٠27برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام والحياة - الدرس : 18 - الأمانة


2002-10-11

الأمانة :

  أعزائي المؤمنون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في سورة النساء آية دقيقة جداً، هي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾

[ سورة النساء: 58]

 أيها الأخوة، مفهوم الأمانة دقيق جداً، لو أن إنساناً وضع عندك مئة ألف، وأخذ منك إيصالاً رسمياً، هذا المبلغ ليس أمانةً عندك، لأنه يستطيع أن يقاضيك، وأن يأخذه منك عنوةً، وإن وضع مبلغ مئة ألف، وشهد عليك شاهدان، فهذا المبلغ ليس أمانةً، لأن الشاهدين يمكن أن يكونا دليلين على أنك تحوز هذا المبلغ، أما لو وضع إنسان عندك مئة ألف، ولم يأخذ منك إيصالاً، ولم يشهد عليك أحداً، فأنت مخير، إما أن تؤدي هذا المبلغ، أو ألّا تؤديه، هذا المبلغ الذي هو عندك، ولست مداناً في الأرض يمكن أن يسمى بالمعنى الدقيق: أمانة، لك أن تؤديه، ولك ألّا تؤديه.

الأمانة الكبرى هي أمانة التكليف :

 الله عز وجل حينما يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

[ سورة النساء: 58]

 الحقيقة هذه الكلمة واسعة جداً، وقد جاءت كلمة الأمانة جمعاً:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

[ سورة النساء: 58]

 الأمانة الكبرى هي أمانة التكليف، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72]

 الإنسان هو المخلوق الأول في الكون، لأنه قبِل حمل الأمانة، لأنه قَبِل أن تكون نفسه أمانةً بين جنبيه، إن شاء زكاها، وعرفها بربها، وإن شاء دساها، وجعلها جاهلةً شقية، نفسه بيده، نفسه أمانةً عنده.
 لذلك أعظم أمانة ينبغي أن نبدأ الحديث عنها هي أمانة التكليف، قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72]

مقومات الأمانة :

1 ـ الكون :

 لكن الله جلّ جلاله ما حملنا الأمانة إلا وقد أعطانا مقوماتها. أولى مقومات هذه الأمانة أنه سخر لنا هذا الكون بسماواته وأرضه، بجباله ووديانه، ببحاره وأنهاره، بأطياره وأسماكه، بنباتاته وأزهاره، سخر لنا هذا الكون جميعاً منه، لأننا قَبِلْنا حمل الأمانة، وهذا التفسير أيها الأخوة جاء على نوعين: سخر لنا هذا الكون تسخير تعريف، وتسخير تكريم، فأي شيء خلقه الله عز وجل له مهمة كبيرة جداً، هو أن يعرفنا بالله عز وجل، عَنْ قَتَادَةُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ:

(( هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[سنن أبي داود عن قتادة]

 أي خير ننتفع به في الدنيا، ورشد يرشدنا إلى ربنا، فما من شيء خلقه الله في الكون إلا وقد سخر لهذا الإنسان إما تسخير تعريف، أو تسخير نفع، أو تسخير تعريف ونفع في وقت واحد، فكل ما في الكون آية تدل على وجود الله، وعلى كماله، وعلى وحدانيته، تدل على أنه هو الخالق، وهو الرب، وهو المسير.

2 ـ العقل :

 من مقومات حمل الأمانة أنه منحنا عقلاً، هو أداة معرفة الله، والعقل مبادئه تتناسب مع مبادئ الكون.

3 ـ الفطرة :

 ومن مقومات حمل الأمانة أنه منحنا فطرةً، هذه الفطرة تكشف لنا أخطاءنا، فقد قال الله عز وجل:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8 ]

 أي إن الإنسان بفطرته يكشف خطأه، ويكشف صوابه.

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8 ]

4 ـ الشهوات :

 ومن لوازم حمل الأمانة أنه أودع فينا الشهوات لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، نرقى بها مرةً صابرين، ومرةً شاكرين، فنحن حينما نكسب المال الحلال نرقى إلى الله شاكرين، وحينما نمتنع عن المال الحرام نرقى إلى الله صابرين، سخر هذا الكون لنا بسماواته وأرضه تسخير تعريف وتكريم، أعطانا نعمة العقل كي نعرف الله عز وجل من خلال خلقه، أعطانا الفطرة السليمة التي تكشف لنا أخطاءنا كشفاً ذاتياً، قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8 ]

 أودع فينا الشهوات لنرقى بها إلى الله مرتين؛ شاكرين وصابرين.

5 ـ حرية الاختيار :

 ثم أعطانا حرية الاختيار ليثمن عملنا، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 3]

6 ـ الشرع :

 وفوق كل ذلك أعطانا فيما يبدو قوةً نستطيع أن نحقق بها أهدافنا، وفوق كل ذلك أعطانا منهجاً نسير عليه، فالشرع هو الحق من عند الله عز وجل، والشريعة كما قال بعض العلماء: مصلحة كلها، رحمة كلها، عدل كلها، حكمة كلها، وأية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الحكمة إلى خلافها فهي ليست من الشريعة، ولو أدخلت عليه بألف تأويل وتأويل.
 هذه مقومات حمل الأمانة، والإنسان مخير، إما أن يزكي نفسه ويسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن يبقيها جاهلةً فيشقى في الدنيا والآخرة.

أمانة التكليف هي الأمانة العظمى التي تحدد هويتنا :

 أيها الأخوة؛ هذه أمانة التكليف تؤكدها الآية الكريمة:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72]

 هذه الأمانة هي الأمانة العظمى، هذه الأمانة هي التي تحدد هويتنا، هذه الأمانة هي التي كانت سبب تكريمنا، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

 هذه الأمانة هي سبب تكليفنا، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

من الأمانات أيضاً :

1 ـ أمانة التبليغ و التبيين :

 هناك أمانات أخرى، هناك أمانة التبليغ، هي أمانة الأنبياء والرسل، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة المائدة: 67 ]

 فالأنبياء والرسل ألقي في أعناقهم أمانة التبليغ، أما العلماء ومن نابوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في إبلاغ العلم فأمانتهم أمانة التبيين، ينبغي أن يبينوا، وأن يوضحوا، وألّا يكتموا، وهذه أمانة عظمى يسألهم الله عنها، هذا الذي يفتي بغير علم فقد وقع في خطأ كبير، أما الذي يفتي بخلاف ما يعلم فقد وقع في جرم خطير، لأنه خان أمانة التبيين، الأنبياء أمانتهم أمانة التبليغ، والعلماء أمانتهم أمانة التبيين.

2 ـ أمانة الولاية :

 هناك أمانات أخرى، من هذه الأمانات أمانة الولاية، تروي زوجة سيدنا عمر بن عبد العزيز أنها دخلت عليه في مصلاه فرأته واضعاً يده على خده، ودموعه تسيل، فقالت له: مالك تبكي؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه قال: يا فاطمة، إني قد وُلِّيت هذا الأمر، ففكرتُ في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهول، واليتيم المكسور، والمظلوم المقهور، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذي العيال الكثير والرزق القليل، وأشباههم في أطراف البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم جميعاً، وأن حجيجي دونهم رسول الله، فلهذا أبكي، دعيني وشأني.
 هذه أمانة الولاية، الإنسان إذا تسلم عملاً سوف يحاسبه الله عليه، هل ضيع أم لم يضيع؟ هل أهمل أم اهتم؟ هل كذب أم صدق؟ هل أتقن أم لم يتقن؟ هل أدى الأمانة أم لم يؤدها؟ هذه أمانة الولاية.

3 ـ أمانة التولية :

 هناك أمانة التولية، أنت حينما تعيّن على مجموعة أشخاص رجلاً ليس كفئاً، وفيهم من هو أكفأ منه فقد خنت الله ورسوله، لذلك سيدنا عمر حينما عيّن والياً سأله: إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ماذا تفعل؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
 أمانة الولاية، وأمانة التولية، لذلك الله عز وجل يقول:

﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 59]

 قال الإمام الشافعي: أولي الأمر هم العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، والأمراء ينفذون الأمر.
 الحقيقة أن بعضهم يقول: الورع حسن، لكن في العلماء أحسن، والعدل حسن، لكن في الأمراء أحسن، والحياء حسن، لكن في النساء أحسن، والتوبة حسن، لكن في الشباب أحسن، والسخاء حسن، لكن في الأغنياء أحسن، والرضا حسن، لكنه في الفقراء أحسن: " صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، الأمراء والعلماء".

4 ـ أمانة الواجب :

 أيها الأخوة، أمانة الواجب أمانة خطيرة جداً، هذا الطالب أمانة في عنق المدرس، ينبغي أن يعلمه العلم الجيد، ينبغي أن يعتني به، ينبغي أن يتابعه، هذه أمانة التعليم، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 فكل الطلاب أمانة في عنق مدرسهم، ينبغي أن يعلمهم، وأن يهذبهم، وأن يرشدهم، وأن يوجههم، وأن يعتني بهم، وأن يحل مشكلاتهم، هذه أمانة التعليم.
 المريض أمانة في عنق الطبيب، هل نصحه؟ هل حرص على شفائه؟ هل دله على متخصص؟ هل أخلص له؟ هل كلفه ما يطيق أم كلفه ما لا يطيق؟ هل كلفه بتحاليل لا حاجة له بها؟ الله عز وجل يعلم، ويشاهد، هل أدى الأمانة لهذا المريض؟ هل اعتنى به العناية الكافية؟
 الموكل أمانة في عنق المحامي، هل نصحه؟ هل بيّن له الحقيقة المرة أم أعطاه معلومات غير صحيحةً؟ هذا الموكل هل خدمه المحامي أم ابتزّ ماله؟ الله وحده يعلم.
 البائع هذا الذي يشتري حاجةً هل غشه؟ هل أوهمه؟ هل دلس عليه؟ هل أعطاه سلعةً جيدةً بسعر معقول؟
 أيها الأخوة؛ هذا الفلاح الذي يزرع الأرض قد يستخدم مواد مسرطنة، هل يفعل هذا ولا يعبأ بمنهج الله عز وجل أم أن الله عز وجل سوف يحاسبه حساباً شديداً؟ فأنت حينما تأكل هذا الإنتاج الزراعي ينبغي أن يكون الذي زرعه يتقي الله عز وجل، فهذا الذي يشتري هذا الإنتاج أمانة في عنق الزارع.
المنشآت أمانة في عنق المهندس، هل اعتنى بها؟ هل حضر وقت الأعمال الحاسمة؟ هل أغفل بعض الأخطاء؟ هل تجاوزها؟ هذا كله محاسب عليه عند الله، وعند الناس.

عظمة الإيمان أنه مبني على الوازع الداخلي :

 أيها الأخوة الكرام؛ كل أعمالنا وحرفنا أمانة في أعناقنا، وحينما يراقب الإنسان الله عز وجل، حينما يستقيم على أمره يوفقه الله عز وجل، والحقيقة أن الأمانة غنىً، أنت حينما تؤدي الأمانة أداءً صحيحاً تغتني، بل هي بشارة من النبي عليه الصلاة والسلام، لا يمكن أن يصلح الناس من غير إيمان بالله عز وجل، لأن الإيمان بعظمته أنه مبني على الوازع الداخلي، بينما القوانين الوضعية أساسها الوازع الخارجي.
 سيدنا عمر حينما رأى راعياً قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب، قال: والله إنني في أمسّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟
 عظمة الدين أنه يبنى على الوازع الداخلي، هذا الإنسان المؤمن بالله يشعر أن الله معه، وأنه يراقبه، وأن الله  يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ، بينما الإنسان المتفلت من منهج الله، الغافل عن الله يظن أنه يعمل ولا أحد سيحاسبه، لكن الله موجود، لمجرد أن تدخل الله في حساباتك اليومية فأنت مؤمن، ولمجرد ألّا تدخل مراقبة الله لك ومحاسبته لك في حركاتك وسكناتك فأنت غير مؤمن.
 أيها الأخوة الأحباب؛ أعمالنا، حرفنا، وسائل ارتزاقنا أمانة في أعناقنا، لا تصلح الحياة من دون هذه المراقبة الذاتية.

5 ـ أمانة العلاقات :

 أيها الأخوة الأحباب؛ هناك أمانة العلاقات، المجالس بالأمانة، الأعراض أمانة، الأجسام أمانة، فكل هذه الأمانات في أعناقنا، ينبغي أن تؤدى أداءً عظيماً.

مراقبة الله و الاستقامة على أمره :

 الحياة التي نحياها لا يمكن أن تستقيم من دون مراقبة لله عز وجل، أنقل لكم بعض الصور التي فيها مفارقة: حينما يضع إنسان قانوناً، والذي وضع له القانون قد يكون أذكى منه، ففي بلاد بعيدة عنا هناك أجهزة تراقب السرعات العالية في السيارة، الإنسان صنع جهازاً يكشف هذا الجهاز الذي يراقبه، فقبل حين يعدل السرعة حتى تأتي وفق هذا الجهاز، لابد للجهة التي تسير الأمور من أن تصنع جهازاً ثالثاً لكشف الأجهزة التي في السيارات، نحن في متاهة لا تنتهي، لأن واضع القانون قد يكون ذكياً، والذي وضع له القانون قد يكون أذكى، فحينما نحكم القوانين الوضعية وحدها نقع في متاهة كبيرة، أما في الدين العظيم فالوازع الداخلي هو الأصل، بينما في الأنظمة الوضعية الروادع الخارجية هي الأصل، ولا يمكن لهذه الروادع الخارجية أن تكون كافية لتحقيق الأهداف.
 أيها الأخوة الأحباب، موضوع دقيق جداً، أن الإنسان حينما لا يؤدي الأمانة أداءً صحيحاً يقع في الحرام، يقع في كسب حرام، الكسب الذي كسبه من دون أن يؤدي الأمانة التي أرادها الله عز وجل يكون دخله حراماً، والإنسان إذا كان دخله حراماً كما يقول عليه الصلاة والسلام في حديثه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ:  يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ، وَقَالَ:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 كيف يكون الدعاء مستجاباً؟ إذا كان المطعم حلالاً، والغذاء حلالاً، متى يكون المطعم والمشرب والغذاء حلالاً؟ إذا كانت الأمانة مؤداة كما هي؟ إذاً هذا الموضوع، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

[ سورة النساء: 58]

 موضوع يتصل بحياة الناس جميعاً، موضوع يدور مع الإنسان في كل دقيقة، كل كلمة يقولها يحاسب عليها، كل وصف يصف به البضاعة، قد يكون هذا الوصف مبالغاً فيه، وقد يكون هذا الوصف ينطوي على تدليس، أو ينطوي على كذب، فالإنسان حينما يراقب الله عز وجل تصلح أموره، ويكون مستجاب الدعوة.

أداء الأمانة لأن الله يعلم و سيحاسب :

 أيها الأخوة الأحباب؛

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

[ سورة النساء: 58]

 هذه الأمانة سوف نحاسب عنها يوم القيامة، ذلك أن الإنسان حينما يؤمن أن الله موجود، وأنه يعلم، وأنه سيحاسب لا يمكن أن يخالف أمره، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

  لماذا اختار الله من أسمائه العلم والقدرة، إنك إن أيقنت أن الله يعلم، وأنه سيحاسب فلابد من أن تستقيم على أمره.

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

المنازعة و أكل الحقوق من أسباب تضييع الأمانة :

 أيها الأخوة؛ نحن حينما نؤدي الأمانة تصلح علاقتنا مع الله عز وجل، يصبح الطريق إلى الله سالكاً، يمكن أن نصلي، يمكن ألا نحجب عن الله بعدم أداء الأمانة.
 أولاد الإنسان أمانة في عنقه، هل سأل عن دينهم؟ هل سأل عن خلقهم؟ هل سأل عن تحصيلهم؟ هل حرص على هدايتهم؟ أم أنه اكتفى بصحتهم، وتفوقهم الدراسي، ولم يعبأ بدينهم.
 الزوجة بيتها أمانة في عنقها، هل رعت أهلها وأولادها رعايةً حسنة؟ ألم يقل عليه الصلاة والإسلام:

(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[ورد في الأثر]

 الأمانة كلمة كبيرة جداً، أشفقت من حملها السماوات والأرض، والإنسان قال: أنا لها أنا لها يا رب، وقبِل حمل الأمانة، لذلك حينما لا تؤدي الأمانة تقع المنازعات، حينما لا تؤدى الأمانة تفسد الحياة، حينما لا تعد الأمانة ينشب الخصام بين الناس، لذلك جاء قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾

[ سورة النساء: 58]

 علاقة القسم الثاني من الآية مع القسم الأول أنه إن لم تؤد الأمانة فلابد من المنازعة، لابد من أكل الحقوق، لابد من العدوان، إذاً:

﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾

[ سورة النساء: 58]

 العادل هو الله، وأسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾

[ سورة الروم: 27]

 اسم العدل يحقق كلياً يوم القيامة، وأن تؤمن بالله فقط دون أن تؤمن باليوم الآخر، هذا لا يكفي، ولا يجدي، لابد من أن تؤمن بالله واليوم الآخر، لابد من أن تؤمن أن الله موجود، وأنه يعلم، وأنه سيحاسب، عندئذ تستقيم على أمره، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾

[ سورة فصلت: 30-31 ]

﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾

[ سورة النساء: 58]

النار مصير الطغاة يوم القيامة :

 آية دقيقة تفيدنا في هذا الموطن، يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم: 71 ]

 النار، وقال العلماء: ورود النار غير دخولها، الذي يرد النار لا يتأثر بوهجها، ولكن ليرى يوم القيامة أن هؤلاء الذين سفكوا دماء الشعوب، أن هؤلاء الذين قهروا الشعوب، أين مصيرهم؟

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم: 71 ]

 ذلك أن النار هي مصير الظلمة، مصير الطغاة، مصير الذين بنوا أمجادهم على أنقاض الناس، مصير الذين بنوا حياتهم على موت الناس، مصير الذين بنوا أمنهم على خوف الناس، مصير الذي بنوا غناهم على إفقار الناس، لذلك:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم : 71 ]

 الله عز وجل في الدنيا يعاقب بعض المسيئين ردعاً للباقين، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ولكن الحساب التام، ولكن رصيد الحساب يوم القيامة، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185 ]

 من هو العاقل؟ الذي يدخل يوم القيامة في حساباته اليومية، العاقل الذي يدخل ساعة الحساب في كل حركاته وسكناته.

الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور :

 أيها الأخوة الأحباب؛

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾

[ سورة النساء: 58]

 يعلم، يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، هو يسمعك إذا تكلمت، هل أنت صادق أم غير صادق؟ يرى أحوالك، هل أنت كما تدّعي أم أنت على خلاف ما تدّعي؟ لو أن كل واحد منا فهم هذه الآية فهماً دقيقاً فعكسها على عمله، وعلى بيته، وعلى علاقاته الاجتماعية، وعلى علاقاته الزوجية، وعلى كسب رزقه لكنا في حال غير هذا الحال.
 الحقيقة أيها الأخوة كما قال بعض العلماء: الشريعة عدل كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها، فكل قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة، من العدل إلى الجور، من الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
 وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018