بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة المزمل - تفسير الآية 20 ، جزاء الإحسان


1998-01-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية العِشرون من سورة المُزَّمل وهي قوله تعالى

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾

[ المزمل: الآية 20 ]

 أنت لكَ عمل - أيُّ عمَلٍ - سواء بِحَجْمِهِ أو بواعِثِه أو غاياتُهُ أو الصوارف التي تصْرفُ عنه، أو العَقَبات التي تقفُ أمامه، حجْمُ التضْحِيَة من أجْلِهِ ؛ كُلُّ هذه الخصائص للعَمَل يعْلَمُها الله، الواحدُ مُرْتاح لأنَّ الذي يعْمل له يُقَدِّرُ عملَهُ حقَّ التقْدير، أحْياناً دِرْهَمٌ يسْبِقُ ألْفَ دِرْهَم، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في إخْلاصٍ خير من مائة ألفِ دِرْهَمٍ يُنْفَقُ في رِياء، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في حياتك خيرٌ لك من مائة ألف درهمٍ يُنْفق لك بعد مَوْتِك، العَمَلُ له حجْمٌ هناك قصَّة ذكرتُها لكم ؛ إنسان ميسور أراد أن يبنيَ مسجداً في بعض أحياء دمشق الجديدة ؛ فبحث عن أرض فوجد أرضاً مناسبة، بحث عن صاحبها فإذا هو قد ورِثها قبل أشهرٍ يعمل مستَخدَمًا في مدرسة - آذن- راتبه ثلاث آلاف ليرة و عنده خمسة أولاد، فقير جدًّا، ساومه في الأرض حتَّى استقرَّ الأمر في ثلاثة ملايين و نصف، دفع له شيكاً بمليونين، الذي سيشتريها مليونير؛ وأراد أن يتقرَّب إلى الله ببناء مسجد ؛ فوقَّع له الشيك وسلَّمه إياه ؛ فقال له أين الباقي ؟ قال له الباقي ندفعها في الأوقاف بعد التنازل عن الأرض للأوقاف، قال له: ولِمَ التنازل ؟ قال له سأنشئها مسجداً ؛ قال له: مسجد ‍‍!! هاتِ الشيك و مزَّقه، قال له: أنا أولى أن أُقدِّمها للأوقاف منك، لا أسمح لك أن تقدِّمها أنت ؛ أنا أولى بها منك يقول هذا التاجر - و هو من المحسنين -: في حياتي ما غضبتُ مثل ذاك الغضب و ما صغُرتُ عند إنسان كما صغُرْتُ عند هذا الآذن يومئذٍ ؛ لأنه عندما قدَّم هذه الأرض قدَّم كل شيء يملكه على الإطلاق وبقيَ فقيراً، أما الأول فجزاه الله خيراً ؛ لو اشترى هذه الأرض فمن جزء بسيط من حجمه المالي، فمن يُقدِّر حجم العمل ؟! الله جل جلاله، من يُقدِّر مضاعفات هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الخسارة التي تحمَّلها من جراء هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر العقبات الكأداء التي كانت أمام هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الثوابت المغريات التي يمكن أن تصرف عن هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر البواعث الخفية ؟ الله جل جلاله من يقدِّر الأهداف؟ الله جل جلاله، العمل بكل تفاصيله و ملابساته ودوافعه و أهدافه و تضحياته و عقباته وصوارفه، الله جل جلاله يقدِّرها فالتَّعامل مع الله مُرِيحٌ لا يحتاج إلى واسطة و لا حلف ينين و لا شاهد أعرف عبدي، أعرف نيتك وحركتك و ما تحمَّلتَ في ؤ كم مجلس علم جلست، كل ذلك أعرفه، الله يقدِّر الليل والنهار، ليس هناك شعور مؤلم كأن تفعل عملاً كبيراً لا يقدِّره الآخرون، سفَّانة بنت حاتم الطائي دعتْ للنبي، قالت: أتأذن لي أن أدعوَ لك، قال: نعم، وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا، قالت: جعل الله صنائعك في أهل الخير والحفاظ، أي جعل الله معروفك عند من يُقَدِّرُهُ ويعرف قيمته، فهذه الآية لها معْنى عام وخاص ؛ إنَّك ربَّك يعلم أنَّك تقوم أدْنى من ثلثي الليل ونصْفه، أنت أخذْتَ شخْصاً معك في السيارة - طبْعاً البنْزين - غالٍ وأجَبْتَ دَعْوَةً لا لِشَيءٍ إلا إجابة الدَّعْوة ؛ أنت بِهذا قُمْتَ بِعَمَلٍ لا يعرف قيمته إلا أهله، أحْياناً يدْفعُ الإنسان لِوالِدِه مبْلَغاً هو بِأَمَسِّ الحاجة إليه ويُلَبِّي أمر والِدَتِه، أحْياناً تُطْلَبُ في وقْتٍ حَرِجٍ ؛ وأنت تأكل جاءَ طلبٌ لِعَمَلٍ صالح، فالله عز وجل يُقَدِّرُ كُلَّ شيءٍ بِكُلِّ بواعِثِهِ ومُلابساته وظروفه وعواقبه ومعْطَياته وأهْدافه قال تعالى:

 

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾

 

[ المزمل: الآية 20 ]

 قد يسْهر الإنسان من أجل ترْبِيَة أوْلاده طويلاً، يُتْعِبُ نفْسَهُ كثيرًا، ويُقَدِّمُ لهم كُلَّ شيء، ويعْمَلُ عمَلاً شاقاً لِيُكْرِمَهُم كي يَدُلَّهُم على الله هذا غير الأب الذي يقول: يتَرَبَّوْنَ لِحالِهم ! والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ؛ يُقَدِّرُ كُلَّ شيء.
ثمّ قال تعالى:

 

﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾

 

[ المزمل: الآية 20 ]

 قالوا: هذه الآية نَسَخَتْ فَرَضِيَّة قِيام الليل، إذْ أصْبح قِيامُ الليل فرْضاً على النبي صلى الله عليه وسلَّم وسُنَّةً على أصْحابه وأُمَّتِهِ من بعْدِهِ، عَلِمَ أنْ لا تُحْصوه فَتَاب عليكم فاقْرؤوا ما تَيَسَّرَ من القرآن فإذا اسْتَيْقَظتَ من الليل فاقْرأ ما تيَسَّرَ من القرآن ؛ رَكْعَتَيْن أو ثلاثة... ثمّ قال تعالى

 

﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة المزمل)

 السَّفَرُ له أرْبع أهْداف: أعْظَمُ أنواع السَّفر ؛ سَفَرُ الجِهاد ونشْر الحق ثاني درجة: لِطَلَب العِلْم، ثالث درجة: للفِرار بالدِّين، رابِعِ درجة: لِكَسْب الرِّزْق، خامسُ درجة: للسِّياحة المَشْروعة الخالِيَة من المَعْصِيَة هنا الخطّ الأحمر، وبعد هذا الخط تبْدأ المعاصي والآثام، وينْتهي بِما يُسَمى اليوم السِّياحة الجِنْسِيَّة، يُسافرُ لِيَزْني !! وهي الغالِبَة على مُعْظَم الناس الآن فإذا سافر المرْء من أجل معْصِيَة الله والعِياذ بالله هذه أكبر أنواع المعاصي ثمَّ قال تعالى:

﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾

[ المزمل: الآية 20 ]

 أيُّ عَمَلٍ صالِحٍ تُقَدِّمُهُ لأيِّ مخْلوق كائِناً من كان هو قَرْضٌ حَسَنٌ، تُقْرِضُ من ؟ الله جلّ جلاله، والله يُضاعف لك هذا أضعافاً كثيرة قال تعالى:

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾

 

[ البقرة: الآية 245 ]

 من هو الشَقِيّ والمَحْروم ؟ هو الذي لم يُقرض الله قرْضاً حَسَناً، حَدَّثني أخٌ أنَّهُ كان بِسَفَرٍ بسيط ؛ بِمَصْيَف، ونسى جِهازَ الرَّفْع، وأوَّلُ مكانٍ صادَفْناه بِطَلْعَةٍ اخْتَلَّتْ العَجَلَة ! والمُشْكِلة أنَّ الرافعة غير الموجودة !! فأصْبَحَ يُؤَشِّر للمارَّة ساعَة وساعَتَيْن إلى أنْ وَقَفَ شخْصُ فقال: ما الأمر فقلتُ رافِعَة فأعطانيهاَ، فأَكْبَرْتُ صنيعَ هذا الأخ وقُلْتُ لا تخْلو الدنيا من أهل الخير لما انْتَهَيْت قال لي: أوَدُّ خَمْسَ ليْرات !! فقُلُْ له: لو طَلَبْتَ ألفاً لأعْطَيْتُك ؛ لَيْتَكَ لم تطْلُب خمس ليْرات، حَبِطَ عمله كان مُقْرِضاً لله ثمَّ أصبح ثمنه خمس ليرات، إذا كان مُقابل العمل الدراهم انْدثر الأجر، يوم القيامة يرى الإنسان اللُّقْمة التي أطْعَمَها لِفَقير مثل جبل أُحُد هناك من لا يتَحَرَّك حركة إلا وهو طالبٌ للنقود ! هؤلاء ما أقْرضوا الله قَرْضا حَسَناً، تُوُفِّيَ لأحد إخْواننا أخ، فالأخ الذي لم يتَوَفَّ معه الملايين، والذي تَوَفى لا يمْلكُ من الدنيا شيئاً، فقال لي ابن الأخ عزم أخزه هذا كُلَّ الذين جاءوا للتَّعْزِيَة وأَعْطاهم ثمان مائة لَيْرة ؛ وهي تُعادل الآن ثمانين ألف ليرة !! وقال هذه لأوْلاد أخي الفقراء، كسب الوَجاهَة والسُّمْعة، وأقْرِضوا الله قرْضاً حسناً، وما تُقَدِّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، ذَكَرَتْ لي أُخْت كنت معْزومَةَ على عُرْس فإذا قَدَّمْتُ باقة وُرود وَحَسِبْتُهُ من الزكاة فهل يجوز هذا ؟! قال تعالى:

 

﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(20)﴾

 

[ المزمل: الآية 20 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018