٠27برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام والحياة - الدرس : 11 - ولا تأكلوا أموالكم


2002-07-05

 أعزائي المؤمنين، إخوتي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وردت آية كريمة في سورة النساء، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

[ سورة النساء: الآية 29]

إلى آخر الآية.
 أيها الإخوة المؤمنون، جرت العادة في القرآن الكريم أن يخاطب الله الناس بأصول الدين، وأن يخاطب المؤمنين خاصة بفروع الدين، ذلك أن الإنسان في الأصل مخير، والاختيار أحد مقومات التكليف الذي كلفه الله به، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 72]

 رضي أن تكون نفسه أمانةً بين يديه لذلك:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

 

[ سورة الشمس ]

 تزكية النفس تعني أن يعرفها صاحبها بالله عز وجل، وأن يحملها على طاعته، عندها تزكو، فتغدو أهلاً لدخول الجنة، فالله سبحانه وتعالى يخاطب الناس عامةً بأصول الدين، يقول الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 21]

يخاطب المؤمنين بفروع الدين، فإذا جاء في أول الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 معنى ذلك أن المؤمن الذي آمن بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، آمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، لابد أن يكون لهذا الإيمان من التزامات.
 من التزامات الإيمان أن تطيع الله عز وجل فيما أمر، وأن تدع ما نهى عنه وزجر، فلذلك أن يكون الإنسان مخيراً فالتخيير يثمن عمله، والتخيير يجعل من إيمانه إيماناً أساسه المحبوبية، وأساسه المبادرة، فلذلك يقول الله عز وجل:

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾

 

[ سورة الأنعام:الآية 148]

 هذه الآية أصل في نفي الجبر، وحينما يشيع في المسلمين عقيدة فاسدة هي الجبر فإن التكليف لا معنى له، وإن الثواب يبطل، والعقاب يبطل، ولا معنى للجنة، ولا معنى للنار، ولا معنى للمسؤولية، حينما نلغي الاختيار من عقيدة المسلم تبدو الحياة تمثيلية، لا معنى لها، الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 29]

 الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

 

[ سورة الإنسان: الآية 3]

 الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 148]

 حينما نلغي الاختيار من حياة الإنسان فلا معنى لا للجنة ولا للنار، ولا للمسؤولية، ولا للثواب ولا للعقاب، ولا للخير ولا للشر، ولا لكل ما من شأنه أن يرفع من قيمة الإنسان، فالإنسان مخير بنصوص قرآنية كثيرة، ذكرت بعضها، أما حينما نقرأ آيةً قرآنية، ونشم منها رائحة الجبر، قال علماء التفسير: الآيات التي يشم منها رائحة أن الإنسان مجبر لابد من أن تحمل على أن هذا الإجبار هو بمعنى أن الإنسان اختار أن يبتعد عن الدين، اختار ألا يؤمن، فكان الذي حصل له تحصيل حاصل، الإنسان حينما يظن أن الله أضله فهذا الإضلال هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

 

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

 

[ سورة الصف: الآية 5]

 لابد من أن نؤكد هذه الحقيقة الدقيقة والخطيرة والأساسية في عقيدة المسلم، أن الإنسان مخير.

 

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

 

[ سورة الإنسان: الآية 3]

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 148]

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[ سورة الكهف: الآية 29]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾

 

[ سورة الأنعام:الآية 148]

 هذه الآيات كلها تؤكد أن الإنسان مخير، وإذا توهم متوهم أن الله سبحانه وتعالى يضل عباده فهو الإضلال الجزائي، المبني على ضلال اختياري.
 أرأيت لو أن طالباً دخل إلى الجامعة، فلم يداوم إطلاقاً، ولم يحضر أية محاضرة، ولم يدرس، ولم يراجع، ولم يقدم امتحاناً، أنذرته إدارة الجامعة مرات عديدة، فلما أصرّ على مقاطعة الجامعة وحضور دروسها، وتأدية امتحاناتها صدر قرار بترقين قيده، أيقول هذا الطالب: لقد طردوني، لقد أرادوا أن أبقى جاهلاً ؟ لا، هذا القرار تجسيد لاختيار الطالب، هذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، لأنك إذا توهمت أن الله أجبرك على سيئاتك وقعت في إشكال كبير، لا معنى للحياة، لا معنى للمسؤولية، لا معنى للثواب، لا معنى للعقاب، لا معنى للجنة، لا معنى للنار، كل هذه المعاني الدقيقة السامية التي خص الله الإنسان بها تغدو لا معنى لها.
  يروى أن سيدنا عمر جاءه شارب خمر، فقال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليه ذلك، فقال سيدنا عمر: أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الإضرار.
إذاً الإنسان مخير، حينما يختار أن يدخل في الدين، هناك منهج، هناك أمر، وهناك نهي، وهناك عقاب في الدنيا، وهناك عقاب في الآخرة، في الأصل: } لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ {، أنت مخير، أنت مخير أن تدخل في الدين، أو لا تدخل، إنك إن دخلت في الدين فأنت ملزم أن تطبق أحكام الدين، هناك منظومة واسعة جداً من الأحكام المتعلقة بكسب المال، وإنفاق المال، والمتعلقة بعلاقة المؤمن بالنساء، والمتعلقة بكل مناحي حياته، وفروع حياته، لو أن هذا الإنسان اختار ألاّ يدخل في الدين فإن اختياره يعاقبه.
 تصور أن إنساناً يقود شاحنةً، وصل إلى جسر، كتب على هذا الجسر: " الحمولة القصوى عشرون طناً "، ومعه أربعون طنًّا، إذا فكّر أن هناك من يخالفه، هل هناك شرطي يضبطه، يكون حينئذٍ أحمق، لأنه لو اختار أن يخالف هذه اللوحة فاختياره يعاقبه.
 لو أن إنساناً رأى تياراً كهربائياً عالي التوتر، وقد كتب من بعيد: " ممنوع الاقتراب من التيار "، حينما يظن أنه يخالَف دون أن يضبط فهذا وهم كبير، إنه إذا اقترب من التيار أصبح قطعةً من الفحم.
 فالإنسان مخير أن يدخل في الدين، أو ألاّ يدخل، فإذا دخل في الدين فهو ملزم أن يطبق أحكام الدين، الأحكام الإلهية في الدين مُفادها افعل ولا تفعل، أمر يقتضي الوجوب، ونهي يقتضي الترك.
 هذه المقدمة أيها الإخوة سقتها كي يتوضح أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا {، أي: يا من آمنتم بي، يا من آمنتم بوجودي، يا من آمنتم بوحدانيتي، يا من آمنتم بكمالي، يا من آمنتم برحمتي، يا من آمنتم بعلمي، يا من آمنتم بحكمتي، يا من آمنتم أن هذه الدنيا ليست دار قرار، إنها ممر، وليست مقرًّا، يا من آمنتم أن هذه الدنيا دار تكليف لا دار تشريف، وأن هذه الدنيا دار عمل لا دار جزاء، وأن هذه الدنيا دار كد وسعي، لا دار استمتاع ورخاء، طبيعة هذه الدنيا أنه يدفع الإنسان فيها ثمن الجنة، فلذلك الإنسان مخير، ولأنه مخير فكل الحظوظ التي آتاه الله إياها حيادية، يمكن أن ترفعه، أن يصعد بها إلى أعلى عليّين، ويمكن أن يهبط بها إلى أسفل سافلين.
نعود إلى الآية: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا {، وكأن عقداً بينك وبين الله، كأنك تقول: يا رب، سمعاً وطاعة، أنا آمنت بك، اهدني صراطك المستقيم، يقول الله لك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 29]

 في الحقيقة أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، فلما يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

، هذه لام الأمر، هل يعقل أن يأمرنا الله جل جلاله أن نكفر ؟ هذا أمر تهديد.

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 187]

 هل هذا الأمر يقتضي الوجوب ؟ العلماء قالوا: هذا أمر إباحة.

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

[ سورة النور: الآية 32]

 هذا أمر ندب، في الأصل أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وكل نهي في القرآن الكريم يقتضي الترك، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، نحن أمام آية كريمة مصدرة بقوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 وكأن بينك وبين الله عقداً إيمانياً،

﴿ لاَ تَأْكُلُوا ﴾

 لما قال:

﴿ تَأْكُلُوا ﴾

 كأنه شبه المال بالطعام، وحذف الطعام، وبقيت بعض لوازمه، وهو الأكل، أو بوجه الشبه أن الطعام محبب للإنسان، وأنه قوام حياته، والمال أيضاً محبب للإنسان، وهو قوام حياته.
الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان شهوة المال، قال تعالى:

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 14]

 هذه الشهوات التي أودعها الله في الإنسان ما أودعها في الإنسان إلا ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، إنها حيادية، وأشدِّد على كلمة حيادية، يمكن أن تكون سلماً ترقى بها إلى أعلى عليّين، ويمكن أن تكون دركات يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين، المال حيادي، إن كسبته حلالاً، وأنفقته حلالاً ارتقيت به، وإن كسبته حراماً، وأنفقته حراماً هويت به، فالشهوات حيادية، أودعها الله في الإنسان ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، والمال أحد الشهوات التي زينت للإنسان.

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 14]

 فـ:

﴿لاَ تَأْكُلُوا ﴾

 ، شبه المال بالطعام، لأنه يؤكل يومياً، وشبه المال بالطعام، لأنه محبب للإنسان، فجاءت الآية الكريمة:

﴿ لاَ تَأْكُلُوا ﴾

  المال كما قلت قبل قليل قوام الحياة، ولعلك إذا رجعت إلى أحكام الفقه وجدت أن تسعين بالمئة من أحكام الفقه متعلقة بالمال وبالنساء، شهوتان لصيقتان بالإنسان، فلابد من تنظيم كسب المال، وتنظيم إنفاقه،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 أيها الإخوة الأحباب، في كلمة أموالكم، جاء المال جمعاً، والجمع يقتضي كل أنواع الأموال، الأشياء التي يقتنيها الإنسان، ويحرص عليها هي مال، والمال يعني النقد، ويعني المزروعات، ويعني البساتين، ويعني البيوت، ويعني المركبات، كل شيء يحرص الإنسان عليه، ويمكن أن يستخدمه لصلاح حياته يعد مالاً في المفهوم الواسع.

 

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 لماذا جمع المال ؟ ليشير إلى كل أنواع المال، أما حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 هل هناك من معنى أن أُنهى أن آخذ ورقةً مالية من جيبي الأيمن لأضعها في الأيسر، ليس هذا هو المعنى، ذكر الله المال، وأضافه إليكم لحكمة بالغة، هذا المال مال إخوانكم، مال إخوانكم في الإنسانية، مال المسلمين، أنتم منهيّون عن أكله، فلماذا قال الله عز وجل:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 أي هو مالكم من زاوية واحدة، وهي ضرورة المحافظة عليه، وكأنه مالكم، هذا المعنى الأول حينما قال الله عز وجل:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 مال أخيك مالك، مال الإنسان مالك، مال الأخ الذي يسكن معك هو مالك، مال من حولك هو مالك، من زاوية وجوب الحفاظ عليه، وكأنه مالك، فلأَن تمتنع عن أكله حراماً، أو اغتصاباً، أو احتيالاً، أو قهراً فمن باب أولى، فالتوجيه الأول: لا تأكل مالك، أي لا تأكل مال أخيك، لأنك في الأصل يجب أن تحافظ عليه، وكأنه مالك، فلأن تمتنع عن أكله اغتصاباً، أو احتيالاً، أو قهراً فمن باب أولى، هذا هو المعنى الأول.
المعنى الثاني: أيها الإخوة الكرام، أنت حينما تتجرأ، وتأكل مال أخيك فهو سوف يتجرأ، ويأكل مالك، فكأنك مهدت السبيل لأكل مالك، حينما تأخذ من أخيك مالاً من دون حق فقد جرأته أن يأكل من مالك من دون حق، ودخل المجتمع في فوضى كبيرة، لذلك الإمام الشافعي سئل من قِبل أحد الشعراء:

 

يدٌ بخمس مئين عسجدٍ وُدِيَتْ  ما بالها قُطِعَتْ في ربع دينار

 فأجاب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
عزّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري
لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت.
المعنى الثاني، حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 أي إنكم إن أكلتم أموال إخوانكم تجرؤوا على أكل أموالكم، ودخل المجتمع في فوضى، من هذا المنطلق يقول الله عز وجل:

 

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 29]

 أي إذا قتلت أخاك فلابد من أنْ تقتل بسبب هذه الجريمة، فكأنك قتلت نفسك:

﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة الحجرات: الآية 11]

 أي لا تحقر أخاك، إنك إن حقرته فسوف يحقرك، لا تأكل مالك، أي لا تأكل ماله، لأنك إن أكلت ماله فإنه سوف يأكل مالك، هذا هو المعنى الثاني:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 المعنى الثالث: أخوك إن شئت في الإنسانية، وإن شئت في الدين، وإن شئت في الوطن، هذا أخوك، إن قوي قويت معه، وإن ضعف ضعفت معه، فإن أضعفته بأكل ماله فأنت ملزم في النهاية أن تعينه حين يضعف، فلا معنى أن تأكل ماله، فيغدو ضعيفاً، فيبحث عن كسب غير مشروع، فيقلقك، إنك ضعفت نفسك بأكل ماله، وهذا المعنى دقيق جداً، متعلق بالتكافل الاجتماعي، أنت حين تأكل ماله تضعِفه، فإذا أضعفته كان عبئاً عليك، وربما أكل مالك، إذا أضعفته ربما سلك مسلكاً غير مشروع من أجل أن يعيش، فحينما تأكل مال أخيك تضعفه، وحينما تضعفه سوف يقلقك، وسوف تضطرّ في النهاية أن تؤمِّن له حياته، وهذا المعنى كما قلت قبل قليل متعلق بالتضامن الاجتماعي.
المعنى الرابع: أيها الإخوة، الحقيقة:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

 الله أراد أن يكون للأمة بمجموعها سلطة على هذا المال، مادمت تكسبه حلالاً، ومادمت تنفقه في طرق مشروعة، فهو مالك، أما حينما تبذره في المعاصي والآثام، أو حينما تنفقه سفهاً بطراً، حينما تتلفه فلابد للأمة من أن تحجر على تصرفاتك، لأنك بهذا تبدد مالاً لابد للأمة أن تنتفع به في النهاية، فهذا المعنى الرابع يشير إلى أن الأمة بمجموعها لها سلطان على هذا المال، بمعنى أنك إذا أنفقته في وجوهه المشروعة فلا شيء عليك، أما حينما تنفقه إسرافاً وتبذيراً، أو حينما تتعامل مع المال بتعسف شديد عندئذ لابد للأمة من أن تتدخل، وأن تأخذ منك هذا المال الذي لم تنفقه في الوجه الصحيح، ذلك أن أحد الصحابة الكرام يقول: " حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي "، بل إن القرآن الكريم أشار إلى أن المال قوام الحياة.
أيها الإخوة الأحباب، معنىً آخر، حينما قال الله عز وجل:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾

 الحقيقة أن المجتمع حينما يضمن للإنسان أن يقطف ثمار عمله فإن الحياة تتوسع، وإن الاقتصاد يتنامى، وإن الأمور تجري بوسع، عندئذ ينتعش المجموع، حينما نضمن لكل إنسان أن يكسب مالاً مشروعاً، وأن نضمن له ثانيةً أن يقطف ثمار جهده، عندئذ ينطلق الناس إلى الأعمال، بدل أن يكون المال عن طريق المال يكون المال عن طريق الأعمال، وفرق كبير بين أن يلد المالُ المالَ، وبين أن تلد الأعمال المال، إن المال إذا ولد المال تجمع في أيدي قليلة، وحرمت منه الكثرة الكثيرة، أما إذا ولدت الأعمال المال توزع بين الناس.
المعنى الأخير السادس فيما أذكر:

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ ﴾

 أي احرصوا على أن تضمنوا لكل إنسان أن يقطف ثمار عمله، إذا قطف ثمار عمله تفوقت الأمة، ونما اقتصادها، وعاش الناس في بحبوحة.

 

﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ ﴾

ما هو الباطل ؟
 أيها الإخوة الكرام، هناك حقيقة جامعة مانعة، المال الحرام هو مال أساسه أن منفعة نالها إنسان بُنِيَتْ على مضرة، وأوضح مثلٍ لها السرقة، السارق أخذ مالاً من دون تعب، والمسروق بذل جهداً كبيراً، وضاع المال، فحينما تبنى منفعة على مضرة فالمال حرام.
 ومنه القمار، ومنه الربا، كل مال يبنى على مضرة يعد كسبه حراماً، وهذا أصل في كسب المال الحرام، أما كل منفعة متبادلة بين اثنين فالمال بهذا المعنى كسب حلال.
 المضاربة، لو أن إنساناً لا يحسن أن يستثمر ماله، وإنساناً آخر يحسن استثمار المال، ولا يملك المال، فتعاون الأول مع الثاني، وكان الربح بينهما، فهذه منفعة متبادلة، نال صاحب المال ربحاً، وأصاب صاحب الجهد ربحاً.
إذاً حينما يبنى الكسب على منفعة متبادلة فهو الكسب الحلال، وحينما يبنى الكسب على منفعة أساسها مضرة فهو الكسب الحرام.
 أيها الإخوة، سيدنا عمر رضي الله عنه قال مرةً لأحد ولاته: " ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً، فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال: يا هذا، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسدّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
 أيها الإخوة الأحباب، كلمة } بَيْنَكُمْ { لابد من وقفة سريعة، التصميم الإلهي للمال أن يكون متداولاً بين مجموع أفراد الأمة، فإذا كان معظمه في أيد قليلة، وأقلّه في أيدٍ كثيرة وقع الاختلال، لذلك يقال في بعض الإحصاءات: إن عشرة بالمئة من سكان الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثرواتها، هذا خلل في الكسب، وفي الإنفاق، يسبب ما تعانيه البشرية اليوم من مآسٍ لا تنتهي.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون جميعاً قد أفدنا من هذه الحقائق، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى،.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018