بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

علم القلوب - الدرس : 51 - تفسير آيات من سورة المؤمنون.


1999-07-17

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

من طابق مقياسه مقياس القرآن الكريم كان هو المتفوق الحقيقي :

 أيها الأخوة: لكل منا مقياسٌ للتفوق؛ فمن طابق مقياسه مقياس القرآن الكريم, كان هو المتفوق الحقيقي, ومن توهم تفوقاً ما أقره القرآن الكريم, كان هو الخاسر الحقيقي, فربنا عز وجل يقول:

﴿فَذَرْهُمْ﴾

[سورة المؤمنون الآية:54]

 دعهم:

﴿فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾

[سورة المؤمنون الآية:54]

 إنسان غارق في أوهام, غارق في ضلالات, غارق في شهوات, غارق في انحرافات:

﴿فَذَرْهُمْ﴾

  إن لم يستجيبوا لك فذرهم:

﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ* أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:54-56]

المال الوفير و الذرية النجيبة ليست دليل محبة الله عز وجل للعبد :

 الآن: معظم الناس إذا آتاه الله المال الوفير, والذرية النجيبة, ظنّ أن الله يحبه حباً جماً:

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ* نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:55-56]

 لعلهم ليسوا كما يريد الله عز وجل:

﴿) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) ﴾

[سورة المؤمنون الآية:57-61]

مقاييس التفوق هي الخشية والخوف والإيمان الصادق وعدم الإشراك :

 الآن كم إنسان في هذا العصر يعد معرفة الله, والخوف من الله, والحرص على طاعة الله, هو التفوق؟ يقول لك: أبداً؛ القوة, والمال, والسيطرة, والنجاح المادي هو التفوق.
 فربنا عز وجل يصحح لنا المفاهيم؛ لا تغتر بهؤلاء الذين أمددناهم بأموال وبنين, هذا ليس هو الخير؛ الخير أن يخاف الإنسان ربه, والخير أن يسارع في الخيرات, والخير أن يعمل الصالحات, لكن الشيء المحسوس هو الطاغي.
 دائماً الآخرة غيب, كلام؛ كلامٌ في القرآن الكريم, أما الشيء الذي أمامك فتراه العين, الشهوات المحسوسة؛ ترى البيت الفاخر, المركبة الفارهة, المال الوفير, الطعام الطيب, المرأة الحسناء, هذه كلها محسوسة, أما الآخرة فخبر, غيب. القرآن يخبرك أن هناك آخرة, و جنة و نار للأبد, وهناك حساب و عذاب.
 فالإنسان عليه أن يجعل مقياس التفوق كما في القرآن الكريم؛ الخشية, والخوف, والإيمان الصادق, وعدم الإشراك, والإخلاص:

﴿يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

[سورة المؤمنون الآية:60]

 يخاف ألا يقبل مع أن العمل طيب, لكن يخاف ألا تكون النية كذلك.

 

من شروط العمل المقبول الإخلاص و الصواب :

 العمل -كما تعلمون- لا يُقبل, إلا إذا كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً: ما ابتغي به وجه الله, وصواباً: ما وافق السنة؛ لكن هذا الإيمان, وهذه الخشية, وهذا الإشفاق, وعدم الشرك, والعمل الصالح, والإخلاص, هذا من ضمن طاقة الإنسان:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[سورة المؤمنون الآية:62]

 الشيء غير الواقعي الإنسان لا يبتغيه.

 

الابتعاد عن الخيال في الدين :

 هناك أخطاء كثيرة في السيرة, أو في التاريخ الإسلامي، أن أبا حنيفة النعمان -رضي الله عنه- أربعون سنة صلى الفجر بوضوء العشاء.
 هذا كلام يُيَئس, غير معقول! إذا الإنسان لم ينم يوماً يختل كل كيانه. فإذا أعطيت إنساناً صفة ليست واقعية, معنى هذا أنت تُيَئس الناس من دين الله عز وجل.
 هناك سحبات كثيرة في حياة العلماء السابقين، أنا أعتقد ليس لها أصل؛ النبي نام, وقام, وصلى, وصام, وأفطر, فإذا قال سيد الخلق - لا يوجد إنسان محبته لله تفوق محبة النبي-: أشدكم لله خشية أنا:

(( فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ))

[ أحمد عن عائشة]

 فإذا بيّن الإنسان للناس أنه يفعل شيئاً غير واقعي, الناس لن تصدقه, أصبح الدين شيئاً خيالياً, غير واقعي, لكن لا؛ نم, واستيقظ, واعمل, واكسب مالاً, وأنفقه في سبيل الله:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) ﴾

[سورة المؤمنون الآية:62-66]

من آمن بالآخرة لزم طريق الاستقامة :

 الشيء الثاني: أن هذه الحياة ليست مستمرة, إنها منقطعة, الشيء المستمر هو الآخرة، فكل إنسان يعيش لحظته, وينسى هذه الحياة الأبدية, أيضاً ضلّ ضلالاً مبيناً, والإيمان بالآخرة يعكس المقاييس مئة وثمانين درجة؛ إذا آمنت بالآخرة فعلاً ترى العطاء هو المكسب, وإذا ضعف الإيمان بالآخرة ترى الأخذ هو المكسب؛ وشتان بين من يرى أن العطاء هو المكسب وهو التفوق, وبين من يرى أن الأخذ هو التفوق.
 النقطة الدقيقة:

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:74]

 إذا آمنت بالآخرة فلا يمكن أن تعصي الله, أما إن لم تؤمن, فستنحرف, إذا كانت هذه الحياة الدنيا:

 

﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:37]

 معنى هذا أن القوي يأكل الضعيف, والغني يعيش حياة ناعمة على حساب الفقير, أما إذا كان هناك إيمان بالآخرة فالإنسان يلزم سبيل الاستقامة, ولا يحيد عنها أبداً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018