بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 59 - المكفرات


1987-12-20

  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من أنكر شيئاً من مسلمات الدين فقد كفر:

  أيها الأخوة, وصلنا في موضوعات العقيدة إلى موضوع دقيق، هو موضوع المكفرات، لأن المسلمين فيما بينهم قد يقعون في منزلق خطير، وهو أن الذي يخالفهم يكفرونه، فالتكفير شيء خطير جداً، فمن كفر مسلماً فقد كفر.
  لذلك يجب أن نعلم ما هي حدود الكفر؟ وما هي حدود الإيمان؟ وقبل الخوض في هذا الموضوع، لا بد من تقديم قصير، وقد شرحنا سابقاً أن الإسلام هو انقياد كلي للشريعة الإلهية، فالذي ينقاد بجوارحه، وحواسه، وكل حركاته، وسكناته، ويؤدي العبادات، ويطبق المنهج الرباني، هذا يسمى مسلماً، لأنه استسلم لهذا الشرع الحنيف، فإذا خرج عن هذا المنهج يُسمى فاسقاً، لأن فسق بمعنى خرج، أما الإيمان فشيء آخر، الإيمان تصديق أولاً، وإقبال على الله ثانياً، فحينما ينكر الإنسان أحد مسلمات العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة فقد كفر، لذلك فإن الكفر كما تعلمون نقيض الإيمان، والكفر إذاً: هو عدم التصديق، ولو بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع، والشيء الذي وصل إلينا بطريق يقيني قاطع، هذا إذا أنكرناه فقد كفرنا.
  الإمام الرازي في تفسيره الكبير يقول: الكفر هو عدم تصديق الرسول بشيء مما عُلم بالضرورة مجيئه به، أقول هذا الكلام مراراً، هناك مجموعة من العقائد يجب أن تُعلم بالضرورة، فالاعتقاد بها إيمان، وإنكارها كفران، والكفر هو إنكار عقيدة وصلت إلينا بطريق قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فالإيمان لا يتم إلا بالتصديق بجميع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن جميع أركانه مع فروعها وِحْدة متماسكة تماسكاً تاماً، والإسلام كل لا يتجزأ، فيجب أن تؤمن بكل عقائد الإسلام إيماناً تاماً، فلو اختل شيء من هذه العقائد، ولم تؤمن به، بل أنكرته فهذا نوع من أنواع الكفر.

دليل القرآن على من أنكر شيئاً من العقائد مما علم بالضرورة فقد كفر:

  ما الدليل على ذلك؟ الدليل قول الله عزّ وجل مخاطباً اليهود في سورة البقرة:

﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

(سورة البقرة الآية: 85)

  إذاً: مجموعة العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة تصديقها إيمان، وإنكارها كفران، وإنكار بعضها كفران، فالذي ينكر فريضة الصلوات الخمس، فهذا كافر، ومن ترك الصلاة تهاوناً لا يسمى كافراً، لكنه من أنكر فرضيتها، وقال: لِمَ الصلاة؟ ما فائدتها؟ هذه لا جدوى منها، من قال كذلك: فقد كفر، أو أنكر شيئاً من القرآن الكريم الثابت بالتواتر، أو اعتقد إباحة الزنا، وقد حرمه الله عزّ وجل، أو اعتقد إباحة الخمر، وقد حرمها الله عزّ وجل.

النقيضان لا يجتمعان:

  هناك موضوع دقيق، هو من آمن بشيء فقد كفر بنقيضه، والشيئان النقيضان يعنيان أن أحدهما ينقض وجود الآخر، فالضوء ينقض الظلمة، والظلمة تنقض الضوء، إثبات الظلمة ينكر وجود الضوء، وإثبات الضوء ينكر وجود الظلمة، فالضوء والظلمة شيئان متناقضان، والإيمان والكفر شيئان متناقضان، فمن آمن بشيء فهو كافر بنقيضه، ومن كفر بشيء فهو مؤمن بنقيضه، هذه قاعدة مسلم بها، دليلها مِن كتاب الله، قول الله عزّ وجل:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

(سورة البقرة الآية: 256)

  فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

" مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

(أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة والحسن في مسنده)

  الذي أُنزل على محمد هذا القرآن، وكل ما في القرآن يؤكد أنه لا إله إلا الله، فإذا اعتقدت أن الكاهن يعلم الغيب فهذا كفر، قال الله تعالى:

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

(سورة الأنعام الآية: 59)

﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

( سورة الكهف الآية: 26)

  إذاً: الإيمان بالشيء يقتضي الكفر بنقيضه.

بحث المكفرات مأخوذ من أصول هذا الحديث:

  المكفرات لها أصول، هذه الأصول مأخوذة من حديثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

" الإسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالإيمَانُ فِي الْقَلْبِ قَالَ ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا "

(أخرجه الإمام أحمد عن أنس في مسنده)

  نحن كبشر عاجزون عن أن نعلم ما في القلوب، فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، ونحن البشر نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والحديث الشريف الشهير في هذا الموضوع معروف،

" حينما عاتب النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه الكرام في بعض المعارك، حيث قتل رجلاً، وقبل أن يقتل شهد أنه لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله، قالها: ليتقي القتل، فقال عليه الصلاة والسلام: " أشققت عن قلبه؟ "

( ورد في الأثر)

 

أنواع المكفرات:

1- المكفرات الاعتقادية:

  ما دام الإيمان شيئًا وقر في القلب، وأقر به اللسان، وصدقه العمل، فهناك المكفرات الاعتقادية، وهناك المكفرات القولية، وهناك المكفرات العملية، وهذا يعني أن هناك اعتقاداً يكفر صاحبه، وأن هناك قولاً يكفر صاحبه، وأن هناك عملاً يكفر صاحبه, فإنكار الخالق جلّ وعلا كفر ما بعده كفر، وهذا يسمى أيضاً إلحادًا، وهو إنكار وجود الخالق، وإنكار صفات الكمال فيه, قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180)

  من ينكر رحمته، أو حكمته، أو عدالته، أو لطفه، أو قدرته, فقد كفر، ومن أنكر وجوده, فقد كفر، ومن أنكر صفات الكمال فيه, فقد كفر، أو من وصفه بما هو منزه عنه, فقد كفر، ومَن قال: إنه غير محيط علماً بكل شيء, فقد كفر، ومن قال: إن الله لا يعلم ما سيكون, فقد كفر، و من نفى عنه كمال القدرة, أو كمال علمه، أو كمال عدله, فقد كفر، لذلك موضوع العقيدة أخطر موضوع في الدين، يجب أن تعلم علم اليقين ما ينبغي أن تعتقد به.
  من أنكر إرسال الأنبياء، أو بعث الرسل, فقد كفر، ومن كذبهم فيما نقلوا عن الله عزّ وجل, فقد كفر، ومن أنكر نبياً واحداً منهم, فقد كفر، ومن أنكر رسالة واحد منهم, فقد كفر أيضاً, ومن أنكر الأمور الغيبية التي نقلت لنا عن طريق الكتب السماوية القطعية الثبوت، القطعية الدلالة التي جاءتنا عن طريق التواتر, فقد كفر، فمن أنكر الملائكة, فقد كفر، لأن الله عزّ وجل في القرآن الكريم ذكر الملائكة، ومن أنكر الجنة, فقد كفر، ومن أنكر الكتب السماوية إجمالاً, فقد كفر، ومن أنكر بعض الكتب السماوية, فقد كفر, هذه بعض أنواع المكفرات الاعتقادية التي تتعلق بالإيمان بالله عزّ وجل، وبأسمائه الحسنى، وبأنبيائه، وبالغيبيات.
  أما ما يتعلق ببعض المكفرات بالأحكام الشرعية، من زعم أن الصلاة غير واجبة, فقد كفر، ومن أنكر تحريم المحرمات، وزعم أنها غير محرمة، كأنْ يزعم بعضهم أن الله عزّ وجل لم يحرم الخمر, فقد كفر, و من أنكر تحريم الزنا، أو أنكر تحريم الربا، أو عقوق الوالدين، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو القتل بغير الحق، أو اعتقد أن الزواج لا جدوى منه، والسفاح أفضل من الزواج, فهذا كافر.
  فأي شيء شرعه الله لنا بالدليل القاطع، ثم يزعم أحد إنكاره، فقد كفر, أصحاب الأهواء الشهوانيون الذين يعيشون للذاتهم، ولا يبالون كيفما اقتنصوا هذه اللذات، من طريق مشروع، أو من طريق محرم، هؤلاء بالنص الدقيق هم كفار.

2- المكفرات القولية:

  أما المكفرات القولية، من استهزأ بالدين، أو استهزأ بعقائده، أو سب الخالق جلّ وعلا مثلاً، وسب الرسل الكرام، وسب الكتب السماوية، وسب الدين، واعترض على عدالة الله عزّ وجل، واعترض على قضاء الله وقدره، هذا كله من المكفرات القولية، لكن هذه المكفرات القولية لا تكون مكفرات قولية إلا بشرط, أن تكون في حالة يؤاخذ فيها الرجل على إقراره، فلو كان مكرهاً، أو لو كان غائباً عن الوعي، فلا يكفر بهذه الأقوال، فلو كان كافراً أصلاً، وقال هذه الأقوال: فقد عبر عن كفره، ومن كان مسلماً، وقال مثل هذه الأقوال: فقد ارتد عن دينه، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "

(أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه)

" أحد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كان في وضع صعب جداً، بين أيدي كفار مكة، وهم يعذبونه، فأكرَهوه على أن ينطق بكلمة الكفر، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام, وأخبره الخبر خفَّف عنه، وقال: لا عليك فإن عادوا فعد "

( ورد في الأثر )

  ونزل قوله تعالى:

 

﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

 

( سورة النحل الآية: 106)

  إن الأعمال تعبر عما في القلوب، والأقوال تعبر عما في القلوب، وإذا عبرت عما في قلبك بلسانك فهذه كلها مكفرات، تمزيق المصحف, هذا من المكفرات، إلقاؤه في القاذورات، السجود لصنم، هذا من المكفرات، من أتى فعلاً من هذه الأفعال، وثبَت أنه غير معذور، ولا مضطر، ولا مُكره، وليس جاهلاً بهذا، فهذا ينسحب عليه حكم الكفر.
  يتضح من هذه المكفرات, أن الإنسان لا يكفر إلا إذا صرح، أو قال، أو عمل عملاً من لوازم الكفر، أما أن نحكم به ظناً، فهذا من الكبائر، تكفير المسلم من الكبائر، مسلم قائم بواجباته، قائم بعباداته، يؤدي ما عليه، لأنه اختلف معك في الرأي في الفروع، لا في الأصول تكفره, هذا من الكبائر.
  الإمام الذهبي في كتاب الكبائر, عد تكفير المسلمين من الكبائر، لذلك, فإن هذا الموضوع له هدف, أن يعلم ما المكفرات الاعتقادية؟ وما المكفرات القولية؟ وما المكفرات العملية؟ من أجل ألاّ تتورط في اتهام الناس بالكفر، حتى لو اتهمتهم بالكفر في نفسك وقعت في الكبائر، الغيبة في بعض حدودها غيبة القلب، إذا اعتقدت أن هذا الذي أمامك ليس مؤمناً من دون دليل قطعي, فهذا كفر، وهو من الكبائر.

 

أصناف أهل الكفر:

1- الكافرون الضالون:

  وقد صنف الكفار على أربعة أصناف:
  الصنف الأول: الكافرون الضالون، وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، لأنهم لا يعلمون وجوده في قلوبهم، وقد أشار كتاب الله عزّ وجل إلى هذا النوع في سورة الفاتحة فقال:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

(سورة الفاتحة الآية: 6-7)

﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾

(سورة الرعد الآية: 19)

2- الكافرون الجاحدون:

  الصنف الثاني: الكافرون الجاحدون, وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، مع أنهم يعلمون وجوده في قلوبهم، ككفر بعض كفار قريش، وكفر بعض اليهود الذين عرفوا أن النبي محمداً عليه الصلاة والسلام هو رسول الله، ومع ذلك أنكروا رسالته، الذي يعرف في قلبه، ويُنكر بلسانه, هذا كافر جاحد.

3- الكافرون المعاندون:

  الصنف الثالث: الكافرون المعاندون, وهم الذين يعرفون الله في قلوبهم، ويعترفون به بألسنتهم، قال تعالى:

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

(سورة لقمان الآية: 25)

  ومع ذلك فهم يعاندون في الإيمان برسله، واتباع شريعته، ويستكبرون عن عبادته، لأسباب كثيرة: منها الحسد والبغي، ومنها الكبر، ومنها الطمع، ومنها الرغبة في اتباع الشهوات، ونحو ذلك، وبعضهم قال:

ولقد علمت بأن دين محمد   من خير أديان البرية ديناً
لولا الملامة أو حذار مسبة   لوجدتني سمحاً بذاك يقيناً

  يخشى على مكانته، أو يخشى على مصالحه، أو يخشى على شهواته، فهؤلاء هم الكافرون المعاندون.

4- الكافرون المنافقون:

  الصنف الرابع: الكافرون المنافقون، الذين يتظاهرون بالاعتراف في ألسنتهم، وقلوبهم منكرة غير معترفة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، الإيمان درجات، والكفر دركات، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾

( سورة آل عمران الآية: 90)

  ولقد قرر القرآن الكريم أن الكفار غير المعذورين بكفرهم هم من أهل النار في الدار الآخرة، وأنهم مخلدون في العذاب، وأن الله لا يغفر لهم كفرهم، وإشراكهم به، بخلاف غيرهم من عصاة المؤمنين، فقد تشملهم رحمة الله بالعفو والمغفرة، كرماً منه وفضلاً إذا شاء الله ذلك, قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾

( سورة النساء الآية: 116)

  وقال الله تعالى في سورة آل عمران:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 91)

 

خطورة البحث وأهميته:

  هذا الموضوع أردت أن أقرره لكم لخطورته:
  أولاً: من أجل أن تعرف حدود الإيمان، وكيف أن الإنسان إذا خرج عن هذه الحدود فقد وقع في الكفران؟
  ثانياً: ومن أجل ألا تتورط في كبيرة، ألا وهي تكفير المسلمين المؤمنين الصادقين.
  بقي علينا في موضوع العقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018