٠27برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام والحياة - الدرس : 03 - المصائب


2002-05-04

أعزائي المؤمنين، إخوتي المشاهدين - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 المسلمون في محنة، وكل محنة للمؤمن يتبعها منحة من الله جل جلاله، والمسلمون في شدة، وكل شدة للمؤمن وراءها شَدة لله جل جلاله، ذلك أن الله جل جلاله يقول:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

(سورة البقرة)

 الإنسان نظرته قاصرة على الدنيا وعلى مصالحه، لكن الله جل جلاله خلقه لجنة عرضها السماوات والأرض، فإذا أراد الله حمله على طاعته وساقه إلى باب عبادته عن طريق لعله مكروه عند المؤمن، فهذا هو محض الخير، من هنا قال عليه الصلاة والسلام في حديثه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:

(( اسْتَضْحَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَضْحَكَكَ ؟ قَالَ: قَوْمٌ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ مُقَرَّنِينَ فِي السَّلَاسِلِ ))

(مسند الإمام أحمد)

 هذه السلاسل هي أشياء لعل الإنسان يكرهها، لكن عقباها حميدة، في قوله تعالى:

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

 يعني أن المؤمن يستسلم لقضاء الله وقدره بعد أن يؤدي الذي عليه، ثم إن بعض المفسرين رحمهم الله تعالى يفسرون قوله تعالى:

 

 

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

 

 

(سورة لقمان)

 قال بعض المفسرين: النعم الباطنة هي المصائب، يبدو أن الله سبحانه وتعالى يطمئننا حينما يقول:

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

 

 

(سورة البقرة)

 أيها الإخوة الأحباب، هذه السيارة التي هي أداة نستخدمها جميعاً، لماذا صنعت ؟ ما أصل علة صنعها ؟ إنها السير ! أليس فيها مكابح ؟! أليست المكابح تتناقض مع علة صنعها ؟ صنعت لتسير، والمكابح توقفها، أليست هذه المكابح ضماناً لسلامة ركابها ؟!
فإذا قست المصائب بحياة الإنسان التي في الأصل حياة ينبغي أن تكون سعيدة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

 

 

(سورة هود)

 خلقهم ليرحمهم، ويسعدهم، فإذا غفلوا عنه، وانحرفوا عن سواء السبيل فلابد من معالجة كريمة من رب رحيم، فهذه الشدائد التي يسوقها الله عز وجل للمؤمنين إنما هي شدائد تعقبها خيرات حسان لا يعلمها إلا الله.
في القرآن الكريم آية دقيقة جداً يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

 

 

(سورة القصص)

 هذه الباء في الآية باء سببية، بسبب ما قدمت أيديهم، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

 

 

(سورة الشورى)

 فهذه الآية حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 قبل أن أشرح هذه الآية لابد من آية أشرحها كمقدمة لهذه الآية، حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾

 

(سورة غافر)

 كأن سياق الآية: إن الذين يستكبرون عن دعائي فجاءت الآية:  عَنْ عِبَادَتِي ، من هنا استنبط عليه الصلاة والسلام أن الدعاء هو العبادة وأنه عبادة ومخ العبادة، هذا أسلوب قرآني.
فحينما يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

 

 

فكأن الشدائد التي يسوقها الله للمؤمنين رسالات من الله عز وجل.
 مرة صنعت سفينة من أكبر السفن اسمها ( التايتانيك )، وقد وزع على ركابها نشرة كتب فيها: " إن القدر لا يستطيع أن يغرق هذه السفينة "، فغرقت في أول رحلة لها بين أوروبة وأمريكة ! فقال بعض القساوسة: " إن غرق هذه السفينة رسالة من الله إلى البشر ".
 فأحياناً تأتيك رسالة مكتوبة، وأحياناً تأتيك رسالة عملية، فغرق هذه السفينة نوع من الرسالة في بلد إسلامي أصابه زلزال كبير شديد أطاح بعشرات الألوف، في مركز الزلزال، وهو أشد الأماكن تدميراً بقي مسجد، وله مئذنة عملاقة، ومعهد شرعي، وما حولهما ركام في ركام ! فكتب بعضهم: " إن بقاء هذا المسجد والمعهد رسالة من الله إلى البشر ".
نعود إلى الآية:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾

 هذه المصائب وهذه الشدائد والمحن رسالة من الله إلى بني البشر.

 

﴿ فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 أيها الإخوة الأحباب، تصوروا أن أباً قال له ابنه: يا أبتِ، لا أحب أن أدرس، فعلى أول طلب من الابن سمح الأب لابنه ألاّ يدرس، فهذا الابن نام إلى منتصف النهار، وارتاح من أعباء الدراسة، ومن شدة المعلم، وكتابة الوظائف، فعاش كما يحلو له، فلما أصبح في سن الرشد وجد أصدقائه في مراكز مرموقة، بعضهم طبيب، وتاجر، ومهندس، ورأى نفسه خاليا من حرفة، ومن شهادة، ومن صنعة، فحقد على أبيه، وقال له: يا أبتِ، لمَ لم تؤنبني أشد التأنيب ؟ لمَ لم تؤدبني أشد التأديب ؟ حينما طلبت منك ألاّ أدرس ؟

 

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

 

 

 فهذه المصائب التي يسوقها الله للمؤمنين هي محض فضل، ونعمة باطنة عند المؤمنين، لكن عند السذّج وضيقي التفكير يرونها مصيبة.
أيها الإخوة الأحباب، مصيبة وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وأي مصيبة أشد من أن تتهم زوجته الطاهرة السيدة عائشة، أن تتهم في أثمن شيء تملكه المرأة ؟! اتهمت بالفاحشة، وكان هذا الاتهام قد جاء في القرآن في حديث الإفك، وبقي الوحي منقطعاً عن رسول الله أربعين يوماً، ليس عند النبي  دليل إثبات ولا دليل نفي، والمرجفون في المدينة أشاعوا هذا الخبر.
إنها محنة ما بعدها محنة، وشدة ما بعدها شدة، فماذا قال الله عز وجل ؟ قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾

 

(سورة النور)

 كلمة: (خير) تعني أن الشدائد والمصائب والمحن للمؤمنين مؤداها خير، لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع، بعض أصحاب النبي الكريم يقول: "والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً ".
 أي إن يقينه قبل كشف الغطاء كيقينه بعد كشف الغطاء، ولهذا الصحابي الجليل قول آخر قال: " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي ".
 نخلص من هذا إلى أن الشدائد والمحن أساليب تربوية رفيعة يستخدمها الله عز وجل ليرد عباده إليه، وليسوقهم إلى باب عبادته.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾

 

 

 

 لكن لئلا يتوهم متوهم أن التوحيد يلغي المسؤولية، نقول: التوحيد لا يلغي المسؤولية، بعدئذ يقول الله عز وجل:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

 

(سورة النور)

 فأنا حينما أوحد، وأعزو الأمر إلى الله عز وجل هذا لا يلغي مسؤوليتي عما أفعل، من هذا نخلص إلى حقيقة دقيقة: أن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع، لا يعقل أن يقع في ملك الله مالا يريد، لا يقبل، ولا يعقل إلاّ أن يكون الإله مهيمناً مسيطراً جباراً، قوياً حكيماً غنياً، بيده ملكوت كل شيء.

 

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

 

 

(سورة الفتح)

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

 

(سورة هود)

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

(سورة الأنفال)

 هو الخالق والآمر وله الخلق والأمر.

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

 

 

(سورة الزمر)

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)﴾

(سورة هود)

 كما قال بعض الأنبياء:

 

﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

 

 

(سورة هود)

 لا يعقل أن يقع في ملك الله مالا يريد، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالخير المطلق، وبالحكمة المطلقة، وحكمته متعلقة بالخير المطلق ، ذلك أن الإنسان قد لا يكون حكيماً، إن كان هناك نقص في علمه، وقد لا يكون حكيماً إذا تحمل ضغطاً شديداً، وإذا أغراه شيء، ففي الضغط والإكراه ونقص العلم يكون الإنسان غير حكيم، لكن الله جل جلاله وهو الذات الكاملة الكمال المطلق لا يمكن أن يكون في أفعاله غير حكيم.
 فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته متعلقة بالخير المطلق.

 

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

 

(سورة آل عمران)

 لم يقل بيدك الخير والشر، قال:

 

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

 

 

 

وما هذا الشر الذي نسميه شراً إنما هو شر نسبي بالنسبة لنا، ولدنيانا فقط، ولنظرتنا القاصرة.
 أما لو تعمقنا لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى يعطي ويمنع، ويرفع ويخفض، ويمنح ويسلب، ويعز ويذل، بيده الخير، هذا هو التوحيد، وهذه هي عقيدة المسلم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾

 أيها الإخوة الكرام، لذلك نقول استناداً لهذه القاعدة الأصولية في علم التوحيد لكل: واقع حكمة، قد يكون الموقع مجرماً وقد يكون طاغية، لكن لكل واقع حكمة، مادام الشيء قد وقع إذاً أراده الله، لأنه لا يعقل أن يقع في ملك الله مالا يريد، الله عز وجل يسمح له أن يقع لحكمة يريدها.
بل إن هناك ينبغي أن تكون واضحة لدى إخوتنا الأكارم: خطة الله تستوعب خطة الكافر !
 فالكافر يفعل من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد فعلاً فيه ضغط على المؤمن، ولكن المؤمن ينتفع منه كثيراً، لذلك قال بعض الشعراء:

 

عداتي لهم فضل علي و منة  فلا أذهب عني الرحمن الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها  وهم نافسوني فاكتسبت المعالـيا

 نعود إلى قوله تعالى:

 

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

 أيها الإخوة الأحباب، حينما يقول الله عز وجل:

 

 

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾

 

(سورة الأنفال)

 ما معنى سبقوا ؟ ما معنى أن يسبق الكافر الله عز وجل ؟ قال علماء التفسير: سبقوا بمعنى أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله، وسبقوا بمعنى أنهم تفلتوا من عقاب الله عز وجل.

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

 

 

(سورة إبراهيم)

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

 

(سورة آل عمران)

كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله.
 إخوتنا الكرام، هذا الذي حدث قد يفهم فهماً سطحياً لمن البطولة أن تفهمه فهماً عميقاً، أضرب لكم هذا المثل، ولعله مطابق لما يعانيه المسلمون اليوم:
 إنسان يركب مركبته، تألق في لوحة البيانات ضوء أحمر، هذا الضوء تألق، أو لم يتألق ليست هي المشكلة، لأن راكب المركبة رأى بأم عينه تألق هذا الضوء، ولكن المشكلة أن يعلم راكب هذه المركبة لماذا تألق هذا الضوء، ليست المشكلة أن يعلم أنه تألق، لقد تألق، ورآه بأم عينه، لكن المشكلة أن يفهم سبب تألقه.
 دققوا أيها الإخوة، إن فهم هذا التألق أنه تألق تزيني، فتابع السير، فاحترق المحرك، ويلزمه أن يدفع مبلغاً كبيراً جداً، وضاعت عليه الرحلة، والهدف منها، أما إذا فهمه ضوءاً تحذيرياً، وشتان بين الفهمين أوقف المركبة فوراً، وأضاف الزيت، وسلم المحرك، وتابع الرحلة، وحقق الهدف.
فبربكم، هل البطولة أن نستمع للأخبار فقط ؟ أن نرى ماذا يحدث ؟ أم أن نفهم لم هذا الذي يحدث يحدث ؟
 ينبغي أن نملك إضاءة قرآنية من وحي السماء لما يحدث، هذا هو الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يفهم الأحداث التي حوله فهماً قرآنياً.
 مثلاً: هذه الأحداث التي تجري في بقاع متعددة من بلاد المسلمين إن فهمناها قهراً فهناك مشكلة كبيرة، هذا الفقر يقتضي الخنوع واليأس والاستسلام، أما إن فهمناها تسليطاً من الله عز وجل:

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾

 

(سورة النساء)

 إن فهمناها تسليطاً فالموضوع يختلف اختلافاً كلياً، الكرة في ملعبي إن ذلك أن الأقوياء والطغاة في العالم إنما هم عصي بيد الله ! أيعقل لإنسان تلقى ضربة بعصا، يحقد على العصا يكون أحمقَ، لابد من أن يتألم من الضارب، وإذا كان الضارب هو الله، والله ذات كاملة، وكماله مطلق، معنى ذلك أن في حياتي خللاً ينبغي أن أبحث عنه، وأن أصلحه، حينما أوحّد، وأفهم الأمر تسليطاً لا قهراً، إن فهمته قهراً أستسلم، وأخنع، وتضيع، قوتي ومعنوياتي.

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

 

 

(سورة آل عمران)

 المؤمن الصادق يشعر بأعماق أعماقه أن الله لا يتخلى عنه.

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾

 

 

(سورة آل عمران)

 بين أن أفهم الأحداث قهراً ينبغي أن أستسلم وأيأس، بينما إن فهمتها تسليطاً من الله عز وجل لحكمة بالغة، ولرحمة من الله عز وجل لهذا الذي سلط عليه هذا الأمر، اقرؤوا قوله تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

 

 

(سورة القصص)

 الآن دققوا أيها الإخوة،

 

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

 

(سورة القصص)

 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل له سنّة في دعوة عباده إليه، الله جل جلاله يبدأ عباده بما يسمى الدعوة البيانية، أنت معافى سليم، وأمورك على ما يرام، تأتيك دعوة من الله من خلال تلاوة صفحات من كتاب الله، أو قراءة بعض أحاديث رسول الله ، أو من خطبة تسمعها، أو محاضرة تصغي إليها، أو من كتاب ديني تقرأه، هذه دعوة من الله.
الله عز وجل يقول:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 

 

(سورة الأنفال)

 الحياة الحقيقية أن تعرف الله، وتأتمر بأمره، وتنتهي عما عنه نهى، فهذه الدعوة البيانية هي المرحلة الأولى، وأكمل ما في الدعوة البيانية أن تستجيب لله عز وجل.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 

 

 

 استجيبوا لله في قرآنه، واستجيبوا للنبي في سنته، فأنت حينما تستجيب لاشيء عليك، وفي الحديث عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا ))

(متفق عليه)

 لو أن هذا الإنسان لم يستجب، أغرته الدنيا، وضعف أمام شهواته، ولم يستجب لله عز وجل، عندئذ يخضع لأسلوب آخر من أساليب الله عز وجل، إنه التأديب التربوي، قال تعالى:

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 

 

(سورة السجدة)

 فإن لم نستجب فهناك تأديب تربوي، وهناك شدائد منوعة في مستويات ومجالات عديدة، الله عز وجل لا يدع عباده من دون تأديب أو تربية.
قال تعالى:

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 لكن لو أن هذا الإنسان لم يرجع، دعاه الله دعوة بيانية فلم يستجب، ساق له بعض الشدائد فلم يتب، هناك أسلوب آخر هو الإكرام الاستدراجي، قال تعالى:

 

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 

 

(سورة الأنعام)

 لذلك قال بعض العلماء: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره ! فهذا الأسلوب الثالث اسمه الأسلوب الاستدراجي، يقتضي أن تشكر، في الدعوة البيانية يقتضي أن تستجيب، في التأديب التربوي يقتضي أن تتوب إليه، في الإكرام الاستدراجي يقتضي أن تشكر، فإن لم تؤثر فيك دعوة بيانية، ولا تأديب تربوي، ولا إكرام استدراجي فلابد من القصم، عندئذ يقصمهم الله عز وجل.

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ﴾

 

﴿ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 

 إخوتنا الكرام، المصائب تتنوع بحسب الإنسان، فالإنسان الشارد الغارق في المعاصي والآثام، الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين، الذي يبني حياته على قتلهم، كما ترون وتسمعون، الذي يبني غناه على إفقارهم، الذي يبني أمنه على خوفهم، هذا الإنسان إما أن يعطيه الله مهلة، أو أن يقصمه، فمصائب المنحرفين أشد الانحراف مصائب قصم أو ردع، لكن المؤمن مصائبه من نوع آخر.

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

 عنى ذلك أن مصيبة المؤمن هدفها الدفع، قد يمشي بسرعة بطيئة، والله عز وجل يحب له الخير، فتأتيه شدة فتدفعه إلى الله، لذلك قالوا: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ! صار هو المصيبة ! هذا الذي لا يتأثر بالمصيبة، ولا يفهمها فهماً عميقاً، ولا يرجع إلى الله، ولا يعيد حساباته، ولا يرتب أوراقه الداخلية هذا الذي تصيبه المصيبة، فيفهمها فهماً أرضياً لا فهماً توحيدياً، فهماً متعلقاً بالظروف، هذا الإنسان يعد هو بنظر مقاييس الدين مصيبة.
 فمصيبة الدفع، وهناك مصيبة الرفع، قد يكون الإنسان ذا إمكانات تقتضي أن يكون في مستوى أعلى، لذلك ربنا عز وجل مع أن المسلم مستقيم يسوق له شدة لترفعه، قد يسوق له شدة لتدفعه، وقد يسوق له شدة لترفعه، لكن الأنبياء صلوات الله عليهم الشدائد التي تصيبهم لتكشف حقيقتهم، فهذا النبي الكريم حينما سافر إلى الطائف مشياً على قدميه ليعظ أهله، ويدلّهم على الله، ويأخذ بيدهم إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة كذبوه، وبالغوا في الإساءة إليه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

(البخاري، ومسلم)

 فالمصائب للشاردين المنحرفين العتاة المجرمين قصم أو ردع، والمصائب للمؤمنين دفع أو رفع، والمصائب للأنبياء والمرسلين كشف لحقيقة نبوتهم ورسالتهم، والكمال الذي حصلوه.
أيها الإخوة الأحباب، عن قتادة قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

(( لا يصيب رجلا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ))

(السيوطي)

 وما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة.

 

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

 

 

(سورة الشورى)

أرجو الله سبحانه وتعالى أن نلتقي بكم في لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018