بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 60 - الإيمان بالقضاء والقدر 1


1987-12-27

  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أهمية القضاء والقدر في حياة الإنسان:

  أيها الأخوة, قد أنهينا بفضل الله وكرمه في الدروس السابقة الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والكتاب، والنبيين، ووصلنا إلى الإيمان بالقضاء والقدر، والقضاء والقدر كما تعلمون ركن من أركان الإيمان، بل إن سلوكك في الحياة يبنى على نوع فهمك للقضاء والقدر، فإذا توهم الإنسان أنه مجبور على أفعاله، وأنه لا اختيار له, وأنه كريشة في مهب الريح، وأن كل شيء قد انتهى، إذا توهم الإنسان ذلك شلت قدرته، وقعد، واستسلم، وصار إنساناً سلبياً، ليس هذا الفهم حقيقة القضاء والقدر, وإذا ظن الإنسان متوهماً أنه يخلق عمله، وأن بإمكانه أن يفعل كـذا وكذا، علا في الأرض، وطغى، وبغى، كذلك هذا الفهم بعيد عن حقيقة القضاء والقدر
 لذلك الشيء المهم جداً، وهو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، أن تعرف حقيقة القضاء والقدر، هل أنت مخير بلا حدود؟ هل أنت مسير بلا شروط؟ كيف الحال؟ أرجو الله عزّ وجل أن يمكنني من توضيح بعض هذه الحقائق.

تعريف القضاء والقدر لغة:

 كلمة القضاء والقدر، كثيراً ما تدور على الألسنة، نتحدث عنها كثيراً، بادئ ذي بدء ماذا تعني كلمة القضاء والقدر؟ قال علماء اللغة: القضاء بالمد، يعني بالألف الممدودة، مصدر قضى يقضي قضاء، وهو في معناه اللغوي الجامع: إتمام الشيء قولاً كان، أو فعلاً، أو إرادة، أو غير ذلك, فمثال القضاء في القول, قول الله تعالى في سورة الإسراء:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

(سورة الإسراء الآية:23)

 خلاصة قول الله عزّ وجل: ألا تعبدوا إلاّ إياه، إتمام القول، هذا هو المعنى الأول اللغوي للقضاء، أي أتم الله سبحانه نهيه عن عبادة غيره، ومثال القضاء في الفعل، قوله تعالى في سورة فصلت:

﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

( سورة فصلت الآية: 12)

 يعني أتم خلقهن سبع سموات في يومين, ومثال القضاء في الإرادة قول الله عزّ وجل في سورة البقرة:

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

(سورة البقرة الآية: 117)

 فإذا تمت إرادته تعالى في تكوين أمر، فإنما يأمره بـ (كن)، أمر تخليق، فيكون ذلك المراد.
  أما معنى القدَر, بفتح الدال هو تبيين كمية الشيء، وهو مصدر قدر، يقدُر بضم الدال, وقدِر بكسر الدال, وهو تعيين كمية الشيء، من المقدار، وأما قدر على الشيء بمعنى ملك قوة التصرف بما يريد منه، فمصدره قُدرَةً، وقَدارةً، وقُدُورَةً.

تعريف القضاء والقدر شرعاً:

  القضاء عند علماء العقيدة: هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه في وجودها الحالي، أراد الله خلق الكون فكان، هذه إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه، أراد الله خلق الإنسان، فكان الإنسان، أراد الله خلق السموات والأرض، فكانت السموات والأرض.
  أما القدر: هو إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحدودة بالقضاء، أي التنفيذ، قضى الله أن يكون الإنسان ذا سمع، وبصر، وإرادة، وعقل، ونفس, فكان كما قدّر.
 والمعنى الآخر للقضاء والقدر، كما بينه علماء آخرون في العقيدة الإسلامية: القضاء هو الخلق الراجع إلى التكوين، والقدر هو التقدير، أي جعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده، ثم يكون وجوده.
 هذه التعاريف الشرعية للقضاء والقدر، تلتقي في مفهوم موحد ملخصه: القضاء والقدر إرادة الله أن يوجد الأشياء على وجه مخصوص، ثم إيجادها فعلاً على وفق المراد.
 قضى, بمعنى أراد أن يخلق الإنسان على وجه مخصوص، فقدر، فخلق الإنسان على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يخلق السموات والأرض على وجه مخصوص، فخلق السموات والأرض على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يكون الإنسان حراً، فكان الإنسان حراً، أراد أن يكون الإنسان ذا عقل، فكان الإنسان ذا عقل، أراد أن يكون الإنسان ذا شهوة، فكان الإنسان ذا شهوة، أراد أن يجمع الناس ليوم الحساب، فكان ذلك يوم الحساب.
  هذا أدق تعريف شرعي للقضاء والقدر، لهذا يجب الإيمان بالقضاء والقدر، يجب أن تعتقد بالقضاء والقدر، إذ هو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، ومن قصر في فهم القضاء والقدر، انعكس هذا التقصير خللاً، وانحرافاً على سلوكه.

الفهم المغلوط لموضوع القضاء والقدر يضل الإنسان عن الحق:

  شيء خطير، ربما كان تساهل الناس في المعاصي انعكاساً لفهمهم الخاطئ للقضاء والقدر، يعني أن يقول الإنسان الساذج: كاسات محدودة، في أماكن معدودة, لا تعترض فتنطرد، هذا فهم سقيم للقضاء والقدر، من هنا يتوهم الإنسان أن المعصية مقدرة عليه، شاء أم أبى، وأنه لا حيلة له في تجنبها، إذًا: يقعد, ولا يتوب، ولا يتحرك نحو الأفضل، ولا ينطلق إلى طاعة الله، ولا يسعى إلى كسب رضوانه، يقول لك: أنا لعله كُتب علي أن أكون شقياً، ولا حيلة لي في تغيير هذا القضاء والقدر، ربما كان انحراف الناس، وانغماسهم في المعاصي، وابتعادهم عن التوبة، وسيرهم في طريق هلاكهم، بسبب هذه العقيدة الزائغة التي ما أرادها الله عزّ وجل، والدليل قول الله تعالى:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

( سورة الأنعام الآية: 148)

 هذه عقيدة المشركين، عقيدة الجبر:

 

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له   إياك إياك أن تبتل بالماء

 

 سلبه حرية الإرادة، وجعله ريشة في مهب الرياح، وكتب عليه أن يعصيه، ثم سيحاسبه على هذه المعاصي، وسيجعله في جهنم أبد الآبدين، هذه العقيدة عقيدة الجبر، إنها عقيدة زائغة، إنها عقيدة ضالة.
 والزيغ الأخير من يعتقد أن الإنسان يخلق أفعاله، كعقيدة المعتزلة الضالة، وأن الإنسان فوضه الله، الجبريون يقولون: أكرهه الله وأجبره, والمعتزلة يقولون: أعطاه الله القدرة، أو فوضه، فالإنسان يخلق أفعاله, إذًا: سيطغى، وسيبغي، وسيعصي، وسيتجبر، وسيقول: أنا أخلق أفعالي، وهذه عقيدة لا تقل خطراً.
  لذلك الحق، كما قيل: وسط بين الطرفين، بين الجبر، وبين التفويض، بين أن ترى نفسك مجبراً على فعل أي شيء، وبين أن تظن أنك قادر على أن تفعل كل شيء, لا هذه، ولا تلك، الحق وسط بين طرفين.
 لذلك من هنا جاءت خطورة هذه العقيدة, يجب وجوباً عينياً أن تطلب العلم، أيها الأخوة ليس فرض كفاية، إياكم أن تظنوا أن طلب العلم، ولاسيما العلم الذي لا بد من أن تعلمه هو فرض كفاية، العلم الذي يجب أن تعلمه هو الحد الأدنى من العلم، الذي يقيك الزلل، والخلل، والانحراف، هذا العلم فرض عين، كن من شئت، كن طبيباً، كن تاجراً، أي إنسان يجب أن يطلب العلم، ليقي نفسه الزلل، والخلل، والخطأ.

 

وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:

  فالقضاء والقدر من أركان العقيدة الإسلامية،

" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "

(أخرجه مسلم عن عمر في الصحيح)

 وهذا بفضل الله وتوفيقه, أمضينا في الإيمان بالله تسعة وخمسين درساً، الإيمان بالله, أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.
  وعن عمر أيضاً رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" أخبرني عن الإيمَانُ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "

(أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان عن عمر)

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" الإيمان بالقدر نظام التوحيد "

(أخرجه الديلمي عن أبي هريرة)

 أنت توحد، تقول: لا إله إلا الله، لا حركة، ولا سكنة، ولا فعل، ولا قوة، ولا حدث، ولا رفع، ولا خفض، ولا إعطاء، ولا منع، ولا عز، ولا ذل إلا بالله، هذا هو التوحيد، نظام التوحيد القضاء والقدر،

" الإيمان بالقدر نظام التوحيد "

(أخرجه الديلمي عن أبي هريرة)

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال:

" الإيمان بالقدر يُذهب الهم والحزن "

( ورد في الأثر )

 هذا الذي وقع، لا بد من أن يقع، تعلقت إرادة الله أن يقع، إذن فلا بد أن يقع، ولو لم يقع لكان نقصاً في علم الله، وحكمته، وإرادته، إذا عرفت أن الذي بيده الأمر، له الأسماء الحسنى، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، غني، عادل، من بيده كل شيء، من بيده ملكوت السموات والأرض، من بيده الأمر كله، هذه العقيدة وحدها تُشفي من آلاف الأمراض النفسية, قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

(سورة هود الآية: 123)

 لذلك يقول الإمام علي كرّم الله وجهه: " لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً "، وقال علماء الأصول: إن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، أن ترضى بمكروه القضاء فهذا دليل معرفتك بالله عزّ وجل, وقال عليه الصلاة والسلام:

" لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ"

 

(أخرجه الترمذي في سننه)

موقف أهل السنة والجماعة من مسألة الاختيار والكسب:

  فإذا قلت: إن الإنسان ليس له إرادة، مسلوب الإرادة، ريشة في مهب الريح، علماً أن الإنسان مكلف, فهذا التكليف غير صحيح, كيف يصح التكليف والإنسان مجبر؟ كيف تحاسب إنساناً على فعل أجبرته أنت عليه؟ التكليف لا يصح، والاختيار لا يصح، وحمل الأمانة لا تصح إذا أجبرته, فإذا فوضته، ربما لا يكون الذي فوضته رحيماً، وقد يظلم الآخرين، إذا أعطيت إنساناً قوة كبيرة، وأطلقت يده، هذا قد يؤذي الآخرين، و قد يستطيل عليهم، ويعتدي عليهم، فالتفويض انحراف في العقيدة.
  الجبريون انحرفوا، فنفوا عن الإنسان إرادته الحرة، وكسبه للأفعال، واختياره، وتكليفه، والمعتزلة عزوا الفعل إلى الإنسان، ونسوا أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأفعال كلها، فقدْ وقف أهل السنة والجماعة موقفاً متوسطاً، فاختاروا الاحتمال الوسط، الذي ليس فيه شطط ولا انحراف، والذي لا يتنافى مع صحة التكليف، ومفهوم العدل والحكمة من جهة، كما لا يتنافى مع النصوص الشرعية من جهة أخرى، ووفقوا بين ذلك توفيقاً يقبله العقل، وتحتمله نصوص الشرع من دون تكلُّف.
 ملخص اعتقادهم, أن الإنسان مخلوق وهبه الله العقل، والإرادة الحرة، والقدرة المستعدة للتنفيذ في حدود الإمكان الموهوب له، ولكن عمل قدرة الإنسان في آثارها، إنما هو عمل الأسباب في مسبباتها، لا عمل المؤثرات الحقيقية، هذا سأوضحه بمثل دقيق، حيث إن المؤثر الحقيقي هو قدرة الله سبحانه وتعالى، فأفعال العباد مخلوقة لله تعالى، بالنظر للمؤثر الحقيقي، وهي أفعال العباد بالنظر لصور الأسباب الظاهرة، وقد وجه العباد إرادتهم إلى فعلها باختيارهم الحر، وبذلك يصح ابتلاؤهم، وامتحانهم، وبذلك يصح في العقل وفي العدل أن يترتب على أفعالهم المدح والثواب، أو الذم والعقاب.
 شيء دقيق جداً، هو أنك إذا أمرت إنساناً أن يفعل كذا، فهذا اعتراف منك أنه مخير، إذا قلت لموظف في محلك التجاري: تعال غداً في الساعة السابعة، ألا يعني هذا الأمر أنه بإمكانه أن يأتي أو لا يأتي؟ شيء بدهي، فمجرد الأمر يعني أن المأمور مخير، ومجرد النهي يعني أن المنهي مخير.

موقف علماء العقيدة في مسألة التسيير والتخيير من منطلق بحث القضاء والقدر:

1- من واقع حال الإنسان:

 صفوة القول في هذا الموضوع، كما يقول علماء العقيدة: أننا يجب أن نبحث القضاء والقدر من زوايا ثلاث:
1- من واقع حال الإنسان.
2- من منطلق العقل السليم.
3- من منطلق النصوص الشرعية الصحيحة.
 لنأخذ حال الإنسان, يبدو لنا كما نشعر من أنفسنا، أن أموراً تجري في الحياة من دون أن يكون لإرادتنا دخل في ذلك، نحن ولدنا مثلاً في زمن معين، هذا الزمن لم يكن له علاقة باختيارنا، ولدنا من أب وأم معينين، ولدنا في ظرف معين، في بيئة معينة، كان جسمنا قوياً أو ضعيفاً، كان في صحتنا خلل أو استقامة، ولدنا من أب غني, الأمور كلها ميسورة، أو من أب فقير, شعرنا بالحرمان، هذا كله ليس لنا فيه حول، ولا طول، ولا اختيار، إذًا: فهناك أشياء في حياتنا نحن مسيرون فيها كل التسيير، وهناك أشياء أخرى نحن مخيرون فيها، فأن تأتي إلى هذا المسجد أو لا تأتي، أن تصلي أو لا تصلي، أن تطلق البصر في الحرام، أو أن تغض البصر عن محارم الله، أن تأخذ حقك فقط، أو أن تأخذ فوق هذا الحق، أن تعامل من حولك معاملة طيبة رحيمة، أو أن تعاملهم معاملة قاسية، أن تكون رحيماً أو قاسياً، عادلاً أو ظالماً، منصفاً أو مجحفاً، أن تكون خيراً أو بخيلاً, هذه كلها أعمال داخلة في دائرة الاختيار.
  نورد مثالاً على ذلك: هناك قفص فيه عصفور وعصفورة، فيه صحن للطعام، وإناء للماء، هذا العصفور بإمكانه أن يأكل أو لا يأكل، أن يشرب أو لا يشرب، بإمكانه أن يلاطف أنثاه أو أن ينقرها، لكن صاحب القفص، حمل هذا القفص وسار به، فحركة القفص ليست باختيار هذا العصفور، لو أن صاحب القفص غمسه في الماء، ليس باختياره ذلك، لو أنه وضعه في مهب رياح باردة، ليس له ذلك، فهذه الأشياء لا علاقة للعصفور بها، أما معاملته لأنثاه، وتناوله للطعام أو عدم تناوله، أن يرمي الإناء أو لا يرميه، فهذه الأعمال كلها باختيار العصفور، وسيحاسب عليها.
  فهناك دائرة تُحاسب عليها، هناك دائرة أنت فيها حر، وحريتك فيها ظاهرة، وسوف تحاسب عليها، وهذه الأعمال مكلف بها، وهناك دائرة أخرى لست محاسباً عليها، إنما أنت في هذا مسير، ولست مخيرًا.
 فواقع حال الإنسان، كل واحد منا بإمكانه أن يصلي أو لا يصلي، يحضر مجلس علم أو لا يحضر، أن يكون قاسياً مع والدته أو أن يكون لطيفاً، يعامل زوجته بالرحمة أو بالعنف، أن يكون كريماً أو بخيلاً، هذا كله باختياره، أما كونه صحيحَ الجسم، قلبه متين، صحته جيدة، ابن رجل غني، جاء من أب فقير، جاء من أسرة عالية النسب، من أسرة وضيعة النسب, هذه الأشياء كلها، لا علاقة له باختيارها.
 إذاً: أنت بحسب الواقع بين دائرتين، دائرة أنت مخير فيها، ومحاسب على كل أعمالك، ودائرة ثانية، أنت فيها مسير، هذا الواقع.

2- من منطلق العقل السليم:

 يقضي العقل بأن المسؤولية عن العمل لا بد أن تكون منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، متى أكون مسؤولاً أمام أي جهة في الأرض؟ إذا كنتُ مخيراً، إذا كنت مستطيعاً أن آتي إلى المدرسة الساعة الثامنة، وجئت الساعة التاسعة، فأنا مسؤول عن هذا التأخر، أما إذا كان بعد المدرسة عن البيت 100 كم، فكيف أتخطى هذه المسافات في ربع ساعة؟ مستحيل، فالعقل يقول: لا بد أن تكون المسؤولية عن العمل منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، أما من لا يملك هذه الاستطاعة فلا يصح أن تتوجه إليه المسؤولية أصلاً.
  هل أستطيع أن أحاسب مستخدماً على باب المستشفى عن فشل عملية جراحية؟ يجيبك أنا لا أحسن إجراء العملية الجراحية، أنا لا أستطيع أن أفتح البطن، تحاسب الطبيب المتعلم، الذي يملك الأدوات، وعنده علم، ومعه قدرة، ومعه أدوات, إذًا: مِن زاوية العقل، ومن زاوية الواقع أنت مخير، وهذا شيء نشعر به.
  لماذا يلقى القبض على المجرم؟ وإذا وقف المجرم أمام القاضي، وقال له سيدي: أنا مجبور على ذلك، فلا تؤاخذني، لقد قدّر الله علي أن أكون كذلك, هل يُقبل منه هذا الكلام؟ هل يصدر قرار بالعفو عنه لأنه قال: إنني مجبر؟
 جاء إلى سيدنا عمر رجل شارب للخمر، فقال: أقيموا عليه الحد، فقال الرجل: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، أنت مخيّر، ولست مجبرًا، إذًا: من زاوية المنطق والعقل، فالمسؤولية لا تصح إلا إذا كنت مخيراً، مستطيعاً، لذلك إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب، المجنون لا يحاسب، والمكره لا يحاسب، فإذا أُكرِهت على فعلٍ ما، لا تحاسب عليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِنَّ اللَّهَ رفع عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "

(أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه)

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

(سورة البقرة الآية: 173)

 إذا واجه سيل أحد الأشخاص، وهدم بيته، هل يُساق ليحاكم؟ لا، ليس له اختيار في الموضوع، داهم السيل بيتَه، وهُدم بيته، ومات فيه خمسة أطفال، أيُساق إلى المحكمة ليحاكم عن قتل الأطفال؟ أبداً، أما إذا قتل إنسان إنساناً آخر بمحض اختياره، أليس يحاسب على ذلك؟ هذه من زاوية العقل.

3- من زاوية النصوص الشرعية الصحيحة:

 في الدائرة التي أنت مسير فيها، اعلم علم اليقين أن كل ما يجري في حقك مسيرًا به، إنما هو لمصلحتك، وهي محض رحمة، ومحض فضل، أن تكون من أب فقير، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون بهذا الجسم العليل، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون من هذه الأسرة، فهذا لمصلحة إيمانك، كل شيء أنت مجبر عليه هو لمصلحتك، وأما الذي أنت فيه مخير، فإما أن تفعل ما هو خيّر، فتثاب على هذا العمل، وإما أن تفعل ما هو شر، فتجازى على هذا العمل.
 أوضحت النصوص الشرعية الإسلامية مذهب أهل السنة والجماعة، إذ أثبتت أن للإنسان كسباً اختيارياً، يحاسب عليه، ويعتبر مسؤولاً عنه، ويتوجه إليه التكليف الشرعي ضمن حدوده، وما ليس للإنسان فيه كسب اختياري، فلا مسؤولية عليه فيه، ولا يحاسب عليه، ولا يترتب له أو عليه ثواب ولا عقاب.

من لوازم القضاء والقدر:

  منح الله سبحانه وتعالى الإنسان إرادة حرة، يكسب بها أعماله الاختيارية، ومنح الإنسان بالإضافة إلى ذلك سائر شروط امتحانه، من عقل يدرك به التكاليف الربانية، وقدرة ظاهرة على تنفيذ ما يكلفه من أعمال جسدية أو نفسية، وبذلك تكون مسؤوليته, وحين تختل الشروط اللازمة لامتحانه أو تكليفه ترتفع مسؤوليته.
 ولما توجهت إرادة الله لمنح الإنسان الإرادة الحرة، استحال في الوقت نفسه أن تتوجه لسلبه هذه الإرادة، وجعله مجبراً، نظراً إلى أنه يستحيل أن تتناقض إرادة الله عزّ وجل، فما دامت إرادة الله تعلقت أن يجعلك مختاراً، لن تكون هناك إرادة تناقض هذه الإرادة، تعلقت إرادة الله أن يجعلك مختاراً، فكنت كذلك.

الأدلة من الكتاب على موضوع الإنسان مسير ومخير بآن واحد:

 بعض الآيات القرآنية تؤكد ما ينمو إليه هذا الكتاب، قال تعالى:

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

( سورة البقرة الآية: 225)

 كسبت قلوبكم, أنت لك كسب، تكسب العمل الطيب، وتكسب العمل السيء, قال تعالى:

﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾

( سورة الأحزاب الآية: 5)

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 286)

 قال تعالى:

 

﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾

 

(سورة الطلاق الآية: 7)

 هذه الآيات كلها تؤكد الحقيقة الأساسية، في أن الإنسان مخير في دائرة، ومسير في دائرة أخرى

قول الحسن بن علي رضي الله عنه حول مسألة القضاء والقدر:

 كتب الحسن البصري إلى الحسن بن عليٍ يسأله عن القضاء والقدر، فكتب الحسن بن علي إلى الحسن البصري ما نصه: " من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر".
  دققوا، إذا قلت لإنسان: لماذا أنت في المعصية؟ يجيبك: إن الله قدر عليّ ذلك، إيّاك، هذا كلام كفر, هو الذي رتب لك أن تعصيه, هو الذي أمرك بالزنا, هو الذي أمرك بالسرقة, هو الذي أمرك بالكذب؟ قال تعالى رداً على هؤلاء وأمثالهم:

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 28)

 " من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر، وإن الله تعالى لا يطاع استكراهاً " أنت لست مكرهاً على الطاعة، لو أنك مكره لما كان لك ثواب، " إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً، ولا تعصيه قهراً، ولا يُعصى بغلبة، لأنه تعالى مالكٌ لما مّلكهم، وقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا، إن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا، فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك "، قولاً واحداً, إن الذي يعصي الله إنما يعصيه بمحض اختياره، " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب " كلام واضح كالشمس, " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب، ولو أهملهم لكان ذلك عجزاً في القدرة, فإن عملوا بالطاعة فله المنة والفضل, أعطاهم القوة على أن يطيعوه, هم أرادوا أن يطيعوه، أعطاهم القوة على ذلك, وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم, والسلام ".
  هذا ملخص الملخص, كلام الإمام الحسن بن علي يجيب عن سؤال حول القضاء والقدر للإمام الحسن البصري رحمهما الله تعالى.

قول سيدنا علي رضي الله عنه رداً على سائل أساء الفهم للقضاء والقدر:

 سأل شيخ شامي الإمام علي رضي الله عنه بعد الانصراف من صفين قائلاً: أكان المسير إلى الشام بقضاء الله وقدره؟ فقال علي كرم الله وجهه: والذي فلق الحب، وبرأ النفس، ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً، ولا علونا تلة, أي مرتفعاً, إلا بقضاء الله وقدره.
  فقال الشيخ: عند الله أحتسب خطاي، ما أرى لي من الأجر شيئاً, مادام القضية كلها مرتبة، وأنا مسير, مالي أجر.
 فقال له: أيها الشيخ، عظم الله أجركم في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي منصرفكم، وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكرهين، ولا إليه مضطرين.
 فقال الشيخ: كيف والقضاء والقدر ساقنا؟ هنا بيت القصيد، فقال الإمام علي كرم الله وجهه: ويحك، لعلك ظننت قضاء لازماً, أي إجباريًا، وقدراً حاسماً, لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب, إن الله تعالى أَمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يُطع مُستكرهاً، ولم يرسل الرسل إلى خلقه لعباً، ولم يُنزل الكتب عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.

ملخص القول:

 هذا إن شاء الله, له توضيح في دروس قادمة، ولكن لا يستحسن للإنسان أن يخوض إلى أعماق هذا الموضوع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه، قال فيما معناه: إذا ذُكر القضاء والقدر فأمسكوا, يجب أن تعلم أنك حر في دائرة، وأنك محاسب فيما أعطيت من حرية، وأنّ الشيء الذي لا حرية لك به لا تحاسب عنه، هذا ملخص قولنا ذلك.
  وسوف ننتقل إلى الآيات الدقيقة المتعلقة في هذا الموضوع، نظراً لأهميتها، فقد أُفردت في موضوع مستقل، وسوف نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018