بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

علم القلوب - الدرس : 37 - الإخلاص4 : بعض أقوال للسلف الصالح في الشرك الخفي


1999-05-23

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

معرفة أبواب الشرك :

 لا زلنا في الإخلاص أيها الأخوة, ودروس الفجر لها نكهة خاصة؛ لأن الإنسان حينما يستيقظ من منامه شديد الشفافية, والأعمال روحها الإخلاص, والحديث عن الإخلاص ضروري جداً.
 قال بعض العلماء في معرفة أبواب الشرك: "وذلك أن يقول العبد: إن الخير من الله, -كلام صحيح-, وإن الشر من نفسه, ومع ذلك يؤمن بالكِهانة, والنجوم, وهجر الطيور, وحك الحاجب, والطيرة, والتعلل بالأطعمة, وأن يقول: لولا هذا الماء لم ينبت زرعي, ولولا كلب فلان لقطعوا داري, ولولا فراهة الملاح لغرقت السفينة, وأشباه ذلك كله من الشرك الخفي الذي حذرنا منه النبي".
 حينما تنسى أن الله هو الفعال, حينما تعزو شيئاً إلى شيء, فهذا نوع من الشرك.
 طبعاً: الشرك الجلي أن تقول: بوذا إله, هذا نادر في المسلمين.

((أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))

[ورد في الأثر]

 الشرك الجلي انتهى في عالم المسلمين, حينما جاءت هذه البعثة, لكن ماذا بقي؟ بقي الشرك الخفي، يؤيد هذا المعنى قوله تعالى:

 

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

[سورة يوسف الآية:106]

سيئة مغفورة خير للإنسان من طاعة مردودة لا تُقبل منه :

 إذا شخص قال: الدراهم مراهم أشرك, في ذهنه المال يحل كل مشكلة, لا, لا يحلها, يحل كل مشكلة الله عز وجل, فهذا نوع من أنواع الشرك.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

((إذا كان يومُ القيامةِ نادى منادٍ يُسْمِعُ أهلَ الجَمْعِ أين الذين كانوا يعبدون الناسَ قوموا وخذوا أجورَكم ممن عملتم له فإنى لا أقبلُ عملا خالطه فيه شىءٌ من الدنيا وأهلها ))

[الديلمى عن ابن عباس]

 إنسان صلى الفجر أربعين سنة في أول صف, وهناك يوم تخلف, قال: ماذا يقول الناس عني؟
 شيء مخيف, أربعون سنة في العمل الصالح, لكن هو يعمل للحفاظ على سمعته بين الناس, فلما تخلف أحد الأيام قال: ماذا يقول الناس عني؟.
 يقول أحد العلماء: "سيئة مغفورة خير لك من طاعة مردودة لا تُقبل منك".
 طبعاً الطاعة ترد بالشرك.

 

على الإنسان أن يراقب نفسه بدقة :

 والله أيها الأخوة قبل ستة أشهر أو أكثر قرأت حديثاً يقصم الظهر, -لا أذكر نصه بدقة-:

((يُؤتى يوم القيامة برجال لهم أعمال كجبال تهامة, فيؤمر بهم إلى النار, فقالوا: يا رسول الله! جَلّهم لنا, -صفهم لنا-, لئلا نكون منهم, قال: هم يصلون كما تصلون, ويأخذون من الليل كما تأخذون, ولكنهم كانوا إذا خلوا بأنفسهم, انتهكوا محارم الله))

[أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد]

 منضبطون أمام الناس مئة في المئة؛ مكانته, وسمعته, والهيمنة كلها ناتجة عن انضباطه أمام الناس, أما إذا خلا مع نفسه انتهك حرمات الله, مثل هذا الإنسان لو جاء بحسنات كالجبال يوم القيامة ترد عليه, وهذا مصداق قوله تعالى:

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾

[سورة الفرقان الآية:23]

 الكلام كله مفاده أن يراقب الإنسان نفسه.

 

كل عمل باطل إلا إذا أريد به وجه الله عز وجل :

 بعضهم قال في تفسير قوله تعالى:

﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾

[سورة الفجر الآية:3]

 الشفع: الأفعال, والوتر: النية والإخلاص.
 وقد قال بعضهم في الأثر القدسي: "ما أريدَ به وجهي فقليله كثير, وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل".
 وقال بعض الحكماء: "إن العبد إذا أخلص لله بأعماله وأقواله, لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه, وإذا قال العبد المخلص: يا رب, يقول الله: لبيك عبدي, فإذا سأله أعطاه, وإن لم يسأل, ادخر له ما هو خير له في مسألته".
 وقال الجنيد: "الإخلاص واجب الفرائض والنوافل, هو فرض في الفرض, وفرض في الفضل".
 أي: كل أعمالك؛ الفرائض والنوافل, والفرائض والفضائل, شرطها الإخلاص.
 وقال بعضهم في معنى قوله تعالى:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

[سورة القصص الآية:88]

 كل عمل باطل إلا إذا أريد به وجه الله عز وجل.
 والحديث معروف:

((يؤتى بالعالم فيقال له: ماذا عملت؟ فيقول: تعلمت فيك العلم، وعلمته فيقال له: كذبت؛ ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار))

[مسلم من حديث أبي هريرة]

المخلص لا يتحمل المديح بل يرى العمل فضلاً من الله عز وجل :

 وفي حديث آخر:

((يؤتى بالرجل يوم القيامة, فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النار, يقول له أهل النار: ألست أنت فلان؟ يقول: نعم, ما الذي جاء بك إلى هنا؟ يقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي وائل]

 الإنسان من لوازم الذكاء إتقان التمثيل, فالإنسان يمكن أن يمثل, تظهر أحياناً بمناسبات الزواج, تجد الخاطب ظهر بمظهر ملائكي, وهو قد يكون وحشاً، فالتمثيل يتناقض مع الإخلاص.
 قال أبو سعيد النيسابوري -رحمه الله تعالى-:"جاهدوا أنفسكم على بُغض المحمدة, وعلى الرضا بالمذمة".
 المخلص لا يتحمل المديح, يرى العمل فضلاً من الله عز وجل.
 إذا شخص عنده مرض جلدي, إذا حككت له يشعر بسعادة, هناك أمراض تحتاج إلى حك, هناك شخص كلما تمدحه يسر, المخلص لا يعبأ بالمدح إطلاقاً.
 قال: جاهدوا أنفسكم على بُغض المحمدة, وعلى الرضا بالمذمة, فإنه بلغنا حديثاً- إن صحّ عن رسول الله- وإنه لقاصم الظهور:

((ويل للصائم, ويل للقائم, ويل لصاحب الصوف، فقيل إلا من؟ فقال: إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا وأبغض المدحة واستحب المذمة))

[ورد في الأثر]

 حينما يستوي عندك أن يمدحك الناس أو يذموك, فأنت مخلص, لا تعبأ بالمدح ولا بالذم.
 من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.

 

بالعلم تقوم الأعمال وبالإخلاص تصحح وبالصدق تصفى :

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((أخوف ما أخاف على أمتي (الشرك الخفي), قيل: يا رسول الله! أو تشرك أمتك من بعدك؟ -معقول!-, قال: إنهم لا يعبدون شمساً, ولا قمراً, ولا وثناً, ولا حجراً, ولكنهم يراؤون الناس بأعمالهم, وإن يسير الرياء شرك, قيل: يا رسول الله! فما الشهوة الخفية؟ قال: يصبح الرجل صائماً, فتعرض له شهوة من شهوات الدنيا فيفطر))

[أخرجه الحاكم في مستدركه عن شداد بن أوس]

 وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله))

[البيهقى فى شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]

 وقيل: "بالعلم تقوم الأعمال, وبالإخلاص تصحح, وبالصدق تصفى".
 وقيل: "المرائي له ثلاث علامات؛ يكسل في الوحدة, وينشط في الملأ, ويحرص على الأمور الممدوحة عند الناس".
 والله! حدثوني عن شخص, له أولاد أخ يموتون من الجوع, وهو في أعلى درجة من الغناء, لم يعطهم شيئاً, كان مرة في حفلة, فيها تبرعات, تبرع بخمسمئة ألف, حفل كبير, وأصبح في شهرة, أولاد أخوته يموتون من الجوع, ولا يعطيهم شيئاً, أما في حفل ضخم, وأصبح كل إنسان يبين إحسانه وكرمه, قدم خمسمئة ألف, فهذا واضح أنه في رياء.
 قال بعضهم: "احذر الشيطان أن يحول بينك وبين طاعة ربك, فإن أعانك الله على الطاعة, احذر الشيطان أن يحول بينك وبين ربك- هذه أكبر مهمة له- فإذا نجوت من هذا الكيد وأطعت الله عز وجل, احذره أن يفسد عليك هذه الطاعة, فإذا نجوت, فاحذره أن يخفي عليك ما أفسد عليك منها".
 أولاً: قد يحول بينك وبين الطاعة, فإذا أطعت الله قد يفسد عليك هذه الطاعة, فإذا أفسد عليك هذه الطاعة, قد يخفي عليك هذا الإفساد.
 قال: "إذا أراد المؤمن أن يصلي ركعتين, استقبله الشيطان على خمسة أوجه؛ بالمنع, أو التعجيل, أو الرياء, أو الخجل, أو الإياسة".

 

المخلص يعمل لوجه الله وحده :

 سئل الجنيد عن الإخلاص فقال: "هو سر بين العبد وربه".
 الإخلاص لا يطلع عليه أحد, ولا ملك, هذا الذي بينك وبين الله فقط هو الإخلاص.
 وقيل: من المخلص؟ قال: الذي لا يملكه شيئاً.
 يقول لك: كل إنسان له مفتاح, الأذكياء في التعامل مع الآخرين يعرف كل إنسان مفتاحه.
 قال لي مرة شخص: شخص وصل لمنصب, وله ابن أخ, لا يحب أن يفعل خيراً أبداً, إن أراد أحدهم أن ينتقل إلى للشام, لا يقبل, جاء شخص قال له: والله! مرتاح جداً إذا تركته, قال له: أريد أن أنقله.
 مفتاحه أين يوجد أذى يعمل, إذا كنت تريد أن تعمل عملاً خلاف ما تريد, أعطه مقدمات خاصة, تأتي ردة فعل خاصة. فالإنسان المخلص هو الذي يعمل لوجه الله وحده.
 قال: المخلص هو الذي يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.
 وفعلاً الذي عنده إخلاص شديد, لا يرغب في أن يتحدث عن أعماله إطلاقاً, وينزعج إذا تكلم.
 والله! هناك أخوان كثر, إذا تكلمت عن أعمالهم الطيبة ينزعجون, فعلاً: هذه عملها لله, لا يريدها أن تفوح, والناس يثنون عليه, لأن إخلاصه شديد, وحرصه شديد على كتمان أعماله.
 قال: المخلص يكتم سيئاته, والمخلص هو الذي يكتم حسناته كما يكتم سيئاته, والمخلص هو الذي لا يريد على أعماله جزاء ولا شكوراً.

المخلص من يعمل لله ولا يحب المدح عليه :

 قال الشعبي:

((عمر بن الخطاب خرج إلى مسجد رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، فإذا هو بمعاذ بن جبل عند قبر رسول الله صلى الله عليه و سلم يبكي فقال : ما يبكيك يا معاذ؟ قال : يبكيني ما سمعت من صاحب هذا القبر، قال: ما هو؟ قال : سمعته يقول: إن يسيرا من الرياء شرك، وأن الله يحب الإبرار الأخفياء الأتقياء الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يدعوا، ولم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الدجى، يخرجون من كل غبراء مظلمة))

[ شعب الإيمان عن يزيد بن أسلم عن أبيه]

 و في حديث آخر:

((تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم فيها في عافية))

[ المعجم الأوسط عن ابن عمر]

 أحياناً يدعى إنسان لحفل, إذا لم يضعوه في أول صف يقيم القيامة, إذا لم ينوهوا باسمه, إذا أثنوا على بعض الحضور ونسوه أيضاً ينزعج, أي الأنا متضخمة عنده جداً, المخلص الأنا عنده صفر.
 وسئل بعضهم عن الإخلاص فقال: "المخلص من يعمل لله, ولا يحب المدح عليه".
 وكتبت عائشة -رضي الله عنها-: "إنه من عمل لله كفاه الله الناس, ومن عمل للناس وكله الله إليهم, ومن تزين للعباد بغير ما يحبه الله عاد حامده إليه ذاماً".
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( يامعاذ ! أخلص عملك يكفك القليل))

[رواه الحاكم عن معاذ]

 أخلص يكفك العمل القليل.

 

العمل لأجل الناس رياء وترك العمل لأجلهم شرك :

 وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لقد خشينا أن يدخلنا خوفنا من الرياء في تسعة أعشار".
 أي الإنسان يخاف من الرياء, يقع في رياء أشد؛ يترك طاعة الله, لا يصلي أمام الناس, أيضاً هذا رياء, الأمور دقيقة, لذلك أن يترك العبد الصالحات خوف الرياء, هذا نفسه رياء, فالرياء كان عندهم العمل لأجل الناس, أما ترك العمل لأجلهم فهو شرك, العمل لأجل الناس رياء, وترك العمل لأجلهم شرك.
 هناك أخوان كثر يسألونني: لا يفعل الطاعة لأنه لا يحب المديح, لا, افعلها, ولا تعبأ بالمديح, أيضاً تترك العمل الصالح خوف الرياء, أصبح العمل شركاً, لأجل الناس رياء, وتركه لأجلهم شركاً, أنت أطع الله, وانتهى الأمر.
هذه دروس لنا جميعاً أيها الأخوة, لا أحد ينفد منها.
 أحد العارفين بالله, خرج من مدينة لمدينة, فتبعه خلق كثير, كثير جداً, له أتباع, فتوجه إلى الله بالدعاء فقال: "يا رب, لا تقطعني عنك, ولا تقطعهم عنك بي".
 الأصل هو الله عز وجل في كل شيء, أحياناً الإنسان ينسى الله, يتجه لعبد الله اتجاهاً شديداً, يكون قد ضيّع شيئاً من إخلاصه لله عز وجل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018