من أمَلٍ؟ بِالمُعْطيات الأرضيّة وبالحِسابات والعادات والمألوف والمعْروف الأمل صِفْرٌ، قال تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 87 ]

 وقال بعضهم: الثناء دعاء، فما قال له: يا رب أنْقِذني؛ إنما قال: لا إله إلا أنت، وهذا الفِعْلُ فِعْلُك يا رب، وأنا مُسْتسْلِمٌ لك، وإني كنتُ من الظالمين؛ إذْ لو لم أكن من الظالمين لما كنت في هذا المكان، سُبْحانك أنت مُنَزَّهٌ عن الظلم يا رب، ومُنَزَّهٌ عن عملٍ بلا حِكْمة، وهناك عَدْلٌ ورحْمة، لا إله إلا أنت هذا فِعْلُك ولا صُدْفَةَ في الأمر؛ إني كنت من الظالمين، قال: فاسْتَجَبْنا له؛ الآن أصْبحَ دُعاء، ومعنى ذلك أنّ الثناء على الله دُعاء، سُبْحان الله دُعاء، ولا حولَ ولا قُوّة إلا بالله دُعاء، لا إله إلا أنت يا رب العالمين دُعاء، قال تعالى:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 87 ]

 يدُ الله الخَفِيَّة، إلى الآن قِصَّة، وإلى الآن شيءٌ وقَعَ ولن يقع مرَّةً ثانِيَة، لكنَّ الذي لا يُصَدَّقُ أنَّ الله بِكَلِمَتَيْن جعلها قانوناً ينْتَفِعُ به كلّ المؤمنين إلى يوم الدِّين؛ قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88 ]

 بِأَيِّ مِصْر وعصْرٍ وبِأيِّ مكان؛ في الأرض، وفي البحر، وفي الجوّ، إذا كنت مؤمناً تدخل في هذا الخِطاب، طائِرةٌ انْشَطَرَت إلى شطْرين وتحْمل ثلاثمئة راكب، راكِبٌ واحد كان مقْعَدُهُ بِجانِب انْشِطارها؛ فَوَقَعَ ونزل على غابة فوق جِبال الألب مُغُطاة بِخَمْسة أطنان من الثلج، فهذه الكثافة الموجودة في الثلج، ومع لُيونة الأغصان جعلت هذا الراكب يسقط واقِفاً من ارتِفاع أربعين ألف قدمٍ، الأغْصان والثلج كانتا جِهاز امْتِصاص صدمات؛ فالله على كلّ شيءٍ قدير، وهذه الآية تُلْقي في نفْس المؤمن طُمَأنينة لا حُدودَ لها، مهما تكن مُصيبتك لن تكون أكبر من أنْ تكون في بطْن حوت؛ حوتٌ أزرق وفي أعْماق البحر وفي ظُلمة الليل، فإذا كان معك تِلفون خَلَوي لا يشْتغل، ماذا سَتَفْعَل؟ قال تعالى: من يدعو الله ينجيه من الغم

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

 

[سورة الأنبياء: 87 -88]

 فالدعاء ثناء، وهذا الفِعْل هو فِعْل الله، لكِنَّك يا رب أنت كامل، سُبْحانك أنْ تظلِم أو أن تفْعل فِعْلاً لا حِكْمة فيه، فهذا العَمَل فيه حِكمة، وفيه عدْلٌ ورحْمة، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88 ]

 فَهَذِه ليْست لِسَيِّدنا يونس وحْده وإنما لِكُلِّ مؤمن إلى يومِ الدِّين، فكُلَّما ألَمَّتْ بِك مُلِمَّة وازِنها مع مُصيبة سيّدِنا يونس، أيَّةُ مصيبةٍ وازِنها بِبَطْن الحوت تجدها هيِّنَةٌ، ابْني مريض ولكن هذا ليس كَمُصيبة بطن الحوت، ولم أجِد بيْتاً وأجارُ البيت مرتفع، كلّ هذا لا يُعادِل مصيبة المكث في بطْن الحوت، لذلك كما قال تعالى:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة القلم: 48-50 ]

 لأنه ترك قَوْمَهُ بِمُبادرةٍ منه، والعلماء تأدِّبوا مع الأنبياء وقالوا: ترك الأوْلى إذْ الأوْلى أن ينْتظر.

 

الابتعاد عن اليأس و القنوط من رحمة الله :

 الشيء الثاني: هذه تُعَلِّم الدُّعاة الصبر، مهما كان الإنسان جلْفاً فهل يمكن ونحن جالسون على السجاد أن يقفُ أحدُ الأشخاص ويبول فوق السجاد؟ النبي عليه الصلاة السلام عاش مع أصْناف من مثل هذا النوع، إذْ دخل أعْرابي إلى المسْجد فبال فيه أمام الصحابة، فقال لهم النبي: " لا تزْرموا عليه بَوْله - وهو من رحمته صلى الله عليه وسلّم- صُبوا عليه ذنوباً من ماء" ثمّ قال: يا أخَا العَرَب إنَّ هذا المكان ليس لِهذا إنما هو للصلاة وقِراءة القرآن، فالنبي عليه الصلاة السلام عاش مع أصْناف من مثل هذا النوع وصبر عليهم:

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة القلم: 48-50 ]

 بِلا عملٍ صالِحٍ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أرْسله إلى قَوْمه ثانِيَةً فاسْتجابوا له، وآمنوا معه، تُعَلِّمنا الصبر والنَّفَس الطويل، فإذا دَعَوْتَ إنْساناً أوَّلَ مرَّةٍ وثاني مرّة... ثمَّ اسْتجاب وتألَّق أصبح كلّ هذا في صحيفتك، والله أيها الأخوة عَشَراتٍ بل بضع عشرات من الأشْخاص خلال دَعْوتي إلى الله يقول لي أحدهم: لا توجد معْصِيَة تتصوَّرُها إلا وارْتَكَبْتُها ثمّ تبت إلى الله، فلا تيْئس ولا تقْنَط من رحْمة الله ولا تكن من الذين يُقَنطون من رحْمة الله ويُيَئِّسون من رحمة الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة الزمر: 53]

 ثمّ قال تعالى:

﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة القلم: 50 ]

 علِمَ حُسن نِيَّتِه فجعله من الصالحين لِعَطائِنا، فأنت عَوِّد نفْسك أنّ هذه المُصيبة هي أشدّ ما في الأرض ومع ذلك نجاهُ الله منها، وهي لِكُلّ مؤمن.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018