بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الروم - تفسير الآيات 1-4


1995-09-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، ذَكَرْتُ قبل أيَّام أنَّ الله سبحانه وتعالى حينما يَشْهَدُ لِعِبادِهِ أنّ هذا القرآن كلامه ؛ إنَّما يشْهدُ لهم بِأفعاله، فإذا جاءَتْ أفعالهُ مُطابِقَةً لما في القرآن، وهذه الأفعال لا يَقْدِرُ عليها إلا خالق السماء والأرض، أفْعال الله المُؤَيِّدة لأقْوالِه في القرآن الكريم ؛ شَهادة الله لِهذا الإنسان أنَّ هذا القرآن كلامهُ.
 الأفعال التي تُؤَكِّد وَعْدَ الله ؛ يُمْكِنُ أن تأتي، وأن تزيدَنا إيمانًا وعَظَمَةً بِهذا الكتاب، ولكنَّ أفعال الله التي تأتي مُصَدِّقَةً لِوَعيدِهِ، فهذا التَّصْديق وهذه الشَّهادة تأتي بعد فواتِ الأوان، فالإنسان حينما يأكل المال الحرام ولا يُصَدِّق ما جاء بِكَلام الله عز وجل، وأنَّ الله يَمْحَق الله الربا فإذا مَحَقَ الله له مالهُ، فَمَحْق الله لِمَاله شَهادة منه تعالى لِهذا المُرابي وها قد مُحِقَ مالهُ مِصْداقًا لِما جاء في القرآن الكريم.
 هل هناك طريق أكْمَل لِمَعرفة كلام الله عز وجل ؟ أحَدُ أدِلَّةُ كلام الله شَهادة الله لِهذا الإنسان، وهناك دليل أقْوى ؛ إعْجازُهُ، وهو كثير فهناك إعْجازٌ تَشْريعي وبياني، وآخر إخْباري وعِلْمي، وهنا في هذه السورة سورة الروم ؛ إعْجازان: الأوَّل إخْباري والثاني عِلْمي، أمّا العلمي فقال تعالى:

﴿الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾

[ سورة الروم ]

 أدنى الأرض؛ الآن عُرف عن طريق أشعَّة الليزر أنَّ أعمق نقطة في اليابسة هي غور فلسطين، وكتب التاريخ تؤكِّد أنَّ هده المعركة التي جرت بين الروم و الفرس جرت في غور فلسطين، و لم يكن أحدٌ يعلم أنَّ هذا الغور هو أعمق نقطة على الأرض على الإطلاق، و أعمق نقطة في البحر خليج مريانا في المحيط الهادي عمقه اثنا عشر ألف متر، وادي في قعر المحيط الهادي اسمه وادي مريانا، و أعمق نقطة في اليابسة غور فلسطين، وكنت زرتُ البحر الميِّت قبل أن يُحتلَّ و في الطريق مكتوب مائة متر تحت سطح البحر، و فيما أذكر أنَّ عمق هذا البحر ستُّمائة متر تحت سطح البحر، فأدنى الأرض الذي خلقها هو وحده يعلم أنَّ غور فلسطين أعمق نقطة فيه، هذا إعجاز علمي والحقيقة أنَّ هذا القرآن دستور ومنهج فلا بدَّ أن تتأكَّد أنَّه كلام الله.
 أحياناً المسلم يأخذ موقفاً غير صحيح فيقول: تباركْنا بقراءة القرآن وسألني واحدٌ مرَّةً سؤالاً فقال: خطب ابنتي شابٌ في ريعان الشباب له معملٌ باسمه و له بيتٌ بأرقى حيِِّ في دمشق وله مركبة فخمة ولكنَّ دينه رقيق ؛ ماذا أفعل ؟ قلتُ: إقرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾

 

[ سورة البقرة ]

 ولم ينصع لهذه الآية، و بعد عشرين يوماً طلَّقها وكانت أخلاقه سيِّئةً جدًّا، فقلت لهم: لمَّا يقرأ الإنسان القرآن وينتهي يقول: صدق الله العظيم، وهناك مَن يُقَبِّلُهُ، فأنت إذا قلتَ صدق الله العظيم مائة مرَّة ولم تُصَدِّق ما فيه مِن نُصْحٍ، أو ما فيه مِن وَعْدٍ، ووعيد ولم تُحِلَّ حلاله، ولم تُحَرِّم حرامه، فأنت ما آمَنْتَ بالقرآن، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ‍))

 فأنت إذا أطْلَقْتَ البصَر فأنت لا تقرأ القرآن، فَمَن لم يُحِلَّ حلاله، ولم يُحَرِّم حرامه ولم يؤْمن بِوَعْدِهِ، ومَن لم يَخَف مِن وعيدِهِ فلا يقرؤُهُ، فنحن الشيء الذي جَعَلنا مُتَخَلِّفين أنَّنا فَرَّغْنا الكتاب مِن مَضْمونه، وأصْبح كتابًا تُراثي، وكتاب طُقوس، ولكن هل بيتنا وِفْق القرآن ؟ تجدهُ يَكتب على المحلّ إنَّا فتَحْنا لك فتْحًا مُبينًا، وبسم الله الرحمن الرحيم:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58)﴾

 

[سورة الذاريات]

 إنَّ الله هو الرزاق ذو القوَّة المتين، وبعد كلّ هذا تَجِد غِشّ، وكذب وتدليس وإخْفاء عُيوب، فما الذي يُجْدي من هذه الآيات التي تَضَعُها في مَحَلِّك والأنماط السُّلوكِيَّة كُلُّها مُخالفَة لِكِتاب الله، وكذا إن دَخَلْت إلى البيوت: تجد مَكتوبًا في الألواح: اللهمّ بارك هذا البيت ! والبيْت خالٍ من الطاعة لله ولِرَسولِهِ صلى الله عليه وسلَّم، وموبقات ومُلْهِيَات ومناظِر لا ترْضي الله تعالى، وتفلُّت، لذا نحن مُشْكلتنا أن نؤمن بِهذا القرآن كَمَنْهَج، وإنْ لم نفعل كُنَّا في خَسارةٍ مُبينة، والدليل على أنَّه كلامُ الله إعْجازُهُ العِلْمي، وهذه الآية مِن إعْجاز القرآن العِلمي.
 هناك آية ثانيَة ؛ قال تعالى:

 

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

 

[ سورة الحج ]

 ولم يقُل بعيد، وقولك بعيد أوْضَح ! فالأرض كُرَة، وكُلَّما ابْتَعَدْتَ عن نقْطةٍ من نِقاطِها، يُصْبِحُ البُعْد عُمْقًا، فهذا لَوْنٌ مِن إعْجاز القرآن الكريم، أما إعْجازُهُ الإخباري فَهُوَ ثلاثة أنواع، غَيْب الماضي وغَيْب الحاضِر، وغَيْب المستقبل، فَمِن غَيْب المُسْتقبل أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾

 

[ سورة الروم ]

 وبعد سبع سنَوَاتٍ نشِبت معْركة بين الفرس والروم، فانْتصَر الروم.
 مِن إعْجاز القرآن الإخباري، ولا سيَّما غَيْب المستقبل أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول

﴿:سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(142)﴾

[ سورة البقرة ]

 أيْ يا أيُّها السُّفهاء إنَّكم سُفهاء مكَّة، وسوف تقولون ما ولاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ! بِرَبِّكُم لو أنَّ هؤلاء السُّفَهاء فكَّروا ثانِيَةً واحِدَة فسَكَتوا، فإنَّ سُكوتهم يُلْغي القرآن الكريم، لو أنَّهم سَكَتوا لأبْطَلوا كلام الله، وقال ما قالوا لذا في القرآن عندنا غَيْبُ الماضي، قال تعالى:

 

﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44)﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 وهناك غَيب الحاضِر، وغَيب المُستقبل.
 فهذه الآية تحوي إعْجازين ؛ إعْجاز عِلمي أدْنى الأرض، وإعْجاز أخْباري على أنَّ معرَكَةً سوف تَقَع ينتصِرُ فيها الرُّوم كما وَعَد ربُّنا جلَّ جلاله.
 سُئِلْتُ في دَرْسٍ سابق عن نِصاب الزَّكاة، والحقيقة أنَّ نِصاب الزَّكاة على حِساب الذَّهَب ؛ خَمْسُ وثمانون غرام ذَهَب ضَرب خمسمائة وسبعون، يكون الناتِج ثمان وأربعون ألف وخمسمائة ليرة سوريَّة فالذي يَمْلك هذا المبلَغ فإنَّ الزكاة تجِبُ فيه، أما الفِضَّة فسَبْعة آلاف ليرة سورِيَّة، أيْ سبعمائة غرام ضرب عشرة يكون الناتِج سبعة آلاف والفقهاء جميعًا يُؤْثِرون ويَسْتحْسِنون ويُفَضِّلون أن يُحْسَب المال على أساس زكاة الفِضَّة لا على زكاة الذَّهب رحْمةً بالفقراء، فلا مانِع للذي يَمْلك سبعة آلاف أن يدْفع زكاة مالهِ، رغْمَ أنَّه لا يُعَدُّ غَنِيًّا، وكما أنَّهُ لا مانِعَ أن يأخُذَ الزَّكاة، والإسلام فيه أخْذٌ وعَطاء.
 يقول سائل: أنا أعمل في التِّجارة، وقد ملَكْتُ النِّصاب، فهل تَجِب عليَّ الزَّكاة مع العِلْم أَنَّني لم أتزوَّج، وبِحاجَة إلى تأمين مَسْكَنٍ، ومصاريف أخرى، والأمر الثاني أنَّ نصف مالي مُقْترض قرْضًا حسنًا
 الحقيقة أنَّ المشاريع التي بِذِهْنِك لا تُلْغي الزَّكاة، فلو نويْتَ الزَّواج، أو بيْتًا فهذه المشاريع التي لم تتحقَّق لا يُمْكِن أن تُلْغي الزَّكاة إذْ هي تجب في المال الموجود، فمثلاً لو دَفَعَ الواحد سلفَةً كي يشْتريَ بيْتًا ولم يُحَدَّد نَوْع البيْت ولا مسافته ولا طابِقُه، ولا جِهتهُ، فما دام سُلْفَةً فعليه الزكاة، أما لو تحدَّد البيت وكتب العَقْد والمبلغ واضِح، فالآن الدَّيْن يسْتغرقُ الزَّكاة، أما الذي يعمل بالتِّجارة فالزَّكاة عليه واجبة من دون اسْتِثْناء، ومن دون أخْذ وردّ، أما إن أردْتَ الزَّواج فالله تعالى يُزَوِّجك وقد وردَت أحاديث كثيرة كما في الجامع الصغير، تبدأ هذه الأحاديث بِحَق الولد على ولَدِهِ، وحق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوْجِها، إلخ... إلا أنّ حديثًا واحِدًا إذا قرأْتَهُ اقْشَعَرَّ جلدُك: حق المسلم على الله أن يُعينهُ إذا طلب العفاف، شاب في ريْعان الشَّباب يدْعو الله أن يُيَسِّر الله له الزَّواج، وما مِن طلب أجْدر أن يُلَبَّى مِن هذا الطَّلَب، فالإنسان إذا نوى الزَّواج فَنِيَّةُ الزَّواج وَحْدَها تفْتَحُ سُبُل الرِّزق والنبي عليه الصلاة والسلام كان ما شَكى إليه أحد ضيق يدِهِ إلا وقال له اِذْهَب وتزوَّج!
 ثمّ مَن هو الرَّزاق ؟ الله عز وجل، فأنت إن دَفَعْتَ الزَّكاة عن طيبِ نَفْسٍ منك، ورأيْتها مَغْنَمًا لا مغْرمًا، فالله سبحانه وتعالى مُكافأةً لك على هذا الأداء يُيَسِّرُ لك سُبُل الزَّواج، قال تعالى:

 

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

 

[ سورة سبأ ]

 يُخْلِفُهُ و قال تعالى:

 

﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(270)﴾

 

[ سورة البقرة ]

 يقول هذا السائل: إنَّنا نقرأ القرآن ولكنَّنا لا نفهم تفسيره، فهل نقرءه بدون فهم ؟ بربِّك عدد الآيات التي لا تفهمها كم يساوي من كتاب الله ؟، لا تصل الواحد بالمائة، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(42) ﴾

 

[ سورة المائدة ]

 من لا يفهمها، وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾

 

[ سورة طه ]

 فكل آيات التكاليف قطعية الدلالة واضحة لا لبس فيها، وبعض الآيات المتعلقة بذات الله و بعض الآيات المتعلقة بأسرار الكون هذه إذا عرفتها أولم تعرفها لا تحسب عليها في القبر، و إنَّما تحاسب على الأمر والنهي، افعل ولا تفعل، أمَّا قضية متعلِّقة بالكون و بالتاريخ إن فهمتَها أو لم تفهمها فهذا لا يقدِّم و لا يؤخِّر، إنَّما الذي يقدِّم و يؤخِّر هو الأمر والنهي لأنه قطعيُّ الدِّلالة، آيات محكمات لا لبس فيها، "السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " هل تحتاج إلى زمخشري إلى قرطبي إلى جلالين.

 

﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(2)﴾

 

[ سورة النور ]

 كلُّها واضحة، فالأمر والنهي و الحدود و التكاليف واضحة لا تحتاج إلى مفسِّر، فاقرأ القرآن عن فهم أو عن غير فهم، و لكن أن تقرأه عن فهم أرقى، لقوله تعالى:

 

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

 

[ سورة محمد ]

 سؤال آخر، إنني لست مقيما في دمشق ولكنني زائر، فهل تجب عليَّ زكاة الفطر أن أدفعها هنا ؟ أم تجب أن أدفعها في بلدي و لكني سأحضر بعد العيد إلى بلدي ؟
 الأغنياء وأصحاب الفعاليات التِّجاريَّة يبيعون ويشْترون، فهم يرْبحون مِن الشارين، وبعض الشارين فقراء، فالرِّبْح الذي أُخذ من هذه البلْدَة يجب أن يعود على هذه البلْدة، فبيَّاع الألبِسَة، يبيع الناس، ومنهم الفقراء، فهذا البائِع قد ربِحَ من الفقراء كذلك، فهذا الشاري الفقير الذي ربَّح هذا الفقير هو أوْلى بِزَكاته مِن واحد مِن بلدٍ آخر، فالأصْل في الزَّكاة أن تُدْفَعَ في البلد الذي جُمِعَ فيه المال، ويجوز نَقل الزَّكاة إلى بلدٍ آخر لِمَصْلحةٍ راجِحَة، فالذي يُقيم بأمريكا، ونشاطه التِّجاري هناك، وله أهلٌ فقراء جدًا، فالأكْمَل أن ينقل الأموال من أمريكا إلى بلدَهِ، وكذا مَن يُقيم بِبَلَدٍ فيه نفْط، فالأولى أن ينقل زكاة ماله إلى بلدِهِ فالأصل في الزَّكاة أن تُدْفع في بلدِ جَمْع المال، أما لِمَصْلَحَةٍ راجِحَة يجوز أن ينتقل المال مِن بلدٍ إلى بلدٍ لِمَصْلحة راجِحَة.
زكاة التِّجارة، مبدئِيًّا البِضاعة تُجْردُ بِكُلْفَتِها، أما إذا بِعْتَها بِرِبْحٍ فاحِش وكبير، ودخل الرِّبح بالصُّندوق، فهذا اسْتَحَقَّ الزَّكاة في العام القادِم فالبِضاعة تُجْرَدُ بِكُلْفَتِها، أما البِضاعة التي سوف تَدْفعُها زكاةً في الأصل تُحْسبُ البِضاعة بِكُلْفَتِها، أما إذا دَفَعْت البِضاعة زكاةً تُحْسَبُ بِكُلفتها أو بِسِعْر السوق أو أيُّهما أقلّ ؛ هذا هو الجواب.
 والمرأة التي تَمْلِكُ الحليّ، فالحلي المُعَدّ للاسْتِعمال، ولا تمْلِكُ المرأة مالاً سائِلاً تَدْفَعُ عنه الزَّكاة، هذا الحليّ مُعْفى، أما المرأة الموسِرَة فيجب أن تَدْفَعَ زكاة حِلِيِّها، وكذا الحِليّ المَكسور، فهذا عليه زكاة لأنَّه انْقَلَب إلى مال، أما إذا كان للمرأة عشرة أساوِر فهذا تجب فيه الزَّكاة.
 المسألة الأخرى، أنَّ كلّ سِلْعةٍ تشْتريها وتُريد الرِّبح فيها عليها الزَّكاة فلو اشترى الإنسان أرْضًا التي ليسَ عليها زكاة، ونوى عدم بيعها حتَّى يرتفع سِعْرها، فهذه عليها الزَّكاة، أما الأرض المُعَدَّة للزِّراعة فهذه لا زكاة عليها، وكذا البيت، وكذا السيارة والآلات المُعَدَّة للتِّجارة ؛ هذه كُلها عليها زكاة، أما المُعَدَّة للاسْتِعمال فهذه لا زكاة عليها.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018