بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

علم القلوب - الدرس : 38 - الإخلاص5 : مصطلحات إسلامية


1999-05-24

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

مصطلحات إسلامية :

 أيها الأخوة: في الإسلام مصطلحات يتصل بعضها ببعض, ويفترق بعضها عن بعض, ولا بد من فهم دقيق لمعرفة حدودها؛ مثلاً:

 

1 ـ المداراة و المداهنة :

 قد يختلط عند البعض أن تداري أخاك أو تداهنه, وفرق بين الشيئين كبير؛ المداراة: بذل الدنيا من أجل الدين, والمداهنة: بذل الدين من أجل الدنيا, المداهنة مذمومة, والمداراة مستحسنة.
 فأنت قد تضحي بشيء من دنياك في سبيل أخيك, قد تمضي معه وقتاً؛ قد تبذل من مالك, من وقتك, من جهدك, من إمكاناتك, من حظوظك, من أجل أن تتقرب إليه, أو تعينه على أمر دينه, فكل تضحية في دنياك من أجل آخرته فهذه مداراة.
 وقد ورد:

((بعثت لمداراة الناس))

[ورد في الأثر]

 ورأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس.
 أنت في موقع قوي, وفي التزام شديد, لكن دنياك ممكن أن تبذلها, أو تبذل بعضها في سبيل أن تستجلب أخاك, أو أن تقربه إلى الله, أو تقربه منك, هذا عمل طيب, بل هو من أجلِّ الأعمال بعد الإيمان بالله، أن تستخدم الدنيا وسيلة لإكرام الآخرين.
 شخص رأى وادياً كله غنم, فسأل النبي -عليه الصلاة والسلام-: لمن هذا الوادي؟ قال: هو لك, قال: أتهزأ بي!؟ قال: لا والله! هو لك, -هو رئيس قبيلة-, قال: أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

 

المؤمن يداري ولا يداهن :

 المؤمن دنياه هينة عليه نظير أن يهتدي الناس إلى الله؛ يبذل من وقته, من جهده, من ماله, ليس حريصاً كثيراً. فالمداراة مطلوبة, أما الشيء المذموم المداهنة فأن تبذل دينك من أجل دنياك.
 لك مصلحة مع شخص, والإنسان بعيد عن الدين, فأنت ضحيت بعباداتك, أو بطاعتك لله عز وجل, إرضاء له.
 أي هناك نفوس ضعيفة, هو يصوم في الأساس, وجد أمام شخص استهجن صيامه فأفطر؛ ضحى بطاعته, ضحى باتصاله بالله إكراماً لهذا الإنسان القوي, الذي يرجو دنياه, ويرجو ما عنده.
 فحينما تبذل دينك من أجل دنياك فهذه المداهنة, وقد قال الله عز وجل:

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾

[سورة القلم الآية:9]

 فالمؤمن يداري ولا يداهن, الدنيا لا تعدل عنده جناح بعوضة, أما دينه فغال عليه, أي لا يطيع أحداً في دينه ولو كلفه أن يخسر شيئاً ثميناً.

 

انعدام المساومة في الدين :

 سيدنا عمر لما جاءه جبلة مسلماً, جبلة ملك, -و عندما يدخل في الإسلام شخص كبير فهذا يعد مكسباً تقريباً-.
 أحياناً إنسان في جامع, يأتي إنسان له مرتبة عالية جداً؛ تألق علمي, أو تألق ديني, أو تألق اقتصادي.
 فسيدنا عمر طبعاً رحّب به ترحيباً شديداً, أثناء الطواف حول الكعبة داس بدوي من فزارة طرف إزاره, فانخلع ثوبه من كتفه, فالتف جبلة وهشم أنف هذا البدوي, فشكاه إلى عمر, فسيدنا عمر قال له: أرضِ الفتى لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشــمن الآن أنـفـك، وتـنال مــا فعلتـه كفك.
 والقصة معروفة, في النهاية يقول له:
 كان وهماً ما جرى في خلدي، أننـــي عندك أقوى وأعزّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتنـي، قال: عنق المرتد بالسيف تحز عالم نبنيه ، كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
 فسيدنا عمر قالوا: ضحى بملك ولم يضح بمبدأ.
 لو أنه تساهل معه لضحى بمبدأ العدل, طبعاً ارتد, وولى هارباً إلى الشمال. فسيدنا عمر لم يضحِّ بمبدأ, ضحى بملك, وهو أهون من أن يضحي بمبدأ.
 فبالدين لا يوجد مساومة, ولو كان كل المسلمين صادقين, ولو كانوا وقافين عند حدود الله عز وجل, ابذل دنياك, لكن لا تبذل دينك, هذا هو الفرق بين المداراة وبين المداهنة.

 

2 ـ الحب في الله والحب مع الله :

 عندنا فرق دقيق بين الحب بالله والحب مع الله, -ليس فرق دقيق, فرق خطير-؛ الحب في الله عين التوحيد, والحب مع الله عين الشرك.
 الأصل أنك تحب الله, من لوازم حب الله أن تحب رسوله, فحب رسول الله فرع من الأصل, وهو حب الله عز وجل, من لوازم حب رسول الله أن تحب أصحابه, لأنه أثنى عليهم جميعاً, فالله عز وجل قال:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾

[سورة الفتح الآية:18]

 من أنت حتى لا ترضى عنهم؟ بعد ذلك هل يعقل النبي يثني على أصحابه ثناء عطراً وأنت لا تعبأ بهذا الثناء؟ هو يكذب علينا؟ مستحيل! هو قد ضُلل؟ مستحيل! لم يكن يعرفهم على حقيقتهم؟ مستحيل!.
 فمن لوازم محبة رسول الله محبة أصحابه, من لوازم محبة الله عز وجل محبة المؤمنين جميعاً الصادقين, فالأصل أن تحب الله, من فروع هذه المحبة أن تحب رسول الله, وأن تحب أصحابه الكرام, وأن تحب أولياء الله المؤمنين الصادقين, هذا كله من فروع محبة الله.

 

الحب في الله عين التوحيد و الحب مع الله عين الشرك :

 الآن: تحب المساجد, تحب المؤمنين, تحب خدمة المساجد, تحب العمل الصالح, يتفرع عن محبة الله مليون محبة, كلها تصب في خانة واحدة, كل هذا الود فرع من محبة الله عز وجل, فالحب في الله عين التوحيد أما أن تحب مع الله إنساناً, ليس على ما يرام, ليس على ما ينبغي أن يكون, لكن لك معه مصلحة, فعلى الرغم من أنه غير مستقيم تحبه, لأن مصلحتك محققة عنده, هذا الحب عين الشرك, أي أنت أحببته للدنيا ولم تحبه لله.
 يقول سيدنا عمر: ورد عن النبي حديث -هكذا ورد-: "اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق".
 إذا جاءك خير من طرف كافر أو منافق, أنت تصبح بشكل لا شعوري تلتمس له الأعذار؛ والله! مؤدب, لبق, جيد, هو لا يصلي مثلاً, أو له انحرافات خطيرة, لأنه جاءك خير منه تحاول أن تتعامى عن أخطائه, تتعامى عن انحرافاته ومعاصيه, وتكبر أعماله الطيبة, فإذا سمعك إنسان تمدحه, هو بعيد عن الدين, عملت له اضطراباً شديداً.
 من هنا ورد:

(( إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ))

[البيهقي في الشعب عن أنس]

 إذا مدحت فاسقاً, منحرفاً, تعمل اضطراباً في القيم, ولا سيما الصغار.
 لو فرضنا شخص غير ملتزم إطلاقاً, وأنت لست منتبهاً؛ فلان لبق, فهيم, أخلاقه عالية, وهو متفلت من كل قواعد الدين, فالطفل يصدق هذا الصح.
 فإياك أن تمدح فاسقاً؛ لأنك إن مدحت الفاسق غضب الله عز وجل, بمدح الفاسق يصبح هناك اضطراب بالقيم.

 

3 ـ الغبطة و الحسد :

 فرق دقيق بينهما، أنت بلغك عن إنسان ينفق ماله في سبيل الله, بحكم ما أودع الله فيك من فطرة تغار منه, تتمنى أن تكون مثله, هذا شيء طيب, الغبطة: أن تتمنى خير الآخرة, فلو إنسان سبقك, تفوق عليك, تتمنى أن تكون مكانه, فهذه مقبولة، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:

((لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ علماً, فهو ينفقه آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ، ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالاً، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد اللَّه بن عمر]

 فإذا الإنسان رأى إنساناً متفوقاً في آخرته, في عمله, في دعوته, ينبغي أن تغبطه, وينبغي أن تتمنى أن تكون مكانه, وفي الأساس هذه الصفة التي أودعها الله في الإنسان, صفة الغيرة, التنافس, حب التفوق, هي صفة بأصل الفطرة, لكن كل شيء أودعه الله في الفطرة حيادي, يوظف في الخير, ثم يوظف في الشر؛ فإذا تمنيت الدنيا, الإنسان أغلى منها:

﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

[سورة القصص الآية:79]

 هذا تمني الدنيا, هذا حسد؛ الحسد مذموم, لأنه من شؤون الدنيا, والغبطة مطلوبة, لأنها من شؤون الآخرة.
 لا يوجد إنسان لا يغار, إذا لا يغار يكون بعيداً عن الجبلة الإنسانية الصحيحة, لكن البطولة أن تغار من أهل الآخرة لا أن تغار من أهل الدنيا, لأن سباق الدنيا ليس له معنى لتتفوق.
 أحياناً اثنان يتناحران بالسرعة في السيارة, بعد ذلك تأتي إشارة حمراء يقفان عندها, الإشارة سوت بينهما؛ رغم التنافس الشديد, وسيعمل حادثاً, ويريد أن يغيظه, عند الإشارة وقف, والثاني وقف.
 كذلك الإنسان عندما يتنافس في الدنيا, الموت ينهيها؛ ينهي تفوقه, ينهي غناه, ينهي كل شيء, أما عندما يتنافس في الآخرة, فهذا السباق جيد, والسباق فيه تفوق, والجوائز مستمرة، لذلك قال الله:

 

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾

[سورة المطففين الآية:26]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾

[سورة الصافات الآية:61]

4 ـ سوء الظن :

 سوء الظن عصمة, احترس من الناس بسوء الظن.
 كان يحذر الناس, ويحترس منهم, من دون أن يطوي بشره عن أحد.
 الحزم سوء الظن, سوء الظن عصمة, احترس من الناس بسوء الظن, وهناك سوء ظن يُعد إثماً؛ فمتى يكون سوء الظن عصمة؟ ومتى يكون إثماً؟
 إذا كان هناك دليل فسوء الظن عصمة, وإذا لم يكن هناك دليل فسوء الظن إثم من الآثام.
 الآن: هناك إنسان بلا أي دليل يشك في زوجته، الله عز وجل قال:

﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾

[سورة الحجرات الآية:12]

 أما إن كان هناك دليل, فمن التوفيق أن تكون على حذر من هذا الإنسان؛ من دون دليل يُعد إثماً, مع الدليل يعد احتياطاً وعصمة.
 حتى في أمور الفقه, أي عاونت إنساناً في شراء بيت, قال لك: أعطيك أجرة, حلال وحرام, كيف؟ إذا قلت له: أخي, أنت عندما يصبح معك حق البيت تعطيني المبلغ, أنت هل ضمنت مبلغك؟ ما دام قد ضمن لك المبلغ, فأي مبلغ يعطيك إياه شهرياً, تحت اسم أجرة هذا ربا, أما إذا لم يضمن لك المبلغ, أنت عاونته في شراء ربع البيت, أنت لك عنده ليس مبلغاً, أنت لك عنده ربع البيت, أعطاك أجرة فهذا حلال, أما عندما أراد أن يقدم لك هذا المبلغ, البيت يقيّم, قد يزيد الثمن, أو قد يقل الثمن, ما دام الثمن غير مضمون, فالذي تأخذه شهرياً من هذا الشخص هذه أجرة, أما إذا كان الثمن مضموناً فهذا المبلغ الذي تأخذه ربا.
 أحياناً: إنسان يكون سبباً لربحك, تعطيه مبلغاً من المال, إذا كان من ربحك هذا حلال, أما إذا كان أضفته على الشاري, أنت أعطيته للوسيط, وأضفته على الشاري, فهذا حرام, لا يجوز. فالعمولة إذا أضيفت على الشاري, دون أن يعلم فهي حرام, أما إذا دفعت من ربح البائع, فهي حلال, لا يوجد مشكلة.

 

5 ـ النصيحة و الفضيحة :

 إنسان يكون هناك شخص بمجموع, يريد أن ينصحه, يحمر وجهه, يخجل, الفكرة خاطئة, أو التصرف خاطىء, الإنسان لم يعد يدافع عن فكرته, يدافع عن مكانته, تنشأ مشكلة, فإذا أردت أن تنصح, فبينك وبين أخيك على انفراد, أما الفضيحة أن تنصحه في الملأ, العتاب أيضاً فيما بينك وبينه.
 هناك أشخاص كثر, تنشأ مشكلة مع شخص, يقطعه رأساً.
 يقول سيدنا علي: "لا أصرم أخاً قبل أن أعاتبه".
 قبل أن تقطع عاتب على انفراد, إذا بلغك عن أخيك شيئاً, وأنت لم تتحمل الشيء, فبإمكانك أن تسأله, أو أن تعاتبه, أو أن تستوضح منه, أما رأساً بلغك عنه شيء فقطعته, فهذا سلوك شيطاني؛ بلغني عنك كذا, لم فعلت كذا؟ لم قلت كذا؟
 فهناك عدة احتمالات؛ أول احتمال: لم يقل عنك شيئاً, نقل عنه خطأ, أنت تبقى نفسك اتجاهه سليمة.
 الاحتمال الثاني: أنه قاله وأخطأ, فهو يعتذر منك, أصبح هناك ود.

حاجة الإنسان إلى المصطلحات السابقة :

 الإنسان أحياناً يحتاج إلى هذه المصطلحات الدقيقة جداً, حتى الغيبة محرمة أشد التحريم, لكن هناك حالات ليس فيها غيبة, إنسان مبتدع, يروج أخباراً باطلة، أخي! لا نريد أن نغتابه, هذه عقيدة, ليست غيبة, أنت تنقذ العقيدة, في أمور الاستيداع لا يوجد غيبة أبداً, يجب أن تنبه الناس إلى خطر فئة معينة.
 هناك فئات كثيرة في المجتمع ضالة ضلالاً شديداً, أخي كل الناس خير وبركة, هذا كلام فيه سذاجة, إذا كان في العقيدة هناك شرك مثلاً؛ أو تعطيل فريضة, أو تعطيل ركن من أركان الدين, لا يوجد مجاملة, هنا تقول: والله! كل الناس خير وبركة, إذا شخص سألك: ابق عندهم.
 إذا كان هناك أناس ينكرون ما عُلم من الدين بالضرورة, فهنا لا يوجد مجاملة, إذا كان هناك عقائد زائغة منحرفة, وقلت: نحن واحد, لم يعد هناك واحد, أنت ألغيت الدين كله, عندما قلت: نحن واحد.
 هناك أشياء متناقضة, أشياء متعاكسة, هذا الجدار فيه خط أسود, وخط أبيض، الأبيض عكس الأسود, فهذان اللونان متعاكسان, وهناك أشياء متعاكسة, أما الضوء والظلام فليسا متعاكسين, متناقضين, إذا كان الجامع مناراً لا يوجد ظلام, معنى هذا إذا كان هناك ظلام فلا يوجد نور, فالضوء والنور يتناقضان؛ أي وجود أحدهما ينقض الآخر, أما الأبيض والأسود فمتعاكسان, يجتمعان.
 فأحياناً يكون في العقائد تناقض, الذي يقول لك: نحن واحد, هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً, يكون هناك خلل بالعقيدة خطير جداً, فإذا قلت: نحن واحد, بسذاجة, هذا موقف سياسي, ليس موقفاً دينياً أبداً.
 يمكن أن نلتقي مع أي إنسان, ونتجاهل عقيدته, نتجاهل سلوكه, مصلحتنا أن نتعاون معه, لا يوجد مانع, لكن هذا ليس موقفاً دينياً, موقفاً سياسياً؛ أما تجمع النار مع البارود فيصبح هناك انفجار, تجمع الظلام مع النور مستحيل! لا يجتمعان.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018