بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 03 - مجمع أبو النور - الدعوة وشروط الداعية.


1994-03-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أصول الدعوة إلى الله :

 أيها الأخوة الأكارم، موضوع هذه المحاضرة هو: أصول الدعوة إلى الله عز وجل، هذه الأصول إما أنها استنبطت من أصول إسلامية من الكتاب والسنة أو من خبرات شخصية، على كلٍّ القواعد التي بين أيدينا خاضعة للمناقشة.
أيها الأخوة الأكارم، يقول الإمام علي رضي الله عنه: " قوام الدين والدينا أربعة؛ رجل عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره".
 إذاً ما الذي يجعل الدعوة تتألق؟ وما الذي يجعل الناس ينجذبون إلى بيوت الله عز وجل؟ إنه التطبيق، إنه الالتزام، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

أنواع العلم :

 الدعوة إلى الله من دون أن يلازمها العمل الصلاح والاستقامة على أمر الله تغدو ثقافةً فارغة لا معنى لها، في كتاب الإحياء إشارات لطيفة جداً إلى بعض هذه المعاني، يقول صاحب الإحياء " العلم أنواع ثلاث؛ علم بالله، وعلم بأمره، وعلم بخلقه"، العلم بخلقه كهذه العلوم العصرية التي ترعاها الجامعات، والعلم بأمره ككليات الشريعة في العالم الإسلامي، ولكن العلم بالله شيء آخر، إذا كان العلم بأمره والعلم بخلقه علمين قوامهما المدارسة، حضور المحاضرات، الاستماع، المراجعة، المذاكرة، الحفظ، تأدية الامتحانات، فإن العلم بالله يقتضي المجاهدة، وقد قال الإمام الغزالي: "جاهد تشاهد".
 إذا كان العلم بأمر الله وبخلق الله يستقر في الدماغ ولا علاقة بينه وبين السلوك فإن العلم بالله ينتقل من العقل إلى النفس فيسمو بها، لذلك ترى الناس ينجذبون لا إلى المثقف ثقافة عالية فحسب، بل إلى من هو مطبق لما يقول، لذلك ربنا عز وجل يقول:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب: 39]

الدعاة إلى الله يبلغون رسالاته و يخشونه :

 من هدف ربنا جل وعلا في كتابه الكريم في البيان الإلهي أنه إذا وصف شيئاً فالصفة من نوع خاص، فالصفة مترابطة ترابطاً وجودياً مع الموصوف، فإذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف، ونوضح هذا بمثال بسيط، قد نقول: طائرة واسعة والبيت واسع، وقد نقول طائرة غالية الثمن، وهذا اليخت غالي الثمن، أما إذا وصفنا الطائرة بأنها تطير فهذه صفة متلازمة مع الموصوف تلازماً وجودياً، فإذا ألغي الطيران ألغيت الطائرة، فربنا جل وعلا كان من الممكن أن يصف الدعاة إلى الله عز و جل الذين يبلغون رسالات الله بآلاف الصفات الذين هم فيها، لكنه اختار من بين كل هذه الصفات صفةً واحدة، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، لأن الداعية إلى الله عز وجل لا يخشى غير الله، ومن لوازم أن يخشى غير الله أن يسكت عن بعض الأشياء وأن ينطق بما لا يرضي الله، إذا خشي غير الله فماذا بقي من دعوته إلى الله؟ هذه الصفة مترابطة مع الداعية ترابطاً وجودياً.

التزام الداعية بما أمر الله :

 أيها الأخوة الأكارم، شيء آخر في قواعد الدعوة أن بين من يطبق ما يدعو إليه وبين من يتكلم بشيء من أمور الدين من دون أن يكون ملتزماً مسافة كبيرة جداً إلى درجة غير معقولة، كمن يقول ألف مليون ولا يملكها وبين من يملكها، لذلك قيل: كان التصوف من قبل في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسمى بلا اسم، أصحاب النبي كانوا من الإخلاص والحب والمجاهدة والبذل والتضحية في أعلى مستوى، فإذا هو في العصور المتخلفة أصبح اسماً بلا مسمىً فالإسلام لا يتألق ولا ينتشر إلا بالتطبيق، عدل ساعة خير من أن تعبد الله ستين عاماً، فكأن القاعدة الأولى في الدعوة إلى الله أن يلتزم الداعية بما أمر الله عز وجل انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 والناس أيها الأخوة لا يتعلمون بآذانهم بل يتعلمون بعيونهم، ولغة العمل أبلغ من لغة القول. قاعدة أخرى من قواعد الدعوة إلى الله.

 

الإحسان قبل البيان :

 القاعدة الثانية: الإحسان قبل البيان، هذا المدعو إنسان، حينما تفتح قلبه بالإحسان إليه يعطيك أذنه الصاغية.

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[حديث قدسي رواه البيهقي عن عمير بن وهب]

 ولعل الدعاة الصادقين المتقين في دعوتهم هم الذين يرعون شؤون إخوانهم وتلاميذهم، فالرعاية حتى المادية وحتى الرعاية المتعلقة بشؤون الحياة إذا تمت فتح قلب المدعو فأصبح آذاناً صاغية للداعية، لذلك يمكن أن تفتح القلوب بالإحسان قبل أن تفتح الآذان بالكلام، فالإحسان قبل كل شيء، والإحسان يحتاج أن يكون الداعية متواضعاً، ونعوذ بالله من جبابرة العلماء، أن يكون الداعية متفهماً، أليس في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: وعلي جمع الحطب- والقصة معروفة- أليس في هذه القصة موعظة بليغة جداً لنا؟ قال: إن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، أليس في غزوة بدر حينما قال عليه الصلاة والسلام: كل ثلاثة على راحلة وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، فركب النبي عليه الصلاة والسلام ناقته فلما جاء دوره في المشي توسل أصحابه إليه أن يبقى راكباً، فقال قولته الشهيرة والتي تكتب بماء الذهب: ما أنتما بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر.
 أن تستعلي على الناس، أن تكون وصياً عليهم، أن تأخذ خدماتهم ليس هذا إطلاقاً، الدعوة عطاء، الدعوة تواضع، الدعوة بذل وتضحية، الدعوة أن تحمل هموم الآخرين، فالإحسان قبل البيان، القدوة قبل الدعوة.

 

مهمة الأنبياء مهمتان :

 أيها الأخوة الأكارم، فاتني فكرة دقيقة مهمة جداً في القاعدة الأولى، وهي أن مهمة الأنبياء في الحقيقة مهمتان، مهمة التبليغ ومهمة القدوة، وأنا أرى أن حجم مهمة التبليغ أقل بكثير من مهمة القدوة، لأن الذي شدّ أصحاب النبي إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان في أعلى درجات التطبيق، في أعلى درجات التضحية، في أعلى درجات الزهد وخدمة إخوانه، لذلك إذا أراد الداعية أن يكون على خط النبي، وعلى سنة النبي، وأن يقتفي أثر النبي عليه الصلاة والسلام فيجب أن يعلم أن أكبر مهمة له أن يكون قدوةً لإخوانه قبل أن يكون داعية لهم وقبل أن ينطق، حتى كنت أقول: يمكن أن تكون أكبر داعية إلى الله وأنت ساكت، موقف أخلاقي، موقف فيه انضباط والتزام، موقف فيه مؤاثرة، هذا أبلغ من آلاف المحاضرات التي تلقى على مسامع الناس، لذلك كيف بدأ الإسلام متألقاً؟ بالالتزام والتطبيق هكذا يجب أن يفعل الدعاة إذا أرادوا النجاح بدعوتهم.
 أيها الأخوة، كلكم يعلم أن الإنسان مفطور على حبّ وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، فإذا توصلت بهذا المدعو إلى تأمين حاجاته الأساسية فقد أعطاك قلبه، أعطاك سمعه، أعطاك حبه، أعطاك كل شيء.

التفكر في خلق السموات والأرض :

 قاعدة ثالثة: وهذه القاعدة أتمنى من كل قلبي أن يمكنني الله عز وجل من توضيحها، يجب أن تعرف بالآمر قبل الأمر، مثلاً: الله جل وعلا يجب أن نتعرف إلى عظمته من خلال الآيات الكونية التي بثها الله في السموات والأرض، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[ سورة آل عمران: 190-191 ]

 التفكر في خلق السموات والأرض، أي مثلاً لو عرفنا أن بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلومتر، وأن الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وأن في برج العقرب نجماً صغيراً متألقاً أحمر اللون اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وهذا النجم الصغير في برج العقرب المتألق يتسع في حجمه للشمس والأرض مع المسافات بينهما، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

[ سورة فاطر الآية: 28 ]

 بين الأرض والقمر ثانية ضوئية واحدة، بين الأرض والشمس ثمان دقائق ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلومتر، بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها أربع سنوات ضوئية، إذا أردنا أن نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية وبسرعة المركبة الأرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام، خمسون مليون عام من أجل أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، فما القول في الوصول إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية؟ وما القول في الوصول إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية؟ وما القول في الوصول إلى أحدث مجرة اكتشفت حديثاً والتي تبعد عنا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية؟ قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

عظمة الله في الأنفس :

 إذا عرف طلاب العلم جانباً من عظمة الله عز وجل سواء في الآفاق أو في الأنفس:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة فصلت: 53 ]

 في رأس الإنسان ثلاثمئة ألف شعرة، في كل شعرة وريد وشريان وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية وعصب محرك، في شبكية العين ما يزيد على مئة وثلاثين مليون عصية ومخروط، في الدماغ ما يزيد عن مئة وأربعين مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، فإذا دققنا في آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، هذه مادة تعرفنا بالله، فإذا عرفنا عظمة الله عز وجل استقمنا على أمره.

 

من عرف الله استقام على أمره :

 هناك سؤال: ما الذي يدع الناس إلى الخروج عن منهج الله؟ هناك جواب دقيق جداً لأنهم ما عرفوا الله، لو عرفوا الله حق المعرفة لاستقاموا على أمره، إذاً فممارس الدعوة إلى الله لا بد من تخصيص مادة أساسية لتعريف الطلاب بعظمة الله عز وجل، وأتمنى أن تدرج هذه المادة في برنامج كليات الدعوة، وربما كانت مدرجة في برنامج معظم الكليات ولا أدري، ولكن لابد من أن نخصص وقتاً وجهداً لمعرفة الله قبل أن نعرف أمره، وأنكم كما تعرفون، قيمة الأمر من قيمة الآمر، فكلما ارتفعت رتبة الآمر ارتفعت قيمة الأمر، فإذا عرفت الله عز وجل عرفت عظمته، عرفت أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، انعكست هذه المعرفة عليك خشية واستقامة وخوفاً وورعاً، وكما تعلمون ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله.

الجمع بين التعريف بالله والتعريف بأمره والتعريف بخلقه :

 أيها الأخوة الأكارم، لابد إذاً من أن نجمع بين التعريف بالله والتعريف بأمره والتعريف بخلقه، ولكن الله جل وعلا لا تدركه الأبصار لكن الكون الذي أمامنا يجسد أسماءه الحسنى، فإذا تأملنا وتفكرنا في آيات الله وفي كونه فقد نعرف الله عز وجل من خلال خلقه، الكون خلقه، والقرآن كلامه، وإذا تأملنا في دقة كلامه وإعجازه، من حيث الإعجاز في نظمه والإعجاز في بيانه، وإعجازه العلمي، وإعجازه التشريعي أيضاً عرفنا الله من تشريعه، وإذا تأملنا ما يجري في الكون من أحداث عرفنا الله من خلال أفعاله، فالحوادث أفعاله، والكون خلقه، والقرآن كلامه، وهذه مصادر ثلاث يمكن أن نتعرف بها إلى الله عز وجل وفوق هذا وذاك ثمن هذه المعرفة المجاهدة.
 إن لم نبدأ بتعريف الناس بالله عز وجل أولاً وبعدئذٍ نعرفهم بالشريعة ثانياً فلا أقل من أن يسير الخطان معاً متوازيان، أن تخصص مواد للتعريف بالله ومواد للتعريف بأمر الله.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾

[ سورة الأنعام : 1]

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾

[ سورة الكهف: 1]

مخاطبة العقل والقلب معاً :

 قاعدة ثالثة من قواعد الدعوة إلى الله، مخاطبة العقل والقلب معاً، الدعوات التي تخاطب العقل وحده لا تنجح، والدعوات التي تعتمد على القلب وحده لا تنجح، الإنسان عقل يدرك وقلب يحب، فالعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، فلا بد من أن تتجه الدعوة إلى العقل لتمده بالغذاء العلمي، والى القلب لتمده بالغذاء الروحي، فإذا صح أن القلب محرك فإن العقل مقود، فكل دعوة تتجه إلى القلب وحده أو إلى العقل وحده دعوة عرجاء، فلا بد من تغذية العقل بالعلم، ولا بد من تغذية القلب بالحال، والحال هو ثمرة الإقبال على الله عز وجل، والإقبال على الله ثمرة الاستقامة على أمره، وكثرة ذكره، وخدمة عباده.
 القرآن الكريم خاطب العقل والقلب معاً، خاطب العقل تارة وخاطب القلب تارة، وخاطب العقل والقلب معاً في بعض الآيات:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة الانفطار: 6]

الدعوة إلى الله لا تنجح إلا إذا خاطبت الإنسان ككل لا يتجزأ :

 يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر: 41 ]

 الزوال كما تعلمون الانحراف، الأرض في خط سيرها حول الشمس من الذي يجعلها على خط سيرها دائماً؟ من الذي يمنعها من أن تنحرف؟ لو أن الأرض انحرفت عن خط سيرها، وسارت في متاهات الفضاء الكوني، وابتعدت عن أشعة الشمس لانعدمت الحياة فيها، لأنها سوف تصل إلى درجة الصفر المطلق، مئتان وسبعون تحت الصفر، وفي هذه الدرجة تتلاشى الحياة فيها، وربما توقفت الذرات عن الدوران، فكلمة الزوال لها معنيان في وقت واحد، الزوال الانحراف، الزوال التلاشي.

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

 لو أردنا أن نعيد الأرض إلى ارتباطها بالشمس، يقول علماء الفلك: نحن نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، وكل حبل يتحمل من قوى الشد مليوني طن، إذاً نحن بحاجة إلى مليون مليون حبل، كل حبل يتحمل من قوى الشد مليوني طن كي نعيد الأرض إلى خط سيرها حول الشمس، يجب أن نزرع هذه الحبال على سطح الأرض المقابل للشمس، فإذا زرعناها على سطح الأرض لكان بين الحبلين مسافة حبل واحد، إذاً نحن أمام غابة فولاذية تعيق حركة الحياة، تعيق أشعة الشمس، هذا مصداق قول الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

 هناك عمدٌ لكننا لا نراها:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

 كل هذه الحبال، مليون مليون حبل من أجل أن تحرف الأرض في خط سيرها إلى جهة الشمس ثلاثة مليمترات في الثانية الواحدة كل هذه القوى، فإذا درست هذه الحقيقة وقرأت قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾

[ سورة فاطر: 41 ]

 أي أن تنحرف عن خط سيرها عرفت معنى هذه الآية، فهي تخاطب العقل، وكلمة:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

 هذه الآية تخاطب القلب، وفي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

[ سورة الانفطار: 6-7]

 هذه الآية تخاطب القلب والعقل معاً، فالدعوة إلى الله لا تنجح إلا إذا خاطبت الإنسان ككل لا يتجزأ، عقل وقلب وجسد.

فـلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمة  لــمت غريباً واشتياقاً لقربنـا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائح  تــركت جميع الكائنات لأجلنـا
* * *
فما حبنا سهل و كل من ادعـى  سهولته قلنا له قـد جهلتنـــا
***

 الإنسان يتعطش إلى أن يحب الله عز وجل، الشيء الذي يحرك قلبه يقبل عليه، والذي يثير عقله يقبل عليه، فالداعية الناجح هو الذي يحرك المشاعر ويوقظ الأفكار.

 

اعتماد الدليل والتعليل :

 أيها الأخوة الأكارم، قاعدة أخرى من قواعد الدعوة إلى الله عز وجل، اعتماد الدليل والتعليل، الداعية الناجح يعطي لإخوانه منهج بحث، لأن الإنسان إذا سلم قياده في أمر دينه لغير الثقة الكفء فقد غامر وقامر بسعادته الأبدية، إن هذا العلم دين فانظر عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
 منهج البحث أن في حياة المؤمن ثلاثة نصوص، نص قرآني، وهذا قطعي الثبوت، ليس له حيال هذا النص إلا أن يفهمه، أن يفهمه وفق أصول الفقه، وفق قواعد فهم النصوص، لا أن يفهمه على هواه، فالمؤمن أمام النص القرآني عليه أن يتحرك في خط واحد وهو ماذا أراد الله بهذا الكلام؟ أن كلام الله قطعي الثبوت.
 أما نص الحديث الشريف فله نشاطان اثنان، النشاط الأول أن يتحقق من صحة نسبة هذا الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فما أكثر الأحاديث الموضوعة وما أكثر الأحاديث الضعيفة، فقبل كل شيء الحديث الشريف كما تعلمون، بعضه ظني الثبوت وبعضه قطعي الثبوت، فإذا قرأت حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بادئ ذي بدء أن تتحقق من صحة الحديث، وبعدئذٍ تفهم الحديث الشريف كما أراد النبي عليه الصلاة والسلام وفق أسباب وروده لا كما يمليه الهوى.
 وأما النص الثالث في حياة المؤمن، أي قول لأي إنسان غير النبي أنت أمام هذا النص عليك أن تتحرك حركات ثلاثة؛ أولاً: أن تتحقق من صحة النص فلعله لم يقله، ثم أن تفهمه كما أراد صاحبه، وأن الشيء الأهم أن تقيس وتقيم كلام ما سوى النبي على كلام الله وكلام رسوله فإن وافقه فهو مقبول، وإن خالفه فهو مردود، هذا منهج البحث، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، لماذا قال الله عز وجل:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 62 ]

 بضمير المفرد الغائب.

 

القضايا التي عالجها الدين تامة وطريقة المعالجة كاملة :

 قال بعض العلماء: إن إرضاء النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله، وإن النبي عليه الصلاة والسلام يشف عن الحقيقة الإلهية، والداعية الصادق أيضاً يشف عن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، ينقل للناس بأمانة ما قاله النبي من دون أن يزيد، ومن دون أن يحذف، إذ قال الله عز وجل:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 معنى ذلك أن أية إضافة على الدين هو بدعة مرفوضة وكأن هذه الإضافة إتهام للدين بالنقص، وإن أي حذف من قواعد الدين حذف باطل فيه تشوه له، ولذلك قوله تعالى:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 وكما تعلمون الإكمال نوعي والإتمام عددي، أي مجموع القضايا التي عالجها الدين تامة، وطريقة المعالجة كاملة.

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

[ سورة المائدة: 3 ]

 الداعية الصادق يجب أن يعطيَ تلاميذه منهج البحث، حتى لا يكونوا عرضة للقيل والقال، حتى تكون المقاييس بيدهم واضحة جامدة أضرب مثلاً بسيطاً، لو أن أمامك عدة قطع من القماش، على كل قطعة طولها، إن لم تملك متراً نظامياً كيف تتحقق من صحة هذه القياسات؟ إذا كان معك متراً فالقضية سهلة جداً، فالداعية الصادق هو الذي يعطي تلاميذه المقياس الدقيق.
 أيها الأخوة الأكارم، إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل، وهذه قاعدة أخرى من قواعد الدعوة إلى الله عز وجل.

 

إنما الطاعة في معروف :

 بقي قصة أرويها لكم، النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية من الأنصار وأمّر عليها بعض الأنصار، يبدو أنه في الطريق تغاضبوا، فأمر أمير هذه الجماعة بأن تضرم نار عظيمة، فلما أضرمت قال: اقتحموها، ألست أميركم؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله؟ وقف أصحاب النبي حيال هذا الأمر الغريب موقفاً متردداً، قال بعضهم: يجب أن نقتحمها تنفيذاً لأمر الأمير، وقال بعضهم إنما آمنا بالله ورسوله فراراً من النار فكيف نقتحمها؟ فلما عرضوا ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها ألي يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف، إنما الطاعة في معروف، إن يعطل الإنسان عقله، هذا شيء مرفوض كلياً، لا بد من الدليل، لابد من الدليل والتعليل، هذا من أصول الدعوة إلى الله عز وجل.

الداعية الصادق يربط الإنسان بالله عز وجل :

 شيء آخر، الإنسان الداعية الصادق هو الذي يربط الإنسان بالله عز وجل لماذا؟ لو أن إنساناً بذكاء بارع وحجة قوية وبيان ساطع استطاع أن ينتزع من فم النبي صلى الله عليه وسلم وهو قمة البشر حبيب الحق، سيد الخلق المعصوم، إذا استطاع أن ينتزع منه حكماً هو ليس محقاً فيه هل ينجو من عذاب الله؟ لا ينجو والحديث الصحيح:

(( .....وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ... ))

[ متفق عليه عن أم سلمة]

 إذا ربطت الإنسان بالله عز وجل ربطاً مصيرياً فهذا من نجاح الدعوة إلى الله، فإذا ظن أن إنساناً في الأرض مهما علت مرتبته يمكن أن يخلصه من عذاب الله إذا عصاه، فهذه دعوة ليست صحيحة، لأن الله عز وجل يخبرنا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول:

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة الأنعام:15 ]

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

[ سورة الأعراف: 188 ]

﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾

[ سورة الجن: 21 ]

 لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً، هذه حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم، فأي إنسان يدعي فوق هذه الحقيقة فقد جانب الطريق الصحيح.

التدرج في الدعوة إلى الله :

 هناك قواعد كثيرة لا يتسع الوقت إلى التفصيل فيها، مثلاً التدرج في الدعوة إلى الله، لو أن الداعية رأى شخصاً في يده خاتماً من ذهب، وترك كل السلبيات في حياته، وكل الثغرات، واتجه إلى حكم من يتختم بخاتم الذهب، هناك أصول وعليك أن تبدأ بالأصول، أن تعرفه بالله عز وجل، أن تعرفه بنفسه، وكيف أنه حمل الأمانة، الإنسان حمل الأمانة:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 من مقومات الأمانة الكون الذي سخره الله لنا تسخير تعريف وتكريم.

 

الإنسان مفطور على معرفة الله :

 كل شيء في الدنيا له وظيفتان، أن تنتفع منه، وأن تتعرف إلى الله من خلاله، ولعل المهمة الأولى أن تتعرف إلى الله من خلاله هي أكبر مهمة لذلك قال عليه الصلاة والسلام حينما رأى هلالاً:

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ))

[أبو داود عن قتادة ]

 فالكون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتكريم، رد فعل عند الإنسان، رد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء: 147]

 العقل أداة معرفة الله عز وجل، و العقل مناط التكليف، ومن مقومات التكيف

الفطرة السليمة:

﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾

[ سورة عبس: 11 ]

 إذاً الإنسان مفطور على معرفة الله عز وجل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾

[ سورة الروم: 30]

الإنسان مخير :

 الاختيار يثمن العمل، الشهوة قوى محركة إلى الله عز وجل، الشهوة التي أودعها الله فينا لنرقى بها إلى رب الأرض والسموات، كالوقود السائل في المركبة، إذا كان في مستودعاته المحكمة، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، ولّد حركة نافعة، هذه الشهوات، أما إذا خرج الوقود عن مساره، وجاءته شرارة أحرق المركبة ومن فيها، فالشهوات إما أن تكون قوى محركة، وإما أن تكون قوى مدمره، يجب أن يعرف المدعو ما دور العقل في حياته؟ ما دور الفطرة في حياته؟ ما دور الشهوة في حياته؟ ما قيمة الحرية في حياته؟ الإنسان مخير، وأية دعوة تنبئ بالجبر، لو أن الجبر هو الأصل إذاً لانتفى الوعد والوعيد، ولانتفى الثواب والعقاب، ولكان إرسال الأنبياء عبثاً، وإنزال الكتب لعباً، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، لو أنهم أجبره على المعصية لبطل العقاب، لو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
 اقتيد رجل إلى سيدنا عمر قد شرب الخمر قال: يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك؟ فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرج من الاختيار إلى الاضطرار ، أي أنت مخير:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

[ سورة الإنسان: 3 ]

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 لذلك حينما تبث في الناس الدعوة إلى أن الإنسان مجبور في كل أفعاله ولا خيار له إطلاقاً أبطلت كل شيء، أبطلت التكليف، وأبطلت الأمانة، وأبطلت الثواب والعقاب، والمسؤولية، والجنة والنار، ما بقي في الدين شيئاً، الإنسان في نص القرآن الكريم مخير.

 

تتمة أصول الدعوة إلى الله :

 أيها الأخوة الأكارم، موضوع صغير جداً هو الحق دائرة يجب أن يمر بها أربعة خطوط؛ خط النقل الصحيح، وخط الفطرة، وخط الواقع، الحق ما أيده النقل الصحيح وما ارتاحت له الفطرة وما أقره العقل وما أكده الواقع، فإذا أكد الواقع شيئاً والفطرة والعقل والنقل فهذا هو الحق، وهذا لعمري مقياس دقيق للحق الذي ندعو إليه.
 بقي التدرج والتنسيق، والأصول قبل الفروع، والترغيب قبل الترهيب، والتفهيم لا التلقين، والتربية لا التعرية، والرفق لا العنف، والدعاة إلى الله دعاة وليسوا قضاة يحكمون على الناس، والمتابعة وهي التربية، والتربية هي ما امتازت به بعض الحلقات الدينية، لأن هذا الذي يُدعى إلى الله عز وجل يتابع، يربى، وفرق كبير بين المعلم والمربي، وفصل الدعوة عن الدنيا، و طرح الموضوعات المتفق عليها، وهذا يبعد تفتت الأمة والشقاق فيما بينها، بإمكان الداعية إن يمضي كل حياته في موضوعات متفق عليها، وأن يجنب الأمة التمزق.
 من أمراض مجتمعاتنا الإسلامية أن الأشياء الصغيرة نجعلها قضايا كبيرة نختصم حيالها، والسلف الصالح كانوا يتعاونون فيما اتفقوا عليه، ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا عليه.

الأسئلة :

 ما هو الدافع الذي حمل الصحابي رضي الله عنه إلى زج أصحابه في النار مع أن الظاهر أهليته وهو كونه أميراً عليهم؟
 أرى أن الأحداث التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام إنما وقعت لحكمة بالغة أرادها الله، الذي وقع من أجل أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إنما الطاعة في معروف"، ما من حدث وقع في عهد النبي إلا لعلة بليغة أرادها الله عز وجل، وهذه العلة نستنبط منها حكماً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام معصوماً بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها، آحاد المسلمين ليسوا معصومين، النبي عليه الصلاة والسلام بمفرده وبشخصه معصوم، والله قد عصمه، والله بيّن لنا أنه لا ينطق عن الهوى، والقصة وردت في صحيح البخاري وصحيح مسلم، فالدافع أن الله شاء هذا الحدث ليكون حكم النبي عليه الصلاة والسلام واضحاً فيه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018