بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 07 - مجمع أبو النور - التحديات التي تواجه المسلمين.


2001-07-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان، الأزكيان الأعطران على سيد الأولين والآخرين الصادق الوعد الأمين صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام الغُر الميامين رضوان الله عليهم أجمعين.
 أيها الإخوة:
 نرحب بكم في هذا اللقاء الذي يشرِّفنا به علم من أعلام الإسلام ألا وهو الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، حفظه الله تعالى، والأستاذ الدكتور النابلسي من مواليد دمشق لعام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين للميلاد تلقى التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدينة دمشق، نال الإجازة في آداب اللغة العربية وعلومها في جامعة دمشق عام ألف وتسعمئة وأربعة وستين، نال شهادة دبلوم التأهيل التربوي عام ألف وتسعمئة وخمسة وستين في جامعة دمشق، تابع دراسة الماجستير في لبنان، حصَّل درجة الدكتوراه في التربية عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين، يعمل أستاذاً محاضراً في كلية التربية في جامعة دمشق، وهو خطيب جامع الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله، وهو مُدرِّس ديني في مساجد دمشق، من مؤلفاته: نظرات في الإسلام، الإسراء والمعراج، الهجرة، الله أكبر، تأملات في الإسلام، يشرف على مجلة نهج الإسلام التي تصدرها وزارة الأوقاف.
 الدكتور محمد راتب النابلسي يلقي على أسماعنا محاضرة بعنوان: بعض أوجه التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، فليتفضل مشكوراً.
 شكراً لكم.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين.
 أيها الإخوة الأكارم:
 أيها الضيوف الأعزاء آية كريمة تضلل كل من عمل في الدعوة إلى الله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت: الآية 33 ]

 إن هذه الدعوة إلى الله من أجلِّ الأعمال إطلاقاً، بل إنها صنعة الأنبياء، كيف لا وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

 

(( عَنْ عُثْمَانَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.))

 

[ البخاري، الترمذي، أبي داود، ابن ماجة، أحمد، الدارمي ]

 وفي حديث آخر:

 

(( يا علي لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها.))

 وفي رواية:

 

 

(( خير لك مما طلعت عليه الشمس ))

 وفي رواية:

 

 

((خير لك من حمر النعم))

 لكن ما من عمل يتذبذب بين الخطورة والقداسة، وبين السخافة والازدراء كالدعوة إلى الله، إن كانت رسالة مقدَّسة وكان الداعي إلى الله إنساناً صادقاً مخلصاً مطبِّقاً فهي من أجلِّ الأعمال إطلاقاً، أما إذا اتُّخذت وسيلة في الدنيا فالله سبحانه وتعالى يمقت صاحبها، ولا تنسوا أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول:
 لئن أرتزق بالرقص أفضل من أن أرتزق بالدين.
 أيها الإخوة الأحباب:
 قدمتم إلى بلدكم ونحن نرحب بكم ونرجو الله سبحانه وتعالى أن تعودوا إلى بلادكم سالمين غانمين لتكونوا منارات للمسلمين، فالمسلمون اليوم في أمسِّ الحاجة إلى الدعوة إلى الله، في أمسِّ الحاجة إلى دعوة متوازنة، في أمسِّ الحاجة إلى دعوة ليست متطرفة، لا يميناً ولا شمالاً، في أمسِّ الحاجة إلى دعوة مطبِّقة لمضمون دعوتنا، هذه مقدمة ولأدخل في موضوع المحاضرة الأساسي.
 أيها الإخوة الأحباب:
 لو قرأنا القرآن الكريم لوجدنا الآيات التي تَعِدُ المؤمنين بالخير والنصر والتوفيق لا تعدُّ ولا تُحصى يقول الله عز وجل:

 

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 نحن مع كلام خالق البشر، يقول الله عز وجل:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 هل واقع المسلمين يؤيد هذه الآية ؟ أبداً، نحن لسنا مستَخلَفين:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 هل نحن ممكَّنون في الأرض ؟ لا والله، لا استخلاف ولا تمكين:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 هل نحن آمنون ؟ لا والله، والله لا استخلاف، ولا تمكين، ولا تطمين، وبالمناسبة زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، نحن أمام مشكلة، أمامنا آية واضحة جليَّة قطعية الدلالة تعِدُ المؤمنين بالنصر والتمكين والتطمين، حيث لا استخلاف ولا تمكين ولا تطمين، كيف الحل ؟
 أية ثانية:

 

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) ﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 173 ]

 هل جندنا هم الغالبون في الأرض ؟ لا والله، آية ثالثة:

 

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

[ سورة غافر: الآية 51 ]

 هل رسل الله عز وجل من علماء صادقين ودُعاة مخلصين هل هم الآن منصورون في الحياة الدنيا ؟ لا والله، في كل أنحاء العالم الإسلامي، آية رابعة:

 

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

 

[ سورة النساء: الآية 141 ]

 والله لهم علينا ألف سبيل وسبيل، ذلك أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، والإنسان إذا وقع في مشكلة كبيرة لا يمكن أن يخرج منها إلا إذا عرفها وعرف حدودها وكان واقعياً في تقييمها، أما النعامة تضع رأسها في الرمل وتتوقع السلامة مع أن عدوها بالمرصاد.
 أيها الإخوة الكرام:
 ماذا نفعل ؟ القرآن الكريم يجيبنا عن هذه التساؤلات، أي ما هذه المفارقة الحادة بين وعد الله في القرآن الكريم وبين واقع المسلمين ؟ هناك مفارقة حادة إلى درجة التناقض.
 المسلمون يواجهون خمسة تحديات ؛ التحدي الأول: تحدي الإفقار، والتحدي الثاني: تحدي الإضلال، والتحدي الثالث: تحدي الإذلال، والتحدي الرابع: تحدي الإفساد، والتحدي الخامس تحدي الاجتياح.
 هذه تحديات قائمة يعاني منها المسلمون في شتى أقطارهم، كيف نوفِّق بين الواقع المر وبين هذه الوعود الرائعة التي وردت في القرآن الكريم ؟
 نسأل القرآن الكريم فيجيب، الآن دققوا في الحل، قال تعالى:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59 ]

 وفي علم أصول الفقه هناك ما يسمى بالمعنى المخالف، المعنى العكسي، سبيل النجاة في أن ندع الشهوات التي لا ترضي الله عز وجل وأن نُحكِم اتصالنا بالله، هذا أول حل، هذا يذكرني بقوله تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 والقلب السليم هو القلب الذي سلِمَ من شهوة لا ترضي الله، وسَلِم من خبر يتناقض مع وحي الله، وسَلِم من تحكيم غير الله ومن عبادة غير الله، هذا هو القلب السليم، والله عز وجل يقول:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59 ]

 فإن كنا صادقين في الخلاص، إن كنا حريصين على خلاصنا، وعلى سلامتنا، وعلى سعادتنا، وعلى التوفيق، وعلى النصر، وعلى أن نستعيد مجد أمتنا بأن نكون قادة للأمم بعد أن كنا في الجاهلية رعاة للغنم، إن كنا حريصين على ذلك فلنتبع نصائح القرآن التالية:
 أولاً: ترك أية شهوة لا ترضي الله، بالمناسبة الشهوات التي أودعها الله في الإسلام ما أودعها فيه إلا ليرقى بها إلى الله مرتين ؛ يرقى بها صابراً، ويرقى بها شاكراً، إن هذه الشهوات يمكن أن تكون قوة دافعة ويمكن أن تكون قوة مدمرة، هي حيادية، إذا وُظفت في الحق أصبحت قوة دافعة، وإذا وُظفت في الباطل أصبحت قوة مدمرة، لذلك الحل الأول يكمن في أن نتَّبع فيما نحب ونهوى منهج الله، يؤكد هذا قول الله عز وجل:

 

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾

 

[ سورة القصص: الآية 50 ]

 معنى ذلك أن اتباع الهوى وفق منهج الله لا شيء فيه، ولا ضير ولا إثم فيه، ليس في الإسلام حرمان ولكن في الإسلام تنظيم، في الإسلام اصطفاء قال تعالى:

 

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

 

[ سورة هود: الآية 86 ]

 أي بقي لكم من المرأة الزواج، بقي لكم من المال الكسب الحلال، بقي لكم من العلو في الأرض طاعة الله عز وجل، هذا الحل الأول أن ندع كل شيء لا يرضي الله لأنه ليس في الإسلام حرمان ولكن في الإسلام نظام، ثم أن نُحكِم اتصالنا بالله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

 

(( ليس كل مصلٍ يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصرّ على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم علي فأبره، أكلأه بقربي، وأستحلفه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يُمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

 إحكام الصلاة، وترك الشهوات التي لا تُرضي الله عز وجل هذا هو الحل الأول.
 دققوا في قوله تعالى:

 

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 هذه صفة، والصفة في علم المنطق قيد، الدين الذي وعد الله بتمكينه ينبغي أن يرتضيه، فإن لم يُمكَّن ديننا في الأرض معنى ذلك أن الله لم يرتضيه لنا، ما أعجبه ديننا، دين تقاليد وعادات وفلكلور وثقافة وتعصب أعمى وتفريغ من المضمون، هذا الدين الشكلي القائم على المظاهر والاستعراض والتباهي والتفاخر من دون مضمون عميق، هذا الدين لا يُمكَّن في الأرض، إن لم يُمكَّن ديننا معنى ذلك أن الله لم يرتضيه لنا، فلنبحث عن تدين حقيقي، فلنبحث عن دين يرتضيه الله لنا كي يُمكِّنه في الأرض، كي نحمله إلى أمم الأرض، كي نكون هداة إلى البشر الضالين.
 أيها الإخوة الكرام:

 

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 19]

 المعنى الواسع لهذه الآية يعني حقيقة الدين أن تنصاع لأمر الله لا أن تتباهى بالدين، لا أن تعتز بالدين، لا أن تقيم المظاهر الفارغة من أجل الدين، الدين الحقيقي أن تنصاع لأمر الله ونهيه، بل إن العبادة في أصلها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تُفضي إلى سعادة أبدية، أساسها معرفة يقينية، ثمرتها سعادة أبدية، حقيقتها طاعة طوعية، فحينما تجد في العالم الإسلامي حياتنا في واد، واعتقادنا في وادٍ آخر، فلا سبيل إلى النصر ولا إلى التمكين، أما إذا تطابقت قناعاتنا، تطابقت تصوراتنا، تطابق معتقدنا مع واقعنا، أي في بيوتنا نجد الإسلام، في أعمالنا نجد الإسلام، في كل شؤون حياتنا نجد الإسلام عندئذ نستحق أن نُمكَّن في الأرض.
 لا يغيب عن بالكم النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل بعض أصحابه:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.))

 

[ أحمد، مسلم، الترمذي ]

 أيها الإخوة الأحباب:
 البند الثاني في الحل والخلاص: أن يرتضي الله لنا ديننا، والله لا يرتضي لنا ديننا إلا إذا كان إسلاماً، انصياعاً، خضوعاً، طاعةً، تطبيقاً، أما أن نرفع شعارات الإسلام، أما أن نتعصب إلى الإسلام من دون أن نطبق الإسلام فهذا غير مقبول.
 أروي قصة لطيفة هو أن شاباً من هذا البلد الطيب سافر إلى أمريكا واجتمع بفتاة من تلك البلاد فأعجبته كثيراً، فأرسل إلى أبيه يستأذنه في الزواج منها، فكان جواب الأب غير معقول: إن تزوجتها فلست ابني ولن تأخذ مني شيئاً وسأحرمك من الميراث، وقد تعلَّق بها تعلقاً شديداً، ثم سأل أباه ثانية برسالة ثانية إن أسلمت هل توافق على زواجي منها، الأب قال: نعم، إن أسلمتْ أوافق، اشترى لها كتباً إسلامية وطلب منها أن تقرأها كي تُسلم، هي قالت له: أنا أريد أن آخذ إجازة أربعة أشهر حتى أقرأها بعيداً عنك، حتى أقرأها من دون ضغط منك، حتى أقرأها بتؤدة وتروي، فوافق، وأصبح يعدُّ هذه الأشهر بالساعات لا بالأيام لأنه تعلَّق بها تعلقاً شديداً، ومضت هذه الأشهر والتقى بها ليسمع الخبر الذي صعقه، قالت: لقد أسلمت، إلا أنني لن أتزوجك لأنك لست مسلماً.
 في ضوء ما قرأت رأته ليس مسلماً، ونحن نتعصب لديننا وفي حالات كثيرة لسنا مسلمين، الإسلام هو التطبيق، الإسلام هو العمل:

 

وعالِمٌ بعلمه لم يعملَنْ  مُعذَّبٌ من قَبْلِ عُبَّاد الوثن
***

 قال تعالى:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

 

[ سورة الصف ]

 أيها الإخوة:
 البند الثالث: الله عز وجل يقول:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46 ]

 أي الكفار، خالق الكون يقول:

 

﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46 ]

 وقد تحدثت قبل قليل عن تحدي الإضلال، وعن تحدي الإفقار، وعن تحدي الإفساد، وعن تحدي الإذلال، وعن تحدي الاجتياح.
 هذا مكر الكفار، قال تعالى:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46 ]

 وقال:

 

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 47 ]

 ماذا ينجينا من هذا المكر ؟ نحن لا نستطيع أن نُعِدَّ القوة المكافئة، لا نستطيع، هذا الواقع، بيننا وبينهم مسافات كبيرة، تصور مركبة حديثة جداً منطلقة بسرعة مئة وثمانين تتبعها عربة تجرها دابة تمشي بسرعة خمسة كيلو مترات، متى تلحقها ؟ لا يوجد أمل أبداً، أما الأمل في آية واحدة، والله لو استوعبها المسلمون، سطر واحد، لحلت كل مشكلاتهم دققوا في الآية:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120 ]

 كل هذا الكيد، كل هذا المكر، كل هذه الخطط، كل هذه الأسلحة، كل هذا التدمير، كل هذا التجمع يُلغى، لا ينجح، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120 ]

 تتقوا ماذا ؟ تتقوا أن تعصوا الله عز وجل، وتصبروا على قضائه وقدره، وعلى طاعته وعن معصيته، إن اتقيتم وصبرتم كل هذا التفوق وكل هذا العلو في الأرض وكل هذا الاستكبار يُلغى.
 أيها الإخوة الكرام:
 في مناسبة التحديات التي تواجه المسلمين ـ وهو عنوان المحاضرة ـ لا بد من أن نتحدث عن عبادة الوقت، وعن عبادة الهوية.
 كل إنسان له هوية، هذا الإنسان أقامه الله عالماً أول عبادة ينبغي أن يعبد الله فيها تعليم العلم، وهذا الإنسان أقامه الله غنياً أول عبادة ينبغي أن يعبد الله فيها إنفاق المال، وهذا الإنسان أقامه الله قوياً أول عبادة ينبغي أن يعبد الله فيها إحقاق الحق لأن معه سلطة، فعبادة الهوية إن كنت قوياً ينبغي أن تُحقَّ الحق، وإن كنت غنياً ينبغي أن تنفق المال، وإن كنت عالماً ينبغي أن تُعلِّم العلم، وإن كنت امرأة ينبغي أن ترعي زوجك وأولادك، هذه عبادة الهوية.
 أما عبادة الوقت إذا كان الكفار يتحدون المسلمين بإفقارهم فأول عبادة أن تكسب المال الحلال لتحُلَّ به مشاكل المسلمين، ذلك أن عدونا غني جداً وقوي جداً وذكي جداً، وما لم نصمد أمام غناه وذكائه وقوته لن نستطع أن نتغلب عليه، إذاً حينما يكون المسلم قوياً بماله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ.))

 

[ أحمد، مسلم، ابن ماجة ]

 زارنا مرة ضيف كريم من الجزائر يدير معهداً شرعياً، لفت نظري أن الطوابق الثلاثة الأولى في معهده من أجل تعليم الدعاة صنعة راقية تليق بهم، وتغنيهم عن مد أيديهم إلى غيرهم، الطوابق الثلاثة الأولى تعليم صنعة راقية للدعاة حتى يكون الداعية مستغنياً عن جهات أخرى، حتى لا يأتمر بأمره وحتى لا ينافق له، وحتى لا يخضع لضغط، له دخل يكفيه، لا يتكلم إلا كلمة الحق.
 الإمام الحسن البصري سُئل: بمَ نِلت هذا المقام ؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
 أبو جعفر المنصوري دعا أبا حنيفة لزيارته قال: لو تغشَّيتنا يا أبا حنيفة، قال: وبمَ أتغشاكم ؟ وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء، إنك إن أكرمتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريتني، ولا حاجة لي بكم.
جاء خليفة المسلمين إلى الحج فرأى في الحرم عالماً جليلاً قال: سلني حاجتك، قال: والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، فلما التقاه خارج الحرم قال له: سلني حاجتك، قال: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها، فلما ألح عليه قال: حاجتي أن تنقذني من النار وأن تُدخلني الجنة، قال له: هذه ليست لي، فأجابه: إذاً ليس لي عندك حاجة.
فحينما تستغني عن جهات أخرى تنطق بكلمة الحق، الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في بعض توجيهاته لحديث رسول الله:

 

(( اغشوشموا فإن النعم لا تدوم ))

 قال: إنك إن لم تغشوشم وألِفت الإنفاق الكثير ثم افتقرت فجأة فلا بد من أن تمارئ السلطان أو أن تكسب المال الحرام، أما إذا عوَّدت نفسك على الخشونة تستغني عن مال السلطان وعن المال الحرام.
 فإذا كان العدو يريد إفقارنا وقد نُقِل إلى أمريكا في حرب الخليج سبعمئة وخمسين مليار دولار، الآن هنا في أوج النشاط الاقتصادي، والعالَم الإسلامي في حضيض الكسل، السبب نُقِلَت الثروة بخصوماتنا.
 فالإفقار يحتاج إلى كسب مال مشروع لحلِّ مشكلات المسلمين به واليد العليا خير من اليد السفلى.
 التحدي الثاني: تحدي الإضلال، طلب العلم، وتعلم العلم، والدعوة إلى الله، وتأصيل هذا الدين، والإتيان بالأدلة العقلية والنقلية والفطرية والواقعية، ورد الشُبهات، وإثبات الحق بالدليل التفصيلي هذا إذا كان التحدي هو الإضلال يُعدُّ العبادة الأولى، يعدُّ العبادة الأولى أن نؤصل هذا الدين، أن نجدده، وما هو التجديد في الدين ؟ هذا كلام خطير جداً إياكم ثم إياكم ثم إياكم أن تفهموا التجديد أن نضيف شيئاً أو أن نحذف شيئاً قال تعالى:

 

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3 ]

 الإسلام توقيفي لا يُضاف عليه ولا يُحذف منه، فما هو التجديد إذاً ؟
 التجديد أن تزيل عن الإسلام ما علق به مما ليس منه، بناء من الحجر تراكم عليه غبار أسود فغيَّر لونه، التجديد أن تزيل هذه الطبقة السوداء الغريبة فقط، لا أن تضيف طابقاً، لا أن تحذف غرفة، لا أن تعدِّل في التقسيمات الداخلية، هذا تدمير وليس تجديداً، إن الله عز وجل يقول:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3 ]

 فالدين تام كامل والتمام صفة عددية والكمال صفة نوعية، أي مجموع القضايا التي عالجها الدين تام عدداً، وطريقة المعالجة كاملة نوعاً، وأية إضافة على الدين اتهام له بالنقص، وأية حذف في الدين اتهام له بالزيادة، وهذه البدعة:

 

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.))

 

[ مسلم، النسائي، أبي داود، ابن ماجة، أحمد، الدارمي ]

 فإذا كان الطرف الآخر يريد إضلالنا، فتأصيل قواعد الدين وتعميقها وتوضيحها ونشرها إحقاقاً للحق هو العبادة الأولى في تحدي الإضلال، فإذا كان التحدي هو الإفساد الأخلاقي عن طريق قنوات الفضاء، وقنوات المجاري التي ليس فيها إلا المياه السوداء، إذا كان هذا هو التحدي فالعبادة الأولى أن تنشأ تياراً روحياً قوياً أن تحكم اتصالك بالله، أن تكون مع إخوانك في المسجد، أن تقيم عبادة حيوية فعالة، هذه هي عبادة الوقت، عبادة الانحراف، أن تقابلها بطاعة لله، وإقبال عليه، وذكر له، وسمو في ميولك وشهواتك.
 أيها الإخوة:
 الدين عقل، والدين نقل، والدين اتصال، في الإنسان جوانب ثلاث ؛ جانب عقلي، وجانب قلبي، وجانب جسمي، ما لم تغذي كل جانب على حدة تكون متطرفاً، لا تكون متفوقاً، فالعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب والإقبال على الله عز وجل، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، ما لم تغذي هذه الجوانب الثلاثة معاً لا تكون متفوقاً بل تكون متطرفاً، وأية جماعة دينية اعتنت بجانب على حساب جانب آخر تطرفت وأثارت عليها جدلاً طويلاً، أما حين تتحرك في خطوط ثلاث، في خط العلم، وفي خط العمل، وفي خط الصلة بالله عز وجل، عندئذ تتفوق.
 وأما إذا كان التحدي تحدي الإذلال، يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه جاءه ضيف كبير ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم، وأعلن إسلامه ورحب عمر به أشد الترحيب، ذهب ليطوف حول الكعبة فإذا بدوي من فزار يدوس طرف ردائه، فينخلع رداؤه عن كتفه، يلتفت هذا الملك إلى هذا البدوي ويضربه على وجهه ضربة هشمت أنفه، ليس له إلا عمر، ذهب هذا البدوي إلى عمر شاكياً، عمر استدعى جبلة، جرى حوار بينهما صاغه بعض الشعراء صياغة شعرية، قال عمر لجبلة: أصحيح ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح ؟ فقال جبلة: لست ممن يكتم شيئاً، أنا أدبت الفتى فأخذت حقي بيدي، فقال عمر: أرضي الفتى، لا بد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو اكسبن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذاك يا أمير هو سوقة وأنا عرش وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟ فقال عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أخذلتني، فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم وهمي كل صدع فيه بشظى السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 أحياناً يهدف العدو إلى الإذلال لا بد من موقف تثأر فيه لكرامتك، عمر ضحى بملك ولم يضحي بمبدأ، وحينما نضحي بمبادئنا من أجل مصالحنا انتهينا عند الله، حينما نضحي بمبادئنا من أجل مصالحنا يعني لا بد من ترويج السياحة، إذن لا بد من بيوت الدعارة، ونسمح بها سقطنا من عين الله.
 أنا قرأت في موقع المعلوماتية في الإنترنت أنه في بلاد بنغلادش أصبحت مهنة الدعارة مهنة مقبولة قانوناً، والمرأة التي تمارس الدعارة لها مكانتها ولها قبولها وتدفع الضرائب وكأنها في حرفة شريفة، فحينما نضحي بمبادئنا من أجل مصالحنا قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 28 ]

 مرة أحد ملوك المغول أراد أن يذل علماء المسلمين، فجمعهم في مكان عام وأتى بلحم خنزير، وأمرهم أن يأكلوا منه ومَن لم يأكل يُقتَل، بعضهم لم يأكل، وبعضهم أكل، إلى أن وصل الدور إلى عالم جليل مخلص عاملٍ بعلمه، فمن شدة هيبته ومكانته استطاع خادم الملك أن يأتيه بلحم ضأن، وهمس في أذنه كُلْ يا سيدي ولا تخف هذا لحم ضأن نحن حريصون على حياتك، فلم يأكل، قال: هذا عند الناس لحم خنزير، ولم يأكل وضحى بحياته، أنت حينما تريد أن تُعزَّ أمر الله عز وجل، مسيلمة الكذاب قبض على صحابيَين، قال للأول: أتشهد أني رسول الله قال: ما سمعت شيئاً، فقطع رأسه، وقال للثاني: أتشهد أني رسول الله فشهد، ماذا قال النبي الكريم بعد أن سمع القصة ؟ قال: أما الأول فقد أعزَّ دين الله فأعزَّه الله رغم أنه قُتِل، قال: وأما الثاني فقد قَبِل رُخصة الله، أرأيت إلى واقعية الإسلام.
 يروى أن الحسن البصري وكان سيد التابعين أدى أمانة العلم فبيَّن بعض الأخطاء في عهد الحجاج، بلغ الحجاج ما قاله الحسن، فقال لمن حوله: يا جبناء لِمَ لَمْ تردونه عن كلامه والله لأروينَّكم من دمه ؟ وأمر بقتله، واستدعي إلى مجلسه ليُقتل أمامه، لما وصل هذا العالم الجليل إلى قصر الحجاج ورأى السيَّاف يمسك السيف بيده وقد مُدَّ النطع على الأرض تمتم بكلمات ناجى بها ربه، فإذا بالحجاج يقف ويقول له: أهلاً بأبي سعيد، وإذا به يدنيه من مجلسه حتى أجلسه على سريره واستفتاه وضيَّفه وقالوا: وعطَّره وشيًّعه إلى باب القصر، من الذي صُعق ؟ السيَّاف والحاجب، تبعه الحاجب وقال له: يا أبا سعيد لقد جيء بك لغير ما فُعِل بك، فماذا قلت لربك ؟ فقال: قلت لربي يا ملاذي عند كُربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
 أي لا بد من أن تُعزَّ دين الله، لا ينبغي أن تتنازل، لا ينبغي أن تُصدر فتوى لا ترضي الله، لا ينبغي أن تكون في صالح الأقوياء، أنت مع الحق.
 يقول بعضهم كلمة رائعة: والله لأَن أكون ذنباً في الحق أفضل ألف مرة من أن أكون رأساً في الباطل، ذنب في الحق، في المؤخرة، ولا أن أكون رأساً في الباطل، فحينما يكون التحدي تحدي إذلال لا بد من أن نعز دين الله.
مشى بعض الصحابة مشية خاصة في أثناء المعركة فقال عليه الصلاة والسلام:

((إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن ))

 التكبر على المتكبر صدقة.
 مرة أقيم احتفال في مسجد في أمريكا، وحضره ألغور نائب رئيس الجمهورية، رئيس هذا المركز أصلحه الله قال: مجيئك إلى هذا المسجد اعتراف بنا وبديننا، فقال له ألغور: إن دينكم يغطي ثلث الأرض، ونبيكم أعظم قائد في العالم، وأنتم أكبر بكثير من أن تحتاجوا إلى من يعترف بكم أمثالي، وكأنه صفعه بهذا الكلام، يجب أن تعتز بالدين.
 طالبة نجحت بالدرجة الأولى في جامعة كاليفورنيا وهي مسلمة ومحجبة، دُعي الطلاب الأوائل لنيل شهاداتهم من رئيس الجمهورية بوش الأب، فقالت: أنا لا أغادر بلدي إلا بمحرمين، أنا مسلمة، فأعطوها ثلاث تذاكر طائرة، وحجزوا لها جناح في واشنطن، قالت: أنا لا أصافح رئيس الجمهورية، إن المصافحة حرام، بلَّغوه ذلك، فلما وصلت إليه قال لها: أنا معجب بهذا الدين القوي وناولها الشهادة دون أن يصافحها.
 لماذا نستحي بديننا، الآن أكثر المسلمين إذا دعي إلى شرب الخمر يقول: أنا معي قرحة، لماذا قرحة ؟ قل: أنا مسلم، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 33 ]

 أنا لا أشرب الخمر، إن كان التحدي إذلال ينبغي أن تعتز بدينك، بقي التحدي الخامس.
 إذا كان التحدي هو الاجتياح ينبغي أن نجاهد، الجهاد القتالي، ومعلومكم أن الجهاد أنواع ثلاثة ؛ جهاد النفس والهوى وهذا هو الجهاد الأول رتبة، ما لم تجاهد نفسك وهواك لن تستطيع أن تجاهد نملة، لن تستطيع أن تتحرك، ساقط من عين الله، ولئن تسقط من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعك أهون من أن تسقط من عين الله، ثم يأتي الجهاد الدعوي، وقد سماه الله جهاداً كبيراً، قال:

 

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾

 

[ سورة الفرقان: الآية 52 ]

 وقد يتاح للمسلم الجهاد القتالي، فنحن أمام جهاد النفس والهوى، وأمام جهاد دعوي، وأمام جهاد قتالي، فمن لم يُتح له الجهاد القتالي المجال واسع جداً للجهاد الدعوي وقد سماه الله الجهاد الكبير.
 أيها الإخوة الكرام:
 مكر الكفار من عهد رسول الله وإلى أن تقوم الساعة منصبٌ على موضوع واحد، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75) ﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 أعداء الإسلام أدركوا أنه يستحيل قطعاً أن يُجابه الإسلام مباشرة، لا بد من تفجيره من داخله، المجابهة علانية مستحيل، لا يستطيعون مقابلة هذه المجابهة، بقي أن يفسدوا المسلمين، أن تكون حياة المسلمين في وادٍ ودينهم في وادٍ، يرفعون شعارات الإسلام، يقدسون الكعبة، يقدسون الصلاة، أما البيوت ليست إسلامية، والتجارة ليست إسلامية، والقوانين ليست إسلامية، إذاً همّ الكفار الأول أن تفتري غير الوحيَين في الحياة الدنيا، وقد ربَّى الله الأمة بعظيمها، حتى سيد الخلق لو أنه اجتهاداً منه أراد إرضاءهم قليلاً لفعل الله به ما فعل قال تعالى:

 

﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً(75)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 فنحن حينما نقيم تشريعاً علمانياً يتناقض مع الإسلام هذا هو هدف الكفار، أن نعيش حياة غير إسلامية، نصلي ونصوم ونحج ونحن مسلمون لكن تجارتنا غير إسلامية، وزواجنا غير إسلامي، وسفرنا غير إسلامي، هذا هو الكيد الأول، لذلك لا بد من التمسك بالدين.
 أيها الإخوة الكرام:
 بقي شيء واحد وأخير، نحن في دائرة نملكها، ومحاطون بدائرة لا نملكها، فيها أعداء أقوياء لنا، يتمنون إفقارنا وإذلالنا واجتياح أراضينا ماذا نفعل ؟ هناك آية واحد تحل هذه المشكلة إذا أقمنا أمر الله فيما نملك كفانا ما لا نملك:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11 ]

 إن أقمنا أمر الله فيما نملك كفانا ما لا نملك.
 أيها الإخوة الكرام:
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تعودوا إلى بلادكم، وأنتم أعلام هناك، وأنتم دعاة صادقون، التقيت بداعية كبير في مصر ـالشيخ الشعراوي ـ قلت له: هل من نصيحة تسديها إلى الدعاة ؟ توقعت أن يقول ساعات وساعات، قال كلمة واحدة: ليحذر الداعي أن يراه المدعو على خلاف ما يقول، لن تستطيع أن تقنع الناس بهذا الدين إلا إذا كنت أنت أول مطبِّق له.
 هذا الذي أتمناه عليكم أن تكونوا دعاة مخلصين عاملين، وحينما تعمل وتخلص فيما تقول يُكسب الله كلامك قوة سحرية تأثيرية تفوق حد الخيال.
 والحمد لله رب العالمين.
 الشكر الجزيل لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه المحاضرة القيِّمة وأنا أشكر لكم حضوركم واستماعكم.
 س ـ السؤال الأول كيف الطريق لنكون أناساً كاملين عند الله سبحانه وتعالى وعند الناس؟ هذا شق من السؤال، الشق الثاني ما هي مراتب الإخلاص ؟
 ج ـ بسم الله الرحمن الرحيم:
 أيها الإخوة الأكارم:
 الإنسان مفطور على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، فحينما يطلب العلم الحقيقي، وحينما يعلم أن سلامة وجوده وكمال وجوده واستمرار وجوده منوط بطاعة ربه يطيع الله عز وجل، إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً كيف تعالج نفسك من ضغط الدم المرتفع ؟
الجواب حينما تعلم أنه معك ضغط مرتفع، فمعرفة المشكلة أول مرحلة في حلها، لا بد من طلب العلم، أزمة أهل النار هي ما قاله تعالى:

 

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) ﴾

 

[ سورة تبارك: الآية 10 ]

 هي أزمة علم فقط، أكثر كفار الأرض فرعون الذي قال:

 

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

 

[ سورة النازعات: الآية 24 ]

 والذي قال:

 

﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 

[ سورة القصص: الآية 38 ]

 فرعون عند الموت آمن، معنى ذلك أنّ خيارنا مع الإيمان خيار وقت لا خيار قبول أو رفض، أنت حينما تخطب فتاة ولا تعجبك تتركها لأنها لم تعجبك، حينما تُعرض عليك سفرة قد لا توافق وقد توافق، أنت مع ملايين الأمور مع خيار القبول أو الرفض، إلا مع الإيمان معك فيه خيار الوقت فقط، إما أن تؤمن في وقت مناسب، أو لا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان كما قال فرعون حينما أدركه الغرق:

 

﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾

 

[ سورة يونس: الآية 90 ]

 أي رؤوس الإلحاد في العالم سوف يعرفون الحقيقة التي جاء بها الأنبياء، ولكن بعد فوات الأوان، لذلك سلامة الإنسان، سلامة وجوده وكمال وجوده واستمرار وجوده منوطة بطاعته لربه، فإذا طلب العلم وعرف الحقيقة عندئذ انطلاقاً من حبه لذاته وحبه لسلامته يستقيم على أمر الله ويعمل الصالحات، هي أزمة علم فقط.
 س ـ السؤال الثاني يقول: لقد أراد الاستعمار منه الصليبي ومنه الشيوعي وغيرهم أن يمزقوا الأمة الإسلامية وأن يقطعوها إرباً إرباً، فلا يشعر المسلمون ببعضهم البعض، أصبح كل واحد ينطق بوطنه، يقول هذا وطني، أصبحت مصر للمصريين، أو أندنوسيا للأندنوسيين، لا يفكرون بالآخرين، ماذا نفعل أمام هذه المشكلات حتى نستطيع أن نجتمع ونطبق الإسلام أحسن تطبيق ؟
 ج ـ الحقيقة أن الاعتصام إذا كان بحبل الله اجتمعنا، أي مجرد الوحدة لا يجمعنا، مجرد مفهوم الوحدة لا يجمعنا، لكن أن نعتصم بالله نجتمع.
 بالمناسبة الإنسان معه طبع، ومعه تكليف، ولا بد من أن الطبع يناقض التكليف، مثلاً طبعك يقتضي أن تملأ عينيك من محاسن امرأة سافرة التكليف يأمرك بغض البصر، الطبع يقتضي أن تأخذ المال التكليف ينبغي أن تنفقه، الطبع يقتضي أن تنام ملء عينيك إلى ما بعد طلوع الشمس التكليف يقتضي أن تصلي الصبح في وقته، الطبع يقتضي أن تخوض في فضائح الناس كلام ممتع والتكليف يقتضي أن تصمت، هناك تناقض بين الطبع والتكليف، ثمن الجنة هو هذا التناقض، قال تعالى:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

 

[ سورة النازعات ]

 هذا تمهيد، الآن الطبع فردي، والتكليف جماعي، فأنا أكون فردياً وأتمنى أن أعيش وحدي، وأنتمي إلى أرضي فقط، وأركز على شخصي بقدر معصيتي لله، وأذوب في الآخرين وأتعاون معهم وأنتمي إلى مجموع المؤمنين بقدر إيماني في الله، فمظهر التفلت من طاعة الله يقابلها الفردية والوطنية والقومية، وإلغاء العلاقات الدينية هذا شيء طبيعي، فحينما ننصاع لأمر الله نكون متعاونين، والتعاون أمر إلهي، بل إن كل أمر في القرآن يقتضي الوجوب قال تعالى:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 2]

 فالمسلمون لتقصيرهم في طاعة ربهم أحد منعكسات التقصير فرديتهم وانتماؤهم إلى تجمعات لا ترضي الله عز وجل، هذا هو الواقع، إذاً حينما نصطلح مع الله نتعاون مع بعضنا بعضاً.
 س ـ كنت كلمتهم سيادة الدكتور عن التجديد، هل يجوز التجديد في الأحكام الفرعية الفقهية، وإن جاز فما الحدود التي يجب أن نراعيها في هذا التجديد ؟
 ج ـ الحقيقة الإنسان فيه ثوابت، وفيه متغيرات، الثوابت لا علاقة لها لا بمكان ولا بزمان ولا بوضع اقتصادي ولا بتخلف ولا بتقدم ولا بتعلم ولا بجهل، إنسان لو أنه قتل أمه هذه جريمة في كل البلاد، وعند كل العباد، وفي أي عصر، وفي أي مصر، وتحت أي ظرف، وفي أي بيئة، هناك ثوابت، الثوابت مغطاة بنصوص قطعية الدلالة، لا تحتمل، لا تفسير، ولا تأويل، ولا اجتهاد، أما المتغيرات مغطاة بنصوص ظنية الدلالة، فمثلاً لو أعطيت إنساناً في المدينة كيساً من القمح كيف يقلبه إلى خبز ؟ هذه العملية فوق طاقته، أعطي هذا الكيس إلى إنسان يسكن في الريف تؤمن له طوال العام خبزه، لأن الطاحونة موجودة، والتنور موجود، وما عليه إلا أن يأكل هذا القمح، لذلك العقائد ثابتة لا تتغير ولا تقبل التعديد، ولا التغيير، ولا الحذف، ولا الإضافة، والعبادات ثابتة لا تتغير، لا يُضاف شيء، الأصل في العبادات الحصر، ولا تُشرَّع عبادة إلا بالنص اليقيني القطعي الدلالي، أما الأشياء الأصل فيها الإباحة، ولا يُحرَّم شيء إلا بالنص، في العبادة لا تُشرَّع عبادة إلا بالنص، أما في التحريم لا يُحرَّم شيء إلا بالنص، لذلك العقائد توقيفية والعبادات توقيفية.
 أما المعاملة ؛ لو أعطاك إنسان دينار كي تنفقه زكاة عند الفقراء ينبغي أن تنفقه عينه، لو أعطاك الإنسان اليوم ألف ليرة وقال لك: ادفعها زكاة عني، فأنت اضطررت أن تصرفها وتدفع ألفاً غيرها لا يوجد مشكلة، الألف هي الألف، كان الدينار وزنه متغير، لو أعطيت دينار ذهبي كي تنفقه زكاة هذا له وزن خاص، لو بدلته اختلف وزنه، أما الآن المئة ليرة هي مئة ليرة لا تختلف، فلا بد من تطوير الحكم الفقهي وفق معطيات النقد الحديثة، فالفقه يدور مع المتغيرات، أما الكليَّات لا يمكن أن نمسها، فالإسلام كان فيما مضى مكعب من الحديد، حدوده واضحة جداً، فصار كرة من الحديد أزيحت عنه هذه النتوءات الأربعة ثم أصبح كرة من مادة لزجة، ثم أصبح سائل، والآن أصبح الإسلام غازاً، فقط انتماء وإعلان وشعارات، ولكنه يقبل الربى، ويقبل الغناء، ويقبل الرقص، ويقبل كلام فارغ.
 المشكلة أنه عندي منهج، أنا حينما أتخلى عن هذا المنهج انتهى الإسلام كلياً، فالفقه حينما يأتي نص حكم شرعي معلل بالنص نفسه فالحكم يدور مع هذه العلة، أما إسلام غير معلل فممنوع أن أخترع له علة، الربا حُرِّم لأنه كان هناك قرض استغلالي، الآن هناك قرض استثماري، هذا كلام باطل، قال تعالى:

 

﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 279 ]

 عند علماء الأصول حينما يكون في النص علته الحكم يدور مع هذه العلة وجوداً وعدماً، أما إذا خلا النص من العلة، فالتحريم مطلق.
 س ـ فضيلة الدكتور في بعض الأحيان بعض العوالق من الأمور يستحسنها الناس عبر الزمن، ثم بعد ذلك تنتقل هذه الأمور المستحسنة إلى اعتقاد الناس، أو أن غالب الظن عندهم تصبح هذه وكأنها نوع عبادات، ما رأيكم بهذه العوالق ؟
 ج ـ أنا حينما أجمع الناس في مكان وأحتفل بعيد المولد، الله عز وجل قال لي:

 

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾

 

[ سورة المؤمنون: الآية 69 ]

 وقال:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

 

[ سورة سبأ: الآية 46 ]

 الله قال لي، الآية دقيقة جداً:

 

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

 

[ سورة هود: الآية 120 ]

 إذا كان قلب سيد الخلق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه فلأَن يتأثر مؤمن مقصر بسماع قصة سيد الخلق من باب أولى، فإذا جمعت الناس في أي مكان، في المسجد، في البيت، وحدثتهم عن سيد الأنام، وأطعمتهم الطعام، ماذا فعلت ؟ أما حينما أقول هذه عبادة فهذه بدعة، هذه دعوة إلى الله، يجب أن تُخَرَّج على الدعوة إلى الله، أما إذا سميت الاحتفال بعيد المولد عبادة فهو بدعة، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

 

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا.))

 

[ مسلم، الترمذي، ابن ماجة، النسائي، أحمد، الدارمي ]

 أعتقد أنه لم يكن هناك قاعة محاضرات في عهد رسول الله، هذه سنة حسنة، قاعة محاضرات مُدفَّئة في الشتاء، مكيَّفة في الصيف، فيها مكبر صوت، فيها مقاعد، هذه سُنة، ماء بارد في المسجد، تدفئة في المسجد، تكبير صوت في المسجد، جمعية خيرية في صندوق العافية، صندوق الزواج، ممكن أن نُحدث مليون شيء ولكن لا علاقة له بالعقائد والعبادات، له علاقة بالمعاملات، له علاقة بتحسين حياتنا ومساكننا واستخراج ثرواتنا، وتصنيع بضاعاتنا، وتأمين عمل لشبابنا، وتزويج فتياتنا، عمل زواج جماعي، ممكن أن نخترع مليون شيء في حياتنا لا علاقة له بالدين، الابتداع في الدنيا لا في الدين، لكن الناس لجهلهم ابتدعوا في الدين وقلَّدوا في الدنيا، نحن متخلفون، كل شيء نستورده، نقلِّد، أما في الدين نبتدع، هي العكس، يجب أن نقلِّد في الدين وأن نبتدع في الدنيا، قيل:

 

(( عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَبَ فَقَالَ: لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ.))

 

[ رواه الدارمي ]

 س ـ فضيلة الدكتور لو تعرض إنسان للهلاك، قد يرجع في دينه، فما العمل في رأيكم بناءً على القصة التي أوردتموها، وقد قدِّم للشيخ لحم شاة حلال، فما رأيكم ؟
 ج ـ الجواب دقيق جداً، مسيلمة الكذاب قبض على صحابيَين، قال للأول: أتشهد أني رسول الله، قال: ما سمعت شيئاً، فقتله، قطع رأسه، قال للثاني: أتشهد أني رسول الله، فشهد أنه رسول الله، ماذا قال النبي عن هذين الرجلين ؟ قال: أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله، أما الثاني فقد قبل رخصة الله.
 لكن كان تعليقي أنا أن الأول أخذ مليون، الثاني أخذ ألف، كلاهما له أجر، ما كلَّفك الله شيئاً لا تطيقه، لو نطقت بالكفر تحت تهديد السلاح لا شيء عليك، لكن لو أخذت الحد البطولي فلك أجر خاص، لكن البطولي ليس حكماً شرعياً لكنه موقف شخصي، أما الحد المقبول عند الله أن تتقِ الموت ولو بكلمة الكفر يجوز، هذا إسلام يغطي كل المسلمين، ليس كل إنسان يضحي بحياته، أما ذكرت الموقف في أصحاب الأخدود، هم معهم كان كفتوى أن يقولوا: أنت ملك، وأنت إله وينجوا، ولكن لو لم يكن هناك أصحاب أخدود لما كان هناك بطولات، أنا أعذر الضعيف أن ينطق بالكفر حفاظاً على حياته، لكن لا أمنع شخصاً يعتز بهذا الدين ويضحى بحياته من أجل مبدئه، هذا لا أمنعه، له أجر خاص، هذا ليس مكلفاً أن يفعل هذا، لكنه فعله مبادرة منه وله عند الله أجر عظيم، فهناك حد أدنى وحد أقصى، أنت لك أن تتحرك بينهما، هذا مقبول، وهذا مأجور.
 س ـ هل يمكن المسايرة في بعض الأحيان ببعض الأمور للوصول في المستقبل بهذا الإنسان ـ الذي نقوم بمسايرته ـ إلى الإسلام الحق فيما بعد ؟
 ج ـ هو الأخ السائل أجاب نفسه، المداراة غير المداهنة، المداراة أن تبذل الدنيا من أجل الدين، دارِهِم ما شئت، أعطهم بيتك، أعطهم مركبتك، أعطهم نصف دخلك، هذه مداراة، رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس، إنك تبذل الدنيا من أجل الدين، أما المداهنة:

 

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾

 

[ سورة القلم: الآية 9 ]

 المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، أي ممكن أن تعطي بيتك لإنسان لكن لا تطيعه في معصية، فالمداراة شيء والمداهنة شيء آخر، المداهنة جريمة والمداراة فضيلة.
 س ـ فضيلة الدكتور نطلب من حضرتكم نصيحة في نهاية هذا اللقاء لهؤلاء الأئمة لأنهم سيعودون إلى بلادهم بعد فترة من الزمن، فما هي نصيحتكم ؟
 ج ـ بسم الله الرحمن الرحيم، والله أنا العبد الفقير أحياناً الإنسان يحب أن يضغط الدين، الدين واسع جداً، أما إذا أردت ضغطه وأخذ خلاصته تجد سلامة العقيدة تقع في المقام الأول، لأنه من صحت عقيدته صح عمله، ولئن تخطأ في العمل ألف مرة أهون من أن تخطئ في العقيدة مرة، الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، فأول شيء أن تكون عقيدتك سليمة، لو أن العقيدة لا علاقة لها بالسلوك اعتقد ما شئت، لكن لأنه ما من عقيدة زائغة إلا انعكست سلوكاً منحرفاً، إذاً لا بد من أن تعتقد عقيدة صحيحة.
 كل ثمار الدين اليانعة لن تستطيع قطفها إلا إذا استقمت على أمر الله، التجارة فيها مليون نشاط، شراء مكتب، شراء مستودعات، تعيين موظفين، استيراد بضاعة، دفع ثمنها، ترويج البضاعة، إعلان عن بضاعة، جمع ثمنها، كل هذه النشاطات إن لم تحقق في النهاية ربحاً لا معنى لها، التجارة فيها كلمة واحدة الربح، الدين درست وتثقفت وحضرت دورات وسافرت وألَّفت كتباً، إن لم تثمر هذه النشاطات استقامة فلا قيمة لكل ذلك، أي شمس ساطعة وأنت في أمسِّ الحاجة إليها لمرض جلدي، قل: يا لها من شمس ساطعة، إنها شمس مشرقة، لو حدثتنا إلى يوم القيامة عن سطوعها ولم تعرِّض جلدك لها هذا كلام مرفوض لا معنى له.
 إذاً سلامة العقيدة أولاً والاستقامة ثانياً، إن لم تنعقد مع الله صلة لن تسعد بهذا الدين، فُرِّغ من مضمونه، إذاً الصلة ثالثاً، الاستقامة تحقق السلامة، أما العمل الصالح يحقق صلة قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110 ]

 تعرفه وتستقيم على أمره لتسلم، وتتقرب إليه بالعمل الصالح لتسعد، هذه نصيحتي، أن تعرفه، وأن تعرف أمره ونهيه، وأن تُقبل عليه، هذا الدين مضغوط كله ثلاثة ثلاثة، والتفاصيل تحققونها من دراستكم إن شاء الله، أرجو لكم مستقبلاً باهراً وعودة سالمة غانمة إلى بلادكم.
 الشكر الجزيل لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه النصائح القيِّمة التي قدمها للجميع، شكراً لكم على استماعكم وحضوركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018