٠17ندوات مختلفة - إذاعة الشرق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلقة : 1 - مفهومات الزواج الصحيحة في الإسلام.


1995-02-05

مقدمة :

بسم الله، بسم الله نستفتح بالذي هو خير، ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.
أيها الأخوة المستمعون؛ يسر إذاعة الشرق أن تلتقي في دمشق مع فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، لنتابع وإياه سلسلة لقاءاتنا مع العلماء الأجلاء ضمن بحثنا عن الأسرة في الإسلام.
حديثنا اليوم سيكون عن مفهومات الزواج الصحية وشروطه انطلاقاً من قوله تبارك وتعالى في سورة الروم:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الروم: 21]

فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً بكم معنا في إذاعة الشرق، هل لنا بداية أن نلقي بعض الومضات لفلسفة الزواج في الإسلام؟

 

فلسفة الزواج في الإسلام :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾

[سورة الروم: 22]

﴿ وَمِنْ آيَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

[سورة فصلت : 37]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الروم: 21]

الزوجة من طبيعة الزوج الإنسانية
الآية في اللغة هي العلامة الدالة على وجود الله، ووحدانيته، وكماله، فكما أن خلق السموات والأرض مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، وكما أن الشمس والقمر والليل والنهار آيات دالة على عظمة الله تعالى، كذلك خلق الإنسان من ذكر وأنثى آية كبرى دالة على حكمته وعلمه ورحمته، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾

[سورة الروم: 21]

فالزوجة من طبيعة الزوج الإنسانية تفكر كما يُفكر، وتشعر كما يشعر، وتحب كما يحب، وتتمنى كما يتمنى، وتؤمن كما يؤمن، وترقى كما يرقى، ويُسعدها ما يُسعده، ويؤلمها ما يؤلمه، ويُغضبها ما يُغضبه، ويُرضيها ما يُرضيه، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾

[سورة الروم: 21]

فلو أنها كانت على شاكلته ومن طبيعته لم يسعد بها، ولم يسكن إليها، وأية نظرة إلى المرأة تنطلق من طبيعة غير طبيعة الرجل أو أنها دونه هي نظرة جاهلية لا تَمُتُ إلى الإسلام بصلة، سواء أكانت من الجاهلية الأولى التي قبل الإسلام، أو التي بعد الإسلام، جاهلية العنصرية والطبقية والظلم.

 

مساواة المرأة للرجل في التكليف و التشريف :

بل إن الإسلام يقرر أن المرأة مساوية للرجل تماماً من حيث التكليف، ومن حيث التشريف، فهي كالرجل مكلفة بأركان الإسلام، وأركان الإيمان، وهي مسؤولة أمام الله عما استرعاها الله به من زوج وأولاد، فقد ورد في الحديث الصحيح:

((.. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله. فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً ))

[ مسلم عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

وفي حديث آخر:

(( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))

[ كنز العمال عن أنس]

وهذا ما يؤكده قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 97]

انظر إلى كلمة من ذكر أو أنثى ثم انظر إلى قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾

[ سورة الأحزاب: 35]

هنا المساواة التامة من حيث التكليف، ومن حيث التشريف.

 

الذكر و الأنثى مختلفان لكنهما متكاملان :

لكن أقول: إن الرجل له طبيعته الجسمية والعقلية والنفسية، وإن المرأة لها طبيعتها الجسمية والعقلية والنفسية، إنهما ليسا متشابهين لكنهما متكاملان، وخصائص أحدهما شرط لازم غير كاف لإسعاد الأولاد، وهذا ما تؤكده الآية الكريمة صراحة: الذكر والأنثى ليسا متشابهين لكنهما متكاملان

﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

وقد ألّف واحد من أكبر علماء النفس الفرنسيين كتاباً عن خصائص الذكور والإناث النفسية والعقلية والسلوكية، وبيّن الفرق الواضح بينهما، وما من عنوان أصدق على مضمون هذا الكتاب من قوله تعالى:

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

[ سورة آل عمران: 36]

وهناك آية كريمة أشارت إلى هذه الحقيقة تلميحاً لا تصريحاً قال تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

[سورة الليل1-4]

يا ترى ما علاقة الذكر والأنثى بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى؟ ففي الأول الضياء والحركة، وفي الثاني الخفاء والسكون في الأنثى السكينة والحياء والتستر
إنهما مختلفان لكنهما متكاملان، في الأنثى السكينة والحياء والتستر، وفي الذكر العمل والإقدام، إنهما مختلفان لكنهما متكاملان، كما أن الليل والنهار مختلفان لكنهما متكاملان، وكُلٌ منهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ لاستمرار الحياة البشرية، فما نقص من قوة إدراك المرأة، وضعف اهتمامها بالقضايا العامة وهو كمال فيها، وضروريٌ لِحُسنِ أدائها لوظيفتها التي أنيطت بها، وما زاد من قوة انفعالها وشدة اهتمامها بأولادها كمال فيها، وضروري لحسن تربيتها لأولادها، وما زاد في قوة الرجل قوة إدراكه ونقصٍ في شدة انفعاله كمال فيه وضروريٌ لأداء مهمته التي أُنيطت به، كما قلت قبل قليل: إنهما متكاملان كل منهما يكمّل الآخر.
جاءت امراة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه زوجها قالت: يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، أشارت إلى دور كل واحد منهما، لقد أشارت هذه المرأة أن دورها الأساسي هي تربية أولادها، وإلى أن دور زوجها الأساسي في كسب الرزق.
إذا مع أن المرأة والرجل متساويان تماماً في التكليف والتشريف إلا أن لكل منهما وظيفة أنيطت به، وقد وهب الله عز وجل الرجل الخصائص العقلية والنفسية والجسدية والسلوكية والاجتماعية كي يقوم بواجبه وبوظيفته أكمل قيام، وكذلك خصّ الله المرأة بقوام وبطبيعة نفسية وجسدية واجتماعية وسلوكية من أجل أن تقوم بمهمتها خير قيام، وأي نظام اجتماعي يلغي هذه الفوارق بين الذكور والإناث تلك الفوارق التي أرادها الخالق الحكيم لكي تنتظم الحياة ويسعد البشر نظام فاسد.
المذيع:
الإسلام لم يَحُد من دور المرأة في خوض المجتمع، والعمل، والاحتكاك مع الآخرين في كسب المال والرزق، وإلى ما هنالك من نشاطات اجتماعية أخرى تصب لمصلحة الأسرة ومصلحة المجتمع.

إباحة عمل المرأة دون مخالفة منهج الله :

الدكتور راتب :
بشرط ألا تخالف المرأة منهج الله، لها أن تعمل من دون أن تخالف منهج الله لا في اختلاطها، ولا في كشف زينتها التي أمرها الله أن تسترها، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾

[سورة الأحزاب: 33]

للمرأة أن تعمل دون أن تخالف منهج الله
أي إذا خرجتن لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى.
هل إذا قلنا للطيار مثلاً: اجلس في غرفة القيادة لتوصل الركاب إلى محط رحالهم سالمين هل يعد ذلك تقييداً لحرية هذا الطيار أم أنه أداء لمهمته؟ حينما خُلِقَت المرأة على ما هي عليه من أنوثة واستحياء خلقت لتكون أُماً، أو زوجةً، أو أختاً، أو بنتاً، وليس في حياة الرجل امرأة غير هؤلاء.
سُئِلت فنانة فرنسية يبدو أنها صادقة مع نفسها وقليلات من هن كذلك، ما شعورك وأنت على خشبة المسرح؟ قالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين، وفي غُرفٍ مغلقَة، هذه هي نظرة الفِطرة التي لم تشوّه، وفي قصة ابنتي سيدنا شعيب مع سيدنا موسى عليهما السلام إشاراتٌ دقيقةٌ إلى خصائص المرأة والرجل، قال تعالى:

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[سورة القصص: 23-25]

فما كان لابنتي سيدنا شعيب أن تخرجا إلا لسببٍ قاهر

﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾

وحينما خرجتا لم تختلطا بمجتمع الرجال:

﴿ قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ﴾

وأخص خصائص المرأة في هذه القصة حياؤها

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

وأخص خصائص الرجل في هذه القصة قوته وأمانته

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ ﴾

كأنَّ الله سبحانه وتعالى لفت نظرنا إلى أن الذي يُعجب المرأة بالرجل قوته وأمانته، وأن الذي يُعجب الرجل بالمرأة حياؤها، فمن علامات آخر الزمان أن الحياء يرفع من وجوه النساء، وأن النخوة تنزع من رؤوس الرجال.
المذيع:
فضيلة الشيخ ماهي شروط الزواج الصحية؟ كيف يمكن للمسلم أن يقول توفرت فيَّ شروط الزواج وعليَّ أن أُقدم على هذه الخطوة المصيرية التي ستربطني برباط مقدّس مع شريكة حياتي لمدى العمر؟

 

شروط الزواج الصحيّة :

الدكتور راتب :
واللهِ أنا أرى ولاسيما في هذا الزمان أن يُسارع المرء إلى الزواج، لأن الشاب إذا اكتملت رجولته، وتوفر له عمل يُدرُّ عليه بعض المال، لابد من أن يحفظ دينه بالزواج، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف الزواج بأنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج، أما إذا لم يمكن أن يتزوج لأسباب أو لأخرى فعليه بالصبر، أما الزواج فأولى، والصوم فيه وِجاء كما قال عليه الصلاة والسلام، لكن أنا من أنصار الزواج المبكر، ولا سيما في زمن الفتنة، فقد خاف النبي على أمته من بعده من النساء، والشاب أخطر شيء يمكن أن يودي به إلى الهاوية أن تزل قدمه فيتحرك بعمل لا يرضي الله عز وجل، فمن تزوج ملك نصف دينه، فليتقِ الله في نصفه الآخر، اكتمال رجولته، وتوفر عمل له يُدِرُّ عليه بعض الكسب، هذا ما يجعله أهلاً للزواج، وأنا أرى أن المجتمع كله ينبغي أن يسعى لتوفير هذا المطلب المشروع لكل شاب، يستنبط هذا من قوله تعالى:

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 32 ]

image

عدم تيسير الزواج يؤدي إلى تفشي السفاح بدل النكاح

هذا أمر موّجه إلى الأمة بأكملها، ولا سيما لأولي الأمر، عن طريق توفير البيوت، وتوفير الحاجات الأساسية للزواج، فحينما نُيسّر البيوت والأعمال عندئذ كأنما يسرنا سُبُل الزواج، فإما أن يكون الزواج مشروعاً نظيفاً يحمي المجتمع من الفساد، وإما ان يكون سِفاحاً يودي بنا إلى الهاوية.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

[ الترمذي، ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

فحينما يوّجه الأمر الإلهي إلى مجموع الأمة هو موّجهٌ إلى مجموعها كأولياء الأمور، وموّجهٌ إلى أولي الأمر بالذات، ليعملوا على توفير الحاجات، وتذليل العقبات، كي يستطيع الشاب أن يرى الطريق إلى الزواج سالكاً، كما أنه ليس هناك عقبات كثيرة، كما أنني أنصح آباء الفتيات أن ييسروا على طالبي فتياتهم سُبُل الزواج، لأن الآية الكريمة التي وردت في قصة شعيب يقول هذا النبي الكريم لسيدنا موسى:

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

[ سورة القصص: 27 ]

وعلى كل والد فتاة أن يتمثل هذه الآية، وما عليه أن يَشُقَ على خاطبِ ابنته لأنه إذا وضع أمامه العراقيل أصبح الطريق مسدوداً، وعندئذ يفشو السِفاح مكان النِكاح.
المذيع:
فضيلة الشيخ هذه بعض شروط الزواج لنقل تمّ الزواج بين الشاب والفتاة ما هي شروط استمراره ونجاحه في المستقبل لا سيما وأنه علاقة مؤبدة وليست مؤقتة؟

 

شروط استمرار الزواج و نجاحه في المستقبل :

الدكتور راتب :
أنا أعتقد أنه ما من عقد على وجه الأرض أقدس من عقد الزواج:

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾

[سورة النساء: 21]

إذا بني الزواج على اختيار خاطئ لن يستمر
ولأنَّ هذا العقد هو أقدس عقد لابد أن يكون الزواج على التأبيد، وأي زواج ليس على التأبيد هو عند بعض العلماء أو عند جُلِّ العلماء زواج غير شرعي، التأبيد وتقديس هذا العقد الزوجي، وحينما يُبنى الزواج على حسن الاختيار تكتب له الديمومة:
" قيل: الندم مقلوب الدمن، والدمن اللزوم؛ ومنه فلان مدمن الخمر. والدمن: ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار؛ سمي به للزومه. والدمنة: الحقد الملازم للصدر، والجمع دمن. وقد دمنت قلوبهم بالكسر؛ يقال: دمنت على فلان أي ضغنت. "وقضي بينهم بالقسط" أي بين الرؤساء والسفل بالعدل. "وهم لا يظلمون "
إذا بني الزواج على اختيار متعجّلٍ أو سيئ فإن أغلب الظن أن هذا الزواج لا يستمر.
شيء آخر؛ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فالنبي عليه الصلاة والسلام نصح أولياء الفتيات أن يتخيّروا لبناتهم الزوج المؤمن الكفء:

﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة البقرة: 221]

ووجه الفتيان إلى أن يتخيروا الزوجة النقية الطاهرة التي رُبيت في مجتمع نظيف سليم، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تُنْكَحُ النِّسَاءُ لأَرْبَعٍ لِلدِّينِ وَالْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

من تزوج المرأة لجمالها أذله الله - أي لجمالها فقط- ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، فعليك بذات الدين تربت يداك.

 

خاتمة و توديع :

المذيع:
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
نتوجه بجزيل الشكر لفضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق لمساهمته القيمة في برنامجنا هذا.
شكراً لإصغائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018