بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 51 - الإيمان باليوم الآخر 8


1987-10-25

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ما دليل المسلم على إيمانه باليوم الآخر ؟

1- طريق الخبر الصادق:

  أيها الأخوة, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس العقيدة، وقد وصلنا إلى موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، وتحدثنا في الدرس الماضي عن ضرورة الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾

(سورة النساء الآية:136)

  كأن الله سبحانه وتعالى وضّح في هذه الآية أركان الإيمان، وكيف أنّ الإيمان باليوم الآخر أحدُ أركان الإيمان الأساسية؟ فعقيدة الإيمان بالله لا تنفك عن الإيمان باليوم الآخر، لأن مِن مقتضى الإيمان بالله تصديقُه في جميع ما يخبرنا به، فلو سألك سائل: ما الدليل على إيمانك باليوم الآخر؟ تقول: هذا الكون كله دليل على وجود الله، فالإيمان بوجود الله إيمان تحقيقي، بعد أن عرفتَ الله، وعرفتَ أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، وأن هذا الخالق العظيم لا يُعقل أن يترك عباده من دون إرشاد، وأنه أنزل على رسله كتباً، ليُعرفّهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة المهمة التي خُلقوا من أجلها، وأن الله عزّ وجل أخبرنا في هذه الكتب أن هناك يوماً آخر.
 فمِمّا يقتضي، ومما يلزم مِنَ الإيمان بالله عزّ وجل الإيمان باليوم الآخر، لأن الله عزّ وجل أخبرنا في كتبه بأن هناك يوماً آخر، القضية سلسلة يشد بعضها بعضًا, الإيمان بالله إيمان تحقيقي، عن طريق النظر في الكون، وعن طريق الاستدلال العقلي اليقيني.
  ذكرت لكم من قبل أنّ مسالك اليقين أربعة:
1- مسلك اليقيني الحسّي: أنت تشعر، أنت تحس، وترى بعينك أن هذا المصباح متألق، وأن هذا كتاب، وأن هذا كأس، هذه أمثلة على هذه المسلك.
2- مسلك اليقين الاستدلالي: الأثر يدل على المؤثر، والنظام على المنظم، والخلق يدل على الخالق، والوجود يدل على الموجد، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج, ألا تدلان على العليم الخبير ؟.
4- مسلك اليقين الإخباري: وهو الشيء الذي غابت عينه، وغابت آثاره، كعالم الأزل، وعالم الأبد، والملائكة، والجن، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبرزخ، ويوم البعث، والنشور, هذه الأشياء المغيبة عنّا مسلك اليقين الإخباري.
  يقينك باليوم الآخر يقين إخباري، لأن الله عزّ وجل أخبرنا عن طريق الوحي، وفي الكتب المنزلة، أن هناك يوماً آخر، وهذا هو الدليل الأول.

من ضمن ما أخبرنا الله به عن اليوم الآخر ذكر الوعد والوعيد:

  وقد أخبرنا عن اليوم الآخر في وعده ووعيده، وما أعدَ الله في هذا اليوم من نعيم للمؤمنين المتقين، ومن الوعيد في هذا اليوم مِن عذاب للمجرمين, ولقد قررّ الله سبحانه وتعالى حقيقة الحياة الثانية بعد الموت، وأنها حياة الحساب والجزاء، وإقامة العدل الرباني في الخلائق، الحياة الدنيا حياة ابتلاء مؤقتة، حياة ابتلاء فانية، والحياة الآخرة، حياة جزاء خالدة، بعد هذه الحياة الأولى الفانية القصيرة المدى، التي هي حياة الامتحان والابتلاء، المحاطة بظروف الامتحان اللازمة على أتم وجه وأدقه.
  إنّ طبيعةَ هذه الحياةِ مصممة بشكل دقيق، على أن تكون حياة ابتلاء، حيث التفاوت في المستوى المعاشي، فهل يشكر هذا الغني؟ وهل يصبر هذا الفقير؟ هناك ابتلاء في قوة الجسد وضعفه، أفيشكر هذا الصحيح؟ وهل يصبر هذا السقيم؟

الأديان جميعها تؤكد وتؤمن بهذا اليوم:

  ولقد قرّر الله سبحانه وتعالى حقيقة هذه الحياة الآخرة في اليوم الآخر, والدار الآخرة في جميع الأديان السماوية، وأنزلها على جميع رسله عليهم الصلاة والسلام، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان العقيدة في كل الديانات السماوية، فما من دين سماوي إلا وأحد أركان الإيمان فيه الإيمان باليوم الآخر.

أسلوب القرآن المتنوع في تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان:

 لكن ربّنا عزّ وجل في معرض وجوب الإيمان باليوم الآخر ينوّع وسائل العرض، فتارة يأمر بالإيمان باليوم الآخر، وتارة ينهى عن الكفر به، وتارة يصرّح حيث لا يدع شبهة في التصريح، وتارة يُرغّب في الجنة، وتارة يُرهّب من النار، وتارة يشير، ويُلمّح في مقام حث المؤمنين على العمل الصالح، وتارة يمثّل, قال الله:

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾

(سورة الكهف الآية:45)

 وهذا التمثيل والتشبيه لتقريب حقيقة هذه الحياة الثانية إلى الأذهان، وتارة بإقامة البراهين، والحجج المنطقية الدافعة في منافسة منكري البعث، وتارة بوصف ما في هذه الدار الآخرة من نعيم مقيم، وعذاب أليم، وجنة، ونار، وعرض، وحساب، وميزان، وصراط، إلى غير ذلك مِن مَشاهد وصور, لا يخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة أو بالسماع كثرةُ الآيات الكريمة، التي تُنَوِّهُ بالبعث من مختلف أطرافه، وبالحياة الآخرة من مختلف ألوانها، فعقيدة الإيمان باليوم الآخر، وما في هذا اليوم من حقائق ثابتة، عقيدة معلومة مِن الدين بالضرورة.

الترابط المتلازم بين عقيدة الإيمان وبين السلوك وهما لا ينفكان:

  بينـت لكم من قبل, أن هناك مجموعة عقائد، يجب أن تُعلم بالضرورة، ولا يُعفى أي مسلم من مغبة الجهل بها، لكنّ التبحر في بعض العلوم فرض كفاية، غير أنّ هناك بعض الحقائق، وبعض المعتقدات الأساسية يجب أن تُعلم بالضرورة، فحضور مجالس العلم يرقى إلى مستوى الفرض، من أجل أن تعرف العقائد التي لا بد أن تعتقد بها، لأن هذه العقائد أساسية في تحرك الإنسان.
  من كانت عقيدته صحيحة كان عمله صحيحاً، ومن كانت عقيدته زائغة، كان عمله زائغاً، والدليل ناصع كالشمس، هذا الذي يأكل مالاً حراماً، لماذا أكله؟ لأنه اعتقد أن الحياة هكذا, خُلق الإنسان بلا مسؤولية, أما إذا عَلِمَ عِلمَ اليقين أنه سيحاسب عن هذا المال الحرام حساباً عسيراً، وإذا اعتقد أن هذا المال ربما تلف وأتلف صاحبه ابتعد عن الحرام, هنالك علاقة أساسية، وعلاقة خطيرة جداً بين المعتَقَد، وبين السلوك، هذا الذي يعتقد اعتقاداً جازما، أن كثرة ملح الطعام يسبب ارتفاع الضغط، وأن ارتفاع الضغط مرض خطير قاتل، إذا بلغ علمه حد اليقين في خطورة ملح الطعام، يعزف عن الطعام المالح، ولو كان من أشهى أنواع الطعام، لأنّ قناعته اليقينية أن ملح الطعام يسبِّب له متاعب لا حصر لها تمنعه من تناول ملح الطعام، هذا على المستوى الصحي، فإذا كان جاهلاً، ولم يعرف خطورة هذه المادة, وأثرها في رفع الضغط، وفي حبس السوائل في الجسم، وفي إرهاق القلب، تناول من الملح بشكل يرضي ذوقه، يقول لك: هذا الطعام لا يؤكل، أَضِفْ إليه الملح حتى نستسيغ طعامه, إذاً: العقيدة لها علاقة بالسلوك، وكلما ارتقى مستوى اليقين كلما سما العمل، ولا يمكن لإنسان أن يستقيم على أمر الله إلا إذا صحت عقيدته، فإذا لم تصح فهو يقترف من الآثام، ويقتنص من الشهوات، وينغمس في الملذات، لأن عقيدته غير سليمة.
 إذا اعتقد الإنسان أن هذه الصلاة لا لزوم لها، إنها حركات لا معنى لها، وإنها عبء على الإنسان، فهذا كفر, وقد يترك المرء الصلاة إنكاراً لحقها فيكفر، وقد يتركها تهاوناً فيفسق، فالمعتقد شيء مهم جداً.
 إذا اعتقدت أنه لا بد من أكل الربا، هكذا الحياة، هذا المال لا ينبغي أن يبقى مجمداً، ولا بد من أن يُستثمَر بربح مضمون، من دون قلق، ولا بد مِن وضعه، واستثماره بفائدة عالية، إذا اعتقدت بأن الربا حلال فقد كفرت, أما إذا اعتقدت بأن الربا حرام فهذا فسق، والفرق بين الكفر والفسق فرقٌ بين صحة العقيدة، وبين زيغ العقيدة.

عقيدة المؤمن راسخة في إيمانه باليوم الآخر وأي شبهة تعتريه مرجعه القرآن:

 المسلم يعلن دائماً, أنه يؤمن باليوم الآخر، ولا ينكر شيئاً من أحوال الآخرة وحقائقها التي جاء الإخبار عنها بطريق خبر يقيني صادق، فلا ينقص منها شيئاً، فإذا قرأ الإنسان في كتاب أن الإنسان أصله قرد، وأن هذا الذي جاء في كتاب الله ليس صحيحاً، حيث إنّ الإنسان أصله من آدم، الذي كان في الجنة مع حواء، و هبطا منها، هذه القصة التي وردت في القرآن الكريم، إذا اعتقد أنها غير صحيحة، وقع في الكفر، إذًا ما موقفه من هذه النظرية؟ لا بد أنْ يأخذ منها موقفاً واضحاً، يجب أن يدحضها بالدليل العقلي والنقلي، أمّا أنْ يبقى في ذهنه صحة هذه النظرية, وصحة هذه السورة التي وردت فيها قصة سيدنا آدم فهذا مستحيل, وجمعٌ بين النقيضين, فلا بد أن يأخذ موقفاً عقائدياً صحيحاً، إما أن يؤمن بالله، وكتبه، وفي مقدمة كتبه القرآن الكريم، وإما أن يعد في عقيدته زائغاً وكافراً.
 إذاً: فلا ينقص منها شيئاً، ولا يزيد عليها شيئاً من محض الخيال والتصور، لأنها مِن أمور الغيب، التي لا يستطيع العقل أن يعرف عنه أية صورة، وهذا شيء أُلح عليه كثيراً, أمور الغيب، عالم الأزل، وعالم الأبد، عالم الموت، عالم البرزخ، عالم البعث، عالم النشور، عالم الجنة، عالم النار، عالم الملائكة، عالم الجن، هذه الأشياء المغيبة عنّا، لا سبيل للعقل لمعرفتها عن طريق الاستدلال، بل لا بد من الاستسلام لِما جاء مِن الأخبار عنها، وهذه عقيدة المؤمن الصحيحة، يجب أن يكون إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، أمّا الذي أخبرك الله عنه، فالإيمان به إيمان تصديقي.

أسماء يوم الآخر كما وردت في الكتاب:

1- أسماء بحسب الظرف الزماني:

  لليوم الآخر أسماء كثيرة وردت في كتاب الله، وهناك فروق في دلالاتها، فلقد جاء في القرآن الكريم تسمية اليوم الآخر بعدة أسماء، أخذاً بما يجري فيه، ومن أسمائه:
  1- يوم البعث: لأن فيه البعث إلى الحياة الجسدية بعد الموت، ويوم البعث إشارة إلى أن الإنسان يُبْعَث بعد أن يموت.
  2- يوم الخروج: لأن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة الأخرى، قال تعالى:

﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾

(سورة ق الآية:42)

 3- يوم القيامة: لأن فيه قيام الناس إلى الله سبحانه وتعالى لحسابهم.
 4- يوم الدين: لأن فيه إدانة الخلائق، ومجازاتهم على أعمالهم.
 5- يوم الفصل: لأنّ الناس في الدنيا يعيشون على حدِّ قول الشاعر:

 

وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى   وليلى لا تقر لهم بذاكا

 

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

(سورة المؤمنون الآية:53)

 كل الناس يعتقدون أنهم على حق، وأن غيرهم على الباطل, فيأتي يومُ الفصل ليفصل في هذا الموضوع, لأن فيه الفصل بين الناس بالعدل.
 6- يوم الحشر، ويوم الجمع: لأن فيه جمع الخلائق، وحشرهم في موقف الحساب.
 7- يوم الحساب: لأن فيه محاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا.
 8- يوم الوعيد: لأن فيه تحقيقاً لوعيد الله سبحانه وتعالى, قال الله:

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾

(سورة ق الآية:20)

 9- يوم الحسرة: لأن في هذا اليوم ينفطر قلب الكافر حسرةً, قال الله:

 

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾

 

 

(سورة الزُمر الآية:56)

 10- يوم الخلود: لأن الحياة في هذا اليوم للمكلفين في الدنيا حياة أبدية خالدة، والإنسان في الدنيا يخشى تقدم السن، ومع تقدم السن يخشى الموت، ويخشى أن تمضي به الدنيا، فيغادرها قبل أن يستمتع فيها، يخاف أن يشيب شعره، فيحرص على شبابه الدائم، أما هذا الشعور فهو يوم القيامة غير موجود في الجنة، لا تقدم في السن، ولا ضعف في الجسم، ولا ضعف في البصر، ولا فقد للذاكرة، ولا خوف من الموت، ولا خوف من النهاية, قال الله:

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾

(سورة ق الآية:34)

 إلى غير ذلك من الأسماء.
 والملاحظ, كل هذه الأسماء مُضافة إلى كلمة يوم، أخذاً مِن الظرف الزماني.

2- أسماء بحسب الظرف المكاني:

 وقد جاءت أسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار، أخذاً من الظرف المكاني، المستلزم لهذه الحياة الثانية, ومن هذه الأسماء:
 1- الدار الآخرة: لأن هذه الحياة الثانية حياة مادية أيضاً، تستلزم مكاناً، وقد أطلق الله على مكانها اسم الدار.
 2- دار القرار: هنا يستقر الإنسان، الإنسان في الدنيا يغنى ويفتقر، يرتفع وينخفص، يصح ويمرض، لكنه في الآخرة يستقر على حال واحدة، لأن فيها استقراراً دائماً بلا فناء.
 3- دار الخلد: لأن الإقامة فيها إقامة أبدية، لا تحتاج إلى تجديد إقامة، كما إذا كان الإنسان في بلد، أعماله فيه رائجة جداً، ودخله كبير، لكنه أجنبي عن هذا البلد، أهم شيء في حياته الإقامة، إذا قام بتجديدها يصبح عنده قلق مستمر، لكنه إذا دخل إلى الجنة فلا يحتاج في الجنة إلى تجديد إقامة، ولا يخشى أن تُلغى إقامته فيها, قال الله:

﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾

(سورة الحِجر الآية:48)

3- أسماء لها معاني أخرى:

  كما وردت أسماء أخرى لليوم الآخر, يلاحظُ فيها معاني أخرى, وهي:
 1- الواقعة مثلاً, قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾

(سورة الواقعة الآية:1)

 سميت واقعة أخذاً من تحقق وقوعها، فلا بد أن تقع, قل تعالى:

 

﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

 

(سورة الواقعة الآسية:1-3)

  قد يصبح الإنسان في الآخرة في أعلى عليين، وقد كان في الدنيا مغموراً، وقد يصبح الإنسان في الآخرة في أسفل السافلين، وقد كان في الدنيا مشهوراً.
 2- الحاقّة: لأنها تحق كل مجادل، ومخاصم في دين الله بالباطل، أي تغلبه أخذاً من قولهم: حاققته فحققته، أي غالبته فغلبته, قال الله:

﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾

(سورة الحاقة الآية:1-4)

 الإنسان أحياناً يخاصم، ويجادل، ويدعي المنطق، لكنه يوم القيامة تأتيه الحجة الدامغة، على أنّ الذي وَعَدَ الله به حق، قال الله:

﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾

(سورة يس الآية:52)

 3- القارعة: أخذاً مما يجري فيها من قرع شديد، والقرع هو الضرب الذي يحصل فيه صوت شديد، وسميت القارعة: لأنها تقرع القلوب بأهوالها.
  لو طرق باب إنسان الساعة الثانية ليلاً بعنف بالغ، أعتقد أن قلبه سينخلع، يقول: من جاء ليأخذني؟ قال الله:

﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾

(سورة القارعة الآية: 1-3)

 4- الغاشية: أخذاً مما يجري فيها من غشيان عام للثقلين، الإنس والجن، قد يتلقى الإنسان نبأ سيء، فينسى كل أموره العادية، ويكون عنده قائمة مشكلات يريد حلها، يأتيه خبر سيء فينسيه كل شيء، قال عز وجل:

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ﴾

(سورة الغاشية الآية:1-5)

 لو نزل رجل في فندق، فلم تعجبه الغرفة، وهو يبحث مع صاحب الفندق لينتقل إلى غرفة أجمل مطلة على البحر، وهو كذلك إذْ تأتيه مكالمة هاتفية أن محله قد احترق، فهل يبقى مع هذا النبأ مشكلة الغرفة؟ فوراً ينساها.
 5- الطامّة: وأصل الطامة الداهية التي تغلب، وتفوق ما سواها من الدواهي، من قولهم: طم الشيء أي غمره، وسميت القيامة الطامة لما فيها من الشمول والعلية.
 6- الآزفة، قال سبحانه:

﴿أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾

(سورة النجم الآية:57-58)

 الآزفة: أي القريبة، وسميت بذلك إشعاراً بقربها بالنسبة إلى عمر الدنيا الطويل، وإعلان قربها يتضمن تحقق وقوعها لزوماً، إلى غير ذلك من أسماء.

عنوان الدرس القادم إن شاء الله:

  وسوف ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى مقدمات اليوم الآخر، أولاً: الساعة، آثارها في الكون، وقتها، قيام الساعة، أمارات الساعة، وننتقل بعدها إلى البرزخ، وما فيه من نعيم القبر وعذابه، وبعدئذ إلى سؤال القبر من قبل الملكين، وبعدها النفخة الأولى، والنفخة الثانية، وبعدها بعض الحقائق عن البعث واليوم الآخر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018