بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 06 - إدلب - مظاهر ضعف الإيمان.


2001-07-21

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأحباب:
 بداية أشكركم جزيل الشكر، و أعمق الشكر على اهتمامكم بالمحاضرة السابقة، و هذا ما شجعني على أن ألبي الدعوة الكريمة اليوم، و أرجو الله سبحانه و تعالى أن أكون عند حسن ظنكم و أن يلهمني حقائق تزيد في إيماننا جميعاً.
 أيها الإخوة الكرام:
 من شأن الإنسان أن يرضى عن إيمانه لكنه يسخط عن رزقه، الأصحاب الكرام كما ذكر بعض التابعين كانوا قلقين على إيمانهم قلقاً لا حدود له، فبعض التابعين يقول: التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحد إلا و يظن نفسه منافقاً، المسلمون اليوم يعانون من مشكلات لا حدود لها، لو أردنا أن نحلل هذه المشكلات و أن نرجعها إلى أسبابها لأن معرفة سبب المشكلة جزء من حلها لوجدنا أن معظم هذه المشكلات إنما هي أعراض لمرض واحد هو الإعراض عن الله، ما يعانيه المسلمون من مشكلات هي أعراض الإعراض، فلذلك ينبغي أن نوطن أنفسنا على تلقي الحقيقة المرة لأنها أهون ألف مرة من الوهم المريح، لماذا المسلمون كذلك و كأن الله تخلى عنهم ؟ لماذا بأسهم بينهم ؟ لماذا للكفار عليهم ألف سبيل و سبيل ؟  لماذا ليست كلمتهم هي العليا ؟ هذه مشكلات كبيرة تأتي على خلاف وعد الله لنا، أين قوله تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: الآية 55]

 أين واقع المسلمين من قول الله عز وجل:

 

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 173]

 أين واقع المسلمين من قول الله عز وجل:

 

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 141]

 أين واقع المسلمين من قوله تعالى:

 

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 139]

 يا أيها الإخوة الكرام:
 المشكلات التي نعاني منها بسبب خلل خطير في إيماننا، لقد أردت أن يكون موضوع هذه المحاضرة: أسباب أو مظاهر ضعف الإيمان، و إن مكنني الله عز وجل في محاضرات سابقة أو لاحقة، إن مكنني الله عز وجل في محاضرات سابقة أن أعالج أسباب ضعف الإيمان ثم أتمنى أن أعالج علاج ضعف الإيمان، لأن العلة الأولى هي ضعف الإيمان في حياتنا، ما من مصيبة تقع على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، و ما من خروج عن منهج الله إلا بسبب ضعف الإيمان و يكاد ضعف الإيمان أن يكون وراء كل مشكلات المسلمين.
 أيها الإخوة الكرام:
 سأعرض عليكم عدداً من مظاهر ضعف الإيمان، أرجو أن تُتَقبل بروح سمحة، و أرجو ألا نتملق أنفسنا، و أن نقبل الحقيقة المرة لأنها كما قلت قبل قليل أهون ألف مرة من الوهم المريح.
 أيها الإخوة الأكارم:
 لمجرد أن تعصي الله عز وجل ينبغي أن تتهم نفسك بضعف الإيمان، لأن كل من قال بأن لهذا الكون إلهاً عظيماً موجوداً واحداً كاملاً هو مؤمن و لكن هذا الإيمان إن لم يحمله على طاعة الله فهذا الإيمان لا يجدي و لا ينجي لا في الدنيا و لا في الآخرة، و قد ذكرت فيما أذكر أن إبليس لأنه اعترف بربوبية الله عز وجل قال ربي:

 

﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾

 

[ سورة ص: الآية 82]

 و إبليس اعترف بعزة الله عز وجل فقال:

 

﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾

 

[ سورة ص: الآية 82]

 و لأنه آمن بأنه خالق السماوات و الأرض:

 

﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾

 

[ سورة الأعراف: الآية 12]

 و لأنه قال:

 

﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

 

[ سورة الأعراف: الآية 14]

 إبليس آمن بالله عزيزاً، و آمن به خالقاً، و آمن به رباً، و آمن باليوم الآخر، و مع ذلك فهو إبليس، إذاً أول حقيقة بهذا اللقاء المبارك إن شاء الله ما كل إيمان يجدي، لا تقل بسذاجة أنا مؤمن و لله الحمد:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾

 

[ سورة النساء: الآية 136]

 ما معنى ذلك ؟

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 136]

 لابد من أن نجدد إيماننا، الحقيقة الأولى: لمجرد أنك تقع في معصية لله يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن إيمانك ضعيف، و لأن إيمانك ضعيف وقعت في هذه المعصية و لا تنظر إلى صغر الذنب و لكن انظر على من اجترأت.
 مقياس لا تجامل نفسك، لا تتملق نفسك، مادام هناك مخالفة شرعية في البيت، في العمل، في السفر، في الإقامة، في الأفراح، في الأتراح، في العلاقات، يجب أن تتهم إيمانك بأنه ضعيف، و الحل يجب أن تجدد إيمانك، يجب أن تقوي إيمانك، و هناك وسائل كثيرة لتقوية الإيمان نتحدث عنها في لقاء خاص إن شاء الله في المستقبل.
 أيها الإخوة الكرام:
 أكبر وهم أصيب به المسلمون أنهم يتوهمون أن الإسلام صوم و صلاة و حج و زكاة، و انتهى الأمر، صدقوا أيها الإخوة أن الإسلام يزيد عن مئة ألف بند، في نومك، في يقظتك، في علاقتك بزوجتك، في علاقتك بتربية أبنائك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في سفرك، في إقامتك، في فرحك، في ترحك، يجب أن تبحث عن الحكم الشرعي في أي شيء في حياتك، ما من شيء في حياتك، ما من شيء من استغراق أفراد النوع و شيء من أعم كلمات اللغة، ما من شيء في حياتك إلا و له حكم شرعي، يبدأ من الفرض ثم الواجب ثم المستحسن أو السنة ثم المباح ثم المكروه تحريماً أو تنزيهاً ثم المحرم، فإذا كنت مؤمناً صادقاً في أي شأن من شؤون حياتك فاسأل، قال تعالى:

 

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾

 

[ سورة النحل: الآية 43]

 و أهل الذكر هم أهل الوحي الذين فهموا الوحيين الكتاب و السنة و حكموا به، لكن أيها الإخوة المشكلة أن الإنسان متى يعالج نفسه من ضغط الدم المرتفع ؟ لا يعالج نفسه من الضغط المرتفع إلا إذا علم أن معه ضغط مرتفع، و متى يعلم أن معه ضغطاً مرتفعاً ؟ ينبغي أن يملك جهاز قياس للضغط، مثل بسيط لا تعالج نفسك من الضغط المرتفع إلا إذا علمت أن معك ضغطاً مرتفعاً، و لن تعلم أن معك ضغطاً مرتفعاً إلا إذا ملكت قياس ضغط، لذلك حينما تطلب العلم الشرعي، حينما تطلب علم الفقه من أجل أن تكشف أخطاءك و تقصيراتك و الأمور التي تخالفها، الجاهل في القانون لا يعذر و في الشرع لا يعذر لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، بل إن طلب الفقه فريضة بعد الفريضة من أجل أن تعرف الحقيقة.
 فيا أيها الإخوة:
 كفى بالمرء علماً أن يطيع الله، و كفى به جهلاً أن يعصيه.
 أول مظهر من مظاهر ضعف الإيمان: أن تقع في معصية و لن تعلم أنها معصية إلا إذا علمت الحكم الشرعي، إن علمت الحكم الشرعي تكشف الأغلاط، بربك لو أنك ضعيف في اللغة العربية ضعفاً لا حدود له و قرأ أمامك أحد نصاً فيه مئة غلطة هل يمكن أن تكشفها ؟ لا و الله، من الذي يكشف أخطاء النحو ؟ عالم اللغة، أنت حينما تطلب العلم الشرعي تكشف أخطاء كسب المال و أخطاء إنفاق المال و أخطاء العلاقات الاجتماعية، و أخطاء العلاقات الأسرية، و أخطاء التجارة، فلابد من أن تعرف الحكم الشرعي بعد أن تعرف الله، إنك بالكون تعرف الله، و بالشرع تعبده، هذه واحدة.
 كلما وجدت هناك مخالفة للنص الشرعي تعلم علم اليقين أن في إيمانك ضعفاً ينبغي أن يعالج، ضعف الإيمان يعالج.
شيء آخر: ثانياً قسوة القلب، إن كان لك قلب يقسو لا ترحم خلق الله، لا يرق قلبك لمنظر بائس، لطفل يحتاج إلى مساعدة، لا تشفق على أم رؤوم، لا ترحم زوجتك، لا ترحم أولادك، لا ترحم عامة المسلمين، لمجرد أن تنطوي عل قلب قاسٍ يجب أن تتهم إيمانك بالضعف، لأن علامة الإيمان القلب الرحيم.
 عبادي إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، من لا يَرحم لا يُرحم، أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي، إن رأيت في قلبك قسوة، إن أردت أن تعيش وحدك، أن تأكل وحدك، أن تستمتع وحدك، أن تسكن في البيت وحدك، أن تعلو وحدك، لا تحمل هموم المسلمين، فهذا الإنسان ينطوي على قلب قاسٍ و القلب القاسي من علامات ضعف الإيمان، امتحن قلبك، أيبيت من حولك جائعون و أنت شبعان ؟ ألا تهتم بأمر المسلمين ؟ ألا ترق لضعفائهم ؟ ألا تبكي لأيتامهم ؟ ألا تهتم بشبابهم الشاردين ؟ ألا تهتم بفتياتهم المتكشفات في الطريق ؟ ألا تفعل شيئاً لخدمة المسلمين ؟ ألا تسهم بطريقة أو بأخرى بتخفيف الألم عن المسلمين ؟ إن كان الإنسان ينطوي على قلب قاسٍ فليؤمن إيماناً قطعياً أن إيمانه ضعيف، و أن هذا الإيمان لا ينجي لا في الدنيا و لا في الآخرة، قسوة القلب من علامات ضعف الإيمان، استمعوا أيها الإخوة إلى قول الله عز وجل:

 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159]

 أي بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، لأنك كنت ليناً لهم التفوا حولك و أحبوك، و لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ قلبك قسوة و لانعكست القسوة غلظة و فظاظة:

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159]

 أرأيتم إلى هذه المعادلة الرياضية تتصل بالله فيمتلئ القلب رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، يسبب اللين التفاف الناس حولك، إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، ما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة و الرحمة، فإذا كان العبد منقطعاً عن الله عز وجل امتلأ قلبه قسوة و انعكست القسوة غلظة و فظاظة و سببت هذه الغلظة و الفظاظة سببت انفضاض الناس عنك، فإذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس عنده.
 أيها الإخوة الكرام:
 و من مظاهر ضعف الإيمان عدم إتقان العبادات، ينبغي أن تصلي كما صلى النبي صلى الله عليه و سلم، ينبغي أن تطمئن واقفاً، و أن تطمئن راكعاً، و أن تطمئن ساجداً، و أن تتوجه إلى الله عز وجل، لأن النبي صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه يقول:

 

(( ليس كل مصلٍ يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي و كفّ شهواته عن محارمي و لم يصر على معصيتي و أطعم الجائع و كسا العريان و رحم المصاب و آوى الغريب، كل ذلك لي، و عزتي و جلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً و الظلمة نوراً يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم عليّ فأبره، أكلأه بقربي، و أستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها و لا يتغير حالها ))

 فعدم إتقان العبادات جزء من ضعف الإيمان.
 أيها الإخوة الكرام:
 و حينما يتكاسل الإنسان عن الطاعات تدعى إلى عمل طيب، إلى زيارة مريض، إلى مساعدة يتيم، إلى حل مشكلة زوجين، تدعى إلى إنفاق مال، إلى التوفيق بين أخوين متخاصمين، حينما تدعى إلى بذل مالك، إلى بذل وقتك، إلى بذل جهدك، إلى بذل خبرتك، تعتذر بعدم الفراغ، بعدم وجود المال بين يديك، حينما تتهرب من عمل صالح فاعلم علم اليقين أنك ضعيف الإيمان لأن الغنى عند الله هو غنى العمل الصالح، و إن الفقر عند الله هو فقر العمل الصالح، و إن سيدنا موسى عليه و على نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما أخبرنا الله عنه فقال حينما سقى للفتاتين ابنتي سيدنا شعيب قال:

 

 

﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

 

[ سورة القصص: الآية 24]

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110]

 بل إن العمل الصالح طريقك إلى الله، إن أردت أن تتصل بالله، إن أردت أن تتقرب من الله، إن أردت أن يتجلى الله عليك، أن يلقي على قلبك السكينة فاعمل عملاً صالحاً.
 التهرب من العمل الصالح، التسويف، الاعتذار، الانسحاب بلطف، لست متفرغاً مشغول، لا تملك سيولة نقدية، لمجرد أن تظن أنك نجوت من هذه الخدمة، من هذا العبء، من هذا التكليف، من هذا البذل، فاعلم علم اليقين أنك ضعيف الإيمان، التهرب من العمل الصالح، يبحث عن مصالحه و عن دخله، و لا يُعنى بالتقرب إلى ربه بل حينما يجفو قلبك و تتصحر نفسك عليك بالعمل الصالح، دققوا أيها الإخوة لو أن جندياً غراً التحق لتوه بفرقة و على رأس هذه الفرقة لواء هل يستطيع هذا الجندي الغر الذي التحق لتوه أن يحظى بمقابلة اللواء ؟ دون هذه المرتبة عشرات بل بضع عشرات من الرتب، و كلها لا يستطيع أن يقابلها فكيف بأعلى رتبة، لو أن لهذا اللواء ابناً يسبح في مسبح و كاد يغرق و هذا الجندي الغر ألقى بنفسه و أنقذه ألا يستطيع في اليوم التالي أن يذهب إلى مكتب اللواء و أن يدخل عليه بلا استئذان ؟ هل تعتقد أن هذه الرتبة العالية لا تقف له من وراء المكتب، لا ترحب به، لا تجلسه عل مكان راقٍ ؟ هذا المثل كبره، أنت حينما تخدم عباد الله، حينما تنصحهم، حينما ترحمهم، حينما تخلص لهم، حينما تخفف عنهم آلامهم، حينما لا تستغلهم، حينما لا تضيق عليهم، إن أردت أن تصلي تشعر أن الطريق سالك إلى الله، و أن الخط مفتوح مع الله، و أن الله يستقبلك، و يتجلى على قلبك، و يملأ قلبك سكينة، و راحة، دققوا في هذه الآية:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110]

 اقرأ هذه الآية أيضاً:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 245]

 الله عز وجل ينتظر منك أن تقرضه، و القرض لله عز وجل هو عمل صالح لعباده، فالمؤمن همه الأول أن يخدم الخلق تقرباً للخالق، فإذا وجدت نفسك تتكاسل عن طاعة أو عن عمل صالح فاحكم على نفسك و لا تتردد بأنك ضعيف الإيمان.
أيها الإخوة:
 من علامات ضعف الإيمان ضيق الصدر:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

 

[ سورة طه: الآية 124]

 ضيق الصدر، الضجر، السأم، لماذا أنا هكذا ؟ متضايق، لا يوجد مشكلة مادية، لك بيت و زوجة و أولاد ما هذا الضيق ؟ هذا الضيق من نتائج الإعراض عن الله، و الإعراض عن الله بسبب ضعف الإيمان، إن وجدت نفسك متفائلاً مقبلاً، إن الله يعطي الصحة و الجمال و المال و الذكاء للكثيرين من خلقه و لكنه يعطي السكينة بقدر لأتقيائه المؤمنين حينما ترضى عن الله، حينما تشعر أنك محظي عند الله، حينما تتفاءل:

 

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 51]

 السوداوية و التشاؤم و اليأس هذه من صفات ضعاف الإيمان، لو أنك مؤمن حقاً لا ترى مع الله أحداً، لا ترى إلا يد الله وحدها تعمل في الخفاء، لا ترى إلا أن الله وحده المتصرف، هو وحده المعطي، و المانع، و الخافض، و الرافع، و المعز، و المذل، و القابض، و الباسط، لذلك تقول كما قال هود عليه السلام:

 

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

 

[ سورة هود ]

 بربك أيها الأخ الكريم هل من مصيبة على وجه الأرض تفوق أن تجد نفسك فجأة في ظلمة البحر و ظلمة أعماق البحر و ظلمة الليل و ظلمة بطن الحوت، هل يوجد أمل في النجاة ؟ لو شخص وجد نفسه فجأة في بطن حوت الذي وزنه مئة و خمسين طناً و الذي وجبته المعتدلة أربعة طن، و رضعة وليده ثلاثمئة كيلو غرام، ثلاث رضعات طناً، هذا الحوت الذي يزن مئة و خمسين طناً، وجبته المعتدلة أربعة طن، لو أن إنساناً وجد نفسه في بطن حوت هل هناك أمل في النجاة ؟ اقرأ القرآن الكريم:

 

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

 

[ سورة الأنبياء ]

 هذه قصة قلبت إلى قانون:

 

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

[ سورة الأنبياء: الآية 88]

 لا يوجد هم مع الإيمان أبداً، لا يوجد خوف، لا يوجد قلق، لا يوجد يأس، لا يوجد هبوط معنويات، لا يوجد إهباط، لا يوجد سوداوية، الله موجود و بيده الوجود كله، إذا كان الله معك فمن عليك، و إذا كان الله عليك فمن معك ؟ و يا رب ماذا وجد من فقدك و ماذا فقد من وجدك؟ فضيق الصدر من علامات ضعف الإيمان.
 لاحظ أن تقترف لا سمح الله معصية، أن يكون قلبك قاسياً، ألا تتقن عباداتك، أن تتكاسل لعمل صالح، أن يضيق صدرك، هذه كلها من علامات ضعف الإيمان، و ضعف الإيمان يُعالج بتجديد الإيمان، بتقوية الإيمان، بلزوم مجالس العلم، بطلب العلم، بالعمل الصالح، بالتفكر في خلق السماوات و الأرض، بصحبة الصالحين.
 شيء آخر أيها الإخوة:
 لعل من علامات ضعف الإيمان أنك إذا قرأت القرآن لا تتأثر بهذا الكلام، لا يقشعر جلدك، لا تنهمر دموعك، لا يضطرب قلبك، لا يجل قلبك، هذه علامة خطيرة جداً إذا صليت فلم تشعر بشيء و إذا تلوت القرآن فلم تشعر بشيء، و إذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء، فهذه و الله علامة خطيرة، علامة تصحر:

 

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 

[ سورة العنكبوت: الآية 45]

 أكبر شيء في الصلاة ذكر الله، و أقم الصلاة لذكري:

 

(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ))

 

[ الترمذي، ابن ماجه، أحمد، مالك ]

((ابن آدم اذكرني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، و إن فتك فاتك كل شيء، و أنا أحب إليك من كل شيء.))

 فعدم التأثر بالآيات القرآنية لأن شأن المؤمن أنه يتغنى بالقرآن، كان بعض أصحاب النبي يعيدون آية طوال الليل إذا قرأت القرآن فلم تتأثر، لم يقشعر جلدك، لم يجل قلبك، لم تبكِ، هذه علامة تابعها، لماذا ؟ إذا رأيت و أنت تكتب ذبابة أمامك على الورق، ذبابة مرض في العين، نقطة سوداء تتحرك مع العين لماذا تسارع إلى الطبيب ؟ ماذا تقول ؟ عين، أخطر شيء العين، لماذا تحرص على سلامة عينك و لا تحرص على سلامة قلبك ؟ إن لم تتأثر بالقرآن الكريم، إن لم تبكِ، إن لم تتباكى، إن لم يقشعر جلدك فهناك ضعف في إيمانك، و ضعف الإيمان يقوى و يجدد.
 و من علامات ضعف الإيمان: ألا يغضب المسلم إذا رأى حرمة لله انتهكت، أمر الله بقرية أن تدمر فجاء الملائكة لينفذوا أمر الله فإذا فيها رجل صالح قالوا: يا رب إن فيها صالحاً، قال: به فابدؤوا، قالوا: و لمَ يا رب ؟ قال: لأن وجهه لم يكن يتمعر إذا رأى منكراً، معصية، سب للدين، امرأة فاسقة، بيت دعارة، لا يوجد تأثر أبداً، لا يوجد حركة أبداً لذلك حينما لا تتأثر إذا انتهكت حرمات الله عز وجل هذه علامة أيضاً من علامان ضعف الإيمان، إن أردت حبّ الظهور، أن تكون شيئاً مذكوراً، أن تكون كبيراً، أن تكون مهيمناً، إن لم يرحب بك لا تزور هؤلاء، إن لم تجلس في أول مقعد لا تعبأ بهؤلاء، إن لم تدعَ إلى هذه الوليمة، تعبد ذاتك، تحب أن يحترمك الناس، أو يوقروك، أن يبجلوك، إن أردت حبّ الظهور، أن تكون شيئاً مذكوراً، أن تكون كبيراً، أن تكون مهيمناً، إن لم يرحب بك لا تزور هؤلاء، إن لم تجلس في أول مقعد لا تعبأ بهؤلاء، إن لم تدعَ إلى هذه الوليمة، تعبد ذاتك، تحب أن يحترمك الناس، أو يوقروك، أن يبجلوك، أن يخضعوا رؤوسهم لك، حينما تشعر برغبة جامحة إلى أن تعظم، هذه علامة من علامات ضعف الإيمان، قال سيدنا الصديق رضي الله عنه يحلب لجيرانه الشياه، فلما تولى الخلافة شعر جيرانه أن هذه الخدمة لن تقدم لهم بعد الآن فتألموا، في صبيحة اليوم الأول الذي تولى فيه الخلافة طرق باب الجيران، الأم قالت لابنتها: افتحي الباب يا بنيتي، ثم قالت: من الطارق يا بنيتي ؟ قالت: يا أمي جاء حالب الشاة، سيدنا الصديق و هو خليفة المسلمين، هذا هو التواضع، كان عليه الصلاة و السلام في خدمة أصحابه، كانوا في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة قال أحدهم عليّ ذبحها، و قال آخر: عليّ سلخها و قال ثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة و السلام: عليّ جمع الحطب، يا رسول الله نكفيك ذلك، قال:

((أعلم أنكم تكفوني و لكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

 كان في خدمة أصحابه، كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، كان يستمع للأرملة و المسكين، كانت الجارية الصغيرة تأخذ بيده فتقوده إلى حيث شاءت، كان يخسف نعله، كان يكنس داره، كان يغسل ثوبه، كان يملأ الإناء للهرة، كان في بدر الرواحل قليلة و الصحب كثر، فقال عليه الصلاة و السلام: كل ثلاثة على راحلة، و أنا و علي و أبو لبابة على راحلة، ركب النبي، انتهت نوبته، نبي هذه الأمة، سيد الرسل، قائد هذه الأمة، قائد الجيش، انتهت نوبته، جاء دوره في المشي، توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة و السلام:

((ما أنتما بأقوى مني على السير، و لا أنا بأغنى منكم عن الأجر ))

 كان واحداً من أصحابه، لذلك حينما ترغب أن تظهر، حينما ترغب أن تعلو، حينما ترغب أن تهيمن، حينما ترغب أن يخضع الناس لك، أن تنحني الرقاب لك، فاعلم علم اليقين أن هذا من علامات ضعف الإيمان و أن حبّ الظهور يقصم الظهور.
 البخل و الشح: لا يجتمع إيمان مع البخل، علامة المؤمن البذل، علامة المؤمن أنه يبذل، من وقته، من ماله، من خبرته، من جهده، من عضلاته، لأن المؤمن بنى حياته على العطاء:

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

 

[ سورة الليل ]

 علامة المؤمن أنه يعطي.
 أيها الإخوة:
 لمجرد أن تعتقد شيئاً و أن تقول شيئاً آخراً فهذا نفاق اعتقادي، و النفاق الاعتقادي أحياناً يخرج من الملة، أعتقد شيئاً و أقول خلافه، و لمجرد أن تفعل شيئاً خلاف ما قلته هذا نفاق عملي، النفاق نوعان نفاق اعتقادي و قد يخرج من الملة، و نفاق عملي و هو عند الله نفاق لا شك فيه، لمجرد أن يكون هناك شيء معلن و شيء مبطن، لمجرد أن يكون هناك خلوة و جلوة، سر و علانية، شيء يعلن و شيء مبطن، هذه ازدواجية، و ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً، أي تروى طرفة أن أحد القضاة جاءه متخاصمان تكلم الأول كلاماً مقنعاً فقال له: و الله الحق معك، تكلم الثاني كلاماً مقنعاً قال له: و الله و أنت أيضاً معك حق، امرأته وراء الستار قالت له: يا فلان ما هذا الحكم ؟ قال لها: و أنت أيضاً معك حق، لذلك قالوا: من استطاع أن يرضي الناس كلهم فهو منافق، لمجرد أن تحب أن ترضي الناس جميعاً في عذرهم و نذرهم، ليس لك موقف، كلمة لا لابد من أن يقولها المؤمن لا، لا و رب الكعبة هذا الشيء لا يرضي الله لا أفعله، لذلك الآن يوجد مصطلحات المنافق اسمه لبق، و الفتاة المتفلتة اسمها سبور، و الذي يأكل المال الحرام اسمه شاطر، و المتمسك متزمت هذه مصطلحات ينبغي أن نرفضها، علامة من أخطر علامات ضعف الإيمان أن تفرح بمصيبة نزلت بأخيك المؤمن:

 

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 50]

 لمجرد أن تفرح بمصيبة نزلت بأخ مؤمن فأنت في خندق المنافقين، علامة إيمانك أنك تفرح أشد الفرح لخير أصاب مؤمناً، نال شهادة عليا، زواج ناجح، نجحت تجارته، تألق اسمه، علا سيطه، أنت في خدمة المؤمن، كن معه.
 يا أيها الإخوة:
 و الله شيء لا يصدق سيدنا الصديق أعظم إنسان بعد رسول الله، ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر، هو مني بمنزلة السمع و البصر، و مع ذلك هذا الصديق التقى بعمر بعد وفاة النبي عليه الصلاة و السلام قال يا عمر: مد يدك لأبايعك، قال له: أنا ؟ قال له: أي أرض تقلني، و أي سماء تظلني، إن كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر أعوذ بالله، قال له: يا عمر أنت أقوى مني، قال له: يا أبا بكر أنت أفضل عمر، فقال عمر: قوتي إلى فضلك، نتعاون، أحدهم سأل الصديق سؤالاً أحاله إلى عمر، عمر: منعه، أراد أن يوقع بينهما، جاء الخليفة أبا بكر قال: يا خليفة رسول الله أنت الخليفة أم هو ؟ قال له: هو إذا شاء، لا يوجد مشكلة أبداً، الصديق وقف ليخطب بعد وفاة رسول الله كما وقف بعده عمر، بعد أن وقف نزل درجة و نادى فلما سئل قال ما كان الله ليراني إن أنا كنت في مقام أبي بكر، ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، المشكلة أن عثمان رضي الله عنه و أرضاه لم ينزل درجة أحد خلفاء بني أمية سأل وزيره: لمَ عثمان لم ينزل درجة، قال له: و الله لو فعلها لكنت في قعر البئر، اشكر الله، لأنه إذا كان كل خليفة ينزل درجة انتهوا الدرجات.....فعلها عمر، سيدنا عثمان تعظيماً لشأن عمر ما قلده، لمجرد أن تفرح بمصيبة نزلت بأخيك المؤمن فأنت لست قوي الإيمان.
 الآن ذنب المؤمن كالجبل جاثماً على صدره، و ذنب المنافق كالذبابة يقول لك: ماذا فعلنا؟ لم نفعل شيئاً، لمجرد أن تستصغر ذنبك فأنت ضعيف الإيمان، الذنب كلما استعظمته صغر عند الله، و كلما استصغرته كبر عند الله، يقول لك: ما الذي حدث ؟ لم يحدث شيء، هذه كلمات العوام لا تدقق، الله غفور رحيم، لمجرد أن تستصغر ذنبك فهو ذنب عظيم عند الله، و لمجرد أن تستعظمه غدا كبيراً، لذلك قال عليه الصلاة و السلام:

 

(( ذنب المنافق كالذبابة وقعت على أنفه، و ذنب المؤمن كالجبل جاثم على صدره ))

 حتى إن بعض أقوال النبي رائع جداً حينما قال:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))

 

[ مسلم، الترمذي، أحمد ]

 قد يفهم إنسان ساذج هذا الحديث فهماً ما أراده الله، لحق حالك بذنب، أنت حينما لا تشعر على ذنبك فأنت ميت، إن جلست جلسة كلها غيبة و نميمة و نمت مرتاحاً فأنت في خطر شديد، أنت هالك عند الله، لو لم تشعروا بذنوبكم لذهب الله بكم و أتى بقوم يذنبون، و إذا أذنبوا استغفروا الله و معلوم عندكم أن المؤمن في بحبوحتين بحبوحة تطبيق سنة رسول الله:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 33]

 و في بحبوحة الاستغفار:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 33]

 الآن لمجرد أن ترى المتفوق في الدين، الحافظ لكتاب الله، المستقيم على أمر الله، الداعي إلى الله، لمجرد أن تراه صغيراً عندك أو ضيع من الدنيا الكثير أو ما كان ذكياً فجمع أموالاً طائلة، لمجرد أن تزدري مؤمناً متفوقاً مستقيماً فأنت ضعيف الإيمان، من قرأ القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، من تعلم القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، يجب أن تعظم ما عظمه الله، دخلت لبيت عالم في الشام علق على الحائط آية قرأتها فاقشعر جلدي:

 

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 113]

 الفضل العظيم لا أن تملك مالاً كقارون، و لا أن تملك ملكاً كفرعون، و لكن الفضل العظيم أن يعلمك الله ما لم تكن تعلم.
 أيها الإخوة:
 إن رأيت المتفوق في الدين صغيراً و إن عظمت أرباب الدنيا فأنت لا تعرف الله، يجب ألا تعذب أرباب الدنيا، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، أنت حينما تمدح فاسقاً تزلزل من حولك، يجب أن تعظم أهل الله، أهل الدين، المستقيم و لو كان صغيراً، يجب أن تراعي المؤمنين و لو كانوا ضعافاً و فقراء، و يجب أن تتبرأ من المنافقين و الكفار و لو كانوا أذكياء و أغنياء و أقوياء، هذا الولاء و البراء، لمجرد أن تهتم بأمر نفسك و ألا تهتم بأمر المسلمين أي أنت متزوج و عندك أولاد و دخلك كاف و لا يوجد عندك مشكلة أبداً، لا تهتم بالناس مهما أصابهم من فقر، من خطر، من قلق، من أزمة عمل، من أزمة زواج، أحياناً جفاف، أحياناً تلوث لا تهتم إلا بنفسك، لمجرد أن تنسل من مجموع المؤمنين كأن تعنى بشخصك و بزوجك و بأولادك و لا تعبأ بهموم المسلمين فهذا من علامات ضعف المؤمنين.
 أيها الإخوة:
 أقول لكم هذه الآية، المؤمنون في عهد رسول الله تألموا أشد الألم لأن الفرس انتصروا على الروم، الروم مشركون لكنهم أقرب إلى الله من عبّاد النار، فطمأنهم الله عز وجل قال:

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾

 

[ سورة الروم ]

 يستنبط من هذه الآية استنباط قطعي أن المؤمن يهتم بأمر المؤمنين، هؤلاء الذين يُقتلون في فلسطين و تهدم بيوتهم و يُعتدى عليهم و يُقتل أبناؤهم ينبغي أن تهتم لهم و أن تبكي و أن تبذل ما في وسعك بشكل أو بآخر، أما نحن آلمون في بلدنا هذا و الله من علامات ضعف الإيمان، لمجرد أن تعادي مؤمناً، أن ينشأ بين المؤمنين عداوات و خصومات و نزاعات و اتهامات متبادلة هذا يتهمه بالشرك و هذا يتهمه بالكفر و هذا يتهمه بالخروج عن الدين هتكت جماعات المسلمين، هتك جمع المسلمين، و كان شرخاً بين صفوفهم، لمجرد أن تكون طرفاً في خصومة بين المسلمين فهذا من علامات ضعف الإيمان، ينبغي أن تكون في سبيل رأب الصدع و لم الشمل ووحدة المسلمين، ينبغي أن تعلو مصلحة المسلمين على مصلحتك الشخصية، لذلك الدعوة إلى الذات من لوازمها الابتداع و المنافسة و العدوان و إنكار الخذل أما الدعوة إلى الله خالصة من لوازمها الاتباع و من لوازمها التعاون و من لوازمها الاعتراف بفضل الآخرين.
 و من لوازم ضعف الإيمان أن هذا الضعيف إذا أصابته مصيبة انهار:

 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 146]

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 23]

 هذا الثبات، أما لمجرد مصيبة ينهار، يفرط، يخنع، يذل، ليس هذا من صفات المؤمنين الصادقين، أما ضعاف المؤمنين في غزوة الخندق قال أحدهم أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد كسرى و قيصر و أحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟ هؤلاء بدلوا تبديلاً، هؤلاء قالوا:

 

﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12) ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 12]

 فالمؤمن عنده قوة صبر، قوة تحمل، إخوانا الكرام المؤمن داعية من دون أن يتكلم، صبره ضعف، فقير و هو صابر، فقير و هو عفيف، فقير و هو متزمت، أحياناً للمؤمن دعوة صادقة من دون أن يتكلم و لا كلمة.
 التعلق بالدنيا من علامات ضعف الإيمان، إذا شغلتك الدنيا عن صلاتك:

 

﴿رِجَالٌ﴾

 

[ سورة النور: الآية 37]

 الرجال في القرآن لا تعني أنهم ذكور، تعني أنهم أبطال، سيدنا سعد ابن أبي وقاص يقول: ثلاثة أنا فيهن رجل، أي هو رجل أي ذكر، و فيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، و لا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تكون حتى أنصرف منها، و لا سمعت حديثاً لرسول الله صلى الله عليه و سلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، معنى رجل أي بطل:

 

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 

[ سورة النور: الآية 36]

 أذن الله من على الواقف فألهم أولياءه أن يبنوا هذه البيوت، و جزى الله من بنى هذا البيت الواسع الغني الذي جمعنا في هذا اللقاء الطيب:

 

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾

 

[ سورة النور ]

 هل التجارة محرمة ؟ لا، المحرم أن تلهيك عن فريضة.
 إخوانا الكرام:
 حرفتك، عملك إذا كان في الأصل مشروعاً و سلكت به الطرق المشروعة، و أردت منه كفاية نفسك و أهلك و خدمة المسلمين، و لم يشغلك عن طاعة و لا عن عمل صالح انقلب إلى عباد، و عادات المؤمن عبادات، و عبادات المنافق سيئات:

 

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

 

[ سورة النور ]

 آخر سبب من أسباب ضعف الإيمان هو العقلانية وحدها، العقل طريق إلى الله لكن هناك أناس يحكمون عقلهم في كل شيء، أي وصف و لو كان صحيحاً إن لم يوافق عقولهم مرفوض، عقله، هو يعبد عقله، يعبد ذاته، فحينما لا تستسلم لله عز وجل، لا تطيعه إلا في أمر بدت لك حكمته، فالأمر الذي لم تبدُ حكمته لست قانعاً به، أنت تعبد ذاتك و تعبد الله، فحينما تحكم العقل في النقل فأنت من فرقة ضالة، العقل لفهم النقل لا لإلغاء النقل، العقل للتأكد من صحة النقل لا لإلغاء النقل، حينما تجعل عقلك حكماً على النقل فهذا من ضعف الإيمان، هل يقبل العقل أن تذبح ابنك؟

 

﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 102]

 هل يقبل عقلك أن تذبح ابنك و هو نبي مثلك ؟

 

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 102]

 لابد من أن تستسلم لله، يكفيك أن هذا أمر إلهي، و علة أي أمر أنه أمر، و حينما ترضى عن نفسك و الله ليس راضياً عنك فهذا من علامات ضعف الإيمان، إنها عشرون مظهراً من مظاهر ضعف الإيمان أرجو الله سبحانه و تعالى أن ننتفع بهذه الحقائق، و كل إنسان أن يكون صادقاً مع نفسه، و يكون واقعياً، و يكون جريئاً، إن كانت فيه بعض هذه الخصال فليجدد إيمانه فلعل الله سبحانه و تعالى يرحمني، و أنتم جميعاً، و أن يلهمنا الطيب، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018