بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة الروم - تفسير الآية 30 .


1995-10-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الثلاثون من سورة الروم، وهي قوله تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة الروم ]

 الأحْنف ؛ المائِل، وأقِم وجْهك حنيفًا أيْ أَطِع ربَّك مُحِبًّا له.
 الحقيقة أنَّ الإنسان أحْيانًا يُنَفِّذُ أمْرًا مِن دون اهْتِمام، أمَّا أقم وجهك للدين ؛كما لو أنَّ إنسانا يرى ضغطه على ساعة الضغط و يخشى أن يكون ضغطه مرتفعًا، فتكاد عينه تخرج من رأسه،

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

 

[ سورة الروم ]

 يعني أعلى درجات الاهتمام و التركيز والتعظيم، أحيانا تسير في طريق و عينك على طريق آخر، تقدِّم شيئا ولا تعبأ بالشخص الذي أمامك، تتكلم و لا تبالي من تكلِّم، أمَّا أقم وجهك ؛ أي اهتمامك طاقتك وتفكيرك وجهدك مرَكَّز على طاعة الله عز وجل مع الميل، ذلك قالوا: من أطاع الله وما أحبَّه فما عبده و من أحبَّه ولم يطعه فهو كاذب فكلمة عبادة تعني طاعة مع محبَّة، فلو خلت العبادة من المحبة فليست عبادة، ولو خلت المحبة من الطاعة فليست عبادة و ليست محبة فالإنسان بعد ما عرف الله عز وجل من خلال الكون سوف يبحث عن أمره ونهيه كي يقيمه بشكل حازم، وأدقُّ ما في الآية أنَّ إقامة وجهك للدين حنيفا ذاك العمل و ذاك الحب وذاك السلوك متطابق مع فطرتك التي فُطرتَ عليها تطابقا تامًّا.
 أحيانا لو جئنا بخريطة لسورية فيها تضاريس و أقمنا حولها إطارا ثم صببنا عليها جبس سائل، وبعد أن يجفَّ هذا الجبس فستنتج خريطة متطابقة مع الخريطة الأولى تطابقا تامًّا، صدِّقوني أنَّ طبيعة النفس البشَرِيَّة مع أوامر الدِّين كهذا القارب مع هذه الخارِطة ؛ تطابق تام فأنت لا ترْتاح إلا إذا أطَعْتَ الله عز وجل وما دام هناك مُخالفَة هناك ضيق وقلق، ولا تميل النَّفْس إلى الراحة والسَّكينة إلا بِمَعْرفة الله تعالى، وطاعته وخِدْمة خَلْقِهِ، فَصيغَة الآية:

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

 

[ سورة الروم ]

 أي إقامة وَجْهِكَ للدِّين حنيفًا هو عَيْنُهُ فِطْرة النَّفس.
 والاسْتِنباط ؛ أنَّك مهما بَحَثْتَ عن السَّعادة، ومهما عن الطمأنينة والاسْتِقرار مِن دون أن تُقيمَ وَجْهك للدِّين حنيفًا فهذا مُسْتحيل فإذا أرَدْتَ أن تُوَفِّرَ وقْتَكَ وجُهْدَكَ فلا سبيل إلى طمأنينتِكَ وسعادتِكَ وسكينتِكَ إلا بإقامَتِكَ للدِّين حنيفًا، قال تعالى:

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

 

[ سورة الروم ]

 معنى ذلك أنَّ التَّدَيُّن فِطْري، والإنسان حينما يتديَّن ينْسَجِمُ مع فِطْرتِهِ وترْتاح نفْسُهُ، قال تعالى:

 

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

 

[ سورة الرعد ]

 وقال تعالى:

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾

 

[ سورة الشمس ]

 أي إنَّها إن فَجَرَتْ تعْلم أنَّها فَجَرَتْ وتنْهارُ داخِلِيًّا، وإنَّها إن اتَّقَت تعْلَمُ أنَّها اتَّقَت فَتَرْتاحُ داخِلِيًّا، فتَجِدُ في المؤمن مِن الطمأنينة والاسْتِقرار ما لو وُزِّعَ على أهل بلدٍ لكفاهم، فما سِرُّ هذه الطمأنينة ؟‍‍‍! أنَّهُ أقامَ وَجْههُ للدِّين حنيفًا، لو تصَوَّرْتَ شرْطِيًّا عند ملِكٍ والمَلِكُ يُحِبُّه وغالٍ عليه فهل يخاف الشرطي من الوزير فهذا مِن أجل أنَّهُ مُقَرَّب لا يخاف، قال تعالى:

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

 

[ سورة الروم ]

 لذلك هناك موضوع بالإسلام قلَّ مَن ينتَبِهُ إليه الناس ؛ إنَّهُ موضوع الفِطْرة ؛ لك عَقْلٌ يكْشِفُ لك الحقائِق، وعَقْلٌ تَهْتدي به إلى الله تهتدي به إلى أنّ الله خالق وموجود وواحِد، وتهتدي بأنَّ ذاك الإنسان رسول الله، وتهتدي إلى أنَّ هذا الكلام كلام الله، فهذا نشاط عقلي لكنَّ الله عز وجل فضْلاً عن ذلك أوْدَعَ فيك مِقْياسًا نفْسِيًّا ؛ يقول لك: انْقبَضْت وارْتَحْتُ، فإذا القَضِيَّة خلاف الشرع لن ترْتاح، لو لم تمْلكُ الحُكْم الشَّرعي لن ترتاح وراحة نفْسِكَ بِطاعة الله، والإنسان قد يرْتكب عملاً في ظاهِره مُغطًّى شرْعًا، ولكن فيه حِيلَةٌ شَرْعِيَّة، فأحدهم نزَّل قيمة بيت بِنِصْف قيمته وذلك باتِّفاق منهم، وكان أصْحابه أيْتاما !
 فإذا أكْرم الله الإنسان بِفِطْرة سليمة، وضمير حيّ لو لم يعلم الحكْم الشرعي فإنّ نفْسهُ تتضايَق، لأنّ النفس مُبَرْمجة على الأمر والنَّهي فإذا كان هناك مسافة، كان دليل الضِّيف فأيّ إنسان يسألك سؤالاً سببُ سؤالهِ تَضَايُقُه، ولولا ذلك لما سأل، فلو أنّ شَخْصًا اشْترى الفاصولياء بِمال حرام، هل يسألك ما حُكم أكل الفاصولياء ؟! لا يسألك لأنَّه مرتاحٌ نفْسِيًّا، أما إن كان الأمر فيه مُخالفة شَرْعِيَّة، وشعور بالمعْصِيَّة، لذا أنت معَكَ ميزان الفطْرة، وأنا أسْتَخْدِم هذا الميزان كثيرًا، فقد حرَّم العلماء خَلوة الأخت من الرَّضاعة ! لأنَّها تُشْتهى والسفر خلوَة، أنْ يخْتلي أخٌ بِأُخْتِهِ من الرَّضاعة هذا لا يجوز، فالنَّفس تتوافق مع شَرْع الله، ففي عالم الميكانيك، لو فرضْنا أنَّ آلة لك تحتاج إلى برغي من قِياس كذا، وأتَيْتَ بِبُرغي قياس أكبر أو أصغر في آلةٍ فهذا لا ينْفع، وأنا لا أكْتُمكم أنَّ الإنسان تنْطمِس نفسُهُ أحيانًا قال تعالى:

 

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14)﴾

 

[ سورة المطففين ]

 فالذي يريد أن يحْرص أن تبْقى فِطْرتُهُ سليمة وضميرهُ يقِض عليه أن يُطيع الله كي يكون له واعِظ مِن نفْسِهِ، وكلَّما قال لك أحد: لسْتُ مرْتاحًا، معناها أنَّ فِطْرته تُؤنِّبُهُ، وقد قالوا: أنَّ الإسلام دينُ الفِطْرة فالاخْتِلاط لا يجعل النَّفس مُرْتاحة، تُحَدِّثها وتراها وتَسْمعُ كلامها وترى قِوامها وشَكْلها وحركتها، ثمَّ يوحي لك إبليس كي تقول: مثل أخْتي! هذا خِلاف الفِطْرة، فلا بدّ أن تعرف أنَّ لكَ بُنْيَة نفْسِيَّة مُبَرْمَجَة في أصْل خِلْقَتِها مع الشَّرْع، ومتوافقة، وحينما تُطَبِّق الشَّرْع ترْتاح هذه الفِطْرة، وإن خالَفْتَ الشَّرْع تجد فيك القلق وهوة يدْعو إلى التساؤُل والشَّك، فلو أنّ أخًا لك بعث معك بِضاعة كي تبيعها بِسِعْر كذا وزِدْت على ما قال: تَجِدُ نفْسَكَ غير مرْتاحة، فهذا فِطْرَتُهُ سليمة، فأكْثَر أسْئِلة كسْب المال والتِّجارة، والبيع والشِّراء مِن جرَّاء عدم راحة النَّفس، قال تعالى:

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾

 

[ سورة الروم ]

 فإن أرَدْت أن يرْتاح عقْلك فآمِنِ بِكِتاب الله وسنَّة رسوله، وإن أرَدْت أن ترْتاح نفْسُك فاسْتَقِم على أمْرهِ، فالعَقْل غذاؤُه الإيمان، والنَّفْس غِذاؤُها الطاعة، فالمُطيع يشْعُرُ أنَّها ملَكَ الدنيا، قال تعالى:

 

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)﴾

 

[ سورة هود ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018