٠27برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام والحياة - الدرس : 04 - حمل هموم المسلمين - غلبت الروم في أدنى الأرض


2002-05-11

 يقول ربنا جل جلاله يقول:

﴿ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾

(سورة الروم)

 أيها الإخوة الأحباب، ماذا تعني هذه الآية ؟ لعل ما تعنيه هذه الآية أن من خصائص المؤمن أن يهتم أشد الاهتمام بما يجري حوله، فعلامة انتماء المؤمن إلى إيمانه، وانتماء المسلم إلى إسلامه أنه يحمل هم المسلمين، ويتألم لآلامهم، ويفرح لأفراحهم، ويأسى لمآسيهم.
 فهؤلاء المؤمنون في زمن النبي عليه الصلاة والسلام حينما غلبت الروم تألموا، لأنهم أهل كتاب، ولأن قواسم مشتركة كثيرة تجمعهم بهم، لكن الله سبحانه وتعالى طمأنهم:

﴿ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾

ويقول:

﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾

 أي النصر، وعدم النصر بيد الله من قبل ومن بعد، لكن الذي يلفت النظر في هذه الآية أن الله أثبت أن المؤمنين يفرحون بنصر الله، فرحوا لأهل الكتاب لأنهم انتصروا على عبّاد الوثن، فلأن يفرح المؤمنون بنصرة إخوتهم المؤمنين من باب أولى.
 فكأن الله يريد أن يلفت نظرنا إلى أن من علامات المؤمن الانتماء للمؤمنين أنّ همّه هم المؤمنين، مشاركته الحقيقية في مصابهم، فلذلك من ألطف ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حديثُ النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ، وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

(صحيح البخاري)

 وهذا الذي نشهده في شتى بقاع المسلمين، وفي البلاد العربية نشهده من حركة الشارع العربي لنصرة إخوتهم في الأراضي المحتلة، وهذا مما بشر به النبي عليه الصلاة والسلام فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ ))

(الترمذي)

 وقد روي:

(( الخير فيّ وفي أمتي إلى قيام الساعة ))

(لا أصل له)

 من علامة إيمانك، وإسلامك أن تحمل هم المسلمين والمؤمنين في شتى بقاع الأرض، وهذا الذي حدث يبشر بخير.
أيها الإخوة، في حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام متوعداً:

(( من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ))

(الجامع الصغير عن ابن مسعود)

 وهذا وعيد شديد من رسول الله e،

(( ومن لم يمسِ ويصبح ناصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولإيمانه ولعامة المسلمين فليس منهم ))

 فهذه الحقيقة التي تقول: ما إن تستقر حياة الإيمان في قلب المؤمن إلا وتعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، فهذا الإنسان الذي لا يعنيه أمر من حوله، ولا يتألم لألمهم، ولا يفرح لفرحهم ليس منهم، ومن أكبر الوعيد النبوي لهذا الإنسان المنسلخ من أمته وإسلامه وعروبته أنه ليس من هذه الأمة.
 من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يمسِ ويصبح ناصحاً لله لطاعته والصلح معه ولكتابه ولتطبيق منهج القرآن، وإلى إيمانه وإلى عامة المسلمين فليس منه.
 أيها الإخوة الأحباب، لاشك أن النصر شيء محبب لأقصى درجة، ولكن هذا النصر بيد من ؟ يقول الله عز وجل في آية جامعة مانعة واضحة جلية قطعية الدلالة:

 

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

 

(سورة الأنفال)

 فحينما نعلق الآمال لغير الله، ونتجه لغير الله، ونعقد الآمال ـ كما قلت قبل قليل ـ على جهات أرضية يخيب ظننا، وقد خاب ظننا، قد نجد أن أعداءَنا لا يتحدثون عن السلام إلا كسباً للوقت، وإلا مراوغة وكذباً.
 عندما نجد أن النصر الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه بيد الله وحده، وأن الله عز وجل له شروط، وله أثمان ينبغي أن ندفعها لهذا النصر.

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

 لعل أكبر سبب وضعه الله للنصر المبين العزيز هو قوله تعالى:

 

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

(سورة محمد)

 من هنا قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

(سورة الأنفال)

 حار علماء التفسير في هذه الآية ‍! ما دام النبي e بين ظهرانيهم هم في مأمن من عذاب الله، فإذا انتقل إلى الرفيق الأعلى فما معنى الآية ؟ قال علماء التفسير: وما كان الله ليعذبهم وسنتك يا محمد ـ e ـ مطبقة في بيوتهم، وأعمالهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، وفي حلهم وترحالهم، وفي سرهم وضرائهم.
 أعمالنا في كسب أموالنا في قضاء أوقات فراغنا، فنحن في مأمن من عذاب الله، ويقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

(سورة الأنفال)

 هم في بحبوحة أخرى وفي مأمن آخر، فمادام هؤلاء يستغفرون إذا أخطؤوا، هم أيضاً في مأمن آخر.
هذا النصر الذي هو من عند الله حصراً وقصراً.

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

 

ثمنه:

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

 إن أردنا التفاصيل، يقول الله عز وجل:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

(سورة الروم)

 الله جل جلاله أنشأ على ذاته العلية حقاً لنا، هو ينصرنا ولكن أي إيمان هذا ؟ حينما نقرأ قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾

(سورة النساء)

 يعني أن هناك إيمانًا غير مقبول، وأنّ هناك إيمانًا مقبولا ومنجيًا، فإذا كنا في إيمان غير مقبول، وغير منجٍ فينبغي أن نبحث عن إيمان مقبول ومنجٍ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول مخاطباً هذه الأمة:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

(سورة آل عمران)

 أنتم حينما جاءتكم الرسالة، واستجبتم لهذه الدعوة السماوية أصبحتم بهذه الاستجابة خير أمة أخرجت للناس، أما إن لم نستجب فشأننا شأن أية أمة أخرى شاردة عن الله عز وجل هذه حقيقة.
 لذلك علماء المسلمين قسموا أمة محمد أمّتين، أمة الاستجابة، وهي خير أمة أخرجت للناس، وأمة الدعوة والتبليغ، فإن بلغت، ولم تستجب فشأنها كشأن أية أمة في الأرض ، لذلك الشيء الأول هو أن الله عز وجل يقول:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 أي إيمان هذا ؟ الإيمان الذي يحملنا على طاعته، ويجسد سلوكاً في حياتنا، ويجعلنا وقّافين في حياتنا، الإيمان الذي يجعلنا لا نأكل درهماً حراماً، الإيمان الذي يحملنا ألا نظلم بعضناً بعضاً، وأن نتقن أعمالنا، ونتقن لأمتنا كل خير.
 هذا الإيمان الذي يترجم سلوكًا وانضباطًا وخيرًا وعطاءً هو الإيمان الذي يستحق أن ينصرنا الله عليه، لكن لا يكفي هذا، لابد من أن نعد لأعدائنا ما استطعنا من قوة، والله عز وجل يقول:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾

 طبعاً المخاطَب هو المؤمن، والله عز وجل هو المخاطِب، لكن الله عز وجل يقول للطرف الآخر:

 

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

 ينبغي أن تستنفذوا كل الجهد.

 

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

 وهذه ( من ) تفيد استغراق أجزاء الشيء، كل أنواع القوة ينبغي أن نعد لها، وما أكثر أنواع القوة فالإعلام قوة، ومعرفة خبايا العدو قوة، والتماسك الداخلي قوة، والوحدة الوطنية ـ وهذه بحمد الله ـ قوة، والإعداد الجيد قوة، واستخدام الأسلحة الحديثة قوة.

 

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

 هذا عند علماء التفسير عطف الخاص على العام، في عهد النبي e كان رباط الخيل هو القوة، وقد يأتي وقت آخر يكون المنجنيق هو القوة، وقد يأتي وقت آخر تكون المدرعة هي القوة، وقد يأتي وقت آخر تكون المعلومات هي القوة والأقمار والأسلحة البالغة الدقة.

 

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

قد يكون السلاح غير مستعمل، لكن له فائدة كبيرة، وهذه الفائدة في قوله تعالى:

 

 

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

وينبغي أن يكون عدوكم عدواً لله في وقت واحد.
 أيها الإخوة الأحباب، من فضل الله علينا أنه ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة لأعدائنا، قد يكون هذا مستحيلاً، لكنه كلفنا أن نعد القوة المتاحة، فنحن إذا آمنا بالله الإيمان الذي يحملنا على طاعته، وأعددنا لعدونا العدة المتاحة لنا فهذان شرطان كافيان للنصر، لكن أحدهما يعد شرطاً لازماً غير كافٍ للنصر.
لو كان إيماننا في أعلى مستوى، ولم نعد لأعدائنا العدة المتاحة، أو أعددنا لهم العدة المتاحة، ولم نؤمن الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله لا يتحقق النصر.
 إخوتنا الكرام، كلكم يعلم أن المسلمين في موقعة أحُد وحنين لم ينتصروا، لو حللنا سبب عدم الانتصار في هاتين الموقعتين: الحقيقة في أحد عصى الرماةُ أمْرَ النبي e، فلو أن الله نصرهم على معصيتهم لسقطت طاعة النبي e، ولم يكن لها من قيمة، وأما في حُنين فسبب المعصية قضية فكرية وتوحيدية، وقضية في العقيدة، قال أصحاب النبي e وهم مُثُل عليا:
 لن نغلب اليوم من قلة، اعتمدوا على قوتهم الذاتية، ونسوا الله عز وجل، فالمسلمون لم ينتصرون في أحد لأسباب سلوكية تكتيكية، ولم ينتصروا في حنين لأسباب عقائدية.
الشيء القاطع الجامع المانع أننا ينبغي أن نؤمن الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله، ونعد لأعدائنا العدة التي ينبغي أن تكون متاحة لنا.
إذا حققنا ما علينا يتولانا الله عز وجل بالنصر، لذلك قالوا: هناك نصر استحقاقي، قال تعالى:

 

 

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

 

(سورة آل عمران)

وهناك نصر تفضلي، كقوله تعالى الآية التي بدأت بها هذه الحلقة:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾

 وهناك نصر كوني، لا علاقة للنصر إلا بالقوة التي بيد الفريقين، هناك نصر استحقاقي، كانتصار المسلمين في بدر، وهناك نصر تفضلي، كانتصار الروم على الفرس، وهناك نصر كوني، هو بين فئتين شاردتين دعواهما واحدة، وأهدافهما قبرة.
أيها الإخوة الأحباب، نحن في أمسّ الحاجة إلى النصر، والله عز وجل يقول:

 

﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 وقد قيل: المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، لكن بين باطلين لا تنتهي، وهذه مشكلة.
 أيها الإخوة الأحباب، لابد من أن نعد العدة المتاحة، ولابد من أن نؤمن الإيمان المنجي حتى نستحق أن ننتصر، ولكن المسلمون في شتى بقاع المسلمين، والعرب في شتى بلادهم ما واجبهم تجاه هذه الانتفاضة المباركة التي بدأت ؟ ونرجو الله سبحانه وتعالى أن تنتهي بالنصر.
أقول لكم أيها الإخوة، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا ))

(صحيح البخاري)

وهذا من فضل الله علينا.
 أيها الأخ الكريم، ألا تستطيع أن تقتطع من دخلك مبلغاً ترسله في قناة نظيفة آمنة بعد البحث عنها إلى إخوتك الكرام في الأراضي المحتلة، وقد هدمت بيوتهم، ودمرت ممتلكاتهم، وجرفت حقولهم، وأتلفت أدويتهم، وقطعت عنهم الكهرباء، فتلفت مدخراتهم الغذائية، وقطعت عنهم المياه فشربوا المياه المالحة، لقد أعدم رجالهم، وسيق شبابهم إلى السجون والمعتقلات، هؤلاء في محنة شديدة، وأرجو أن يكون ورائها منحة من الله عز وجل، ألا يقتضي انتمائك لهذه الأمة أن تمد لهم ببعض ما عندك ؟
 أيها الإخوة الأحباب، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، أترضى أن تعيش، وأنت وادعاً في أهلك، وفي أولادك، عندك قوت يومك، آمن في سربك، وإخوانك يعانون الأمرّين ؟ ألا ترى إلى أحوالهم بأم عينك ؟ ألا تستمع إلى أقوالهم وأخبارهم بأذنك ؟
 أيها الإخوة الأحباب، شيء آخر، حصلت في موقع معلوماتي على الإحصاء التالي، وشيء لا يصدق: شركة دخان واحدة من شركات الدخان في بلد يدعم أعداءنا أرباحها الصافية من مبيعاتها في العالم الإسلامي ثمانون مليون دولار يومياً ؟! يذهب إلى الكيان الصهيوني من هذا المبلغ تسعة ملايين دولار كل يوم، أنت حينما تعلم هذه الحقيقة تتساءل، فما القول في بقية أرباح شركات الدخان في هذا البلد الذي يدعم أعداءنا ؟
ما هي أرباح شركات المياه الغازية التي تعد فلكية ؟ ما هي أرباح المطاعم المنتشرة في شتى بقاع المسلمين وبقاع العرب ؟ كم أرباحها ؟ ما هي أرباح شركات السيارات التي تتصدر الإعلانات عنها المحطات الفضائية العربية ؟ لو أنك امتنعت ذاتياً عن شراء بضاعة من بلد يدعم أعداءنا بأسلحة فتاكة نبيد بها الشعب الفلسطيني، لو أنك امتنعت ذاتياً، من يجبرك في أي مكان في العالم على أن تشتري هذه البضاعة ؟ من يسألك لمَ لمْ تشترِ هذه البضاعة، هذا موقف يستطيعه كل إنسان عربي مسلم في شتى بقاع الأرض، هذا نوع من الدعم لإخوتنا في الأراضي المحتلة، لأن المصلحة المادية هي إله يعبد في هذا العصر.
 فإذا انخفضت مبيعات من يدعم أعدائنا إلى الثلث، أو إلى العشر عندئذ لعلهم يراجعون قراراتهم، ويغيرون سياستهم، أن نمتنع ذاتياً عن شراء أية بضاعة مصنعة في بلد يدعم أعداءنا هذا واجب إسلامي ووطني وقومي.
شيء آخر، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا ))

 إذا كان إخوتنا الكرام في الأراضي المحتلة لهم أبناء في الجامعات، وقد قطعت عنهم الإمدادات بسبب سياسة الحصار والإفقار التي يتبعها العدو الصهيوني، أنت إذا خلفت هؤلاء الطلاب في أهلهم بخير لك مثل أجرهم، وهذا نوع من الأعمال الطيبة التي تدعم بها إخوتنا في الأراضي المحتلة.
 أنا متألم ممَّن يقول: ماذا أعمل ؟ ثم لا يعمل شيئاً ! يقول: ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً، تستطيع أن تقاطع بضاعة من صنع بلد تدعم أعداءنا، وتستطيع أن تقدم شيئاً من دخلك لهؤلاء الذين دمرت بيوتهم، وتستطيع أن تخلف هؤلاء أهلهم بخير، هذا كله متاح لك.
 شيء آخر، حينما تنتمي لهذه الأمة التي حينما استجابت لله عز وجل جعلها خير أمة أخرجت للناس، فلما قصرت في حمل رسالتها إلى بقية الأمم، وقصرت فيما أمرها الله به أصابها وعيد الله عز وجل في قوله تعالى:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

(سورة مريم)

وقد أصاب المسلمين ذلك الغي لأنهم أضاعوا الصلاة، ولا تعني إضاعة الصلاة تركها، بل أنها فرغت من مضمونها.
 أيها الإخوة الأحباب، هذه قنوات سالكة إلى الله عز وجل في دعم إخوتك في الأراضي المحتلة، ينبغي أن يكون انتمائك لهذه الأمة على شكل أن تمتنع عن كل بذخ وترف، هذه الحفلات التي تقام في الفنادق وأبهاء المطاعم وحدائق المزارع، والتي تكلف أموالاً طائلة ، هذه لو حولت إلى هؤلاء المجاهدين الذين يقاتلون عدواً شرساً لعل الله سبحانه وتعالى يرحمك، ويحفظ لك أهلك وأولادك.
 أيها الإخوة الأحباب، شيء آخر، لابد من أن نعرف من هو عدونا ؟ عثرت في موقع معلوماتي على تصريح لكبير مجرمي اليهود يقول لصحفي إسرائيلي في عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين يقول: لن يكون أفضل من ترومان الذي قتل نصف مليون إنسان بقنبلتين جميلتين، ربما سيكرهني العالم، وسيخشاني بدلاً من أن أشتكي إليه، ربما يخاف من الضربات الجنونية بدلاً من أن يعجب بروحي الجميلة، وليرتجف مني، وليعاملني كبلد مجانين، وليقل أننا متوحشون، ونمثل خطر الموت لجميع الجيران، وإننا جميعاً غير أسوياء، ونستطيع أن نغرس أزمة فظيعة إذا قتل طفل منا، وأن نفجر آبار البترول جميعها في الشرق الأوسط، هذا قول كبير مجرمي العدو متى ؟ قبل عشرين عاماً.
 إذاً ينبغي أن نعرف كيف يفكر أعدائنا، وقال مندوب صحيفة هي واحدة من أشهر صحف ثلاث في بلد يدعم أعدائنا يقول: لا توجد قيم، ولا أخلاق، إنما هي القوة، والقوة وحدها، ومنذ خمسة آلاف سنة والقوي يفرض إرادته، وكلما أمعن في القوة كسب أكثر، فنحن جميعاً استأصلنا الهنود الحمر والإنجليز حينما استأصلوا سكان استراليا الأصليين، نجحنا في حسم المعركة، بينما البيض في جنوب أفريقيا لأنهم كانوا أرحم، ولم يستأصلوا هم بالكلية انقلبوا عليهم، وانتصروا في النهاية.
جزء من الإعداد لأعدائنا أن نعرف كيف يفكرون، وأن نعرف خططهم المستقبلية.
 أيها الإخوة الأحباب، لكن الله سبحانه وتعالى يبين لنا أن الإيمان يصنع القوة، وهم يعتقدون أن القوة تصنع الحق، لكننا من وحي السماء نعتقد أن الإيمان يصنع القوة، وأن الأمر بيد الله وحده، بل إن هناك مقولة رائعة: أنت قوي، وهذا سر ضعفك، وأنا ضعيف، وهذا سر قوتي، فنحن إذا رجعنا إلى ربنا، وعرفنا حدوده، ووقفنا عنده، لعل الله يرحمنا، وأعود، وأقول:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

 أيها الإخوة الأحباب، كبير مجرمي العدو من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد وحّدنا، وقرّب فيما بيننا، ودفعنا إلى طاعة الله وطاعة رسوله، إنه يسعى دون أن يشعر، ودون أن يريد أن نصحو من غفلتنا، وأن نقف بعد قعود، ونتعاون بعد تنافس، ونتسامح بعد خصام، هذه كلها آثار إيجابية، لقد قفز الدين إلى بؤرة الاهتمام، لقد كشفت الأقنعة المزيفة عن كل الوجوه، هذه من إيجابيات الذي حدث.
 نرجو الله تعالى أن يكون إيماننا أن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

 أيها الإخوة الأحباب، إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018