بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 49 - أحكام المسؤولية


1987-10-11

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ملخص فكرة أحكام حدود المسؤولية في الدرس الذي فات:

  لا زلنا في موضوعات تمهيدية للإيمان باليوم الآخر، وقد بينتُ في الدرس الماضي " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له "، وأنّ هذا الحديث يُستَنبَط منه أن الإنسان يحاسَب لا على عمله فحسب، بل على آثار عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فعَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا "

( أخرجه مسلم في الصحيح)

 هناك آية تؤكد هذا المعنى, قال تعالى:

 

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

 

( سورة النساء الآية:85)

 إذاً: هو مسؤول، هنا نصيب، وهنا كفالة، وشتان بين النصيب والكفالة، ففي معرض الربح النصيب، وفي معرض الغُرم الكفالة.

 

تتمة أحكام حدود المسؤولية:

2- لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة إلا إذا كان له يد فيها:

  شيء آخر: لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة، كما أن الأخطاء لا يتحملها ما لم يكنْ سبباً في فعلها، كذلك أعمال الآخرين الصالحة لا يأخذ منها شيئاً، لقوله تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾

( سورة النجم الآية:39-40)

 كل إنسان له سعيه الخاص، وعمله الخاص، ومكانته الخاصة، إلا إذا كنت السبب في هذه الأعمال الطيبة، عندئذٍ لك الأجر، كالتربية على الفضيلة، هؤلاء الذين ربيتهم فكل أعمالهم في صحيفتك، والأدق من ذلك، كل الأعمال التي قاموا بها بسبب توجيهك إيّاهم فلك مثل أجرهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، كتعليم أمور الدين، وكالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

أدلة الكتاب والسنة بشأن هذا الحكم:

  الدليل النقلي، وهو القرآن الكريم, قال تعالى:

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 13-14)

 كان العرب في الجاهلية, إذا مَرّ عن شمالهم طير يتشاءمون، وإذا مرّ عن يمينهم يستبشرون، فتشاؤمهم، واستبشارهم لا أساس له من الصحة، فربنا سبحانه وتعالى ردّ عليهم فقال:

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 13-14)

 هذا الكتاب، كتاب الأعمال، يعني كل صغيرة, وكل كبيرة, مسجل في صحيفة أعمالك، ويوم القيامة تبرز هذه الصحيفة، قال تعالى:

﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾

( سورة الإسراء الآية: 15)

 تزر, تعني تحمل، مِنْ وَزَرَ، يَزِرُ, فلا تحمل نفسٌ حمل نفس أخرى، كل إنسان يحمل عمله، قال تعالى:

﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

( سورة الإسراء الآية: 15)

 هذه الآية أصلٌ في أن كل إنسان مسؤول عن كسبه، فالأب لا يحاسَب عن ابنه إذا قدّم له النصيحة الكاملة، واعتنى به عناية فائقة، وبعد ذلك أصرّ على طريق غير مستقيم، والابن لا يحاسَب عن أبيه إذا استنفذ نصحه، والزوج لا يحاسَب عن زوجته إذا نصحها إلى أقصى حد، والزوجة لا تحاسَب عن زوجها، وكل إنسان يحاسب عن عمله.
  في سورة النجم, قال تعالى:

﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾

( سورة النجم الآية: 38-40)

 ليس لك في الآخرة إلا العمل الذي كنت قد عملته في الدنيا، ولا شيء آخر إلا عملك.
  قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

(سورة غافر الآية: 17)

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾

(سورة البقرة الآية: 48)

 هذه الآية مطلقة, قال تعالى:

 

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾

 

( سورة البقرة الآية: 48)

 فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ:

" يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "

( ورد في الأثر)

 آية أخرى تؤكد هذه الحقيقة, قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾

 

( سورة الطور الآية: 21)

 نحن في الدنيا، إذا تورط الإنسان، وخالف القوانين، حُجزت حريته، فقد أصبح رهين عمله السيء، أو رهين مخالفته، هذا في الدنيا, فكيف في الآخرة؟ لهذا, قال النبي عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته:

" اعملوا لأنفسكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً "

( ورد في الأثر)

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

" الذنب شؤم على غير صاحبه "

( ورد في الأثر)

 كيف شؤم؟ الآن قلنا: الإنسان مسؤول عن كسبه فقط، فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

" الذنب شؤم على غير صاحبه "

( ورد في الأثر)

 فسّر ذلك؟ قال: إن ذَكَرَهُ فقد اغتابه، وإن رضّي به فقد شاركه في الإثم، وإن عيّره ابتلي به، فليحذر أحدنا إن رأى أخاً له قد وقع في ذنب أن يُشهِّر به.

3- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي الخيري:

 الحكم الثالث: الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي، ومحاسب عليه، فله ثواب الصدقة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرار الاستفادة منها في أبواب الخير من آثار كسبه، وله ثواب العلم النافع الذي يقوم ببثه، ونشره، أو التأليف فيه، كذلك كل من ساهم بنشر هذا العلم النافع، فله عند الله أجر، وفضل الله واسع، لا يُنقص من أجر الآخر شيئاً، مهما كثر المساهمون, ولـه أجر كل من اهتدى بهديه من أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه، إلى يوم القيامة، هذا شيء عظيم, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

" لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما)

 وفي رواية:

" خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا "

(كتاب الزهد، لعبد الله بن المبارك)

 هذا كلام له أبعاد، كلمة (مِن الدنيا، وما فيها) ماذا تعني؟ تصور أن رجلاً يملك كل الشركات في العالم، وكل الأراضي، وكل الأبنية، وكل المشاريع القائمة، وكل المستشفيات، وكل المشاريع الناجحة، كل أرباحها له، لو أنه مَلَكَها، ووافته المنية لتركها بلا شيء, أما إذا كنت مساهماً في هداية إنسان، فهذا الإنسان إذا سعد في الآخرة إلى الأبد، فأنت السبب، لذلك,

" يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها "

(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما)

  أنت كإنسان تعطي على صنع باب ألف ليرة أو ألفين، أمّا أن تدفع مئة مليون ليرة على صنع باب واحد, فهذا مستحيل، بينما ربنّا عزّ وجل يثيب على العمل الصالح مَن دلّ عليه، ومَن ساهم فيه، وكل من له علاقة به، هذا من باب كرم الله عزّ وجل, وكذلك ينفع الإنسانَ بفضل الله دعوةُ ولده الصالح، هذا الابن حينما يقول: رب اغفر لي ولوالدي، فمِن تربية أمّه، وأبيه له, حينما كان صغيراً، والعناية الطبية، والصحية، والاجتماعية، والتربوية، وتحمل نفقاته، وهذا الحرص، وهذا القلق، إلى أن صار سوياً، يصل الأب من الأجر بسبب هذا الدعاء بقدرِ ما لهذا الابن مِن فضلٍ.
  لذلك فإنّ تربية الأولاد عمل كبير، فلا يزهد فيها أحد، وينفعه بعد موته دعوة ولده الصالح له، لأن صلاح الولد في الغالب ثمرةٌ من ثمرات تربية أبيه له، وذلك من آثار كسبه، إلا في حالة واحدة، وهي إذا كان الأب يريد لابنه طريق الشر، طريق البعد عن الدين، يمنعه من الدين، يغريه بالدنيا بالانغماس في ملذاتها، والابن منصرف إلى الدين، هذا العمل الطيب للابن ليس في صحيفة الأب، لأن الأب ما أراد ذلك بل أراد عكس ذلك.

4- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي السيء:

 كما يتحمل الإنسان تبعة السيئة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرارها قد كان لكسبه أثر فيها، ويتحمل تبعة العلم الضار، كأستاذٍ أقنع الطلاب أن الإنسان أصله قرد، زاعماً أن قصة آدم وحواء كلها خرافات، فيأتي هذا الشاب ليقرأ القرآن فيجد:

﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾

( سورة البقرة الآية: 37)

 يقول له: هذا كله خلط، ولقد تعلمنا أن الإنسان أصله قرد، إذاً: هو حقاً صار قرداً، ما كان بل صار، وذلك حينما ترك الله عزّ وجل، وانغمس في الدنيا, مسخه الله قرداً، وصار حيواناً, والإنسان من دون قيَم حيوان, يتحمل الإنسان تبعة العلم الضار الذي يبثه، وينشره في الناس، ولو بعد موته، لأن كسبه في حياته كان له أثر في استمرار الضلالة فيه، بث فكرة زائغة، أو نظرية فاسدة، أو قضية من أجل مصلحة طارئة مادية، تعلم الناس طريق الشر، تقنعهم بالانحراف من أجل تغطية نفسك، من أجل تبرير عملك، تأتي بحكم فقهي مزوّر وتقنع الناس به, فحينما تبث علماً ضاراً، أو ضلالة، أو جهلاً، أو انحرافاً، كل من عمل بهذا التوجيه إلى يوم القيامة، يجب أن تتحمل وزره، أو إذا استفتي الإنسان فأفتى فتوى لا يبتغي بها وجه الله، بل يبتغى بها وجه زيد أو عُبيد، كل مَن عمل بهذه الفتوى سوف يتحمل وزرها الذي أفتى بها، لذلك هناك من يفتي فيجعل من رقبته جسراً إلى النار، إن الإنسان إذا كان لا يعلم فليقل: لا أدري، فنصف العلم لا أدري، وكلما كنت جباناً في الفُتيا كنت أقرب إلى الله عزّ وجل, عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

" أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ"

( ورد في الأثر)

 تريّث، لست بمتأكد، اسأل.
 إن الأب يتحمل من أوزار ولده الذي أساء تربيته، ودفعه إلى سلوك سبيل الشر، كما يتحمل من أوزار كل مَن تأثر بإضلاله مِن أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه إلى يوم القيامة، الذين كان له كسبٌ في توجيههم وجهة الضلالة والشر.

 

أدلة الكتاب والسنة على أن الإنسان مسؤول عن آثار عمله الإرادي:

  يقول الله عزّ وجل:

﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾

( سورة النحل الآية: 25)

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾

( سورة الأحزاب الآية: 67-68)

 فالله تبارك وتعالى يكتب ما قدّم الناس من أعمال الخير، وأعمال الشر ليحاسبهم عليها، ويكتب أيضاً آثار أعمالهم، ولو ظهرت الآثار بعد انتهاء آجالهم في حياتهم الدنيا, فإذا اخترع شخص اختراعاً، تحمل وزرَ وإثمَ كل مفسدة تحققت من جرائه على وجه الأرض إلى يوم القيامة.
  هذا دليل آخر:

" سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى هرقل ملك الروم كتاباً قال: أما بعد, أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين "

( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما)

 لماذا مرتين؟ هذا جزاء القدوة، مرة لأنه أسلم، ومرة لأن أتباعه بقدوته أسلموا، حينما أسلم, أسلم معه أتباعه، فالذين لهم مكانة اجتماعية, كالأب، والمعلم، ومدير المدرسة، كل إنسان له مكانة اجتماعية، له مركز قيادي، صاحب محل، وعنده ثمانية موظفين، إذا صلى الظهر أمامهم شجعهم على الصلاة، وإذا غضّ بصره عن امرأة دخلت المحل, شجعهم على طاعة الله، فكل إنسان له مكانة بين عشرة من الناس، إذا استقام على أمر الله فإن له الأجر مرتين, مرة لأنه استقام، ومرة لأنه شجَّعَ الآخرين على الاستقامة، قال له:

" أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين"

( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما)

 أي أتباعك إثمهم جميعاً في رقبتك إن لم تسلم.

5- الإنسان مسؤول عن خواطره إذا أراد العزم والقصد أما غير ذلك فلا:

 الحكم الخامس: إنّ الخواطر التي تخطر على فكر الإنسان دون أن تتحول بإرادته إلى عزم وتصميم، لا تدخل في باب المسؤولية والمحاسبة، فإن تحولت بالإرادة إلى عزم وتصميم دخلت في باب المسؤولية والمحاسبة، ويُسمى هذا الخاطر عندئذٍ هماً، فالهم يعني التصميم، وهو العمل القلبي الذي يسبق العمل المادي.
 لو أن الإنسان أرخى لخواطره العنان, لخشينا أن تتحول هذه الخواطر إلى أعمال, لو أن واحداً تخيل المعصية، وسبح فيها، إذا لم يقف عند حد, ربما انقلبت هذه الخواطر إلى أعمال، فلذلك إن المؤمن لا يسمح لنفسه أن يسبح في خواطر لا ترضي الله عزّ وجل, فالأفضل والأولى, كلما خطر في بال الإنسان شيء لا يرضي الله عزّ وجل، أن يبتعد عنه، أو أن يقطع هذه الخواطر

فضل الله على المؤمنين:

  تفضّل الله علينا فجعل الهمّ بفعل الحسنة حسنةً يثاب عليها الإنسان، ولو لم يعملها، والدتك تحتاج لدواء الساعة الواحدة، عندهم في البيت أقراص دواء، لكنها ضائعة، أنت نويت أن ترتدي الثياب، وهممت أن تذهب إلى طرف المدينة لشراء هذا الدواء، وبينما أنت ترتدي الثياب قالت لك أمك: وجدت الدواء، فأنت عدلت عن الذهاب، كأنك ذهبت، كُتب لك الأجر, لأنك هممت لهذه الحسنة، وهذا كثيراً ما يحدث، وعلى هذا فقِس, هذا من كرم الله سبحانه وتعالى.
  فأقل جزاء على العمل الصالح عشرة أمثاله، وأعلى جزاء على العمل السيء مثل واحد، وهو أعلى جزاء، أما بالنسبة للعمل الصالح فأقله عشرة، والله يضاعف لمن يشاء, قال الله:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

(سورة البقرة الآية: 261)

 سبعمئة، إلى سبعة آلاف, قال الله:

 

﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

 

(سورة الزُمر الآية: 10)

 الصابرون لا حد لأجرهم، لكنك إذا هممت بالحسنة كان لك أجرها، ومِن فضل الله علينا أنْ جعل الهمّ بفعل السيئة، والتصميم عليها سيئة واحدة، شخص نوى أن يؤذي إنساناً بمحض إرادته، فإن لم يفعلها بإرادته، فكّر، شعر أن هناك إله يُحاسب، وقد يعاقبه على هذا العمل، فانتهى نهياً ذاتياً، قالوا: فإنْ لم يفعلها بإرادته تحولت السيئة فصارت حسنة.
 إذا همَّ إنسان بسيئة، ولم يفعلها، ليس لأنه لم يستطيع، أردت أن توقع الأذى بفلان، فلم تجده في البيت، أردت أن تفعل ذلك فلم تتمكن، هنا وقع عليك الإثم، لكنك إذا انتهيت نهياً ذاتياً عن القيام بعمل سيء، هذا النهي الذاتي يجعل السيئة حسنة لك عند الله عزّ وجل، وإن همّ بسيئة وفعلها بإرادته كُتبت له سيئة فقط، من دون مضاعفة.
  وبهذا تنتهي الموضوعات التمهيدية لموضوع الإيمان باليوم الآخر، الذي هو أحد أركان الإيمان، ويليه في الترتيب، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018