بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 46 - الإيمان باليوم الآخر 4


1987-09-20

  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

توضيح فكرة من الدرس الماضي لم تصل إلى بعض العقول بشكلها الصحيح:

 تحدثنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر عن بعض القوانين أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى، وقلنا: إن بعض هذه القوانين أساسها الجزاء، فقانون الجزاء أقرّه الله عزّ وجل في تعامله مع العباد، وقانون الجزاءِ أثرٌ مِن آثار العدل الإلهي، وتحدثنا عن الجزاء الرّباني بين الفضل والعدل، وقلنا: إنّ دخول الجنة فضلٌ مِن الله عزّ وجل، وإنّ دخول الإنسان إلى النار بمحض العدلِ الإلهي.
 أخ كريم طلب مني توضيحَ هذه الفكرة مرة ثانية، فما معنى أن الجنة محض فضل مِن الله عزّ وجل، وأنّ النارَ محضُ عدل؟ لماذا الجنة بالفضل, والنار بالعدل؟ أحياناً قد يكون بين شيئين علاقة علمية, أي علاقة سبب بنتيجة, فالإنسان إذا وضع إصبعه على المدفأة تحترق، وهي مشتعلة، فوضعُ الإصبع على المدفأة سببٌ لاحتراق الإصبع، فالعلاقة بين وضعِ اليد على المدفأة, واحتراقِها علاقةُ سبب بنتيجة, لكن أحياناً نكافئ إنساناً على نجاحه، هذه المكافأة ليست العلاقة بينها، وبين النجاح علاقة علمية، بمعنى أنّ العلاقة لازمة، وهي نتيجة حتمية، لا، فالأب تدَخَّل ووَعَدَ ابنَه إذا نجح أن يكافئه بهذه الدراجة، فهل هناك علاقة علمية، أو علاقة حتمية بين النجاح وبين اقتناء الدراجة؟ هناك علاقة تشجيعية، علاقة ثواب، علاقة جزاء، فلو أن الأب امتنع عن شراء الدراجة, هل بإمكان الطالب الناجح أن يقتني الدراجة؟ هل جلاؤه يكفي لاقتناء دراجة؟ فهذه الدراجة محضُ فضلٍ مِن الأب، لكن الأب جعل هذه الدراجة مكافأة على الاجتهاد، وجعل ثمنها الاجتهاد، فالاجتهاد ثمن، وليس سبباً، ليس الاجتهاد سبباً لنيل الدراجة، بل إنه ثمنٌ دفع من أجل نيل الفضل، فالجنة فضل إلهيٌّ مِن قِبَلِ الله سبحانه وتعالى، وهذه الجنة جعل اللهُ ثمَنَها العمل، فإذا قرأت آية قرآنية تقول:

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

(سورة النحل الآية: 32)

 الآية حق، لأن هذه الجنة التي هي محضُ ٍفضل, جعل ثمنها العمل الصالح في الدنيا، لكن لو تخيّلنا أن إنساناً عمل عملاً صالحاً, هل له حقٌّ كحق الشريك مع شريكه؟ فهو مشارك معه برأس مال، والجهد مشترك، يقول الشريك: أين الحساب؟ أين الأرباح؟ يا ترى هل للعبد الذي عمل الصالحات في الدنيا حقٌّ عند الله في دخول الجنة كحقِّ الشريك مع شريكه في الأرباح؟ لا, الجنة للذي عمل الصالحات محضُ فضلٍ، وليست نتيجة حتمية، ولو أنّ الله عزّ وجل قال: ليس هناك جنة، وهؤلاء الذين استقاموا على أمره في الدنيا، وعملوا الصالحات قال لهم: ليس لهم عند الله شيء؟ وليس لهم حق؟ لم يكن ذلك معقولاً، لكن الله عزّ وجل تفضَّلَ، ووعدَ المؤمنين بالجنة وعد فضل، وليس وعد حق, لكن هذا الوعد مقنن، وليس وعداً اعتباطياً, ولا مزاجياً، وهذه الجنة جعلت للاستقامة، والعمل الصالح سبباً لها.

كيف فسر العلماء ظاهر الحديث مع مضمون الآية ؟

  فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ:

" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)

 فالجنة برحمة الله، والإمام جعفر الصادق رضي الله عنه, قال فيما معناه: " ادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم " درجات الجنة يحتلها المؤمنون بحسب أعمالهم، فدخول الجنة بفضل الله، والثمنُ هو العمل الصالح، وأنت تنال فضل الله عز وجل بالعمل الصالح، لكن هذا الذي أساء في الدنيا, واعتدى على أعراض الناس، أو اعتدى على أموالهم، أو اعتدى على حرماتهم، أو اعتدى على دمائهم، يدخل النار بمحض العدل، لأن هذا الذي اعتدى عليه له حق عنده، تأتي النار لتكون عدلاً مِن الله عزّ وجل، أو تحقيقاً لاسم الحق.
  هذا الموضوع تحدثنا عنه في الدرس الماضي، وأردت أن أوضحه مرة ثانية، قال تعالى:

﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 43)

 الحديث الشريف الذي سردتُه قبل قليل, يبدو في ظاهره متناقضاً مع الآية,

" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)

 وهذا يعني أنّ العمل وحده غير كاف، بل لابد مِن تدخل الفضل الإلهي، والنجاح وحده غير كافٍ، بل لا بد أنْ يأتي الأبُ ليدفع الثمنَ،

" قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)

 بعضهم وَفّق بين هذا الحديث الصحيح, وبين الآيات الكثيرة, بالمَثَل التالي: لو أن رجلاً وقوراً ميسورَ الحال له أخٌ توفي، وكان أخوه فقيراً، وترك ابناً نشيطاً، فطناً، واضطر هذا الابن لتأمين قوت أخوته الصغار، فقال له عمه: يا ابن أخي، إنْ كنتَ راغباً في الدراسة, فأنا أنفقُ عليك إلى آخر سنة في دراستك، فَقَبِل هذا الابن، فواصل دراسته إلى أن أخذ الشهادة الثانوية، ثم أخذ الإجازة، ثم نال الدكتوراه في الطب، ثم اختص في دولة أجنبية، ثم عاد إلى بلده، وقد ذاع صيته، وتألّق نجمه، واتّسع دخله، وعاش حياته في بحبوحة كبيرة، ومرة مِن المرات كان هذا العم مع ابن أخيه في جلسة, فقال ابن أخيه: واللهِ يا عمّ، لولا فضلك لما كنتُ بهذا المكان، فقال العم: لولا عملك لما كنتَ بهذا المكان, كلاهما صحيح، فلو أنّ هذا الشاب الذكي لم يُتَحْ له أحد ينفق عليه, فماذا يفعل بذكائه, لا بد من أن يعمل, كي يطعم أخوته, ولو أن هذا العم رأى في ابن أخيه بلادة، وتسيباً، وإهمالاً، لما أنفق عليه، فهذا الفضلُ الذي أعطاه العم لابن أخيه كان بسبب اجتهاد ابن أخيه.
vهذا المثل تقريباً, يوضّح العلاقة التي تبدو في ظاهرها تناقضاً بين الحديث, وبين قوله تعالى:

﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

(سورة الأعراف الآية: 43)

 وقال تعالى:

 

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

 

(سورة النحل الآية: 32)

 فأصبحت الجنة فضلاً, ثمنُه العملُ الصالح, والعمل الصالح لا يكفي وحده لدخول الجنة، إلا أن يسمح الله به، وهذا التوضيح يؤكِّد التوفيق بين الحديث الصحيح الذي يؤكِّد أن الجنة بفضل الله عزّ وجل، وبين الآيات التي تؤكِّد أن الجنة بالعمل.

 

بيان هذه الحقيقة وتأكيدها في سورة النساء:

  ومما يؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً, قولُ الله تعالى في سورة النساء:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾

(سورة النساء الآية: 79)

 الذي أَوْجَدَكَ، وأعطاك هذه الأجهزة التي تعمل بانتظام، وأعطاك ذكاء تكسب به رزقك، وخَلَق لك من نفسك زوجة, وأنجبتَ منها أولادًا، وأعطاك مالاً فاشتريت به بيتاً فيه غرف عدة، هنا تنام، وهنا تجلس، وهنا تستقبل الضيوف، وهنا تأكل، كل هذا مِن فضل الله عزّ وجل، فربنا عزّ وجل قال:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾

(سورة النساء الآية: 79)

 لو توقفتْ إحدى الكليتين عن العمل, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو تشمّع الكبد, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو ضاق التنفس, لانقلبت الحياة جحيماً، وكلمة (لو) في الجسم تنطبق على مليون حالة, العجـب العجاب في الإنسان كيف تعمل هذه الأجهزة كلها بانتظام؟ وقفتُ مرة أمام مكتبة، فوجدت كتاباً يزيد عن ألف صفحة، عنوانه أمراض الدم، في الدم فقط، وللدم أمراض، نسب المعادن، نسب المواد الدسمة، نسب السكريات، الشوارد، أشباه المعادن، إنه عالَم قائم بذاته، البلازما، المصل، الكريات البيضاء والحمراء، إنه عالم قائم بذاته.
 العالَم كله يرتعد فرائصُه من مرض اسمه اﻹيدز، فما هو الإيدز: إنه انحلال المناعة، فهذا الجيش المجهز بالأسلحة الفتاكة، الذي يملك استطلاعاً ممتازاً لتقصّي الأخبار، ومخابر لتصنيع الأسلحة المضادة، وقوات مهاجمة، هذه الكريات البيضاء جهاز المناعة في الإنسان, ثلاثة أنواع: نوع كريات استطلاعية، تستكشف طبيعة الجرثوم، وطبيعة سيمته، وكريات مخبرية، تُصنّع من هذا الاستطلاع مضاداً حيوياً لقتل هذا الجرثوم، ثم يأتي صنف آخر يحمل هذه الأسلحة الفتاكة، ويتوجّه إلى الجرثوم، ويحاصره إلى أن يقضي عليه، فإذا وجد أحدنا بيده بقعة بيضاء سببت له ألماً، فهذه نتيجة معركة كبيرة جداً طاحنة بين الكريات البيضاء وبين الجرثوم الدخيل، وإنّ انحلال المناعة مرض خطير، بل يُعدّ الآن في العالَم العدوَّ الأولَ.
  العين تعمل بانتظام، بالشبكية (130) مليون مخروط وعصية، أمّا الأذن ففيها مركز التوازن، وهي عبارة عن ثلاث قنوات فيها سائل، على جدرانها شعيرات، عندما يميل الإنسان فإن السائل الذي كان مستوياً يرتفع في جنب على حساب جنب، فتتنبه الشعيرات فتجري تعديلاً، في جسمك: الأذن، والأنف، والحنجرة، واللسان، واللعاب، والمريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، والأمعاء الغليظة، والكبد، والبنكرياس، والطحال، والصفراء، والعقد اللمفاوية، والقلب، والرئتان، والدماغ، والشرايين، والأوردة، فنحن في عالَم كبير, قال الله:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾

(سورة النساء الآية: 79)

  هذه نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد، قال تعالى:

 

﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

 

(سورة النساء الآية: 79)

 بمحض العدل، والحسنة بمحض الفضل.

الأدلة من السنة على بحث الفضل والعدل:

  الحديث الصحيح, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)

  وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما)

 حديث آخر، قال قتادة في تفسير قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير, قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم, كان يقول:

" لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر "

(أخرجه البيهقي في شعب الإيمان)

  وعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

" يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ "

(أخرجه مسلم عن أبي ذر في الصحيح)

 " فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ " بمحض الفضل, " وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " بمحض العدل.

الخير والشر من الله لكن مناط التكليف على العزم والقصد بما اتجه إليه الإنسان:

  لكن في آية أخرى من سورة النساء أيضاً, يقول تعالى:

﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾

( سورة النساء الآية: 78 )

 هنا دخل المناط، يعني هذه التي أمامي طاولة، إن سألتني عنها أقلْ لك: إنها طاولة، وإن سألتني عن شكلها الهندسي, أقلْ لك: إنه مستطيل، وإن سألتني عن قوامها, أقلْ لك: مِن خشب وحديد, هل هناك تناقض؟ لا، فلو أنها كلها خشب, لقلت لك: إنها طاولة، وهذا مستطيل، وهذا خشب، ليس هناك تناقض, إنّ العمل إذا عرّفته من زاوية الذي خَلَقَه فالخير من الله عزّ وجل، والشر من الله، ولا يقع شيءٌ في الأرض إلا بأمر من الله عزّ وجل، ولو نظرت إلى العمل من زاوية سببِه وكسْبِه, فالخير من الله، والشرّ من الإنسان.
 أقول: مدير الجامعة فصل هذا الطالب، فالذي أصدر قراراً بالفصل, هو مدير الجامعة، هذا الفعل فعله، ثم أسأل: لماذا فُصِلَ هذا الطالبُ؟ لأنه ارتكب مخالفة تستدعي الفصل، فإنْ قلتَ: إن هذا الفصل, كان بسببِ خطأ ارتكبه الطالب, كان كلامنا صحيحًا، وإنْ قلت: إن هذا الفصل تمّ بأمر مدير الجامعة أيضاً هذا صحيح, فالرؤية الأُولى مِن زاوية الفعل، والثانية من زاوية الكسب، فالشر من أنفسنا كسباً، ومِن الله فعلاً، لما يمسك الطبيب المشرط فإذا كان المريضُ ابنَه تجده كلّه رحمة، ويفتح البطن، وتنفر الدماء، ويشدُّ الجلد، ويذبح العضلات، إلى أن يصل إلى الزائدة الدودية فيستأصلها، هذا مِن فعْلِ مَن؟ إنه مِن فعلِ الأب بسبب التهاب الزائدة، بسبب أخطاء ارتكبها الابن، وهناك أخطاء كثيرة بالمطعومات تسبب التهاب الزائدة، فأخطاء الابن بتناول المطعومات سبَّبَتْ التهاب الزائدة، أما الذي فتح البطن فهو الأب، وهذا معنى الركن الخامس من أركان الإيمان, والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.

العفو الإلهي عن المذنب التائب يدخل في بحث الفضل:

 ملاحظة ثانية متعلقة بموضوع الفضل والعدل، الخير فضل، والشر عدل، أحياناً يكون الفضل في العفو عن الشر, كرجلٍ له جاهلية جهلاء، وله معاصٍ كثيرة، وله عدوان، وله كسب مالٍ حرام، وله من المعاصي ما لا يحصى، ثم تاب إلى الله، وقال: يا رب، لقد تبت، فيقول الله عزّ وجل: وأنا قد قبلت، فيأتي فضل الله ليمحُوَ عنه كل هذه الذنوب, عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ, قَالَ:

" يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ فِيكَ ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَانِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَنْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَكَ وَلا أُبَالِي "

(أخرجه أحمد عن أبي ذر في مسنده)

 قال تعالى:

 

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

 

(سورة الزُمر الآية: 53)

" إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه، والملائكةَ، وبقاعَ الأرض كلها خطاياه وذنوبَه "

(فيض القدير، شرح الجامع الصغير)

 وفي الأثر:

" إذا قال العبد: يا رب، وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، إذا قال: يا رب لبيك، وهو ساجد أجابه الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب، وهو عاصٍ قال الله عزّ وجل: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك "

( ورد في الأثر )

 هذه يعرفها الأب أحيانا، إذا كان عنده ثلاثة أولاد, اثنان منهم متفوقان ومهذبان، والثالث سيء، عاق، شقي، بعيد، فإذا شعر الأب مِن هذا الابن الثالث البعيد بادرة عودة، بادرة توبة، بادرة صلاح، بادرة إقبال، فإنك تجد الأب قد هش له وبش، وأكرمه إكراماً مفاجئاً، يزيد عن إكرام أخوانه، لأنه حدثتْ محاولة وعملية إنقاذ, فالفضل الإلهي في الخير، وفي العفو عن الشر، أمّا إذا أصرّ العبد على المعصية, عندئذٍ يستحق العقاب بمحضِ العدلِ.

تتمة السنن الإلهية من القرآن الكريم المتعلقة باليوم الآخر:

4- أدنى جزاء الحسنة عشرة أمثالها وأعلى جزاء السيئة مثل واحد:

 القانون الرابع: أدنى الجزاء على الحسنة عشرةُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مثلها، فأعلى عقوبة ينالها العبد على معصيته, أن يكون العقاب مكافئاً لمعصيته دون زيادة, تجد الإنسان يرّد على الصاع صاعين، ويرّد على مخالفة يسيرة بعقاب أليم، ليس هذا مِن شأن الله عزّ وجل، قال تعالى:

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾

(سورة الأنعام الآية: 160)

 أدنى جزاء الحسنةُ عشرُ أمثالها، وأعلى جزاء السيئة مثل واحد, والدليل قوله تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

(سورة البقرة الآية:261)

 

عنوان الدرس القادم إن شاء الله:

 وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قانون آخر، وهو الجزاء المعجل والمؤجل، فقد يعجب الإنسان أحيانًا إذْ يجد رجلاً ماله حرام، وأعماله سيئة، وهو متكبر, ويزداد قوة، وغنى، وشأناً، هذا جزاؤه مؤجل، وتجد مؤمناً يرتكب أدنى مخالفة فكان جزاؤه معجلاً، لذلك فإن بعض الآثار:

" إذا أحب الله عبده عجّل له بالعقوبة "

( ورد في الأثر)

  وإذا أهمله، أخّرها له، لذلك ربنا عزّ وجل قال:

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

 

(سورة الأنعام الآية: 44)

 إذا رأيت الله عزّ وجل يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، هذا قانون، وهناك نِعَمُ الجزاء، والابتلاء، والاستدراج، ومصائب الجزاء، والابتلاء، والتربية، وهناك الجزاء المؤجل، ومراحله الثلاث ما بعد الموت، وما قبل دخول الجنة، ثُم دخول الجنة، ثم المسؤولية، وهذا البحث يحتاج إلى دروس عديدة، لأنه بحث مهم جداً، وهذا كله تمهيد للإيمان باليوم الآخر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018