بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 8 - سورة الروم - تفسير الآية 41


1995-10-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الآية الواحدة والأربعون من سورة الروم، وهي قوله تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

[ سورة الروم ]

 معنى الفَساد خُروج الشَّيْء عن طبيعَتِهِ، فهذا الماء طاهِر، ونقيّ وعَذْب وفُرات، ولا لوَنْ له، ولا طَعْم له، ولا رائِحَة، فإذا فسَدَ تغيَّر لَوْنُهُ، ورائِحَتُهُ، وأصْبَحَ مُجَرْثَمًا، فَفَسَادُ الشيءِ خُروجُهُ عن طبيعَتِهِ والله سبحانه وتعالى كامِلٌ كمالاً مُطْلقًا، وخَلْقُهُ كامِلٌ كمالاً مُطْلقًا إلا أنَّ مَخْلوقَين اثنين هما الإنْسُ والجنّ مُنِحوا حُرِيَّة الاخْتِيار، وأودِعَتْ فيهم الشَّهوات لِيَرْقَوا بِها إلى رب الأرض والسَّماوات، لكنَّ لهم منْهَجًا يسيرون عليه، وأوامِر ونواهي، فأيُّ مَخْلوقٍ مِن هذين الاثْنين حَصْرًا مِن الإنس والجنّ مادام أُعْطِيَ حُرِيَّة الاخْتِيار، ومُنِحَ إرادَةً حُرَّة وسُمِحَ له أن يُحَقِّق إرادَتَهُ بِفِعْل الله عز وجل، وغفَلَ عن منهَج الله، وعن أمْرِهِ ونَهْيِهِ، مِن هنا يأتي الفساد، ويُؤَكِّد هذا قوله تعالى:

 

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 فلم يقُل وإذا أمْرَضَني، فالمرَضُ عُزَيَ في أصْلِهِ إلى الإنسان فالإنسان إذا خرَجَ عن منهَج الله، وخالفَ تعليمات الصانِع فسَيَمْرَض، وقد يأتي المرض لا في آحاد البشر بل مِن خطأ في العصْر، فإذا كان الجوّ مُلَوَّثًا ومُشْبعًا بِثاني أُكْسيد الكربون، وأطْعِمَتُنا وأشْربتنا تَحوي مواد كيماوِيَّة تتراكم، وهرمونات بالنبات مِن أجل أن يكبر النبات، وكذا بنْزوات الصوديوم التي في كلّ المُعلَّبات فهذه كذلك مسَرْطِنَة، فحينما تكون هناك صِناعات مُخالفة لِمَنْهج الله تعالى يأتي مرض السَّرَطان وأمراض القلب والرِّئتين، وحينما يكون الشِّرْك بالله تأتي الشِّدة النَّفْسِيَّة والشِّدَة النَّفْسِيَّة وراء أكْثر الأمراض أمراض جهاز الهضْم والخلايا والدم ؛ كُلّ هذه الأمراض بسبب الأمراض النَّفْسِيَّة، لذا كما قلنا فساد الشيء خُروجُهُ عن طبيعته.
 كلِمَة ظَهَر فَعْلٌ ماض، والقرآن الكريم مِن أساليبِهِ الرائِعَة أنَّه يُعَبِّر عن المُسْتقبل بالفِعْل الماضي تَحْقيقًا لِوُقوعهِ، كما في قوله تعالى:

 

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)﴾

 

[ سورة المائدة ]

 وقوله تعالى:

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(1)﴾

 

[ سورة النحل ]

 لذلك ربُّنا عز وجل إذا حدَّثَنا عن المستقبل جاء بالماضي تَحقيقًا لِوُقوعِهِ، وإذا أخْبرَنَا بِشَيْء عبَّر على هذا الإخْبار بالرؤْيا، قال تعالى:

 

﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)﴾

 

[ سورة الفيل ]

 ونحن لم نر شيئًا ! لكنَّ خبرُ الله عز وجل لِمِصْداقِيَّتِهِ يجب أن يقَعَ فيك أيُّها الإنسان كما تقَعُ الرؤْيَة !
 وهناك الكلمة ظَهَرَ ؛ أيْ سيَظْهَرُ، وهذا مِن عِلْم الغَيْب، لذلك في القرآن الكريم إعْجازٌ إخْباري عن غَيْبِ الماضي وعن غَيْبِ الحاضِر وعن غَيْب المستقبل، فهذه الآية مِن إعْجاز القرآن الإخْباري المُتَعَلِّقة بِغَيْب المستقبل، والفسَاد ظَهَر، فَمَرض الإيدز انتشر، ونِصْف معْظم الدُّوَل الإفريقيَّة مُصابَةٌ بالإيدْز، وكلّ عشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدزْ في أمريكا ‍! والآن، ونحن أنْظَفُ دولة في العالم، ومع ذلك انْتشَرَ عندنا، وعندنا إصابات كثيرة، والشيء المُخيف أنَّ هذا المرض لو رصَدْنا له مئات الملايين من الدولارات، كلّ هذه الأموال تُنْفقُ على البُحوث العِلْمِيَّة لاكْتِشاف مُضاد، هذا الفَيْروس الذي هو أضْعَفُ فيْروس في الكَون يُغَيِّر شَكْلَهُ فتَذْهَبُ كلّ هذه الأموال أدْراج الرِّياح والآن هناك مُشْكِلَة، وهو أنَّ هذا الفيروس لا يظْهر إلا بعد ستّة أشْهر فإذا فُحِص المريض قبل سِتَّة أشْهر لن يظْهر هذا المرض معه ‍‍! وهناك أجْهزة دقيقة ولا تكْشِف، لماذا ؟! لأنَّ الأجْهزة تَكْشِف ثلاثة سُلالات والآن ظَهَرَت ستَّة سُلالات ! ولذلك تَوْجيه وزارة الصِّحة أنَّه مَن كان على وشَكِ إجْراء عَمَلِيَّة جِراحِيَّة ينبغي أن يبْحَث عن قريب له مُسْتقيم لِيَأخُذ منه الدَّم أوَّلاً، فلا ينبغي أن تأخذ الدَّم مِن أيِّ شخصٍ كان، وهذا الأمر تذْكُرُه الصُّحف اليَوْمِيَّة عشَرات المرات، وهناك حوادِث كثيرة وهذا هو الفساد، فالإنسان مُتَمَتِّع بأكْبر جِهاز مناعَة، مائتان مليون كُريَّة بيْضاء، فإذا دَخَل جُرثوم يَتَّجِهُ بعضُها إلى كَشْف هَوِيَّتِهِ، وأخْذِ شِفْرَتِهِ، وهذه الكُريَّات تُسَمَّى كريَّات مُسْتَطْلِعَة، فَيَصْنَعُ بعضُها مُضادَّات ضدّ هذا الفيْروس، ويَحْمِلُ بعْضُها هذا السِّلاح الفتَّاك وينطَلِق إلى الجرثوم، وهذه الكريات المُقاتِلَة، وتأتي كُريات مُنَظِّفة، فأنت معَكَ أرْقى جَيْشٍ في العالَم، قيادات ومعامِل أسْلِحة، وأقمار صِناعِيَّة وعُيون تَكْشِفُ أسْرار العدُوّ، ومع ذلك فيْروس الإيدز خُطورتُهُ أنَّه يدْخل الجِسْم مُتَخَفِّيًا على شَكْل أحد الجُنود ! فهو يدْخل الجِسْم على شَكل كُرَيَّة بيْضاء، فلا أحدَ يُعارِضُه، وبعد أن يتمكَّن يفْتِكُ بِهذه الكُريَّات واحِدَةً واحِدة، ويُنْهيها، لذا هَيْئات عِلْمِيَّة بأعلى مُسْتوى في الشرق والغرْب، ودُوَل عُظْمى، ومئات الألوف من الملايين مِن الدولارات أُنْفِقَتْ، وكُلّ هذه الأموال، وكلّ هذا العِلْم، وكلّ هذا التَّصميم ذَهَب أدْراج الرِّياح أمام هذا المَخْلوق الذي خلقَهُ الله، وهذا إذا خرجَ مِن الجِسْم ثانِيَةً يموت فَوْرًا، ومع ذلك شُغْل العالَمِ الشاغِل قال تعالى:

 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾

 

[ سورة الروم ]

 الجوّ مُلَوَّث، يقولون أنَّ تلوُّث الجوّ أربعمائة بالمائة ‍‍!! أكبر نِسْبة تلوّث في العالم، نتنفَّس ثاني أُكْسيد الكربون، وهذا الذي رفَعَ الحرارة، وقد زادَتْ دَرَجَتُها الآن بِدَرَجَتَيْن، وهذا يُسَبِّب اضْطِراب خُطوط المطَر وذَوَبان الثُّلوج في القُطْبَين، وارْتِفاع البِحار في الشواطئ، وغرَقُ بعْض المُدُن، لأنَّنا نُريد صِناعة، واسْتِهلاك غير مَعْقول للمواد، وهذا سبَّبَ أمراضًا وفساد البيئة، فالماء فاسِد وكذا الهواء، وحتَّى الفساد الصَّوتي، فَكَثْرة المحطَّات و البثّ التِّلفزيوني ؛هذا يُفْسِد الجوّ، وهناك إشارات يضْطربُ لها الإنسان، فالإنسان حينما تُرَكَ وعَقْلهُ أفْسَدَ البيئة ومَن حوْلَها، وقبل شَهْر ناقِلَة نفْطٍ فيها مليون طنّ غَرِقَت !!! وقد ذَكَر لي أحَدُ الإخوة، أنَّ هناك أسْماك فيها رصاص، من جرَّاء التَّلوُّث الذي في البحْر، فأنت تصطادُها لتأكلها فإذا بها مواد سامَّة، ويُغَيِّرون خلْق الله، تأكل فرُّوج لم يَنَمْ ولا دقيقة، كلّ يوم أكل مُسْتمرّ، وضوء مُستمِر حتَّى لا ينام، وكل هذا مِن أجل التَّسْويق السَّريع، فهذا مُسَرْطِن بِسَبب النُّمو غير الطبيعي، لذلك أمراض الأوْرام الخبيثة مُتضاعفة كثيرًا، ولم تكن هذه مِن قبلُ، وأمراض كثيرة لم تكن من قبل، هناك محطَّات بالليل تعْرض العمليَّات الجِنْسيَّة كما هي ؛ شباب وشابات، وقد قلتُ لهم مرَّةً: كُلَّما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السَّماء وكلَّما اتَّسَعَتْ الحُصون ضاقَت الصُّحون، وإذا رخص رحْم البشر على لحْم الضَّأن، قال تعالى:

 

﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾

 

[ سورة الجن ]

 فظَهَر الفساد في البرّ والبحْر، فساد في الزَّواج، وفي العلاقات الأُسَرِيَّة وفساد في الهواء والماء والطَّعام، وغاز ثاني أكسيد الكربون فيه مشْكلة، وكلّ مَشْروباتنا كيماوِيَّة، والنبي قال: الأطْيَبَان ؛ الماء والتَّمْر، أما هذه المَشْروبات الغازِيَّة فلا شيء فيها طبيعي، وكلَّها كيماوِيَّات، فهذا فساد ! والإنسان كُلَّما رجَحَ عَقْلُهُ لا بدّ أن يعود إلى الفِطْرة، وإلى العلاقات الطَّبيعِيَّة.
 أصْلُ الفسادِ مِن صُنْع الإنسان، لأنَّ الله تعلى كامل كمالاً مُطْلقًا والمخلوق مُخيَّر، وترَكَ المنهَج، وذهب إلى الشَّهوات، شَهَوات واخْتِيار وغَفْلة عن منهج الله، فالفِكْرة دقيقة؛ أصْل الفساد مِن صُنْع الإنسان، والآية أكبر دليل:

 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

 

[ سورة الروم ]

 فالله تعالى خَلقُهُ كامِل.
 قال تعالى:

 

﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

 

[ سورة الروم ]

 فالله جَعَل للانْحِراف ثَمَن باهِظ لعلَّهم يرْجِعون، ذَكَر أحد الخُطباء أنَّ أحدا في أثناء عشائِهِ مع أولاده كان يُقَلِّب المحطَّات فإذا بإحْدى هذه المحطَّات عرضَت مشْهَدًا خليعًا، فنقل الأب المحطَّة بسُرْعة إلى محطَّة أخرى، فابنهُ حفظ رقْم المحطَّة ! ولمَّا نام الأب، وإذا بِهِ يسْتيْقظ على أنين، فإذا ابْناهُ فوق ابْنَتَيْه !! هذه هي الحضارة !
 قال تعالى:

 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

 

[ سورة الروم ]

 إذا رفَضْنا شرْع الله ولا امْتثَلْنا السنَّة اسْتَهْوَتْنا البِدْعة.

 

(( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ قَالَ قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ))

 

[رواه الترمذي]

 وهذا الغَزْو الثقافي، والسؤال: لماذا جَعَل الله تعالى عذابًا أليما لِهذا الفَساد ؟ لو لم يَخلق الله هذا الجرْثوم، لكان أرْيَح ! لا، فالآن المُلْحِد ويقول لك: لا أفعل الفاحِشَة خوْفًا من الإيدْز، فهو يخاف من المرض وليس من الله، والله هو الذي ردَع هؤلاء، ذَكَر لي أخ بِفِرنسا أنَّه كلّ يوم يوجَد فيلْم إباحي على سِتَّة قَنَوات، أما الآن ولا واحِد من هذه الأفلام، لأنهم أدْركوا خطرَ الموقِف، قال تعالى:

 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

 

[ سورة الروم ]

 فلعلَّ هذا الفيروس يُرجعنا إلى الله.
 مُلخَّص المُلخَّص، أنَّ الفَساد مِن صُنْع البشَر لأنَّ الإنسان مُخيَّر ومعه شَهوات دون منْهَج، ولعلّه يرْجع إلى الله بِهذا الرَّدْع.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018