بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 103 - علم النفس.


2010-10-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

من عرف نفسه عرف ربه :

 أيها الأخوة الكرام، كلكم يعلم أن من العلوم التي انتشرت في العصر الحديث علم النفس، هذه النفس الإنسانية التي كرمها الله، وخلقها لجنة عرضها السماوات والأرض، هذه النفس الإنسانية لها فطرة، ولها خصائص، وتحكمها قوانين، هل من موضوع يتصل بسلامتك وسعادتك كأن تعرف نفسك؟ لأنه من عرف نفسه عرف ربه، هل تعلم أنك المخلوق الأول؟ الكون تقريباً فيه مئات ألوف الملايين من المجرات، ونحن في الأرض كوكب من المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية نقطة في مجرة درب التبابنة، وهي مجرة متواضعة جداً، ومع هذه المجرة هناك مئات ألوف المجرات، هذا الكون الذي خلقه الله هل تعتقد يقيناً بنص القرآن الكريم أنك المخلوق الأول؟ الأول رتبة لقوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

الإنسان هو المخلوق الأول و المكرم و المكلف :

 ماذا يعني أن تعتقد أنك المخلوق الأول؟ معنى ذلك أنك مكرم، ومعنى ذلك أنك مخلوق للأبد، لجنة عرضها السماوات والأرض، وأن الحياة الدنيا إذا قيست بالأبد فهي صفر، أخواننا الذين معهم شهادة ثانوية علمية يعرفون حق المعرفة أن أكبر رقم على وجه الأرض إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، أي مئة ألف مليار مليار مليار مليار حتى ينقطع النفس أمام اللانهاية صفر، أنت مخلوق للانهاية، أي مخلوق للأبد:

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 65 ]

 لذلك أنا حينما أرى جنازة تمشي في الطريق أذكر قول النبي الكريم:

(( فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

[الجامع الصغير عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ]

الله عز وجل بدأ بالموت في الآية التالية لأنه أكثر أهمية من الحياة :

 لعل الله عز وجل حينما قال:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك الآية : 2 ]

 بدأ بالموت لأنه أكثر أهمية من الحياة، أنت حينما تولد أمامك خيارات لا تعد ولا تحصى، أما حينما تأتي المنية فأنت أمام مصيرين إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفذ عذابها، وأنت لا تعلم متى تغادر الدنيا، الشيء الذي يلفت النظر، لا يوجد إنسان يموت إلا بذهنه أن يعيش عشرات السنين، لي صديق حدثني في جلسة يحضرها كبار المثقفين - مدرسون وأطباء - قال مرة في بعض الجلسات أنا لن أموت في وقت مبكر، هذا الكلام غير مألوف، فقال له آخر لماذا؟ فقال له: انظر إلى صحتي أنا وزني معتدل، أكلي مدروس، الخضار، الفواكه، الخبز الكامل الذي فيه القشر، أجري كل يوم، بالفعل تكلم كلاماً بحسب معطيات الرياضة هذا يجب ألا يموت أبداً، السبت القادم كانت تحت الأرض.
 الإنسان سوف يغادر الدنيا ألا ينبغي أن تعرف من أنت؟ أولاً: أنت المخلوق الأول، لأن الله عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، لأنك قبِلت حمل الأمانة كنت المخلوق الأول، والمخلوق المكرم، والمخلوق المكلف.

 

أيُّ إنسان قبل أن يعرف الواحد الديان إنسان شديد الخوف :

 الآن إذا قرأت القرآن الكريم ووقفت عند كلمة الإنسان، إنسان معرفة بال، الآية:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾

[ سورة المعارج : 19 ]

 ما معنى "هلوعاً"؟

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾

[ سورة المعارج : 20-21 ]

 هكذا خلقه الله عز وجل، خلقه ضعيفاً، خلقه عجولاً، خلقه هلوعاً، الحكمة من خلقه ضعيفاً لأنه لو خلقه قوياً لاستغنى بقوته عن الله، فشقي باستغنائه، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد في افتقاره، خلقه عجولاً، فإن اختار الهدف الذي بعد الموت يكون قد عاكس خصائصه، عندئذ يرقى عند الله، أكثر الناس يعيشون لحظتهم، لا يفكر بالمستقبل، الآن ببحبوحة، والصحة جيدة، والبيت جيد، والمركز الاجتماعي قوي، إذاً عليه أن يستمتع بالحياة، لكن قلّما تجد إنساناً يفكر لمسافة بعيدة، إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته.
 بصراحة الكلام دقيق؛ الموت كفكرة سهل جداً، كلنا نقول: سنموت، لكن لا سمح الله ولا قدر حينما يعطب قلب الإنسان، ويشعر بشكل أو بآخر أن أجله قد اقترب ينسى حليب أمه، حينما يدرك أن الأجل قد اقترب سيغادر من بيت إلى قبر، من مكانة، و زوجة، و أولاد، و ضيوف، و استقبال، و رحلات، و ندوات، إلى قبر، ماذا في القبر؟ أنا أقول لكم الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾

[ سورة المعارج : 19 ]

 أي إنسان قبل أن يعرف الواحد الديان شديد الخوف:

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾

[ سورة المعارج : 20]

 أي لا سمح الله ولا قدر -عافاكم الله جميعاً- لو أن إنساناً شعر بكتلة في جسمه، ذهب إلى الطبيب قال له: نريد أن نأخذ عينة، أخذنا عينة قدمناها لمحلل فكان الجواب: ورم خبيث، يتغير لونه، هذا كلام دقيق، فالاضطرابات النفسية التي تصيب الإنسان حينما يكتشف أن معه مرضاً خبيثاً، وقد تكون في هذا المرض نهايته، عندئذ يدخل في متاهة.

 

المصلي معافى من الهلع والجزع والبخل :

 فيا أيها الأخوة، الله عز وجل قال:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴾

[ سورة المعارج : 19 ]

 شديد الخوف، ترتعد مفاصله:

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾

[ سورة المعارج : 20-21 ]

 دقق:

﴿ إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾

[ سورة المعارج : 22]

 معنى هذا أن الإنسان الذي لا يصلي هلوع، جزوع، منوع، والمصلي معافى من الهلع والجزع والبخل، إذاً: عندنا إنسانان؛ إنسان عرف الله واتصل به، وإنسان لم يعرفه ولم يتصل به، هذا له صفات وهذا له صفات، البطولة أنك إذا قرأت الآيات التي تتحدث عن الإيمان هذه الآيات لها وظيفة خطيرة، ما وظيفتها؟ أن تجعلها مقياساً لك، أين أنت من هذه الآية:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا*إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 المصلي معافى من الهلع والجزع والمنع، كريم، قال تعالى:

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]

 خاسر، إله يقول لك: أنت خاسر، لأن مضي الزمن وحده يستهلكه، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 102 ]

القبر صندوق العمل :

 هناك سؤال لطيف، يا رب الموت بيدي حتى تأمرني ألا أموت إلا وأنا مسلم؟ الموت بيدك يا رب، لتوضيح هذه الآية أضرب المثل التالي؛ لو أن بطاقة طائرة إلى أمريكا افتراضاً بخمسمئة ألف، وهذه الشركة إن لم تسافر ضاعت عليك قيمة هذه البطاقة، هكذا النظام، وأن هذه الشركة تأتي إليك لتأخذك إلى المطار، وأن هذه الشركة وعدها من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، بين هذين الوقتين، وإذا جاءت لا تنتظر إلا دقيقة، جمعت المعلومات، البطاقة بخمسمئة ألف، إن لم تسافر ضاعت عليك قيمة هذه البطاقة، الشركة تأتي إليك لتأخذك إلى المطار، موعدها من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، وإن جاءت لا تنتظر إلا دقيقة، فإن لم تكن جاهزاً ضاعت عليك البطاقة وخسرت نصف مليون ليرة، ماذا ينبغي أن تعمل؟ يجب أن يرتدي ثيابه الكاملة، ومعه المحفظة الكاملة، ويقف وراء الباب من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الثامنة مساءً، تقف دقيقة إن لم تكن جاهزاً ترجع، لم تركب الطائرة ضاعت عليك البطاقة، هذه حالة الإنسان عند الموت:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 102 ]

الموت يأتي بغتة  والقبر صندوق العمل
***

الموت يأتي بغتة :

 أيها الأخوة الكرام، مرة كنت بلقاء مع مدير ثانوية، وهناك مودة بيني وبينه، فحدثني هذا الحديث قال لي: والله أنا سئمت من هذا العمل، وقال لي: وفقني الله بعقد للجزائر، عقود المدرسين إذا سافروا إلى بلد آخر، يتقاضون راتباً مضاعفاً، راتبه الثابت وراتب الجزائر، أي يتضاعف دخله، قال لي: سأسافر إلى الجزائر، و أبقى خمس سنوات، لا أريد الرجوع في الصيف، أريد أن أمضي صيفاً في باريس، وصيفاً في إسبانية، وصيفاً في إيطالية، وصيفاً في بريطانية، قال لي: أريد أن أرى البلاد، وأرى متاحفها، وأرى ريفها، وحضارتها، وبعد خمس سنوات أرجع فأقدم استقالتي، وعندما آتي يكون معي مبلغاً من هذا السفر، افتح محل تحف، وهذا لا علاقة له بالتموين، ولا تصاب البضاعة بالعطب لأنها من الكريستال، ويكون أولادي قد كبروا فيستلمون المحل، و سأعمله منتدى للمثقفين في دمشق، هو أستاذ فلسفة أنيق جداً، والله أنا أستمع إليه صدقوا ولا أبالغ حدثني عن عشرين سنة قادمة، طموحاته، سفرياته، انتهى اللقاء، ضيفني ضيافة، فشكرته وذهبت إلى البيت، عندي في المساء عملاً في مركز المدينة –تدريس- وبيتي في العفيف، قلت: سأذهب ماشياً، وأنا في الطريق قرأت نعوته، والله الذي لا إله إلا هو في اليوم نفسه، في اليوم نفسه، إذاً:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا*إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

الفرق بين المؤمن المتصل بالله وبين الإنسان الغير متصل فرق كبير جداً :

 هناك إنسان متصل وإنسان غير متصل، غير المتصل هلوع، جزوع، منوع، المتصل ليس هلوعاً، ولا جزوعاً، ولا منوعاً، أي الفرق بين المؤمن المتصل وبين الإنسان الغير متصل فرق كبير جداً، يعبر عن هذا الفرق بالطبيعة لا بالدرجة، عفواً هناك ذهب عيار ستة عشر، وذهب عيار واحد وعشرين، وذهب عيار أربعة وعشرين، اختلاف قطع الذهب الاختلاف بالدرجة، لكن هناك ذهب وهناك تنك، الفرق بالطبيعة، هنا الغرام الآن ثمنه عشرة آلاف أو ثلاثة عشر ألفاً، وتأخذ تنكة كلها بخمس ليرات، المؤمن شيء نفيس لذلك:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا*إلاّ الُمُصَلّيِنَ ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

الإنسان قبل أن يعرف الله خاسر لا محالة :

 لو أنكم تتبعتم بالقرآن كلمة الإنسان، إنسان معرف بال، أجمع علماء التفسير على أن كلمة إنسان معرفة بال تعني الإنسان قبل أن يعرف الله:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2 ]

 خاسر، ما الذي يحصل؟ حدثني أخ عن إنسان ساكن في بيت قديم متداعٍ بأحد أحياء دمشق الفقيرة جداً، سكن في هذا البيت ثلاثاً وعشرين سنة، ويجمع فائض دخله، جمعهم واشترى بيتاً في المهاجرين له إطلالة على دمشق، أنا رأيت البيت له شرفة على شكل خط منحنٍ جميل جداً، والشام أمامه كالكف، فلما انتقل إلى هذا البيت ورتبه وسكنه، قال لزوجته: الآن أمنّا مستقبلنا، بعد يومين جاءت منيته، ثلاث وعشرون سنة يجمع النقود لشراء البيت، بعد أن اشتراه جاءت منيته.
 حدثني أخ أنه في شارع الزينبية الأبنية عبارة عن اثني عشر طابقاً، جاء إنسان اشترى بلاطة، مساحتها أربعمئة و خمسون متراً، على المفتاح، لكن أذواقه رفيعة جداً، كسر البلاط، ونزع المنجور، أعاد البلاط رخام أونكس، و المنجور ألمنيوم برونز، بقي سنتين متتاليتين يكسو هذا البيت، ولم يكن هناك مصعد، كان يصعد اثني عشر طابقاً ليراقب الدهان، هنا الدهان، بعد أن انتهى من الكسوة، وهو يصعد إلى البيت تقريباً ألف مرة، بعد يومين جاءته المنية، هذه القصص كلها واقعية، لذلك بطولتك إذا جاء الموت فجأة أن تكون مجهزاً نفسك، عندك عمل صالح؟ طلبت العلم؟ ربيت أولادك؟ أنفقت مالك في سبيل الله؟ طلبت العلم الشرعي؟ دعيت إلى الله عز وجل؟ يجب أن يكون معك شيء، لذلك قالوا: من قدّم ماله أمامه سره اللحاق به، أي بالأزمات الطاحنة، التي مرت في بلدنا سابقاً، هناك أناس خافوا على أموالهم فنقلوها إلى الغرب، الآن ما الذي ينبغي أن يفعل؟ أن يلحق بها، من قدّم ماله أمامه سره اللحاق به، الآن أقيس على هذه القاعدة، المؤمن الذي يقدم عملاً صالحاً لله، يسره اللحاق به، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام تفقد أحد الصحابة سعد بن الربيع، فما وجده، أرسل صحابي جليل يتفقده في أحد، رآه مع القتلى لكنه لم يمت، قال له: يا سعد، أنت مع الأموات أم مع الأحياء؟ قال له: مع الأموات، ولكن بلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبي عن أمته، وقُل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. أي كان بأسعد لحظات حياته وهو على فراش الموت.

 

الموت مصيبة كبيرة لكن المؤمن أعماله الصالحة تجعل الموت تحفة :

 أيها الأخوة الكرام، الموت مصيبة كبيرة، لكن المؤمن والله لا أبالغ استقامته وأعماله الصالحة يجعل الموت تحفة، وقد ورد في بعض الأحاديث النبوية:

(( تحفة المؤمن الموت ))

[ أخرجه الطبراني، وأبو نعيم، والحاكم، والبيهقي، عن ابن عمر ]

 الموت تحفة، فلذلك القضية مصيرية:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 فالإنسان خاسر، أكلنا خاسر، شربنا خاسر، عملنا نزهة خاسر، جددنا أثاث البيت خاسر، نقلنا إلى بيت أوسع خاسر، اقتنينا مركبة خاسر، عملنا عملاً صالحاً رابح، طلبنا العلم رابح، ربيت أولادك رابح، أنفقت مالك رابح، الذي ينفعك هو الشيء الذي ينزل معك في القبر، البيت بقي في محله، الأثاث في محله، أحياناً ليس نقداً ولكن موعظة، أضطر أن أعزي إنساناً، أحياناً يكون غنياً كبيراً، أدخل إلى البيت أقدر ثمنه تقريباً يمئتي مليون، هناك بيوت بثلاثمئة مليون الآن في الشام، الأثاث بعشرات الملايين، يخطر في بالي من اختار هذا البلاط؟ المرحوم، من اشترى هذه الثريات؟ المرحوم، من اختار هذا المنظر الطبيعي الجميل؟ المرحوم، هذا البيت ثمنه وكسوته وتأسيسه من أذواق المرحوم، المرحوم جالس في مقبرة باب صغير، والله الذي لا إله إلا هو دخلت إلى بيت من الصعب أن يوصف، صاحب البيت تاجر تحف، كل تحفة ثمنها عدة ملايين، شيء غير معقول، قسم شرقي وقسم غربي، توفاه الله، مدير أعماله يحضر عندي، وأنا حضرت الجنازة، سئل ابنه عند الدفن: أنه ظهر في القبر ماء سوداء، ماذا نفعل؟ قال: ضعوه، تصور إنساناً يسكن في بيت ثمنه يقدر بمئتي مليون، والقبر فيه مياه سوداء، وضع في القبر، كنت مرة في حلب أخذوني إلى بيت قالوا لي: هذا أجمل بيت في حلب، على النمط الصيني، صممه مهندسون صينيون، الرخام شفاف، تحته إضاءة تمشي على الأرض والأرض تشعل، وصفوا لي أن الدولار عندما كان بثلاث ليرات كلف البيت خمسة وثلاثين مليوناً، كان البيت عندنا في الشام ثمنه ثلاثة آلاف، هناك بيت بالمهاجرين ثمنه ستة آلاف، هذا كلف خمسة وثلاثين مليوناً، الذي اشترى هذا البيت أعطاه الله قامة طويلة، مات بأزمة قلبية في الثانية والأربعين، وضعوه في القبر، القبر كان قصيراً وهو طويل القامة، فلما وضعوه جاء الحفار و دفعه من صدره فصار شكله هكذا، الذي كان يسكن في بيت ثمنه يقدر بخمسة وثلاثين مليوناً وقت الرخص، هذا قبره.
 والله هذه كلها قصص واقعية، ومؤثرة.

 

بطولة الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً ينفعه في آخرته :

 لذلك بطولتك أن تطلب العلم، بطولتك أن تعمل العمل الصالح، بطولتك أن تقدم مالك للآخرة، بطولتك أن تربي أولادك، بطولتك أثناء وضعك في القبر أن ينزل معك عملك:

(( يا قيس! إن لك قريناً تدفن معه وهو حي، ويدفن معك وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك ))

[ صحيح عن قيس بن عاصم]

 وضع في القبر، ترك البيت، ترك الزوجة في البيت، ترك بناته في البيت، أخوانه في البيت، بنات أخوانه في البيت، مشى في الجنازة أولاده، أولاده مشوا حتى القبر لما وضع في القبر، وضعوا البلاطة، وردموا التراب، انتهى، عظم الله أجركم، تلقوا تعازي من شاركهم بالجنازة وانتهى، يا ترى في نفس اليوم الساعة الواحدة مساءً هل جاء فلان؟ فلان ميت لن يأتي، أما إذا كان الإنسان حيّاً، وتأخر إلى الساعة الواحدة فتتصل به لتعرف أين هو؟
 الميت لا يتذكرونه، و لا يتركون شيئاً من ثيابه، يضعون على الثريا قماشة بيضاء لأنهم حزنوا عليه، وقماشاً أسود على صورته، يلبسون الأسود و الرمادي لأسبوع أو أسبوعين، ينتهي الحزن، هذا الإنسان ملفه انطوى، انتهى؟ أين جالس الآن؟ يا ترى في جنة القبر مد بصره أم أنه يضيق عليه؟

 

أخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام، منتهى العقل والذكاء أن نعيش المستقبل، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا، هذا شيء نحن جميعاً خاضعون له.
 الإمام الغزالي يخاطب نفسه يقول: يا نفس، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لاشك أنك تمتنعين، أحياناً إنسان يحب أكلة معينة، وهذه الأكلة تجعل معه احتشاء في القلب، قال له الطبيب: اتركها فيتركها فوراً، يا نفس، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لاشك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذا طبيب قال لك: هذا البيت لا يناسبك، يكون قد كساه لمدة سنتين، في اليوم الثاني يلتقي مع الدلال يقول له: أريد بيع البيت، كلمة قالها الطبيب، لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً فما أجهلك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله؟ إذاً ما أكفرك.

على كل إنسان أن يتفكر بالموت :

 والله يا أخوان أتمنى عليكم، سيدنا نُعَيْم الآن صحابي جليل، كان زعيم قبيلة غطفان، جاء ليحارب النبي عليه الصلاة والسلام في معركة الخندق، طبعاً في معركة الخندق في خيمته جالس ففكر، وهذا يسمونه حواراً ذاتياً، بالتعبير الفني المونولوج، حوار ذاتي، ما الذي يجعلك تشهر سيفك في وجه هذا الرجل الصالح؟ ماذا فعل؟ هل أكل مالاً؟ لا، هل انتهك عرضاً؟ لا، هل سفك دماً؟ لا، أين عقلك يا نُعَيْم؟ هذا ليس مجرماً ولا قاتلاً ولا ناهباً، هذا رسول، أين عقلك يا نُعَيْم؟ استحى أمام عقله أن يحارب هذا الإنسان، اتخذ قراراً حازماً، وقام لتنفيذه، تسلَّل نعيم بن مسعود من معسكر قومه تحت جُنْحِ الظلام، ومضى يحثُّ الخُطا إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، فلمَّا رآه النبي عليه الصلاة والسلام تفاجأ ما الذي جاء بك إلينا؟ عدو، سيحاربه، قال: جئت مسلماً، فكبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ائمرني ماذا أفعل؟ قال له: خذل عنا ما استطعت، سبحانك يا رب السبب الأول لانتصار المسلمين في الخندق نعيم بن مسعود، لأن اليهود يعرفون أنه مشرك وقريش كذلك، تكلم كلاماً لليهود، وكلاماً لقريش أوقع بينهما العداوة والبغضاء، فانفضوا عن محاربة النبي عليه الصلاة والسلام، لحظة تفكير واحدة، فكر أريد أن أموت، ساكن في بيت نهايتك إلى القبر، بمنصب رفيع نهايتك إلى القبر، فكر بالموت، لعل هذا اللقاء الطيب من اللقاءات العامة، هذا الموضوع العام عنوانه التفكر بالموت، فكر بأخطر حدث مستقبلي وهو مغادرة الدنيا.

كل مخلوق يموت ولا يبقى  إلا ذو العزة والجبروت
***
والليل مهما طال  فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال  فلا بد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة  فاعلم بأنك بعدها مــحمول
***

أمراض النفس تظهر بعد الموت أما أمراض الجسد فتنتهي عند الموت :

 أيها الأخوة الكرام، الموت مصير كل حي، والموت بعده تظهر أمراض النفس، أما أمراض الجسد فتنتهي عند الموت، معه ورم خبيث مات انتهى هذا المرض الخبيث، معه شلل مات انتهى، كل أمراض الجسد تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت:

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100 ]

 أيها الأخوة الكرام، لست ممنوعاً أن تعمل اعمل، لست ممنوعاً أن تأكل كُلْ، واشرب، لست ممنوعاً أن تتزوج تزوج، لكن ممنوع أن تعصي الله، أي:

﴿ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة الأعراف:19]

 كم نوع عصير في حياتنا؟ الخمر محرمة، كم نوع لحم مباح لنا؟ الخنزير محرم فقط، المحرمات نسبتها واحد بالمليون، المحرمات قليلة جداً، لكن المؤمن يبقى وفق منهج الله، الله عز وجل أعطاك شهوات، هذه الشهوات بإمكانك أن تتحرك بها مئة وثمانين درجة، سمح لك بمئة، بكل شهوة عندك حيز مسموح به.

 

ليس في الإسلام حرمان :

 ليس في الإسلام حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.
 ليس في الإسلام حرمان، لكن يوجد تنظيم، قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن: 46]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018