٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0539 - المرأة في الإسلام1 ، المساواة بين الذكور والإناث


1995-09-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

المرأة في الإسلام :

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع الخطبة السابقة عن الظالم لنفسه ، فأمة النبي صلى الله عليه وسلم حيال هذا التراث النبوي ، وحيال الكتاب الذي أورثه الله لهذه الأمة أصناف ثلاثة؛ ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات .
 تحدثت في الأسبوع الماضي عن الظالم لنفسه ، ووعدتكم في الأسبوع الحالي أن أتحدث عن المقتصد ، وعن السابق بالخيرات ، ولكن هناك موضوعات أحياناً تقفز إلى ساحة الاهتمام فجأة ينبغي أن نعالجها ، فسأرجئ الحديث عن المقتصد ، وعن السابق بالخيرات إلى خطبة أخرى إن شاء الله تعالى ، والحديث اليوم عن المرأة في الإسلام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المرأة في الإسلام مساوية للرجل تماماً في نقاط كثيرة تزيد عن عشر حالات ، فالمرأة من حيث هي إنسان مساوية للرجل تماماً ، فلها مشاعره ، ولها أحواله ، ولها خصائصه ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

[سورة النساء: 1]

 يا أيها الناس أي الرجال والنساء . فالمشاعر التي يشعر بها الرجل تشعر بها المرأة ، والقيم التي يسمو إليها الرجل تسمو إليها المرأة ، والبطولة التي يحققها الرجل تحققها المرأة ، فالرجل والمرأة من نفس واحدة .

﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾

[سورة النساء: 1]

 المرأة من حيث هي إنسان مشابهة للرجل تماماً ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود وأحمد والترمذي:

((إنما النساء شقائق الرجال))

[ الترمذي عن عائشة ]

 ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 والمولود ذكراً كان أو أنثى .
 أية نظرة إلى المرأة على أنها من طبيعة أخرى ، على أنها دون الرجل من حيث أنه إنسان هي نظرة جاهلية ، لا يقرها الإسلام ، ولا يقبلها بل جاء ليحاربها .

 

فطرة الإنسان تعرف فجور النفس و تقواها :

 شيء آخر أيها الأخوة ، كما أن الرجل يستقيم المرأة تستقيم ، وكما أن الرجل ينحرف تنحرف المرأة . يؤمن وتؤمن ، يكفر وتكفر ، يعصي وتعصي ، يطيع وتطيع ، يسمو وتسمو ، يرقى وترقى . قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[سورة الشمس: 7-8]

 والنفس ذكراً كان أو أنثى . فألهمها فجورها وتقواها : أي مركب في فطرة الإنسان ذكراً كان أو أنثى أنها تعرف طريق فجورها ، وطريق تقواها ، وأنها إذا اتقت أو إذا فجرت تعلم بفطرتها أنها اتقت أو فجرت . هذا هو الإسلام من منابعه ، هذا هو الإسلام من مصادره ، العبرة لا بالواقع الذي يعيشه المسلمون ، ولكن بالمبادئ السامية التي جاء بها الكتاب والسنة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[سورة الشمس: 9-10]

 وهذه الآية تعني الرجال والنساء معاً . من أحيا نفساً فكأنما أحيا الناس جميعاً ، ومن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً .

 

مساواة المرأة للرجل في الإنسانية و التشريف و الكرامة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إنها مساوية للرجل من حيث إنسانيتها ، ومساوية للرجل تماماً من حيث إمكانها أن ترقى ، وأن تسمو ، وأن تتفوق ، وأن تكون من اللاتي يشار إليهن بالبنان.
 شيء آخر: مساوية له في التشريف والكرامة ، أذكركم بأن قانون حمورابي الذي يدرسونه في كليات الحقوق إحدى بنود هذا القانون أنه من قتل بنتاً لرجل كان عليه أن يسلم ابنته لذاك الرجل ليقتلها . . ما ذنبها ؟ ما ذنب ابنة القاتل لتقتل مكان المقتولة ؟ . سئل عليه الصلاة والسلام:

((أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))

[متفق عليه عن عبد الله]

 وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

[سورة التكوير: 8-9]

 وقد قال الله عز وجل:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة: 179
وفقهاء الشريعة الإسلامية يقررون أن الرجل يُقتل بقتل المرأة ، فكرامتها من كرامته، وكرامته من كرامتها .

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾

[سورة التكوير: 8-9]

 مساوية له في إنسانيتها ، مساوية له في سموه وسموها ، مساوية له في كرامته وكرامتها ، في التشريف ، بل إن الإسلام العظيم جعل الذين يرمون المحصنات الغافلات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء جعل قصاصهم أن يُجلدوا ثمانين جلدة ، وألا تُقبل لهم شهادة أبداً ، حتى لو تابوا لابد من أن يُجلدوا ثمانين جلدة ، عقاب الدنيا لا يسقط بالتوبة ، لذلك ورد في الأثر: " قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ".

 

مساواة المرأة للرجل في أركان الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مساواتها في إنسانيته ، ومساواتها في سموه ، ومساواتها في كرامته ، بل إن المرأة مساوية للرجل في أنها مكلفة بأركان الإيمان ، ومكلفة بكل التكاليف الشرعية التي كلف الله بها الرجل . الأدلة من كتاب الله:

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب: 35]

 لو أن الله سبحانه وتعالى قال : إن المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين والصابرين والخاشعين إلى آخر الآية لكانت هذه الآية تشمل الرجال والنساء ، ولكن الله أراد أن يؤكد ، وأن يبين ، وأن يزيل اللبس من أن المرأة كالرجل مساوية له تماماً في التكاليف الشرعية، وفي أركان الإيمان ، وفي أركان الإسلام .
 دليل آخر:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل:97]

 دليل ثالث:

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[سورة آل عمران: 195]

المرأة مكلفة بشكل مستقل عن الرجل بتكاليف الشريعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بل إن المرأة مخلوق مستقل من حيث مسؤوليته عن عمله ، وهي مكلفة استقلالاً عن الرجل بتكاليف الشريعة ، مكلفة بشكل مستقل عن الرجل بتكاليف الشريعة . .

((والمرأة راعية في بيت زوجها ، وهي مسؤولة عن رعيتها))

[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 أيها الأخوة الكرام ؛ أوضح شاهد امرأة فرعون ، قال عليه الصلاة والسلام:

((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أربع آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ))

[الطبري في تفسيره عن أبي موسى الأشعري]

 آسية زوجة رجل ادعى الألوهية ، وأذلَّ أتباعه ، قتَّل أبناءهم واستحيا نساءهم ، ولم يستطع بكل جبروته أن يحمل امرأته على أن تعبده كما يعبده كل الناس ، قالت:

﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة التحريم: 11]

 معنى ذلك أن المرأة مستقلة استقلالاً تاماً في أنها مكلفة بأركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، والتكاليف الشرعية ، وتُحاسب وحدها عن تقصيرها وأية امرأة تقول : إن زوجي يريد ذلك . هذه حجة عند الله غير مقبولة .

 

مساواة المرأة للرجل في التّربية و التّهذيب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[سورة الزلزلة: 7-8]

 والمرأة أيضاً مساوية للرجل في التربية والتهذيب ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾

[سورة التحريم: 6]

 قوا أنفسكم وأهليكم ، والأهل في القرآن الكريم الزوجة والأولاد . وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي :

((ما نحل والد ولده من نحلة أفضل من أدب حسن))

[الترمذي عن سعيد بن العاص]

 والولد ذكر كان أو أنثى . يروي ابن ماجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:

((ما من مسلم له بنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه ، أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة))

[أحمد عن ابن عباس]

 هذه بشارة لكم جميعاً . . أي رجل له بنتان إذا أحسن إليهما ورباهما التربية الإسلامية الصحيحة ، واعتنى بهما ، وأحسن إليهما فله الجنة . وفي حديث آخر:

((من كانت له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات))

[أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 هذا شيء دقيق . من كانت أخته عنده ، وأحسن إليها ، وأكرمها ، ودلّها على الله فله الجنة . قد تبقى البنت بلا زواج ، تصبح عانساً مصيرها عند أخيها ، هذا الحديث الشريف يبين أن الذي يرعى أخته ، ويحسن إليها ، ويربيها التربية الصحيحة ، ويدلها على الله فله الجنة. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ ، أَوِ ابْنَتَانِ ، أَوْ أُخْتَانِ ، فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُنَّ ، وَاتَّقَى اللَّهَ فِيهِنَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ))

[أبو داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 وفي رواية تضاف إلى هذا الحديث:

((فأدبهن ، وأحسن إليهن ، وزوجهن فله الجنة))

[أبو داود عن سعد بن مالك]

 مكلفة بشكل مستقل عن الرجل بتكاليف الشريعة . .

 

مساواة المرأة للرجل في العلم الكفائي والواجب العيني :

 أيها الأخوة الكرام ؛ والمرأة مساوية للرجل تماماً في العلم والواجب العيني ، وفي العلم الكفائي ، فإذا كانت مكلفة بأركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، وبأحكام الشريعة ، فلا يكون هذا إلا بالعلم ، لذلك قال تعالى:

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾

[سورة طه: 114]

 تقرأ هذه الآية الفتاة ويقرؤها الفتى ، تقرأ هذه الآية المرأة ويقرؤها الرجل . وطلب العلم فريضة على كل مسلم ، أي على كل شخص مسلم ذكراً كان أو أنثى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ عن عبد الله بن قيس قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا ، فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ، وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا ، وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ ، وَآمَنَ بِي فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ أَدَّى حَقَّ مَوَالِيهِ ، وَحَقَّ رَبِّهِ فَلَهُ أَجْرَانِ))

[متفق عليه عن عبد الله بن قيس]

 وقال عروة بن الزبير يصف خالته السيدة عائشة رضي الله عنها قال: " ما رأيت أحداً أعلم بفقه ، ولا بطب ، ولا بشعر من عائشة رضي الله عنها ". وكثيرة جداً الأحاديث التي روتها أمهات المؤمنين ، وكثيرة جداً تلك الأقوال المنسوبة إليهن في التفسير ، وفقه الحديث ، وكثيرات جداً النساء اللواتي حفظن كتاب الله ، أو حفظن كثيره .

 

مساواة المرأة للرجل في وجوب تمسكها بالأخلاق الباطنة والظاهرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ والمرأة مساوية للرجل في وجوب تمسكها بالأخلاق الباطنة والظاهرة ، الباطنة من طهارة القلب ، وسلامة القصد ، والظاهرة أخلاق اللسان وأخلاق الجوارح. قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف: 110]

 ذكراً كان أو أنثى . وقد قال بعض الأقوام : في كل مشكلة فتش عن المرأة . أما الإسلام فيقول : في كل مشكلة فتش عن المعصية ؛ لأنه ما من مشكلة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله ، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان . إحدى زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركتها الغيرة التي هي من خصائص النساء ، فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية أنها قصيرة ، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))

[أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]

 كم هي كرامة المرأة غالية في الإسلام ، وصفت بأنها قصيرة ، فقال عليه الصلاة والسلام لمن قالت هذه الكلمة :

(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))

[أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ المرأة مسؤولة عن قلبها من حيث الإيمان أو النفاق ، والإخلاص والرياء ، مسؤولة عن لسانها من حيث الصدق والكذب ، ومسؤولة عن أعضائها من حيث الطاعة والمعصية ، مساوية للرجل في وجوب طهارة القلب وسلامة القصد ، وفي وجوب ضبط اللسان وضبط الجوارح .

 

المرأة مساوية للرجل في وجوب تحقيق الكليات الست :

 أيها الأخوة الكرام ؛ والمرأة مساوية للرجل في وجوب تحقيق الكليات الست التي جاء الإسلام من أجلها ، فالإسلام يقوم على كليات ست ، من اعتدى على إحداهن فله في نص القرآن الكريم عقوبة محددة هي الحد الذي جاء به القرآن الكريم وفصلته السنة .
 فالشريعة كما تعلمون مصلحة كلها ، ورحمة كلها ، وعدل كلها ، وأية قضية خرجت من العدل إلى الجور ، ومن المصلحة إلى المفسدة ، ومن الرحمة إلى القسوة ، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الدين ، والنفس ، والعقل ، والعرض ، والمال ، والأمن ، فمن اعتدى على إحدى هذه الكليات فله جزاء مقرر في كتاب الله ، واضح في سنة رسول الله ، ذكراً كان أم أنثى ، هذا الحد يصيب الذكور كما يصيب الإناث .

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة المائدة: 38]

 شارب الخمر ينبغي أن يُجلد ثمانين جلدة ذكراً كان أم أنثى . العرض ؛ من اعتدى على أعراض الآخرين فعقوبته الجلد أو الرجم :

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾

[سورة النور: 2]

 والعدوان على النفس:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة: 179]

 والقصاص يصيب الرجال كما يصيب النساء ، والأمن لمن يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فساداً ، إما أن يقتل ، وإما أن تقطع أيديه وأرجله من خلاف .

 

المساواة بين الرجل والمرأة في الدعوة إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حتى إن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في الدعوة إلى الله ، ينبغي أن تنقل ما تعلمته إلى أخواتها ، وعليها أن تنشر هذا الدين لقول الله تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 السيدة خديجة حينما جاء النبي الوحي ، وجاء إليها وقال لها : خشيت على نفسي ، ماذا قالت ؟ قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً ، إنك لتصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتحمل الكل ، وتعين على نوائب الدهر . ما معنى ذلك ؟ أنها كانت مع النبي في دعوته . وأول امرأة شهيدة قُتلت في الإسلام سمية وزوجها ياسر قتلا دفاعاً عن عقيدتهما ، وعن تمسكهما بهذا الدين القويم ، فالمرأة أيضاً تدعو إلى الله ، وتنشر هذا الدين في الحقل الذي يناسبها ، وفي الحدود التي يسمح لها بها .

المساواة بين المرأة و الرجل في الميراث :

 أيها الأخوة ، والمرأة مساوية للرجل في الميراث ، قال تعالى:

﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ﴾

[سورة النساء: 7]

 مساوية له في الميراث ، وأما أن للذكر مثل حظ الأنثيين فله تفصيل رائع سيكون في خطبة قادمة إن شاء الله .

 

المساواة بين المرأة و الرجل في الأقارير و العقود و التصرفات :

 ثم إن المرأة مساوية للرجل تماماً في الأقارير - أي جمع إقرار- والعقود والتصرفات . أي بإمكانها أن تشتري ، وأن تبيع ، وأن تقرَّ بيعاً أو شراءً ، فالصدقة ، والدين ، والوقف ، والبيع ، والشراء ، والكفالة ، والوكالة ، هذه كلها المرأة مساوية للرجل .

المساواة بين الرجل و المرأة في كل شيء :

 ساوته في الأقارير والعقود والتصرفات ، وساوته في الميراث ، وساوته في وجوب الدعوة إلى الله ، وساوته في وجوب طلب العلم ، لأنها مكلفة بأركان الإيمان ، وأركان الإسلام ، وأحكام الشريعة ، ومساوية له في وجوب تطهير قلبها وقصدها ولسانها وجوارحها ، ومساوية له في العلم والواجب العيني والكفائي ، ومساوية له في التربية والتهذيب ، ومساوية له في الإيمان بالله ، والتكاليف الشرعية ، ومساوية له في الكرامة ، ومساوية له في الخلقة ، والمساواة الكاملة في الإنسانية .
 هذه نصوص الكتاب والسنة ، التي تبين أن المرأة إنسان بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، وأنها مساوية له . أما إذا قال الله تعالى:

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

[سورة آل عمران : 36]

 فهناك اختلاف بين الجنسين اختلاف يُعد في حق كل منهما كمال وأي كمال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ضرورة معرفة الإسلام من أصوله و ينابيعه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي))

[الترمذي عن ابن عباس]

((ما أكرم النساء إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم))

[الحاكم عن علي]

 وفي زيادة :

((وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً))

[ ابن عساكر عن علي]

 وقال عليه الصلاة والسلام موجهاً الخطاب إلى النساء ، قال لإحداهن :

((اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله))

[أخرجه البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

 كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته كان بسَّاماً ضحاكاً ، وقد وصف النساء فقال : إنهن المؤنسات الغاليات ، هذا هو الدين ، هذا هو الشرع الحنيف الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، الإسلام ينبغي أن نعرفه من أصوله ، لا ينبغي أن نعرفه من خلال واقع المسلمين الذي ربما لم يكن وفق منهج الله ، الإسلام ينبغي أن نعرفه من ينابيعه ، لا من روافده التي رفدته من الثقافات الغربية التي شوهت معالمه .

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

[سورة المائدة : 3]

 الإكمال نوعي ، والإتمام عددي ، فكل القضايا التي نحن بأمس الحاجة إليها ، عالجها معالجة كاملة ، وأدرجها في منهجه القويم ، وفي كتابه الكريم . ما علينا إلا أن ندرس ، وأن نتعلم ، وأن نطلب العلم . ومن ضيق الأفق ، ومن سذاجة الإنسان أن يتهم شيئاً دون أن يعرفه ، ودون أن يتعمق في فهمه ، ودون أن يسلك السبيل القويم في معرفته ، ودون أن يأخذه من ينابيعه الأصيلة ، إذا أردت أن تعرف الإسلام فهذا هو القرآن ، وهذه هي سنة النبي العدنان، إذا أردت أن تعرف الإسلام فاعرفه من خلال أصحاب رسول الله الذين اتبعوه بإحسان ووعي وفهم ، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[سورة يوسف: 108]

 لا ينبغي أن تحكم على الإسلام قبل أن تفهمه ، لا ينبغي أن تتهمه قبل أن تتعمق في دراسته ، اطلب العلم فطلب العلم فريضة على كل مسلم ، وما من شيء يسمو بك إلا العلم. إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وحضور خطبة الجمعة كما ذكرت في الأسبوع الماضي هي الحد الأدنى من التعلم ، إن حضرت خطبة ، وفهمت آية أو حديثاً ، أو حكماً أو موضوعاً ، أو موقفاً وتمثلته ، ونقلته لمن تحب فقد حققت الأدنى من عبادة التعلم ، وما حضور خطبة الجمعة إلا عبادة هدفها نشر العلم بشكل دوري .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018