بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

العقيدة الإسلامية - الدرس : 63 - الإيمان بالقضاء والقدر 4


1988-01-17

  الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أفعال الله في الأرض تدل على حكمته:

 أيها الأخوة، مع الدرس الأخير من دروس العقيدة, كلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم، والحكمة من صفاته الفضلى، ومعنى أنه حكيم، أي أن أفعاله كلها حكيمة، إذاً: لا بد أن يكون قضاؤه وقدره حكيماً، والحكمة لا تكون إلا في الخير، فليس هناك حكمة في الشر, من هنا يأتي قوله تعالى:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية:26)

 إيتاء الملك، ونزع الملك، والإعزاز والإذلال كله خير، لكن الفكرة هنا دقيقة جداً، قد يبدو لبعض الناس بحسب مقاييسهم الدنيوية, أو بحسب تصوراتهم، قد يبدو لهم أنه شر، والأمثلة على هذه الفكرة أكثر من أن تحصى، حينما يفتح بطن المريض لاستئصال الزائدة الدودية، منظر فتح البطن و المريض مخدر على طاولة العمليات، والدم ينزف منه، يبدو أن هذا العمل شر في حق المريض، ولكنه خير في نظر الطبيب، والعقلاء، وأهل العلم، وهذا مثل, وهناك آلاف الأمثلة، مِن هنا يأتي قوله تعالى:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة البقرة الآية:216)

 وما دام القضاء والقدر محض الحكمة، إذاً: فهو في جانب الخير، من هنا يأتي قول النبي عليه الصلاة والسلام:

" الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن "

( ورد في الأثر)

 

الشر خلق من مخلوقات الله يؤدب به من يستحق من عباده:

 ما هو الشر؟ كل شيء يقع على وجه الأرض، لا بد أن يكون الله قد أراده، وفي أي مكان وفي أي زمان في ملكوت الله، لا بد أن يكون الله قد أراده، لأن الأفعال كلها من خلْقِ الله، فأين الشر, إذاً؟ قال علماء التوحيد: الشر في النفوس فقط.
 مثلاً: هذا السارق، حينما تعلقت مشيئته الحرّة أن يسرق، هذا هو الشر، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من يستحق السرقة، فهو قد أخرج ما في نفسه مِن شر، ولكن هذا الذي يبدو للناس شراً قد وظف لصالح المسروق منه، فالظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه, لا يوجد شر أبداً في الكون، فهذا الذي يريد أن يؤذي فإن الشر هو تعلق إرادته بالأذى، لكن الله عزّ وجل يتولى توجيه هذا الشر إلى من يستحق الشر، ليكون شر الأول تأديباً للثاني، الدليل:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

( سورة الأنعام الآية: 129)

 قد يؤدب الله الزوجة المقصّرة بزوج ظالم، فهذا الزوج الظالم مِن أين جاء الشر في نفسه؟ جاء مِن البُعد عن الله عزّ وجل، لكنه هل تجاوز الحدود؟ لا، إنه سلط على امرأته، وهذا التسليط عليها في ظاهره شر، ولكن في باطنه خير.

رب ضارة نافعة:

 لقد فسر بعض علماء التوحيد النعم الباطنة بالمصائب، حيث يبدو للناس أنها شر, قال الله عزّ وجل:

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

( سورة لقمان الآية: 20)

 فالنعم الظاهرة هي النعم التي نراها ونتعرف عليها جميعاً، وأما النعم الباطنة فهي المصائب، وكم من مصيبة انتهت إلى توبة, وكم من ذل انتهى إلى طاعة, وكم من فقر انتهى إلى أداء الصلاة, كل الذي يحصل في الكون محض خير على تفاوت في شكله، إما أن يكون ظاهره وباطنه خيراً محضاً، وإما أن يكون ظاهره بحسب مقاييس البشر، أو بحسب تصوراتهم شراً، وفي باطنه الخير المحض.
  فلو أن رجلاً جاءته الدنيا كما يشتهي من كل جانب، وهو في غفلة شديدة، وفي بُعد شديد، فلو مات على هذا الحال لاستحق جهنم خالداً مخلداً, أما إذا أصاب مرض عضال إنساناً غافلاً، و جعله يسحق سحقًا، فهذا المرض العضال إذا انتهى به إلى توبة نصوح، هو في ظاهره مرض، ولكنه في باطنه سلسلة ساقته إلى الجنة، قال عليه الصلاة والسلام:

" عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل "

  والمصائب هي السلاسل.

 

( ورد في الأثر)

 

 كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا أصابته مصيبة قال:((الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها)).
 فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ قَالَ أَذْهِبِ الْبَأسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا "

( ورد في الأثر)

  لا بد يوم القيامة أن يكشف الله لنا كل ما ساقه إلينا في الدنيا من محن، ومن أزمات، ومن خوف، ومن نقص في الأموال، ونقص في الثمرات، ونقص في الأولاد، لا بد أن نقول بكل جارحة، وبكل خلية, الحمد لله رب العالمين, قال تعالى:

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

(سورة يونس الآية: 10)

 

النقمة بعدها نعمة إذا عرفنا كيف نتصرف معها ؟

 إنّ الشر الوحيد في الوجود هو ما يصدر من المخلوق حينما يخالف أوامر الله عزّ وجل، ونواهيه، ووصاياه، الشر في النفوس، أما في الخير المادي فليس هناك إلا الخير، إما ظاهراً، وهو ما تعارف الناس على أنه خير، وإما باطناً، وهي النعم الباطنة، أي المصائب، هذه المصائب إذا أمكنك أن تفسرها تفسيراً صحيحاً، حُلت مشكلتك مع الله عزّ وجل، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ قَالَ لا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ"

(أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في الصحيح)

 وقد قيل: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة، فمصيبته في نفسه أكبر، فيجب أن تعلم علم اليقين، أن ما يسوقه الله لعباده في الدنيا من مصائب هي محض خير، يراها الكافر شراً، ولكن المؤمن الذي يعرف الله عزّ وجل، يرى ما انطوى فيها من خير، لذلك: المؤمن حسن الظن بالله، فهذه المصائب قضية مدروسة دراسة عميقة, قال تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾

( سورة الحديد الآية: 22-23)

 وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

" لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ "

(أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء في مسنده)

الحكمة من هذه المصائب:

1- الابتلاء:

 الإيمان بالقدر نظام التوحيد, ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, يجب أن نعلم علم اليقين أن المصائب التي يسوقها الله لعباده تنطوي على خير كبير، أول أنواع هذا الخير هو الابتلاء, مركبة ذات محرك قوي، لا تبدو قوة هذا المحرك في الطريق المنبسطة، ولا في الطريق الهابطة، لا تبدو قوته إلا في الصعود الشديد، لذلك مهمة الابتلاء فرز الناس، والكشف عن خباياهم، وامتحان نفوسهم, قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

(سورة العنكبوت الآية: 2)

 مستحيل، لا بد من أن نُمتحن، لا بد أن نُبتلى، وقد خلقت الدنيا من أجل أن نُمتحن, قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

( سورة الملك الآية: 2)

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 30)

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

( سورة آل عمران الآية: 179)

 أول هدف كبير من أهداف المصائب الابتلاء، فهذا المؤمن على هذا الدخل الكبير، وعلى هذه المكانة، وعلى هذه الصحة، وعلى هذا البيت المريح، وعلى هذه الزوجة المطيعة، وعلى هؤلاء الأولاد الأبرار، محب لله عزّ وجل, ما مصير هذه المحبة إذا قلّ دخله، أو مرضت زوجته، أو فصل من عمله، أو أصيب بمرض شديد؟ لا بد أن تأتي المصيبة لتمتحن صدقك في الطلب، لا بد أن تأتي المصيبة لتكشف عن معدنك، فالناس معادن، لا بد أن تأتي المصيبة لتفرزك أمع المؤمنين أنت، أم مع غير المؤمنين؟.
  أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم يحبونه، وكلهم طامع بمودته، وكلهم متعلق به، جاءت معركة الخندق، طوقهم الكفار، وأخلف اليهود عهدهم، وانكشف المؤمنون من ظهورهم، جاءهم الأعداء من كل حدب وصوب، حتى إن أحدهم قال: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾

( سورة الأحزاب الآية: 11)

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾

( سورة الأحزاب الآية: 23)

 فكانت معركة الخندق وسيلة فعالة ودقيقة لكشف خبايا المؤمنين, ولكشف خبايا المنافقين، ثم أرسل الرياح الهوجاء، فقلبت قدور الكفار، واقتلعت خيامهم، ودخلت الريبة فيما بينهم, قال تعالى:

﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 25)

 أما في حنين فقد بلغ عدد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عشرة آلاف أو يزيدون، فقالوا في أنفسهم أو بألسنتهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، امتحنوا بالضعف، وامتحنوا بالقوة.
 يا أيها الأخوة, أنت ممتحن قبل الزواج، ممتحن بعد الزواج، ممتحن في الصحة، ممتحن في الفقر، ممتحن في الغنى، ممتحن في الأرض، ممتحن وأنت قوي, ممتحن وأنت ضعيف، قد تكون في عمل، ولك مكانة عالية، تمتَحن، فأحد حِكَم المصائب الابتلاء، أي الكشف عن حقيقة النفس، لا ليعلم الله، فالله عليم، ولكن لتعلم أيها المؤمن من أنت؟ وليعلم الناس من أنت ؟ قال تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 35)

 آية ثانية, قال تعالى:

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 155)

 قد يصاب الإنسان بمصيبة طفيفة، فيسب الدين، وقد تأتي مصيبة تسحق الإنسان سحقاً، فيقول: الحمد لله رب العالمين, هذا امتحن, وهذا امتحن, هذا امتحن فكتب قوله, كما يقول الله تعالى:

﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾

( سورة آل عمران الآية: 181)

 وهذا امتحن فكُتِب قوله، فإذا ابتُلينا بمصيبة، وقلنا: الحمد لله رب العالمين، فقد نجحنا في الامتحان، وبعدئذ يتولى الله عزّ وجل أن يذهبها عنا، لذلك أمر المؤمن دائماً خير، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا "

(أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح)

2- التربية والتأديب:

  العلة الثانية للمصائب, التربية والتأديب، فقد تقتضي الحكمة أن يطّهر هذا المؤمن من هذا المرض النفسي، مثلاً مرض الكبر، فيبتليه بمصيبة من نوع التحجيم، يوضع في موقف حرج، فيضطر أن يسأل، أن يستعطف، هذا التحجيم إنما هو سبب الكبر، استوجب علاجاً، هذه هي التربية.
 قد يضيق على المشرك، فيعرف قيمة المال الذي يحتاجه الناس جداً، هو ينفقه بلا حساب، والناس في حاجة ماسّة إليه، يذيق الله هذا المشرك الضيق المادي، هذا علاج، وهذه تربية، وهذا تأديب.
 إذا كان هناك تقصير، وإذا كان هناك غلط، إذا كان هناك مخالفة، معصية، تجاوز، عدوان في الأموال، وفي غير الأموال، يأتي التأديب، فأنت يجب أن تفهم على الله عزّ وجل، هل هذه المصيبة من أجل أن تمتحن, أم من أجل التأديب؟ فقد تكون مستقيماً استقامة تامة، وأنت على علم يقيني بأنه لا انحراف، ولا خلل، ولا زلل، فلِمَ المصيبة؟ من أجل أن تمتحن, قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

( سورة التوبة الآية: 25)

 أصبح هناك عجب، فنحن أقوياء، جاءت هوازن، وقذفت في قلوبهم الرعب، وتفرقوا شذر مذر,

" فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ْ"

(أخرجه البخاري في الصحيح)

 كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- الجزاء المعجل:

 أما العلة الثالثة للمصيبة, الجزاء المعجل، هذه حكمة الله العظيمة، فلو أن كل الجزاء في الآخرة، وكل الثواب في الآخرة، فلا شيء حينئذٍ في حياتنا يدفعنا إلى الطاعة، ولا شيء في حياتنا يخيفنا من المعصية, هذا الذي حدثتكم عنه يوم الجمعة، صاحب أكبر معمل حلويات في قطر عربي مجاور، صادراته اليومية طائرة محملة ببضاعة، تطير يومياً إلى أقطار مجاورة من دول النفط، ويأتيه دخل فوق الخيال، بلغ به الكبر أوجه، دخل معمله متفقداً، رأى عاملاً لا يحسن عجن العجين، فأخذ هذه القطعة من العجين, ووضعها على الأرض، وعركها بقدميه، وعلم عامله كيف يعجن العجين, أصاب قدميه مرض الموات (الغرغرين )، فقطعت قدماه، وهو الآن موجود في لندن، هذا جزاء معجل.
  شخص يقود سيارته في يوم ماطر من أيام الشتاء الشديدة، وجد كلباً قابعاً على طرف الزفت، على بعد أربعين سنتيمتراً تقريباً، وبما أن الزفت أكثر امتصاصاً للحرارة، نظراً لكون لونه أسودَ، فهي أكثر دفئاً من التراب, أراد هذا السائق أن يتسلى فانحرف بمركبته، وداس يدي هذا الجرو الصغير فقطعهما، وأطلق ضحكة، وكأنه فعل شيئاً عظيماً، قال لي من شهد هذه الحادثة، وكان يركب معه: والله الذي لا إله إلا هو، في يوم السبت التالي، بعد مضي سبعة أيام، وكان السائق وحده في سيارته، وفي المكان نفسه أصاب عجلة السيارة بعض العطب، رفع السيارة بالجهاز الرافع، وفكّ البراغي، وسحب العجلة، أصاب الجهاز الرافع خلل فوقعت السيارة فوق العجلة، والعجلة فوق يديه فقطعتهما، وبقيتا على اللحم، وحينما وصل إلى المستشفى كان لا بد من قطع اليدين، بعد أسبوع فقط، هذا الجزاء المعجل ردع لنا، وطبعاً الجزاء الكامل يوم القيامة
 ربنا عزّ وجل يكافئ المحسن، تشجيعاً للمحسنين، ويعاقب المسيء ردعاً للمسيئين، فترى المرابي، والذي يعتدي على أعراض الناس قد أصابه مرض خبيث، والذي يأكل مالاً حراماً، محق ماله، والذي يكذب، زلزلت مكانته، والخائن محتقر بين الناس, هذه العقوبات المعجلة هدفها ردع المسيئين، لكن الذي أريد أن أقوله لكم: إياكم أن تظنوا أن الذي لا يأتيه العقاب سينجو، فإنّ الله عزّ وجل لحكمة يريدها يختار بعض المذنبين في الدنيا، ويعجل لهم العقاب، وأما الذين بقوا في صحتهم ومكانتهم، وهم غارقون في المعاصي, ما شأنهم؟ قال تعالى:

﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

( سورة يونس الآية: 46)

  لا بد أن ترى مصيرهم يوم القيامة, قال تعالى:

 

﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

 

( سورة الصافات الآية: 51-57)

 الآن الحبل مرخى، فقد يسيء المسيء ولا يعاقب، لحكمة أرادها الله عزّ وجل، وقد يسيء ويعاقب، لكن أغلب الظن أن الذي يعاقب فيه خير، علم الله أنه بهذا العقاب ربما تاب به، فعجل له التوبة، وأن الذي لا يعاقب أغلب الظن أنه ميؤوس منه، لقوله تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

(سورة الأنعام الآية: 44)

 الكافر تأتيه ضربة واحدة قاصمة، والمؤمن تأتيه آلاف المصائب لترقى به, هذا التوجيه يتناسب مع رحمة الله، ومع حكمته، ومع عدالته.

موعظة وعبرة:

 يا أيها الأخوة، يجب أن تعلموا علم اليقين أن أفعال الله كلها رحمة، وحكمة، وعدالة، وقدرة، أي أنه لا يوجد فعل عشوائي, قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 16)

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 47)

 سورة الزلزلة، لو نعقلها لحلت كل مشكلاتنا، خالق الكون العظيم يقول لكم:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

(سورة الزلزلة الآية: 7-8)

﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ﴾

( سورة فصلت الآية: 40)

 عندما يعقل الإنسان هذه الحقيقة, يستقيم حباً بذاته، إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً

سبب تخلف المسلمين عن مسؤولياتهم هو سوء الفهم للقضاء والقدر:

  أن الإنسان مسؤول عن أعماله الإرادية، فإذا رأيت إنساناً اقترف معصية يقول لك: إنه ترتيب الله، هكذا قدّر الله عليّ، فهذا إنسان أحمق وغبي إذا كان بحسن نية، وخبيث وكذاب إذا كان بسوء نية.
  أعمالك الاختيارية ما قدّرها عليك أحد، والله سبحانه وتعالى أعطاك مشيئة حرة، وامتحنك بها، أما أن تقول: إن الله قدّر عليّ شرب الخمر، أو اقتراف الزنا، أو أكل المال الحرام, لا, جاء شارب خمر مقيد إلى أمير المؤمنين, قال: أقيموا عليه الحد، قال: إن الله قدّر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله, قال له: ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، فأنت مخير.
  الإنسان مسؤول إذا أهمل معالجة ابنه، لئلا ينتقل المرض من مرض بسيط إلى مرض خطير، إذا قال بعد ذلك: هذا ترتيب الله, لا, هذا تقصير, أمرك الله عزّ وجل بالتداوي, عندما يقصّر الإنسان في أموره، فلا تقل: هذا قضاء وقدر، بل قل: هذا جزاء التقصير، وهذا جزاء الإهمال.
  تختار صفقة سيئة جداً، أسعارها مرتفعة فتفلس منها، فيقول: هذا ما كتبه الله لي، ليس صحيحاً، فأين فكرك؟ أنت مخيّر، أما إذا جاء الإنسان مصاباً بعاهة ولادية، فقد كتب الله له ذلك، فالشيء الذي لا حيلة لك به، هذا الذي ينسب إلى القضاء والقدر، أما الشيء الذي ضمن دائرة الاختيار فأنت محاسب عنه ومسؤول، هذا الذي جعل المسلمون يتخلفون، فلو أن العدو احتل أرضنا, ماذا نقول؟ هكذا كتب الله لنا، وهل هذا الفهم للقضاء والقدر يرضي الله عزّ وجل, قال تعالى:

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾

(سورة محمد الآية: 4)

 امتحان لنا, قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60)

 لذلك يأخذ بعض الناس على المسلم المحدود الساذج أنه يعزو أخطاءه كلها إلى القضاء والقدر،

" من حمل ذنبه على الله فقد فجر، إن الله لا يطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإذا أطاع العباد ربهم لم يحل بينهم وبين طاعته، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، لو أنه أجبرهم على الطاعة لسقط الثواب، لو أنه أجبرهم على المعصية لسقط العقاب، لو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن أطاعوه فله المنة والفضل، وإن عصوه فعليهم الحجة البالغة "

( قول الحسن بن علي)

  مثلاً شخص نام على سطح لا سور له، فسقط ومات، يموت حينئذٍ عاصياً، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

" من كانت ناقته حروم فلا يخرج معنا في الجهاد "

( ورد في الأثر)

 والسبب لأنها ناقة خطيرة.

 

هكذا ينبغي أن يكون الفهم للقضاء والقدر:

 شخص يأكل تفاحة من دون غسيل, يقول: سمِ الله, وكل، فما هذه السخافة ؟ ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:

" من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه "

( ورد في الأثر)

 معنى من أكل التراب، أي أكل فاكهة غير مغسولة، أو عليها دواء، لأن الإيمان أن تأخذ بالأسباب، ثم تتوكل على رب الأرباب.
  فكل شيء يقع ضمن دائرة مسؤوليتك فأنت محاسب عليه, طبيب نسي أن يسأل المريض, هل يوجد عندك تحسس ضد الصدمة، أعطاه إبرة فجاءته الصدمة، وانتهى للموت، فيقول: انتهى أجله، ما هذا الكلام؟ يحاسب هذا الطبيب على أنه قاتل، لأن الإنسان محاسب على الشيء الذي وُكِّل أمره إلى اختياره، هذا هو الفهم الإسلامي للقضاء والقدر, أما متى تقول: هذا مكتوب علي؟ إذا كان الشيء خارجاً عن دائرة الاختيار، وإلاّ فأنت مقصر في عملك، في تجارتك، في زراعتك، في صناعتك، في وظيفتك، خذ بالأسباب، والذي يأتي بعد أخذك بالأسباب هو القضاء والقدر الذي ينبغي أن تستسلم له، فإذا جاءت الأمور على غير ما يجب أن تكون لا ينبغي أن تستسلم، يجب أن تنهض، يجب أن تصحح.
  أكثر المسلمين الجاهلين إذا أتت الأمور على غير ما ينبغي, يعزون هذا إلى القضاء والقدر ويجلسون، بينما سيدنا عمر رضي الله عنه سأل أناساً فقراء جداً: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله، أي قم وتحرّك، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ,

" قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ, أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ, قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ "

(أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في سننه)

 اعمل للمركبة صيانة، لا أن تقول: توكلنا على الله من دون صيانة ونسافر، فإذا كان هناك خلل يخشى من حادث، فهذا ليس توكلاً، وإنما عين الجهل، لذلك لا ينبغي أن نستغل القضاء والقدر للتحلل من المسؤوليات والواجبات، وكلما رأيت خللاً, تقول: هكذا أراد الله، وهذا ترتيبه ومشيئته، هذا الشيء الذي وكل إليك أنت محاسب عنه.
 ما يحصل بعد أن تأخذ بالأسباب فهو القضاء والقدر، ونحن مستسلمون له، أخذته إلى الطبيب، ونفذتَ التعليمات بحذافيرها، والشفاء تأخر، فهذا قضاء وقدر، لكن أهملت العلاج والمرض تفاقم، فتقول: هكذا كتب الله له، هذا كلام مرفوض.
 آخر حديث شريف في هذا الموضوع، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ "

(أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018