٠27برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام والحياة - الدرس : 19 - منهج البحث والتلقي


2002-12-20

المحافظة على جوهر الدين لأنه سبب سعادتنا و تفوقنا :

 أخوتي المؤمنون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، موضوع هذا اللقاء الطيب منهج البحث والتلقي في الإسلام.
 الله جلّ جلاله ذات كاملة كمالاً مطلقاً، دينه كامل كمال مطلق، يقول الله عز وجل:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 والتمام عددي، والكمال نوعي، أي إن عدد القضايا التي عالجها الدين تام.

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 هذا الدين دين الله، لا يجوز أن نضيف عليه، ولا أن نحذف منه، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، فالله سبحانه وتعالى حينما بيّن في كتابه الكريم أن هذا الدين قويم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن هذا الدين هو دين الله، ووحي الله جلّ جلاله، فلأن هذا الدين كامل فلا يجوز أن نضيف عليه شيئاً، ولا أن نحذف منه، فلو أضفنا عليه ما ليس منه لنشأت فرق ومذاهب، وهذه تعارضت، وتنافست، وصار بأسها بينها، ولو حذفنا منه لكان ضعفاً وتخلفاً وانهياراً لحضارتنا، وإن أضفنا عليه أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، كانت هذه الإضافات سبب فرقتنا.
 أيها الأخوة الأحباب؛ حينما ننحرف عن منبع الدين الصحيح، الدين له منابع أصيلة، وله مصبات إن صح التعبير، فحينما نعود إلى منابع الدين الصافية نجتمع، ونتوحد، ونتعاون، وحينما نحافظ على جوهر الدين، ولا نسمح أن يضاف عليه شيء، ولا أن يحذف منه شيء، يصبح هذا الدين ديناً قويماً، وهو سبب سعادتنا وتفوقنا.

الابتعاد عن التجديد في الدين :

 الحقيقة حينما ننحرف عن جوهر الدين نؤلّه الأشخاص، ونخفف التكاليف، ونعتمد النصوص الموضوعة والضعيفة، ونتجه إلى نزعة عدوانية، وما من فرقة ضالة في التاريخ الإسلامي إلا اعتمدت تأليه الأشخاص، وتخفيف التكاليف، واعتمدت نصوصاً موضوعة لا أصل لها، ثم كانت ذات نزعة عدوانية، أما حينما نحافظ على جوهر الدين وأصوله لا نزيد عليها، ولا نحذف منها، فيكون هذا الدين سبب رقينا وسعادتنا.
 قد يطرح أحياناً موضوع التجديد، فالتجديد له معنى دقيق، لا يجوز أن نحيد عنه أبداً، أن نحذف أو ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه.

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ، يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ... ))

[سنن النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 أيها الأخوة الأحباب، ينبغي أن نعلم علم اليقين أن التجديد بتعريفه الدقيق يعني أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، فإذا مثلنا الدين ببناء يمكن أن ننزع عن أحجاره الطبقة التي تراكمت عليه عبر السنين، أن نعيد للحجر لونه الصحيح ونقاءه وجماله، أما أن نضيف طابقاً، أو نحذف طابقاً فهذا ليس تجديداً في الدين، بل هو تشويه في الدين.
 أيها الأخوة، الدعوة إلى الله أساسها أن ننقل للناس ما عُلم من الدين بالضرورة، فلو أضفنا على الدين شيئاً، ودعونا إليه لتفرقنا، ولو حذفنا من الدين شيئاً، ودعونا لهذا الحذف لضعفنا، ونعاني الآن ما نعاني بسبب ما أضيف، أو ما حذف من الدين، فلا بد من دعوة واضحة صريحة إلى أن نحافظ على ما علم من الدين بالضرورة، كما صح من النصوص التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الاتباع من خصائص الدعوة الخالصة لله :

 هناك من يقول: إن في الحياة التي نعيشها دعوة إلى الله خالصة، هذه الدعوة الخالصة من خصائصها الاتباع، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: " أنا متبع "، يتبع منهج الخالق، الخالق كامل كمالاً مطلقًا، ومنهجه كذلك، فالذي يدعو إلى الله بإخلاص ينبغي أن يتبع لا أن يبتدع، أن يتعاون، أنت حينما تحمل همَّ المسلمين، تتعاون مع إخوتك المؤمنين، ولا تتنافس معهم، أنت حينما تحمل همّ المسلمين تعترف لكلٍّ بفضله، وتتعاون مع إخوانك المؤمنين.
 من صفات الدعوة الخالصة إلى الله الاتباع، والتعاون، والاعتراف بفضل الآخرين، هذه خصيصة، لذلك قالوا: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع.
 ولو بحثنا في المشكلات التي يعاني منها المسلمون بعمق شديد لوجدنا أن الإضافات أو المحذوفات هي سبب بلاء المسلمين اليوم، النصوص الضعيفة والموضوعة تفرِّقنا، وحذف ما علم من الدين بالضرورة يضعفنا، فلذلك ينبغي أن ندعو إلى الله بإخلاص، أما قد تجد دعوة إلى الذات، وليست دعوة إلى الله، قد تجد دعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، هذه الدعوة من خصائصها الابتداع لا الاتباع، التنافس لا التعاون، إنكار ما عند الآخرين.
 يجب أن نعلم اليقين أن الانتماء يجب أن يكون لمجموع المؤمنين لا إلى بعضهم، لا إلى فقاعات صغيرة، حينما ننتمي إلى مجموع المؤمنين نكون قوة كبيرة، والعالم اليوم يشهد تكتلات كبيرة لا تملك من مقومات التكتل ما يملك المسلمون اليوم، ومع ذلك هم متفرقون.

الدعوة إلى الله عز وجل من أعظم الأعمال :

 أيها الأخوة الكرام، ما من عمل يتذبذب بين أن يكون عملاً من أقدس الأعمال، ومن أعظم الأعمال، بل ربما كان من نوع صنعة الأنبياء.

﴿ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 45-46 ]

 فالدعوة إلى الله عز وجل من أعظم الأعمال، بدليل قول الله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 أيها الأخوة؛ هذه الدعوة من أجلِّ الأعمال، أما إذا اتخذت مطية للدنيا فهي من أتفه الأعمال، ما من عمل يتذبذب بين أن يكون عملاً عظيماً مقدساً كأن يكون من نوع صنعة الأنبياء كالدعوة إلى الله، وما من عمل يضعف، ويصغر حتى يكون عملاً مبتذلاً لا يستحق إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله إذا اتخذت مطية للدنيا.
 من أروع ما قال الإمام الشافعي: والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين. فهذه الدعوة ينبغي أن تكون خالصة لوجه الله عز وجل، ينبغي على الداعية أن يحمل همّ المسلمين، ينبغي أن يتبع لا أن يبتدع، أن يتعاون لا أن يتنافس، أن يعترف ما عند الآخرين من فضل لا أن يدّعي الفضل له وحده.

منهج البحث والتلقي في الإسلام :

1 ـ الحقيقة العلمية هي حقيقة مقطوع بصحتها تطابق الواقع عليها دليل :

 أيها الأخوة الأحباب، هذا تقديم لموضوع هذه الحلقة، ألا وهو منهج البحث والتلقي في الإسلام.
 بادئ ذي بدء؛ الحقيقة العلمية هي حقيقة مقطوع بصحتها، تطابق الواقع، عليها دليل، والإنسان قد يتلقى مقولات في حياته لا تعد ولا تحصى، وهذه المقولات أو الملاحظات والطروحات التي يسمعها الإنسان من خلال علاقاته الاجتماعية، ونشاطاته المتعددة، هل يقبلها كلها أم يردّها؟ إن قبلها فبأي منهج يقبلها؟ وإن ردها كيف يردها؟ هل هناك من منهج علمي يكون حكماً أو مقياساً لما ينبغي أن نقبل أو لما ينبغي أن نرفض لأنه قد مضى على ظهور هذا الدين العظيم ألف وخمسمئة عام تقريباً؟ من خلال هذه الأعوام المديدة طرح في حقل الدين طروحات لا تعد ولا تحصى، هناك مقولات وآراء لا تعد ولا تحصى، أنا كمسلم هل أقبلها أم أرفضها؟ كيف أقبل الذي أقبله؟ وكيف أرفض الذي أرفضه؟ لابد من منهج يعد مقياساً، فأنت حينما تتاجر بالأقمشة، وتأتيك صفقة من الأثواب على كل منها لصاقة كتب طولها، لعلك تشك في هذا الطول هل هو صحيح أم مزوّر؟ معك متر لتقيس به، فمنهج التلقي ومنهج البحث مهمّ جداً في حياة المسلمين، فهو أهم من مفردات العلم، فبمنهج التلقي تتعلم كيف تصطاد السمك، أما من دون منهج التلقي فقد تأكل السمك مرة واحدة، فمنهج التلقي أي المنهج العلمي الذي تتخذه مقياساً لقبول الذي تقبله، ولرفض الذي ترفضه، هذا المنهج له معالم، من معالم هذا المنهج حينما نعرف الحقيقة العلمية، لأنها حقيقة مقطوع بها، معنى مقطوع بها أي يقينية مئة في المئة، لو لم تكن يقينياً لكانت ظناً أو شكاً أو وهماً، فالوهم كما يقول بعض العلماء ثلاثون في المئة، والشك خمسون في المئة، والظن تسعون في المئة، لكن الحقيقة العلمية لا تقبل الشك، ولا الوهم، ولا الظن، ينبغي أن يكون مقطوعاً بها مئة في المئة، حقيقة علمية مقطوع بها تطابق الواقع، فالواقع محك للحقيقة، فمن تعاريف العلم الموجزة: الوصف المطابق للواقع مع الدليل، فحقيقة مقطوع بها تطابق الواقع عليها دليل، لو ألغينا الدليل لكان هذا الذي نعتقده تقليداً، وليس يقيناً، حتى لو كان اعتقادك صحيحاً اعتقدته من دون دليل، ومن دون بحث، ودرس، لا يقبل عند الله عز وجل، ذلك لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة محمد: 19 ]

 لم يقل الله: فقل، قال: فاعلم، ولو أن الإنسان تقبل عقيدته تقليداً واتباعاً من دون تفكر وتحقق لم ينجُ عند الله عز وجل، لأن كل من تلقى شيئاً مزوراً منحرفاً وقبله محاسب هو عنه، هذا التعريف الدقيق للحقيقة العلمية أنها حقيقة مقطوع بها، لو لم يكن مقطوعاً بها لكانت وهماً أو شكاً أو ظناً، والدين لا يقبل الوهم ولا الشك ولا الظن، لو لم تطابق الواقع لكانت جهلاً، لو لم يكن عليها دليل لكانت تقليداً، ينبغي أن ننفي عن معتقداتنا ما كان وهماً أو شكاً أو ظناً، وما كان مخالفاً للواقع.

2 ـ حتمية تطابق النقل مع العقل :

 الحقيقة الصارخة أن الواقع خلق الله عز وجل، وأن هذا العقل مقياس أودعه الله فينا، وأن هذه الفطرة مقياس آخر أودعه الله فينا، وأن هذا الدين بالكتاب والسنة وحي الله عز وجل.
 فالنقل وحي الله، والكون خلق الله، والعقل مقياس أودعه الله فينا، والفطرة مقياس نفسي أودعها الله فينا، فإذا كانت كل هذه المقاييس التي نتعامل معها من عند الله عز وجل من أصل واحد، ينبغي أن تكون متفقة فيما بينها، هذا ما دفع بعض كبار العلماء أن يؤلف كتاباً حول ضرورة وحتمية تطابق النقل مع العقل، فالنقل هو الوحي، والعقل مقياس أودعه الله فينا.
 أيها الأخوة الكرام، أكاد أقول: إن الحقيقة دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، العقل ينبغي أن يكون صريحاً، لا أن يكون تبريرياً، قد يتعارض النقل مع العقل التبريري الذي هو في خدمة شهوات الإنسان، لكن النقل لا يمكن أن يتعارض مع العقل الصريح المنزه عن المصالح والأهواء، والفطرة قد تكون سليمة، وقد تكون مطموسة، أما الفطرة السليمة فلا تتعارض أبداً مع النقل الصريح، وأما الواقع الموضوعي فلا يتعارض مع الواقع الصحيح.
 نحن أمام حقيقة مقطوع بها، يؤكدها الواقع، عليها دليل، هذه الحقيقة تمثل جانباً أساسياً من جوانب الدين، بل إن الحقيقة التي يعتمدها الدين هي حقيقة جاء بها النقل الصحيح وأقرها العقل الصريح، وارتاحت إليها الفطرة السليمة، وأكدها الواقع الموضوعي، هذه حقيقة أخرى.
 أيها الأخوة الأحباب؛ نحن كوننا مسلمين معنا نصوص، الوحي نص، عندنا نص قرآني، ونص نبوي، ونص آخر.
 فالنص القرآني قطعي الثبوت، ليس أمامنا من نشاط حياله إلا أن نفهمه فهماً وفق علم الأصول لا فهماً مزاجياً، ينبغي أن نفهم النص كما أراده الله أن يفهم، ينبغي أن نعتمد علم أصول الفقه في فهم دقائق النص القرآني.
 نحن نشاطنا مع النص القرآني نشاط واحد، أن نفهمه فهماً صحيحاً كما أراده الله جلّ جلاله، أي نفهمه وفق قواعد قطعية، تسمى اليوم علم أصول الفقه.
 لكننا إذا انتقلنا إلى النص النبوي فنحن أمام نشاطين، النشاط الأول أن نتأكد من صحة النص، ذلك أن السنة بعضها قطعي الثبوت، وبعضها ظني الثبوت، فلابد من حركة مع النص النبوي تبدأ بالتأكد من صحة النص، فما كل حديث قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه حذرنا، فعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ كِذْبَةً مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَضْجَعًا مِنَ النَّارِ أَوْ بَيْتًا فِي جَهَنَّمَ))

[ أحمد عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ]

 وفي حديث آخر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنّ حدّث عنِّي بحديث يُرى أنه كذِب فهو أحد الكاذبين ))

[البخاري ومسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ]

 نحن حركتنا مع النص النبوي أولاً: التأكد من صحة النص، ثم فهمه فهماً صحيحاً كما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك باتباع قواعد علم الأصول، مع القرآن الكريم حركة واحدة، نشاط واحد فهم النص، مع الحديث الشريف تأكد من صحته ثم فهم النص.
 أما إذا انتقلنا إلى نص آخر فأيّ نص قاله أيّ إنسان من آدم إلى يوم القيامة فهو تحت زمرة ثالثة، هذا النص ينبغي أن نتأكد من صحة نسبته إلى قائله، فكم من علماء كبار أضيفت إليهم نصوص ما قالوها، ينبغي أن نتأكد من صحة نسبته إلى قائله، وينبغي أن نفهم هذا النص كما أراده صاحب النص، لا أن نضع له تأويلاً ما أراده صاحب النص، ثم نتهم صاحب النص، هذا النشاط الثاني أن نتأكد من صحة نسبة النص إلى قائله، ثم نفهم النص كما أراده قائله، النشاط الثالث أن نطابق هذا الكلام مع ما في الكتاب وما في السنة، فإن وافق هذا النص ما في الكتاب وما في السنة فالنص على العين والرأس، أما إذا خالفه مخالفة صريحة فنركله بأقدامنا، فكأن منهج البحث في الإسلام أنه مع القرآن تفهم، ومع السنة تتأكد من صحتها، وتفهم، ومع نص آخر تتأكد من صحته، وتفهم، وتعرضه على الكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالفه فلا نعبأ به.
 هذا منهج آخر من مناهج البحث في الإسلام، بل منهج من مناهج التلقي.

3 ـ التمييز بين المحسوسات و الإخباريات و المعقولات :

 لا زلنا في فكرة دقيقة، أننا أمام كم كبير جدًّا من المقولات والطروحات في الإسلام، هذا الكم الكبير ماذا نأخذ منه وماذا ندع؟ نحاول في هذا اللقاء الطيب أن نضع أسسًا ومنهجًا علميًّا لِمَا نقبل ولِمَا نرفض.
 أذكر هذا الحدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

[متفق عليه عن علي]

 أيها الأخوة الأحباب؛ البند الثالث من بنود منهج التلقي: نحن أمام دائرة حسية المحسوسات التي أمامنا، والتي ظهرت عينها وآثارها، سبيل معرفتها واليقين بها اليقين الحسي، عن طريق الحواس الخمس، وهذه قضية مفروغ منها، ولا تستحق المناقشة، نحن وبقية المخلوقات سواء في شيء ظهرت ذاته، وظهرت آثاره، سبيل معرفته العين، أو السمع، أو اللمس، أو الشم.
 أما الدائرة الثانية فهي الدائرة العقلية، هذه الدائرة مجال البحث فيها أن الذات غابت بقيت آثارها، فمن آثار الذات نعرف الله، هذه الدائرة تعني الاستدلال والاستنباط والاستقراء، فكل شيء غابت عينه وبقيت آثاره نستخدم العقل من أجل أن نكشف الذات.
 كيف أن هذا الكون كله ناطق بوجود الله، وكماله، ورحمته، وعلمه، كذلك العقل يستطيع من خلال الخلق أن يعرف الخالق، يرى النظام فيعرف المنظم، يرى التسيير فيعرف المسير، هذه الدائرة الثانية.
 يوجد دائرة أخرى في الدين؛ الشيء غابت عينه وآثاره، لا سبيل لمعرفته إلا بالنقل الصحيح، وبالإخبار، فالماضي السحيق ليس له أثر، غابت عينه وآثاره، والمستقبل البعيد كذلك، ذات الله غابت عنا، الله عز وجل قال:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة الأنعام: 103 ]

 ذات الله، الماضي السحيق، المستقبل البعيد، الجن، الملائكة، اليوم الآخر، الجنة، والنار، هذه غيبيات غابت عينها وآثارها، فلا سبيل إلى اليقين بها إلا بالخبر الصادق، فنحن أمام دائرة المحسوسات، أدوات اليقين بها الحواس الخمس، نحن أمام دائرة المعقولات، أداة اليقين بها العقل، نحن أمام دائرة الإخباريات، أداة اليقين بها الخبر الصادق، أكبر مشكلة يقع فيها بعض المسلمين أنهم ينقلون قضية من دائرة إلى دائرة، فإذا نقلنا قضية من دائرة الإخباريات إلى دائرة المعقولات نقع في مشكلة كبيرة، ليس هناك من دليل على وجود الجن، أو الملائكة، إلا أن الله أخبرنا بها.
 أيها الأخوة الكرام؛ كل ما عجز العقل عن إدراكه أخبرنا الله به، كأن هذا العقل ميزان حساس جداً، لكنه محدود الاستعمال، فأنت حينما تستخدمه ضمن الحدود المسموح بها يعطيك نتائج بارعة ورائعة، أما حينما تستخدمه لغير ما خلق له فتقع في إشكالات كبيرة، حينما تنقل قضايا غيبية وتحكّم بها العقل تقع في إشكال كبير.
 أنت حينما تعرف كل قضية ما أداة اليقين فيها؛ القضايا التي ظهرت عين الشيء وآثاره اليقين فيها عن طريق الحواس الخمس، الشيء الذي غابت عينه وبقيت آثاره اليقين فيه عن طريق العقل، الشيء الذي غابت عينه وغابت آثاره اليقين فيه عن طريق الخبر الصادق.

مهمة العقل :

 أيها الأخوة الأحباب؛ العقل مهمته قبل النقل التأكد من صحة النقل، وبعد النقل مهمته أن يفهم النقل، لكن لا يمكن أن يكون العقل حكماً على النقل، العقل للتأكد من صحة النقل، ثم لفهم النقل.
 شيء آخر، العقل يوصلك إلى الله، ولكن لا يمكن أن يحيط به، يمكن أن تصل بالسيارة إلى ساحل البحر، لكنك لا تستطيع أن تخوض بها البحر، لذلك قالوا: العقل حصان يوصلك إلى باب السلطان، فإذا دخلته دَخلته وحدك.
 هناك بعض القواعد التي تعد بشكل أو بآخر منهجاً للبحث في الإسلام، إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل، حينما أعتمد هذه المقاييس الموضوعية في قبول المقولات في الدين فبهذا المقياس أقبل الذي أقبله وأرفض الذي أرفضه، عندئذ يمكن أن يصل لذهني الحقائق الناصعة التي أنا في أمسّ الحاجة إليها.
 أيها الأخوة الأحباب؛ أرجو الله تعالى أن نكون جميعاً قد أفدنا من هذا المنهج العلمي في الدعوة إلى الله، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018