بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 55 - الإيمان باليوم الآخر 11


1987-11-22

  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تتمة مراحل الإيمان باليوم الآخر:

7- الصراط والحكمة منه:

  أيها الأخوة, تحدثنا في الدرس الماضي عن العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، واليوم نتحدث عن الصراط, بعد موقف الحساب هناك مرور على الصراط، وهو طريق على متن جهنم، يسلكه الناس، فالمؤمنون يجتازونه إلى جنة الخلد بسرعة, بحسب مقدار تفاوت الإيمان والأعمال الصالحة، وأهل النار تجذبهم كلاليب جهنم فيسقطون فيها.
  لكن الحكمة من الصراط, أن أهل الجنة مما يزيد سعادتهم في الجنة أنهم نجوا من العذاب الأليم الذي كانوا سيقعون فيه، لو لم يسلكوا سبيل الحق في الدنيا، فلو أن إنساناً في الدنيا دُعي إلى معصية فأبى، ثم رأى مصير الذي لبى المعصية، يزيد سعادتَه أنه رأى مغبة الأعمال السيئة، فمما يزيد سعادة الإنسان في الآخرة أيضاً, أن يرى الذين تنكبوا الصراط المستقيم في الدنيا سوف يُعذبون عذاباً أليماً، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

( سورة الفاتحة الآية:6-7)

  دائماً يجب أن تلحظ، وأنت في الدنيا، في كل حركة، في كل سكنة، في كل تصرف، في كل سلوك، في كل نشاط، الصراط المستقيم الذي نهجه الله لنا:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

( سورة الأنعام الآية:153)

  الإنسان قد تضيق به الدنيا، الصراط المستقيم في حقِّه, أن يصبر، وأن يتحمّل، الإنسان جاءه المال، ما الصراط المستقيم في حقه؟ أن ينفقه على كل محتاج، ومسكين، وأن يشكر الله، ففي كل موقف هناك طريق سنّه النبي عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن يسير على خط مستقيم، يسير على منهج حكيم، يسير على سنة نبوية، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة.

8- الجزاء:

  أما المرحلة الأخيرة، التي يتم فيها الثواب الأكبر، والعقاب الأكبر, فقد جعل الله لها دارين: داراً للنعيم، واسمها الجنة، وداراً للعذاب، اسمها النار, وقد أخبرنا الله جلّ وعلا بأن الجنة في الآخرة, هي مأوى المؤمنين والمسلمين، وأنها مراتب ودرجات:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾

(سورة الأنعام الآية:132)

  في الجنة درجات بعدد المؤمنين، كلٍ منا له درجة.

 

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

( سورة القمر الآية:54-55)

  تتناسب مع مستوى الإيمان، والمعرفة، والخشية، والعمل الصالح، الذي قدمه مستحقها في الحياة الدنيا، كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن النار في الآخرة, هي مأوى الكافرين، والمستكبرين عن طاعته وعبادته، وأنها منازل ودركات، لا نقول درجات، فالدرجات في الجنة، والدركات في النار، وأنها دركات تتناسب مع مستوى الإجرام والمعصية، والله سبحانه وتعالى يخبرنا أيضاً بأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد أشار القرآن الكريم, وأخبر الرسول الكريم بأن المؤمنين العصاة، إن لم يشملهم عفو الله، فإنهم يدخلون النار لتعذيبهم فيها بمقدار معاصيهم، ثم يخرجون منها إلى الجنة بفضل الإيمان بالله الذي كان في قلوبهم, قال تعالى مبيناً عذاب النار، ونعيم الجنة في سورة هود:

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

( سورة هود الآية:106-107)

  هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, ربنا سبحانه وتعالى أعلم بهم، فإن لم يشملهم عفوه, فإنهم يذوقون النار حقباً من الزمن، وبعدها يدخلون الجنة، يا ترى مليون سنة، مليونين، خمسة ملايين، قال تعالى:

﴿إلا ما شاء ربك ﴾

( سورة هود الآية: 107)

  بفضل إيمانهم السابق، وعملهم الطيب.
  لذلك النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال:

" ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط "

( ورد في الأثر)

  المخلّط هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وعامة المسلمين مخلطون، مؤمن، مسلم، مستقيم، ويعصي الله، يقول لك: الله يعفو عنا، الله يتغمدنا برحمته، نحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، واللهُ عزّ وجل يتولانا, هذا كلام لطيف، لكنه دليل أنه ليس مستقيماً، نفسه غالبة عليه، " قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: عظني، وأوجز يا رسول الله, قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال له: أريد أخفّ منها، إذًا: فاستعد للبلاء ".
  قال تعالى:

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

(سورة هود الآية:108)

 

ما معنى هذه الآية ؟

  هنا سؤال كبير، ما معنى قوله تعالى:

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾

( سورة هود الآية:108)

  هذه الآية, تعني أن أهل الجنة استحقوا الجنة بفضل الله عزّ وجل، وأنهم في الجنة لا بحكم عملهم في الدنيا فقط، بل برحمة الله عزّ وجل.
  إنّ مشيئة الله لا تحد، لكن الله عزّ وجل أخبرنا في آيات أخرى أنهم ليسوا منها بمخرجين، هذا مبدأ ثابت. من دخل الجنة فلن يخرج منها. ليس معنى هذا أنه استحقها بعمله، ولم يخرج منها ما دام عمله طيباً، لا، استحقها برحمة الله، وقد فصلتُ هذا أيضاً في درس سابق أنّ جهنم يستحقها أهلُها بمحض العدل، بينما الجنة يستحقها أهلُها بمحض الفضل.

أدلة أهل العلم على أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار:

  وفي الاستدلال القرآني على خروج عصاة المؤمنين من النار، استدل أهل العلم بقوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

(سورة الزلزلة الآية:7-8)

  قالوا: الإيمان خير، فلا بد أن يلاقي الأجر عليه, قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾

 

( سورة الزلزلة الآية:7)

  رجل آمن، صلى، لكنه ارتكب معصية، المعصية يُعذب وفقها في النار، لكن الإيمان بالله لا بد مِن أن يناله خيره في الآخرة, فلا بد أن يلاقي الأجر عليه، ويجب أن يكون ذلك بعد تطهيره بالعذاب، لأنه إذا أثيب على إيمانه قبل دخول النار فلا يكون ذلك إلا بدخول الجنة، لكنه إذا دخل الجنة امتنع أن يخرج منها، لقوله تعالى:

﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾

(سورة الحِجر الآية:48)

  لذلك, فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، يعذب أولاً، ثم يدخل الجنة، ولا يبقى فيها إلى أبد الآبدين، لأن المبدأ الأساسي:

﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾

( سورة الحجر الآية:48)

  ويشهد لهذا الاستدلال القرآني أحاديث كثيرة, تبين خروج العصاة المؤمنين من عذاب النار، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ وَلا يَدْخُلُ النَّارَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ "

( ورد في الأثر)

 

الجنة والنار وما جاء في وصفهما:

  وفي القرآن الكريم والسنّة المطهرة جملة من أوصاف الجنة والنار، يطول الحديث عنها، ولا تخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة، وهي في جملتها تثبت أن في الجنة أنواعاً لا تحصى من النعيم المادي والروحاني، وأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن عرضها كعرض السموات والأرض، أعدت للمتقين، وأن فيها الفردوس الأعلى المعد لأكرم الخلق عند الله، إلى غير ذلك من أمور كثيرة.
  المعلومات كلها مِن اليقين الإخباري، الذي أخبرنا الله عنه، فنؤمن به وكفى، وأن في النار أنواعاً رهيبة من العذاب المادي والروحاني، قال عز وجل:

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾

( سورة المؤمنون الآية:104)

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾

( سورة النساء الآية:56)

  وأنها دركات ووديان، بعضها أشد عذاباً من بعض، وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، إلى غير ذلك من أمور، نعوذ بالله أن نكون من أهلها.

أنواع الشفاعة في الدنيا:

1- شفاعة حي لحي:

  ثم هناك موضوع دقيق، وهو موضوع الشفاعة التي وردت فيها بعض الآيات، وبعض الأحاديث الصحيحة، ويدخل ضمن قاعدة:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾

(سورة النساء الآية:48)

  فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه، أو أن ينزل خيراً على عبد من عبيده، أو أن يدفع عنه ضراً، أو أن يغفر له من خطيئاته، سواء أكان ذلك في الحياة الدنيا من حيّ لميت، أو كان ذلك يوم القيامة، ودعاء الأخ لأخيه نوعٌ من الشفاعة فيه عند الله، فلا مانع من أن يمنح الله فضله لعبدٍ من عباده، إكراماً لشفاعة يوجهها عبد آخر مقربٌ عنده، أشرح لكم ذلك فيما يلي.
  ربنا سبحانه وتعالى ـ كمبدأ عام ـ يمكن أن يقبل دعاء إنسان في حق إنسان، وأسرع الدعاء إجابة دعاء أخ بظهر الغيب، وهو أحد أنواع الشفاعة، فالشفاعة في الدنيا وفي الآخرة, في الدنيا من حيّ لحي، أو من حيّ إلى ميت، وفي الآخرة بين المؤمنين.

2- شفاعة الحي للميت:

  ربى إنسان ابناً صالحاً، فهذا الابن بعد موت أبيه دعا إلى الله، وأحسن للناس، صار خيرُه عميماً، كل هذه الخيرات في صحيفة الأب، فكأن هذا الابن شفع لهذا الأب، بمعنى أنّ الأب ربّى هذا الابن ومات، أعمال هذا الابن الطيبة في صحيفة الذي ربّاه.
  مشى شخص في جنازة، فاتعظ بها أشد الموعظة، واستقام من فوره على أمر الله، واستقامته كانت بسبب هذا الميت، فكأن هذا الذي سار في الجنازة شفع لهذا الميت، وهذه شفاعة حي لميت، قرأت القرآن على روح فلان، فتأثرت بهذه الآية، واستفدت منها، وطبقتها، وسعدت بها, مَن كان السبب؟ إنه الميت، إذًا: فهي شفاعة حيّ لميت.

3- شفاعة المؤمن للمؤمن وأعظمها بركة شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام:

  أنك إذا لا زمت أخاً مؤمناً، فقد تستفيد من علمه، وقد تستفيد من خُلُقه، وقد تستفيد من أحواله، وقد تستفيد من إقباله، وقد تستفيد من ورعه، وقد تتعلم منه، وقد تتخلق بأخلاقه، وقد ترقى به، وقد تنجو من عذاب النار بدعوته، فهذا نوع من أنواع الشفاعة في الدنيا.
  شخص جالس تاجرًا, فعلمه أصول التجارة، وعلمه أصول البيع، وكيف يسجل الحسابات؟ وكيف يسوق البضاعة؟ وكيف يكون لطيفاً مع الزبائن؟ طبقت الإرشادات فصرت تاجراً كبيراً، معنى هذا أن هذا التاجر الأول شفع في هذا التاجر الثاني.
  هذا معنى لطيف جداً، فأنت في الدنيا إذا جالست أهل الحق شفعوا لك، بمعنى أنهم نهضوا بك بعلمهم، وأحوالهم, وأخلاقهم، وإقبالهم، والمؤمن يشفع للمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام في حياته شفع لكل أصحابه، بمعنى أنه علمهم، وأدبهم، وأرشدهم، وأسعدهم، وأكرمهم، هذا المعنى واسع جداً للشفاعة، فكل إنسان مدعو أن يلازم أهل الحق, قال تعالى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾

( سورة النساء الآية:85)

  إذا صاحبك أخ، صاحبك صديق، صاحبك جار، فدللته على الله، ودعوته للتفكر في آلاء الله، دعوته لحضور مجالس العلم، دعوته للعمل الصالح، دعوته لغض بصره، دعوته لإقامة الإسلام في بيته، فصدق دعوتك، واستجاب لك، فسعد بهذه الدعوة، فأنت شفعت له، وقد قال عز وجل:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

( سورة النساء الآية: 85)

  كل أعمال أخيك في الدنيا، التي فعلها هي استجابة لك، وفي صحيفتك, هذا في الدنيا قبل الآخرة.

أنواع الشفاعة في الآخرة:

1- المشرك لا يدخل في موضوع شفاعة النبي بينما الموحد يدخل فيها:

  أحياناً الله يكرم عزّ وجل إنسانًا، يقبل بدعائه شفاعته لإنسان، أما المشكلة فهي أن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لا يستحقها إلا من مات لا يشرك بالله، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 19)

  فإذا مات الإنسانُ مشركاً، فإن الله عزّ وجل يقول:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾

 

( سورة النساء الآية: 48)

  الآية واضحة، فالذي يموت مشركاً لا يستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام, والذي يموت موحداً يستحقق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وفق شروط سوف تأتي بالتفصيل.
  لو فرضنا أن أباً أراد أن يعطي ابنه مبلغاً من المال، والأب كله حكمة وعلم، فجعل هذا المبلغ عن طريق الأم تمتيناً للعلاقة بينها، وبين ابنها, فهؤلاء استحقوا الجنة، لأنهم ماتوا غير مشركين بالله، فربنا سبحانه وتعالى يجعل هذا العطاء عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً لهذا النبي العظيم يجعل بعض العطاءات عن طريقه للمؤمنين.

الشفاعة السيئة:

  شخص دل إنساناً على طريق الانحراف، دله على كسب الحرام، أقنعه بقبول مال غير مشروع، أقنعه ببعض الملذات المحرمة، فأفسده, فسقط في هاوية المعاصي، هذه شفاعة لكن من نوع آخر، للأول يتحمل كل الوزر الذي فعله الثاني, قال تعالى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾

( سورة النساء الآية: 85)

  كل هذا يتم بإذن الله, لقوله تعالى:

 

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 255)

  لا يستطيع إنسان أن يصيب خيره إنساناً آخر إلا بإذن الله، ولا يستطيع إنسان آخر أن يصيب شره إنساناً آخر إلا بإذن الله، فالشفاعة من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.

شروط الشفاعة:

1- الشفاعة تدخل في باب فضل الله:

  شيء آخر في الشفاعة, هو أنّ قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله سبحانه وتعالى لا حجر عليه في فضله، يختص برحمته من يشاء,

" دخل رجل مِن الأعراب على النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، ويبدو أنه عمل عملاً غير لائقٍ، فأصحاب النبي الكريم حدقوا فيه النظر، فخاف، فوسعه النبي عليه الصلاة والسلام، أي أكرمه، ففرح، وقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أخي لقد حجرت واسعاً، رحمة الله واسعة "

( ورد في الأثر)

  فالشفاعة تدخل في باب الفضل, إن كل آية في القرآن تنفي الشفاعة لمن أشرك بالله, قال تعالى:

 

﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾

 

(سورة المدثر الآية: 48)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

( سورة البقرة الآية: 254)

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾

( سورة النساء الآية: 48)

 

2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به:

  القاعدة الثانية: لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، ووربوبيته, قال سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

( سورة البقرة الآية:254)

  إذا نفيت الشفاعة, فلأن الذين رفضت الشفاعة فيهم ماتوا مشركين بالله عزّ وجل، جاحدين لفضله، كافرين به، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
  في بعض الأحاديث, أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة ينظر فيرى بعضاّ من أمته يساقون إلى النار، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

" فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَقِيلَ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ قَالَ فَأَقُولُ بُعْدًا بُعْدًا أَوْ قَالَ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي "

( ورد في الأثر)

  أن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ:

" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "

( ورد في الأثر)

  نخلص من ذلك كله بقانون، حينما تُنفى الشفاعة فلأن الذي رُفضت في حقّه هو مشرك، فإذا قبلت الشفاعة فلأن الذي قبلت بحقه مات موحداً، غيرَ مشرك, فأمر شفاعة الغفران عن الشرك به لا مطمحَ فيه, لقوله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾

 

( سورة النساء الآية: 48)

  وقد أعلن الله عن عدم قبول الشفاعة إذا كانت من هذا القبيل في عدة آيات, منها قوله تعالى:

 

﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾

 

( سورة غافر الآية:18)

3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أمر منوط بمشيئة الله:

  الشيء الثالث في الشفاعة: أن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أو جحوده أمر منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قَبِلَها، وإنْ شاء رَفَضَها, قال تعالى:

﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة المائدة الآية:118)

  الذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً, هؤلاء متروكون إلى رحمة الله، إما أن يقبل فيهم الشفاعة، أو لا يقبل لحكمة بالغة هو يعلمها، قال تعالى:

﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾

( سورة مريم الآية: 86-87)

  والشفاعة كما قلنا قبل قليل محضُ فضل:

 

﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾

 

( سورة مريم الآية:87)

  أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء مِن عنده، فإنه قد يناله فضل من الله بقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم.

 4- لا تقبل الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن:

  رابعاً: الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممّن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى:

﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾

(سورة طه الآية: 109)

  فإن شفاعته قد تنفع إذا شاء واستجاب، هناك إنسان يستحق الشفاعة، وهناك إنسان تُقبَل شفاعته.
  هؤلاء الذين تُطلب الشفاعة لهم يجب أن يتخذوا في الدنيا عند الرحمن عهداً، بمعرفتهم الله، واستقامتهم على أمره، وطاعتهم له، وتوحيدهم إياه، وشكرهم على نعمه, قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾

( سورة مريم الآية: 87)

  فعندنا المشفع به والمشفع, قال تعالى:

 

﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾

 

( سورة النجم الآية: 26)

 

ملخص بحث الشفاعة:

  فالموضوع في مجمله, أنّ الشفاعة بمعناها العام تعني، إن لا زمت مؤمناً، صاحبته، استمعت إلى أقواله، طبقت دلالته، عملت بتوجيهاته، استفدت من أخلاقه، سموت بدعوته، معنى ذلك أنه شفع لك في الدنيا، أيْ أعطاك كل خبراته، وكل أحواله، وكل علمه, هذه شفاعة حيّ لحيّ في الدنيا، وأعظم شفاعة شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان بين أظهر الناس، تعلموا من أخلاقه، من أحواله، من إقباله، من ورعه، من حلمه، من عفوه، من كرمه, وشفاعة حي لميت، أن تعمل عملاً صالحاً، فكان هو السبب فيه، فقد شفع هذا الحي لذاك الميت.
  أما في الآخرة، فمعنى الشفاعة أن الله عزّ وجل يعطي عباده عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام إكراماً لنبيه عليه الصلاة والسلام، ثم إن الشفاعة لها قوانين:
1- إنها تدخل في باب الفضل.
2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك بالله.
3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله منوط بمشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء قبلها، وإن شاء رفضها.
4- الشفاعة يـوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً.
  الآيات والأحاديث حول هذا الموضوع كثيرة، نرجو الله تعالى أن يوفقنا إلـى معالجة الموضوع بشكل موسع في وقت آخر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018