بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 14 - إدلب - رمضان من العبادات الشعائرية.


2001-11-12

 الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباع، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتناب واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

((عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقي المنبر فقال آمين آمين آمين. فقيل: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا ؟ فقال: إن جبريل صلى الله عليه وسلم قال: رغم أنف من دخل عليه رمضان ثم لم يغفر له، ثم رغم أنف عبد أدرك والديه أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة، ثم قال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك. فقلت: آمين.))

[ رواه البزار ]

 إن لم يغفر له فمتى ؟ فرصة ذهبية سنوية تعقد فيها الصلح مع الله وتتوب إليه وترجع إليه وتقبل عليه ليفتح لك ربك كما وعدك صفحة جديدة فقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

 

[ أخرجه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 وفي رواية " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " ولكن أيها الأخوة لا بد من وقفة متأنية عند موضوعين خطيرين هما محور هذه الحلقة أو هذا اللقاء إن شاء الله تعالى.
 هناك عبادات شعائرية واضحة جداً منها الصلاة والصوم والحج وهناك عبادات مالية كالزكاة، وهناك عبادات تعاملية من أوضح ما في العبادات التعاملية أنها مجموعة قيم أخلاقية فحينما سأل النجاشي سيدنا جعفر رضي الله عنه عن الإسلام قال:
 يا أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ونأكل الميتة ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه.
 كأن هذه الكلمات أركان الأخلاق، إن حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف.
حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونخلع ما كان يعبد آباءنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.
 إذاً الإسلام في حقيقته مجموعة قيم أخلاقية، الإسلام في حقيقته انضباط، الإسلام في حقيقته إيقاع الشهوة وفق منهج الله، لذلك الشهوة أودعها الله فينا وما أودعها فينا إلا لنرقى بها مرتين مرة صابرين ومرة شاكرين، تمر بك امرأة حسناء فتغض بصرك عنها، ترقى إلى الله صابراً، يرزقك الله زوجة صالحة تسرك إن نظرت إليه ترقى إلى الله شاكراً، تتعفف عن مال حرام ترقى إلى الله صابراً، يرزقك الله مالاً حلالاً طيباً ترقى إلى الله شاكراً، فهذه الشهوات ما أودعها الله في الإنسان إلا ليرقى بها مرتين، مرة صابراً، ومرة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، لذلك حينما قال الله تعالى:

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 14 )

 إذاً العبادات في الإسلام عبادات تعاملية كأن تكون صادقاً وأميناً مستقيماً وعفيفاً وتنجز الوعد وتلبي حاجة الإنسان، هذه القيم الأخلاقية التي هي مجموعة فيما يسمى بالعبادات التعاملية وأما العبادات الشعائرية فهي كالصلاة والحج والصيام ونحن مقبلون على شهر الصيام، ولكن أيها الأخوة دققوا فيما سأقول، لا يمكن أن تقطف ثمار العبادات الشعائرية ما لم تصح عباداتك التعاملية، طالبني بالدليل لو الدليل لقال من شاء ما شاء الصلاة عبادة شعائرية لا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، كيف ؟

 

((عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً. قَالَ ثُوْبانُ: يَا رَسُولَ اللهِ ! صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَنَعْلَمُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ أنْتَهَكُوهَا.))

 

[ أخرجه ابن ماجه في سننه ]

 إذاً لا قيمة لصلاتهم وهم ينتهكون حرمات الله، لا يمكن أن أقول لمصلي عاصي إياك أن تصلي مستحيل وألف ألف مستحيل ولكن أقول له ضم إلى صلاتك الاستقامة والعمل الصالح، إذاً الصلاة عبادة شعائرية لا يمكن أن تقطف ثمارها إلا إذا صحت عباداتك التعاملية، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)|﴾

 

( سورة طه الآية: 14 )

 وقال تعالى:

 

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾

 

( سورة العلق الآية: 19 )

 وقال عليه الصلاة والسلام:

 

((الصلاة عقل، وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها.))

 الصلاة يقظة.

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

 

( سورة النساء الآية: 43 )

﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي ﴾

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 أي أكبر ما فيها أن تذكر الله أو أن أكبر شيء في الصلاة أن ذكر الله لك إذا ذكرته في الصلاة أكبر من ذكرك له، أنت حينما تذكره تؤدي طاعة، أما إذا ذكرك الله عز وجل أغدق عليك نعماً لا تعد ولا تحصى، أغدق عليك نعمة الأمن، وقد يفتقد هذه النعمة أقوى الأقوياء.

 

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

 

( سورة الحشر الآية: 2 )

 يمكن أن تستشعر معنى هذه الآية كل يوم، كل يوم:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 81 ـ 82 )

 ما قال الله عز وجل، أولئك الأمن لهم، لو أن الله قال أولئك الأمن لهم ولغيرهم، أما حينما قال بأسلوب القصر والحصر: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ؛ أي أن نعمة الأمن لا يذوقها إلا المؤمن، قد تملك الدنيا وقد تخضع لك الدنيا، وقد تتحكم بالدنيا كلها، وقد أفقدك الله نعمة الأمن، هذه النعمة وسميها إن شئت السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه من نعم الصلاة كان عليه الصلاة والسلام: إذا حزبه أمراً بادر إلى الصلاة وما الخوف إلا بسبب الشرك الخفي.

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

 

( سورة الشعراء الآية: 213 ـ 215 )

((أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي))

أما إني لست أقول أنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله،

(( فالصلاة طهور))

كما قال عليه الصلاة والسلام بالصلاة يطهر قلبك من الحقد والخوف والنفاق والضياع والانقباض لذلك في قلب المؤمن من السعادة ما لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، وفي قلب المقطوع عن الله عز وجل من اللقلق والخوف ما يكفي أن يشقى به أهل بلد بأكمله، ما معنى أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

((إن بيوتي في الأرض المساجد وأن زواره هم عمارها فطوبى لعبد تتطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر ))

 أنت في ضيافة الله في بيت الله، لن تجد في هذا البيت كأس من الشاي، ولا قطعة من الحلويات، ولكن الله سبحانه وتعالى يكرمك بنعمة الأمن التي افتقدها الأقوياء اليوم، ويكرمك بنعمة الحكمة، الحكمة ضالة المؤمن، ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثير أنت بالحكمة تسعد بأية زوجة، ومن دون حكمة تشقى بأرقى زوجة بالحكمة تكسب المال، وبالأحمق تبدد المال، بالحكمة تجعل العدو صديقاً ومن دون حكمة تجعل الصديق عدواً، إذاً الصلاة طهور والصلاة نور يريك الله في الصلاة الحق حقاً والباطل باطلاً.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

 

( سورة الحديد الآية: 28 )

 نور، طهور ونور وحبور، أرحنا بها يا بلال، وفرق كبير بين الفرض وبين الحب، بالحب تقول أرحنا بها، بالفرض تقول أرحنا منها وكان عليه الصلاة والسلام يكون معنا نحدثه ويحدثنا، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
أيها الأخوة:
 ولكن:

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب، كل ذلك لي وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره أكلأه بقربي وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب]

فلو شاهدت عيناك من حسـننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت آذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو من ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة  لمت غريباً واشتياقاً لقــربنا
***

 إذاً: الصلاة عبادة شعائرية ولكنك لن تستطيع قطف ثمارها إلا إذا صحت عباداتك التعاملية، من صدق وأمانة وعفة وإنجاز وعد وإحقاق حق وإنصاف وما إلى ذلك.
 الصيام:

(( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ))

[ أخرجه أحمد في مسنده والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

 لذلك قالوا هناك صيام العوام ترك الطعام والشراب، فقط رمضان عند معظم الناس الشاردين عن الله عادة من عاداتهم، تقليد من تقاليدهم، شهر اجتماعي، السهرات واللقاءات والولائم والمسلسلات إلى ساعة متأخرة من الليل، ثم يأكلون وينامون، رمضان عند الناس الشاردين شهر اجتماعي، شهر لقاءات، شهر سهرات، شهر ولائم، الوجبات الثلاثة تنتقل من النهار إلى الليل فقط، ولكن من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، صوم العوام ترك الطعام والشراب، صوم المؤمنين ترك كل مخالفة لله عز وجل صوم الأتقياء ترك ما سوى الله.

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) ﴾

 

( سورة المؤمنون الآية: 1 ـ 6 )

 إذاً: الصيام عبادة شعائرية لكنك لن تقطف ثمارها إلا إذا صحت عباداتك التعاملية.
 الحج: من حج بمال حرام، وضع رجله في الركاب وقال: لبيك اللهم لبيك، يناديه منادي أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، هذا الحج.
 حتى الزكاة: إن لم يرافقها طاعة لله عز وجل لن تستطيع قطف ثمارها الكاملة.

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

 

( سورة التوبة الآية: 53 )

 الشيء الأساسي في هذه المحاضرة والذي أتمنى على الله أن يكون واضحاً لديكم هو أن هذه العبادات الشعائرية إنما شرعت لنا كي نكون في أعلى درجة عند الله، فإذا غيرنا وبدلنا وابتدعنا وعدلنا وتطورنا وحذفنا وأضفنا تنقلب هذه العبادات إلى تقاليد وعادات وفلكلور وتراث لا يقدم ولا يؤخر، أرجعوا لهذا الشهر رونقه الذي كان عند أصحاب رسول الله أرجعوا إلى هذا الشهر رونقه فابتعدوا عن العادات والتقاليد التي لا ترضي الله عز وجل، سهرات، اختلاط مسلسلات، غيبة، نميمة، ولائم طعام طيب، سهر حتى السحور فيما لا يرضي الله، ونحن والحمد لله صائمون، ليس هذا هو الصيام الذي أرادوه الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام:
 هذه الأدلة التفصيلية ولكن الأدلة الكلية سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه من المفلس الحديث:

 

((عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: " أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ ؟ " قالُوا المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))

 

[ أخرجه الترمذي ]

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

( سورة النجم الآية: 3 ـ 4 )

 فالمفلس من صلى وصام وحج، لكنه تحلل من العبادات التعاملية ولم يأتمر بما أمر الله ولم ينتهِ عما نهى عنه الله.

 

((قال رجل: يا رسول الله إن فلانة، فذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: "هي في النار ))

 

[ أخرجه أحمد والبزار عن أبي هريرة ]

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾

((هي في النار ))

(( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده وابن ماجه عن أبي هريرة ]

 ماذا نفهم من هذه الآيات وتلك الأحاديث وهذه النصوص ؟ نفهم أن في الإسلام عبادة شعائرية وفي الإسلام عبادة تعاملية، والعبادة التعاملية تشبه تماماً العام الدراسي بأكمله، العام الدراسي دوام، في انتباه، في متابعة، في وظائف، في مذاكرات، والعبادات الشعائرية تشبه ساعات الامتحان الثلاث، لو أن طالباً لم يداوم، ولم يحضر درساً، ولم يقرأ كتابه المقرر، ولم يذاكر، وجاء الامتحان فدخل إلى الامتحان، ومعه ست أقلام وحب أسبرين، ترمس شاي، كل وسائل الراحة معه، لكن ما درس شيء، ما قيمة هذه الساعات الثلاث لا قيمة لها أطلاقاً، إن العبادة الشعائرية تشبه ساعات الامتحان الثلاثة بينما العبادات التعاملية تشبه العام الدراسي بأكمله فلذلك الذي يؤلم أشد الألم، والذي يتأسف له أشد التأسف أن تجد أن المسلمين اختصروا الدين إلى عباداته الشعائرية، ولم يحفلوا بعباداته التعاملية فحجبوا عن الله مع أنهم يصلون، وفرق كبير جداً بين الاتصال بالله وبين أداء الصلوات.

 

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي ))

 أيها الأخوة الكرام:
 رمضان شهر الإخلاص، السبب: أن الأب أحياناً ولله المثل الأعلى، يأمر ابنه بتنظيف أسنانه، هذا الأمر واضح جداً تعود نتائجه على الابن، تحفظ له أسنانه، يتمتع بأسنانه طوال عمره، قد يأمر الأب ابنه أن يكون صادقاً هذا يحفظ له مكانته في المجتمع، قد يأمر الأب ابنه أن يكون أميناً هذا يجعل معظم الناس يرغبون بالتعامل معه، وقد يغتني بأمانته فالأمر بالأمانة واضح، والأمر بالصدق واضح، والأمر الصحي واضح لكن إذا حضر الطعام، طعام الأب والابن جائع، والطعام طيب من مال حلال أعطى الأب ابنه أمراً ألا يأكل، الحكمة غير واضحة إطلاقاً، لكن الأب كبير والأب رحيم، والأب حكيم، وهذا أمر، يقول له ابنه سمعاً وطاعة يا أبي، امتناعه عن تناول الطعام من نوع آخر، لذلك ورد في الحديث القدسي.

 

 

((عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: قال اللَّه عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ))

 

[ متفق عليه ]

 ألم يكن أن دخلت البيت في أيام الصيف الحارة وبعد العصر ويكاد الإنسان يموت من العطش، دخل إلى الحمام فيه صنبور ماء بارد، هل تستطيع أن تلتقط نقطة واحدة، مستحيل من يراقبك ؟ الله جل جلاله لذلك قالوا هذه عبادة الإخلاص، يعني من باب الطرفة.
 لو أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الصيام، وأرادت حكومة من حكومات الأرض أن تفرضه على الناس، هل تستطيع تطبيقه ؟ لا أحد يأكل في الطريق لكن يأكلون في البيت، يشربون في غرفهم، إذاً لحكمة بالغة بالغة جعل الله بعض أوامره متوافقة مع شرائع الأرض كالسرقة محرمة في الإسلام ومحرمة في القوانين، فالذي لا يسرق لعله خائف من مديره العام، لكن ولحكمة بالغة بالغة جعل الله بعض أوامره لا تنطبق على قوانين الأرض كغض البصر، هل في الأرض كلها تشريع يمنعك أن تنظر، أبداً فإذا كنت في غرفتك وفتح باب الشرفة الذي يقابلك وخرجت الجارة بثياب متبذلة وهي لا تشعر أنك تراها، أنت إذا غضضت بصرك عنها وأنت في غرفتك المظلمة عملت هذا من أجل من ؟ من أجل الله وحده، لذلك قال تعالى:

 

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾

 

( سورة غافر الآية: 19 )

 ليس في الأرض جهة تكشف خيانة العين إلا الله:

 

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾

 فالصيام وغض البصر عبادة الإخلاص، أنت حينما تدع الطعام والشراب تدع المباح، تدع شيئاً أحله الله لك خارج رمضان، تدع كأس الماء البارد وأنت في أشد حالات العطش، تدع أن تقترب ممن أحلها الله لك، لا تفعل هذا إلا خوف الله عز وجل، فالصيام عبادة الإخلاص، ولكن وما حكمة الصيام ؟.
 الحقيقة أنك في رمضان تدع المباحات، فهل يعقل أن تدع المباح لتقترف الحرام مستحيل، كأن الله رب إرادتك وقوى إرادتك، يعني انظر يا عبدي قبل أن تنظر إلى هذه المرأة الحسناء في رمضان، أنت تركت الطعام والشراب وهما مباحان لك من أجل، فلئن تمتنع عما هو محرم من باب أولى، كأن الله سبحانه وتعالى قوى لك إرادتك في رمضان ولكن ما قوى هذه الإرادة في رمضان إلا كي تنسحب على بقية أشهر العام لا أن يقول أحد المسلمين كما قال بعض الشعراء مصر.

 

 

رمضان ولى هاتيها يا ساقي  مشتاقةً تسعى إلى مشتاق
***

 هذا الذي يعود بعد رمضان إلى ما كان قبل رمضان لم يذق طعم الإيمان، هذا الذي يعود بعد رمضان إلى ما كان قبل رمضان جعل الصيام تراثاً، وجعله عادة وتقاليد، ولم يجعله عبادة بل إن المؤمن الصادق يدع ما حرمه الله عليه في رمضان ولا يفطر إلا فمه عند حلول العيد يبقى محافظاً، ليست البطولة أن تدع المعاصي والآثام في رمضان، ثم تتابعها على مدار أشهر العام، ليست البطولة أن تغض بصرك في رمضان ثم تملئ عينيك من الحرام بقية أشهر العام ليس البطولة أن تدع اللغو والرفث في رمضان وأن تعود إليه ما بعد رمضان، هذا صيام التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، يعني الصيام كالدرج كل عام تقفز قفزة نوعية تتابع، قفزة تتابع، قفزة تتابع، هكذا الصيام، ليس الصيام من أجل مدافعة التدني بل هو من أجل متابعة الترقي.
 ثم إن الصيام له حكمة أخرى... الحكمة أنك تعرف في الصيام افتقارك إلى الله، يعني وأنت من أنت، أنت عظيم القدر، جليل المكانة لامع الاسم، في أول يوم من أيام رمضان لا تشتهي إلا كأس ماء ولقمة طعام، أنت مفتقر إلى هذا الطعام، وإلى هذا الشراب، ولكن ما دمت تأكل كلما جعت وتشرب كلما عطشت، لا تشعر بضعفك، مرة قيل لأحد الخلفاء الكبار الذين كانوا إذا نظروا إلى السحابة يخاطبونها ويقولون اذهبِ إلى أين شئت يأتيني خراجك، طلب كأس ماء هذا الخليفة، سأله وزيره يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس إذا منع منك ؟ قال بنصف ملكي قال فإذا منع إخراجه ؟ قال بنصف ملكي الآخر، كأس الماء لا تعرف قيمته إلا في رمضان أن تأكل فاكهة كلما اشتهيت، لا تعرف قيمتها إلا في رمضان، أن تملئ بطن جائعاً لا تعرف قيمته إلا في رمضان، فكأن الله سبحانه وتعالى أراد في رمضان أن يعرف الإنسان قدر ربه وعجزه عن متابعة أموره لذاته فمن عرف نفسه عرف ربه.
 أيها الأخوة الكرام:
 العبودية افتقار إلى الله، العبودية أن تقول يا رب إنك تعلم وأنا لا أعلم، إنك تقدر وأنا لا أقدر، أصحاب النبي عليهم رضوان الله في بدر انتصروا وهم قلة وقد قال الله عز وجل:

 

 

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه﴾

 

( سورة البقرة الآية: 249 )

 ولكنهم هم هم ومعهم سيد الخلق في حنين قالوا لن نغلب من قلة.

 

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

 

( سورة التوبة الآية: 25 )

 أي ؛ في كل يوم تمتحن مئات الامتحانات، إذا قلت أنا تخلى الله عنك، فإذا قلت الله تولاك، صنعوا باخرة في عام 1912 م هذا الباخرة أكبر باخرة في الأرض عملاقة، طبعوا كتيباً وزعوه على ركابها في هذا الكتيب قيل إن القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة، فغرقت في أول رحلة وكان غرقها درس من السماء إلى الأرض، أرسلوا مركبة سموها المتحدي بعد سبعين ثانية من إطلاقها أصبحت كتلة من اللهب، تتحدون من ؟ وأية جهة في الأرض تتأله يقصمها الله عز وجل.

 

((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني شيئا منهما ألقيته في جهنم ))

 

[ أخرجه أحمد عن أبي هريرة ]

 لذلك المؤمن مفتقر، وغيره معتد بقوته، معتد بهيمنته، والله له بالمرصاد.

 

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

 

( سورة الحشر الآية: 2 )

 ماذا قالت عاد ؟ الأولى طبعاً، لا أتكلم عن الثانية، الأولى.

 

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾

 

( سورة النجم الآية: 50 )

 ماذا قالت ؟

 

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

 

( سورة فصلت الآية: 15 )

 لماذا لأنها تفوقت في كل الميادين.

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾

 

( سورة الفجر الآية: 6 ـ 8 )

 لذلك أيها الأخوة من أدق ما قرأت في القرآن الكريم أنك إن بحثت في محرك البحث عن آيات القرآن الكريم عند كلمة أشد تجد تسع آيات حصراً ثماني آيات كلما أهلك الله أمة أو قوم ذكرها بأنه أهلك قوم أشد منهم قوة، إلا عاد لأنها كانت أشد الأمم، قال:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

 

( سورة فصلت الآية: 15 )

 يعني ما فوق عاد إلا الله، وأية أمة قلدت عاد الأولى وليس فوقها إلا الله يقول الله عز وجل:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

 لذلك أيها الأخوة من علامات إيماننا نتابع عن عاد

 

﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) ﴾

 تفوق في شتى الميادين، غطرسة:

 

﴿ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

 اثنان.

 

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾

 

( سورة الشعراء الآية: 128 )

 تفوق عمران مذهل.

 

﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾

 

( سورة الشعراء الآية: 129 )

 قوة عسكرية بطاشة.

 

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾

 

( سورة الشعراء الآية: 130 )

 تفوق علمي.

 

﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾

 

( سورة العنكبوت الآية: 38 )

 هذه صفات عاد الأولى، وما قال الله عاد الأولى إلا لأنه بعلمه سيكون هناك عاد ثانية لذلك:

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)﴾

 ماذا فعلوا ؟ قال:

 

 

﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾

 

( سورة الفجر الآية: 6 ـ 12 )

 عدوان وإفساد، ملئوا الأرض عدواناً وإفساداً.

 

﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾

 

( سورة الفجر الآية: 13 ـ 14 )

 أيها الأخوة الكرام:
 لا تقلقوا على هذا الدين ولو تآمر عليه أهل الأرض إنه دين الله ولكن ينبغي أن نقلق جميعاً ما أن سمح الله لنا أن ننصره أو لم يسمح سمح لك أن تكون جندياً في خدمة هذا الدين أو لم يسمح، هنا الندم، هنا الألم، أما إنه دين الله، وقد ينصره بأعدائه، يعني بقينا شهراً نسمع من أعداء هذا الدين أن هذا الإسلام عظيم، إسلام العدل، إسلام المحبة إسلام السلام، الذين يكيدون له هكذا ينطقون، إذاً لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، قرأت قبل أن آتيكم خبراً أن أربعة وعشرين ألفاً من هؤلاء في الغرب دخلوا في هذا الدين بعد الأحداث التي جرت، الكتب الإسلامية مفقودة كلياً، كان الدين في طي الكتمان فظهر في بؤرة الاهتمام، هذه حكمة الله عز وجل، لذلك نحن كمؤمنين نؤمن أن كل شيء وقع أرادوا الله وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وإن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، وأن لكل واقع حكمة، هذا إيماننا.
 أيها الأخوة الكرام:
 بقي شيء أن هذا الصيام فضلاً عن أنه يقوي الإرادة، وفضلاً عن أنه يشعر بالعبودية وفضلاً عن أنه يعرف الإنسان بضعفه، وفضلاً عن أنه عبادة الإخلاص، يعني أقول لكم لو أنه أحد جاءه الشيطان قال له أنت لست مخلصاً فقام وصلى الليل ولم يخبر أحداً هل يستطيع الشيطان أن يقول له أنت لست مخلصاً ؟ مستحيل، لو أنه أنفق بيمينه ولم تعلم شماله ما أنفقت يمينه، هل يستطيع الشيطان أن يأتيه ليوسوس له بأنه غير مخلص مستحيل، إذاً الصيام عبادة الإخلاص.

 

(( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ))

 واحد في عليه عشرين مليون كل ممتلكاته محجوزة وعليه محاكمات وعليه سجن وعليه أحكام عرفية، إن قيل له أفعل كذا وكذا بثلاثين يوم فأنت بريء من كل ما عليك هل يتردد ؟.

 

 

((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

 

[ أخرجه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده والأربعة عن أبي هريرة ]

((من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والأربعة عن أبي هريرة ]

 نرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من عتقاء شهر رمضان.
 أيها الأخوة الكرام:
 لا بد من أيها الأخوة الكرام نعرف هذه الحقيقة، والله يعني خلال أسبوعين أو ثلاثة عدة أشخاص وافتهم المنية وهم في أوجه نشاطهم الموت يأتي بغتةً، هل نحن مستعدون له، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((أذكروا ذكر هاذم اللذات مفرق الأحباب مشتت الجماعات.))

 

((عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، وأعمل ما شئت فإنك مجزي به.))

 إنك أيها الإنسان بضعة أيام كلما انقض يوم انقض بضع منه، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني إني لا أعود إلى يوم القيامة، هذا الوقت الثمين هو نحن أنت وقت، أنت زمن، أو إن رأس مالك هو الزمن، وعاء عملك، أو إن أثمن شيء تملكه هو الزمن، هذا الزمن إما أن ينفق استهلاكاً وإما أن ينفق استثماراً، إذا أكلنا وشربنا ونمنا واستمتعنا واستجمينا وجلسنا وتسامرنا ولم نعمل الصالحات ولم نطلب العلم، ولم ندخر للآخرة شيئاً، نحن ننفق الوقت إنفاقاً استهلاكياً، فنحن في خسر كما قال الله عز وجل:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

 

( سورة العصر الآية: 1 ـ 2 )

 لكن إذا أنفق هذا الوقت إنفاقاً استثمارياً فآمنا تعرفنا إلى الله تعرفنا إلى منهجه، حملنا أنفسنا على طاعته، عملنا الأعمال الصالحة دعونا إليه، صبرنا على قضائه وقدره، صبرنا عن معصيته، صبرنا على طاعته، نجونا من الخسارة، لذلك أيها الأخوة لا بد من أن نعرف الله.
 في رأس الإنسان غدة هي ملكة الغدد، تأمر كل الغدد الصماء اسمها الغدة النخامية وزنها نصف غرام، مربوطة بالجسم بمئة وخمسين ألف عصب، هي ملكة الغدد، هذه الغدة الصماء التي هي ملكة الغدد والتي تفرز تسع هرمونات كل هرمون لو تعطل لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أحد هذه الهرمونات هرمون النمو، هذا الهرمون مؤلف من مئة وثمانية وثمانين حمض أميني وعندي كتاب ألفه رجل من أمريكا هو الله يتجلى في عصر العلم يقول هذا العالم الكبير إن ذرة واحدة من الحمض الأميني لا يمكن لذرات الكون مجتمعة أن تصنعها صدفة، 188 حمض أميني، ينبغي أن تكون كثافة هذا الهرمون في الدم عشرة ميكروغرام في كل لتر فإذا قلت هذه النسبة تقزم الإنسان وإذا ازدادت تعملق الإنسان، هذه الغدة التي تفرز هذا الهرمون وزنها نصف غرام فقط، مربوطة بالجسم بمئة وخمسين ألف عصب.

 

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 

( سورة الذاريات الآية: 21 )

 الهرمون الثاني هرمون الكظر فوق الكليتين غدتان اسمهما غدتان الكظر، الدماغ ملك الجهاز العصبي، والغدة النخامية ملكة الجهاز الهرموني، الإنسان إذا رأى أفعى في بستان تنطبع صورتها على شبكيته إحساساً، فإذا انتقلت هذه الصورة إلى الدماغ انقلبت إلى إدراك لأن المفهومات التي حصلها الإنسان من خلال دراسته وتحصيله أو تجاربه أو خبراته هذه تنبئه أن هذه الأفعى لدغتها قاتلة، شبكية العين تحس بصورتها، بينما الدماغ يدرك خطرها والدماغ ملك الجهاز العصبي من خلال ضابط اتصال، لأنه النخامية ملكة أيضاً، ند لند، من خلال ضابط اتصال هو الجسم تحت السرير البصري يلتمس الدماغ من الغدة النخامية أن تتصرف، لأن خطراً مباغتاً ألم بها، الغدة النخامية عندها وزير داخلية اسمه الكظر تأمره أن يتصرف، الكظر يفرز هرمون يسرع ضربات القلب، القلب هكذا سرعة هكذا، قلب هكذا سرعة هكذا فالخائف يرتفع نبض قلبه، هرمون ثاني إلى الرئتين يزداد وجيبهما كي تتناسقان مع ضربات القلب العالية، الهرمون الثالث يأتي إلى أوعية الدم المحيطية، فتضيق لمعتها كي يتوافر الدم إلى العضلات، فالخائف ليس بحاجة إلى لون وردي بحاجة إلى أن ينجو من الخطر لذلك هذه الغدة الكظر تفرز هذا الهرمون لتأمر أوعية الدم المحيطية أن تضيق لمعتها كي يذهب الدم الفائض إلى العضلات، فالخائف يصفر لونه، الهرمون الرابع يأمر الكبد أن يطلق كمية من السكر أضافية، لو فحصنا دم خائف لوجدنا أن دمه ينطوي على كمية سكر زائدة، والخائف قد يأكل ضربة، قد يجرح لذلك الغدة، غدة الكظر تأمر الكبد أن تطلق هرمون التجلط، حتى لا يسيح دمه، من ضربة واحدة، كل هذا يجري في ثوان معدودات.

 

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾

 

( سورة غافر الآية: 64 )

 بقي هرمون الجنس، لي صديق يعمل في التجارة الخارجية، في شركة في ألمانيا هناك مديرة للمبيعات، لها شكل حسن، قال لي في آخر زيارة وجدت ملامح الرجولة على وجهها نبت شعر في ذقنها واخشوشنا صوتها، عجبت، سألتها، قالت لي والله أنفق نصف دخل على دواء يشبه هرمون تفرزه الغدة النخامية، هرمون الجنس يعطي الصفات الثانوية، هرمون توازن السوائل لو هذا الهرمون لأمضينا الوقت كله مع الصنبور ودورة المياه، قد برميل ماء لولا هذا الهرمون، توازن السوائل هرمون اللون، الحديث عن هذه الغدة يطول وزنها نصف غرام مرتبطة بمئة وخمسين ألف عصب هي ملكة الغدد.

 

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾

 

 أيها الأخوة الكرام:
 لئلا أطيل عليكم أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يحملنا علة تطبيق ما تعلمنا، فقد قيل تعلموا ما شئتم فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم، اللهم وفقنا لما تحب وترضى واجمع بيننا على خير وجنبا كل مكروه واحفظنا بحفظك الكبير ودمر أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين، الله اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم رب العالمين.
 والحمد لله رب العالمين.
 أسئلة وأجوبة
 سؤال: يقول السائل أخ كريم يقول هل معالجة المرض المستعصي واجب أم مندوب ؟ هذا سؤال دقيق جداً.
 الجواب: مندوب. والدليل أن امرأة تصاب بالصرع جاءت النبي عليه الصلاة والسلام قالت يا رسول الله أدعو لي، قال إني شئتِ صبرت ـ من دون معالجة ـ وإني شئت دعوت لك فاستنبط العلماء أن معالجة المرض العضال مندوب، السبب ؛ الآن يصاب مثلاً إنسان بفشل كلوي العملية تكلف مليون، واحتمال نجاحها بالمئة ثلاثين، ندمر أسرتين ثلاثة لننجي إنسان قد يموت بعد حين، أحياناً زرع كبد يكلف ثمانية ملايين يبيع بيته وبيت أولاده ويشحد ونجاح العملية بالمئة عشرين، صار في أمراض في عضال الله جعلها بوابة خروج، نحن أردنا أن نجعلها مرض عادي، هي بوابة خروج، فلذلك أيها الأخوة أحياناً يكون المرض نسب نجاحه بالمئة عشرين، ويكلف كل شيء يملكه الأب، عندنا في الشام امرأة فشلت كليتها أجبر أبوها أختها أن تقدم لها كلية إجبار، طلقها زوجها وماتت الأولى وعطبت الثانية، فالأمراض العضال كلام دقيق معالجتها مندوبة، أما التهاب زائدة واجب، العملية سهلة وناجحة، وأنت ملك أسرتك وملك المسلمين، أما في عمليات تدمر عشر أسر ما كلفنا الله ما لا نطيق، فالأب إذا قصر بمعالجة ابنه يلي معه مرض عضال، لا يحس أن هو مخالف للشرع أبداً، المعالجة ليست واجبة بل مندوب فقط، النبي عليه الصلاة والسلام كان من أصحابه صاحب عند ولد وسيم الصورة فكان يقف على كتفيه أمام النبي فيأخذه هذه الصحابي يضعه في حجره، النبي تبسم سأله أتحبه ؟ فهذا الصحابي أديب جداً، قال يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، بعد حين أفتقده النبي، أين فلان ؟ قال هذا الولد الذي كنت تراه في حجره هلك مات، فالنبي استدعاه عزاه ـ اسمعوا ما قال له ـ قال له يا فلان أيهما أحب إليك أن تمتع به عمرك ـ يعيش معك طوال الحياة، وابن بار ويخدمك ـ أيهما أحب إليك أن تمتع به عمرك أم أن يسبقك إلى الجنة فأي باب من أبوابها فتحها لك، قال: بل يسبقني إلى الجنة، قال: هي لك يعني مؤمن، واحد في عنده ابن محبوب والثاني عند ابن محبوب الأول مات ابنه، والثاني لم مات، تمتع به طوال حياته فالأول لأنه قبل قضاء الله وقدره بالرضا صار هذا الابن سبقه إلى الجنة، ويفتح له أي باب شاء، فأنا الذي أريده، الأمراض المستعصية التي لا دواء لها حتى الآن، أو دواءها مظنون بنسب قليلة ومبالغها فلكية، تدمر عشر أسر مثل هذه الأمراض لسنا مجبورين على معالجتها، بل إن معالجتها من باب الندب استناداً إلى قول هذه المرأة أدعو لي، قال:  إما أن تصبري، وأما أن دعوت لك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018