٠08برنامج سؤال وجواب - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

سؤال وجواب - الحلقة : 1 - في القرآن الكريم.


1993-05-04

في القرآن الكريم.
 يجيب عن هذا السؤال الأستاذ محمد راتب النابلسي.
 في القرآن الكريم سور، أي مجموعة آيات متكاملة، تشتمل على فاتحة وموضوع، أو موضوعات، وخاتمة، وهي كالسور تحيط بآياتها، والآية هي علامة على صدق من أتى بها، وعجز المتحدى بها، والآية قرآن مركب، من جمل ولو تقديراً، ذات مبدأ ومقطع مندرج ضمن السورة، وقد أورد الزمخشري في البرهان، طرف من فوائد تفصيل القرآن الكريم وتقتطعيه إلى سور وآيات.
من هذه الفوائد:
 أن الجنس إذا انطوى تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون باب واحد.
ومن هذه الفوائد:
 أن القارئ إذا ختم سورة أو جزء، ثم أنتقل إلى آخر، كان أنشط له.
من هذه الفوائد:
أن الحافظ إذا حفظ سورة مستقلة، يعظم عنده ما حفظ.
وفي حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: كان الرجل إذا قرئ البقرة وآل عمران جل فينا، والآن جاء دور الإجابة عن السؤال:
 ترتيب الآيات في السورة، وترتيب السور في القرآن، أجمع العلماء سلفاً وخلفاً، على أن ترتيب الآيات في السور، توقفي، أي أتبع الصحابة فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي تلقاه عن سيدنا جبريل عليه السلام، وجبريل تلقاه عن ربه، لا يشتبه في ذلك أحد، ولا يختلف في هذا اثنان.
يقول أبو جعفر ابن الزبير: ترتيب الآيات في سورها، واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم، وواقع بأمره، في غير خلاف في هذا بين المسلمين.
ويقول القاضي أبو بكر الباقلاني: ترتيب الآيات أمر واجب حكم لازم ، فقد كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا.
 وأما ترتيب السور في القرآن فقد أجمع جماهير العلماء، على أن ترتيب سور القرآن، توقفي، من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن ربه وليس باجتهاد الصحابة كما يتوهم بعضهم.
أيها الأعزاء:
 السؤال الأول في حلقة اليوم، ورد من المستمع وائل مخزوم من محافظة حلب، يطلب فيه فكرة موجزة عن المنهج التربوي المعجز في القرآن الكريم.
يجيب عن هذا السؤال، الأستاذ محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية بجامعة دمشق.
 إذا تأملنا كتاب الله عز وجل، بفكر الباحث التربوي، وقد رب هذا الكتاب الكريم أجيال من البشر، ذوي نفوس وعقليات وطبائع متباينة ومختلفة، حتى صاغ جميعها في نفس إنسانية واحدة، وبنى الإنسان المسلم بناء فكري، ونفسي، وخلقي، واجتماعي، وجمالي.
المسلم الذي رباه القرآن، يتمتع بروية صحيحه، وأدراك دقيق ووعي عميق، له قلب كبير، وعزم متين، و إرادة صلبه، هدفه أكبر من حاجاته، ورسالته أسمى من رغباته، يملك نفسه ولا تملكه، ويقود هواه ولا ينقاد له ، تحكم القيم ويحتكم إليها، من دون أن يسخرها أو يسخر منها.
هذا الكتاب الذي رب الإنسان المسلم، تربية أساسها السيطرة على الذات، وطبعت أجيال متعاقبة، بطابع أخلاقي، ولا بد من أن يكون مرتكزاً في أصول دعوته، وطرائق تربيته على أسس رائعة مثلى.
فمن أساليب القرآن، اعتماده على المناقشة، والحوار، في إقناع المخاطب، وهذا الأسلوب ينمي شخصية المخاطب.
قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)﴾

( سورة النمل: 60 ـ 61 )

 وأعتمد القرآن أيضاً، أسلوب القصة في تربية المؤمنين، لكن منهج القرآن في القصة خاص به، فهو لا يسوق من القصة، إلا ما يتعلق بالغرض الذي سيقت القصة من أجله، فهو يترفع عن التفاصيل التي لا تسهم في إيضاح الغرض، وتعد عبئ على القصة، وكثيراً ما يعقب على أحداث القصة، تعقيباً يشبه القانون الثابت، ليستفيد منه قارئ القرآن، في كل زمان ومكان، فقد قص القرآن علينا قصة سيدنا يونس، وهاهو ذا يونس عليه الصلاة والسلام النبي الكريم، ينادي ربه وهو في بطن الحوت:

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

 انتهت القصة التعقيب

 

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

( سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )

هذه هي القاعدة، التي أدخلها القرآن في خليات القصة، ليجعل من القصة قانوناً، وليبعدها على أن حدثاً وقع ولا يقع مرةً ثانية.
 وبما أن الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، لذلك خاطب القرآن عقله من خلال الحوار، وخاطب وجدانه من خلال الإثارات العاطفية، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾

( سورة الإنفطار: 6 إلى 8 )

 وأستخدم القرآن الكريم أسلوب المثل، وفي المثل تقريب للحقائق المجرد وتجسيد لها في صور حسية، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

 

( سورة النور: 39 )

 هذه لمحات سريعة عن أساليب القرآن في تربية الإنسان، لكن هذا الموضوع، لا تتسع له المجلدات، ولكن أخذ القليل خير من ترك الكثير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018