بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 19 - جامع أبو النور - كيف نواجه التحديات المعاصرة.


2002-08-04

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
 أيها الأخوة الأفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فقد تشرفنا بحضور اليوم الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
  أيها الأخوة الأحباب طلاب العلم:
بادئة ذي بدء أشكر لإدارة المعهد العتيدة والموقرة هذه الدعوة الكريمة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون عند حسن ظنكم، يا طلابنا الأحباب:

((من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع.))

 وطلب العلم تلبيةٌ لحاجة عليا في الإنسان، إنها الحاجة إلى أن يؤكد إنسانيته في معرفة ربه وفي إتباع منهج ربه.
 أيها الأخوة الأحباب:
 علة وجود الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله...
 والعبادة: طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 قال الإمام الشافعي: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً.
 ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، وأزمة أهل النار في النار هي العلم فقط لقوله تعالى:

 

﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

( سورة الملك )

 الذي يؤكد إنسانية الإنسان طلبه للحقيقة، والله عز وجل يقول:

 

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

 

( سورة العنكبوت الآية: 69 )

 أيها الأخوة الأحباب:
 أنتم تقرؤون القرآن، وأنتم ترون ما يعاني العالم الإسلامي من أزمات خطيرة ساحقة تقرؤون قوله تعالى:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 أخوتنا الكرام:
 ينبغي أن نكون واقعيين، وأنا أقول دائماً الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، لا نكون كالنعامة تغمس رأسها في الرمال وتظن أنها نجت من الخطر والخطر محيط بها.
 هل نحن مستخلفون في الأرض كما وعد الله عز وجل ؟

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

 وكأن هذا قانون

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 هل الدين ديننا ممكن في الأرض ؟.

 

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

 هل نحن آمنون، أم مهددون كل يوم ؟.
 أنا أربط الواقع المر مع وعود الله العظيمة للمؤمنين في القرآن الكريم.
 أولاً أيها الأخوة:
 أيعقل ألا يحقق الله وعده للمؤمنين، أنا أعتقد زوال الكون أهون على الله من أن ألا يحقق وعوده للمؤمنين، و.... شاسع بين واقع المسلمين وبين وعود الله لهم، الله عز وجل يقول:

 

 

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

 

( سورة الصافات )

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

( سورة الصافات )

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

( سورة النساء )

 فكيف إذا كان لهم علينا ألف سبيل وسبيل، وكيف إذا كانوا جندنا ليسوا هم المنتصرين، كيف نجمع بين النصوص القرآنية قطعية الثبوت وبين الواقع المر ؟‍‍‍ ‍‍‍.
 أيها الأخوة الأحباب:
 إنكم فيما أعتقد سوف تتسلمون منابر إن شاء الله، سوف تكون دعاة إلى الله، وأنا أهنئكم بهذه الآية قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

 

( سورة فصلت )

 يعني الله عز وجل خالق الأكوان يؤكد في هذه الآية أنه ليس على وجه الأرض أحد أفضل:

 

﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 والرجاء كل الرجاء أن تكونوا في المستقبل دعاة إلى الله تنيرون الطريق للمسلمين، أنتم تواجهون هذه المشكلة، كيف توفقون بين النصوص القرآنية والنبوية وبين الواقع المر، وهذا الواقع المر حتى لا نكون سذج لن يزول بعد أيام، يحتاج إلى سنوات وسنوات وعقود وعقود حتى يتغير، ويتغير على سواعدكم الشباب هم المستقبل، والشباب هم الورقة الرابحة الوحيد في أيدينا، لذلك ما من عمل على وجه الأرض وأنا والله أتمنى للأخوة القائمين على أي معهد شرعي وعلى هذا المعهد أيضاً أن يجزيهم الله عز وجل خير الجزاء، لأنهم يصلحون إذا فسد الناس، وقد قال بعض العارفين: إذا أردت أن تعرف مقامك فنظر فيما استعملك.
 أخوتنا الكرام:
 أول معضلة نحن لسنا مستخلفين، وديننا ليس ممكناً في الأرض ولسنا آمنين، هذا واقعنا، وهذا هو الواقع المر، والوعود رائعة جداً استخلاف وتمكين وتطمين، كيف نجمع بين الوعود القطعية وبين الواقع المر، الحقيقة القرآن نفسه أجاب عن هذه الحقيقة، قال:

 

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

( سورة مريم )

 أكد العلماء أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها، ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثورا، قيل يا رسول الله جلهم لنا، قال إنهم يصلون كما تصلون ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. ))


 يجعلها الله هباء منثورا، إذاً يصلون، المنافقون، قال الله عنهم:

 

 

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 80 )

﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)﴾

( سورة التوبة )

 إذاً الآية الكريمة التي توضح هذه المفارقة الحادة بين وعود الله للمؤمنين وبين واقع المسلمين قوله تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

 إضاعة الصلاة لا يعني تركها، ولكن يقول الله عز وجل:

 

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 45 )

 كبيرة لأنها مؤنث تعود على الصبر أو على الصلاة ؟ على الصلاة قال:

 

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)﴾

 

( سورة البقرة )

 معنى ذلك الذي لا يخشع في صلاته الصلاة عليه عبء ثقيل كبيرة جداً، لأن مخالفته، وانحرافاته، وتقصيراته، ومعاصيه، حجاب بينه وبين الله، ومتى حجب الإنسان عن الله عز وجل الصلاة أصبحت حركات وسكنات وتمتمات تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم وانتهى الأمر وسقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب، إذاً:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾

 حينما قال الله عز وجل:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

( سورة الشعراء )

 القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله وسلم من عبادة غير الله.

 

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

 

( سورة المجادلة الآية: 22 )

 ثم إن الله عز وجل يقول:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 36 )

 إذاً: أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، المعنى المخالف بحسب أصول الفقه إحكام الصلاة وترك الشهوات أحد أسباب تغيير الواقع الذي نحن فيه، أحد أسباب استحقاق النصر الذي نحن في أمس الحاجة إليه، إحكام الصلاة ؛ الخشوع في الصلاة، لذلك قال العلماء: ليس الخشوع في الصلاة من فضائلها بل من فرائضها، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)﴾

 

( سورة الشعراء )

 ملمح آخر في الآية:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 كلكم يعلم في علم المنطق أن الصفة قيد، دققوا الآن: لو قلت إنسان هذه الكلمة تتسع لستة مليار إنسان، أضف إلى كلمة إنسان كلمة مسلم ضاقت الدائرة إلى مليار ومئتين مليون، أضف إلى كلمة مسلم عربي ضاقت الدائرة إلى 250 مليون، أضف مثقف، أضف طبيب، أضف طبيب قلب كلما أضفت كلمة ضاقت الدائرة.

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

 مطلقاً ؟ لا.

﴿ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 إذاً كلمة دينهم مقيدة بالذي ارتضى لهم، الآن الاستنباط المنطقي الرائع لو أنه لم يمكنهم ما تفسير ذلك معنى ذلك أن دينهم لم يرتضي لهم، قد يكون دين مظاهر، بالتعبير الحديث فلكلور، دين ثقافة تراث، كل دولة لها تراث، لها آثار، لها زخرفة إسلامية، مساجد إسلامية، أقواس إسلامية، فن إسلامي نسيج إسلامي، فحينما نهتم بالفلكلور ونظنه ديناً، هل تصدقون أن القرآن الكريم قرئ في فرنسا وفي باريس على أنه فلكلور إسلامي، القرآن الكريم قرئ بحفل فني في باريس لا على أنه كتاب الله المقدس، لا على أنه وحي السماء إلى الأرض، لا على أنه منهج الله عز وجل، قرئ على أنه فلكلور إسلامي، إذاً حينما لم نمكن في الأرض معنى ذلك أن الله لن يرتضي الدين الذي نحن عليه الدين واسع جداً، هذا الذي طلب أن يرتدي قميص رسول الله، أحد المنافقين، وتروي الروايات أن النبي ألبسه القميص بيده، فلما مات، قال الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي به سبعين خريفا، فقضية المظاهر قضية الفلكلور، قضية الزخارف، الأشياء الإسلامية هذه تقدم ولا تأخر العبرة في الاستقامة على أمر الله، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام وقد سأل أصحابه:

 

((هل تدرون من المفلس ؟ قلنا: المفلس يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. ))

 

[ عن أبي هريرة ورواه مسلم ]

 هل تعتقدون أن إبليس ليس مؤمناً ألم يقل ربي:

 

﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (81)﴾

 

( سورة ص )

 ألم يقل:

 

﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

 

( سورة الأعراف )

 أمن بالله رباً وأمن بالله عزيزاً وأمن باليوم الآخر، وقال له خلقتني، وأمن به خالقاً ومع ذلك هو إبليس، معنى ذلك من يؤمن هذا الإيمان ولا تجد أثر الإيمان في استقامته في بيته في غض بصره، في بيعه وشراءه، في صدقه، في أمانته، انظروا إلى سيدنا جعفر حينما سأله النجاشي عن الإسلام قال:
 أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ونسيء الجوار ونقطع الرحم حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، يا الله ! أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، يعني إذا حدثك فهو صادق وإذا عاملك فهو أمين، وإذا استثيرت شهوته فهو عفيف هذه مراكز ثقل الأخلاق، صادق إذا حدث، أمين إذا عاملته، عفيف إذا استثيرت شهوته.
 ورد في بعض الأحاديث:

 

((من حدث الناس فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته.))

 إذاً العبرة التطبيق، لأن: العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، المركز بالتعريف ؛ التطبيق، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، السعادة الأبدية ثمرة والعلم سبب، والأصل هو الاستقامة لذلك قال تعالى:

 

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 72 )

 يعني ما تحرك، ما أخذ موقف، ما أعطى لله، منع لله، غضب لله، رضي لله وصل لله، قطع لله، هذا هو المؤمن، حركاته وسكناته منضبطة بمنهج الله فلذلك المؤمن عاداته عبادات، لو أكل، لو نام، لو ارتدى ثياب، لو أخذ أهله إلى نزهة، عاداته عبادات، أما المنافق عباداته سيئات.
 أيها الأخوة الكرام:
 إذاً:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 الدين الذي وعد بتمكينه هو الدين الذي أراده الله تعالى، فأنتم حينما تنطلقون إلى بلادكم إن شاء الله كي تعرفوا الناس بالله ينبغي أن ينطبق عليكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يبعث على رأس كل مئة عام من يجدد ـ أجمع العلماء على من يجدد لا تعني واحداً تعني ثلة كبيرة، فأنت في أي مكان حينما يضعف الإيمان حينما يخلق الإيمان كما يخلق ثوب أحدكم لا بد من التجديد، التجديد أن نعود إلى ينابيع الإسلام الصافية، نحن عندنا في الشام نهر اسمه بردى، أتسمعون به ؟ له نبع في الزبداني ماء صاف كالزلال، وكان له مصب سابقاً لما كان يجري ماء آسن أسود، أنت إذا أردت أن تشرب من ماء بردى أيهما أولى أن تذهب إلى المصب أم إلى الينبوع ؟ إلى الينبوع ونحن الينابيع كتاب الله وسنة رسوله، كتاب الله ينبغي أن تفهمه، وسنة النبي ينبغي أن تتحقق من ثبوتها، ثم أن تفهمها وما سوى ذلك من نصوص ينبغي أن تتأكد من صحة نسبتها إلى صاحبها ثم أن تفهم ماذا أراد صاحبها، ثم أن تعرضها على الكتاب والسنة، فإن وافقت فعلى العين والرأس وإن لم توافق تطرحها أرضاً ولا قيمة لأي نص يخالف منهج الله سبحانه وتعالى.
 أيها الأخوة الأحباب:
 المسلمون اليوم يعانون ما يعانون هذا الطرف الآخر سموه أنتم ما شئتم سموه استعمار إن أردتم، سموه كفار، أنا أسمي الطرف الآخر يعني دائماً في عنا اثنينية في الحياة، قال تعالى:

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

 

( سورة الليل )

 هذا طرف:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

 

( سورة الليل )

﴿أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

 يعني صدق أنه مخلوق للجنة الحسنى هي الجنة.

 

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾

 

( سورة يونس الآية: 26 )

 الحسنى هي الجنة، قال:

﴿ صَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 صدق أنه مخلوق للجنة، صدق أن هذه الدنيا دار تكليف، وأن الآخرة دار تشريف، صدق أن هذه الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء.

 

﴿ صَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 لذلك اتقى أن يعصي الله الصفة الثانية.
 الصفة الثالثة: أعطى، بنى حياته على العطاء، يعطي من علمه من ماله، من خبرته، من وقته، من جهده، من عضلاته، بنى حياته على العطاء، جزاءه في الدنيا:

 

 

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

 

( سورة الليل )

 وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا عليك فمن معك، الطرف الآخر الذي سنتحدث عنه:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8)﴾

 

( سورة الليل )

 بنى حياته على الأخذ.

﴿ وَاسْتَغْنَى ﴾

 بخل واستغنى عن طاعة الله لماذا ؟ لأنه:

 

﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

 

( سورة الليل )

 لأنه أمن بالدنيا، وكفر بالآخرة، إذاً كأن في الدنيا فريقين، هذا التقسيم الإلهي القرآني، طبعاً على اختلاف ملل الناس ونحلهم ومذاهبهم واتجاهاتهم وأهوائهم ونزعاتهم وسياراتهم وأعراقهم وألوانهم، التقسيم القرآن اثنيني:

 

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 فاتقى أن يعصي الله فبنى حياته على العطاء فكافئه الله بالتيسير، والثاني:

 

﴿ َكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

 واستغنى عن طاعة الله وبنى حياته على الأخذ، لذلك: الأنبياء جاؤوا الحياة أعطوا ولم يأخذوا، أما عكس الأنبياء الطرف المقابل للأنبياء ـ الطغاة ـ أخذوا ولم يعطوا، والناس إما أنهم أتباع نبي أو أتباع قوي إذا كنت من أتباع الأنبياء تبني حياتك على العطاء، وإن كنت من أتباع الأقوياء تبني حياتك على الأخذ.
 أخوتنا الكرام:
 الآن الطرف الآخر الذي كذب بالحسنى واستغنى عن طاعة الله وبنى حياته على السلب والأخذ كالعالم الغربي الآن، قال هؤلاء إن أرادوا إفقار المسلمين، العبادة الأولى كسب المال الحلال، وحل مشكلات المسلمين به، الغني قوي والفقير ضعيف، الغني متحكم بالفقير الغني يذل الفقير، فلذلك حينما يريد الطرف الآخر منا أن نفتقر ينبغي أن نحرص على كسب المال الحلال وحل مشكلات المسلمين، وقال بعض أصحاب رسول الله حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي، وحينما يكون الطرف الآخر همه إضلال المسلمين فطلب العلم والتبحر به والتدقيق في تفاصيله، والبحث عن ردود قطعية على كل شبهة على الدين هو العبادة الأولى، وحينما يريد الطرف الآخر إفساد المسلمين، إنشاء المعاهد الشرعية، والمنتزعات الإسلامية، وتوفير فرص تحقيق هوايات الصغار بشكل إسلامي، أو أسلمت المنجزات الحضارية أن تكون وفق الإسلام هذا أعظم عمل وأعظم عبادة يفعلها الإنسان، وحينما يكون الطرف الآخر همه إذلال المسلمين ينبغي أن نفعل كما يفعل المقاومون اليوم، يعني هؤلاء الأبطال عطلوا القنبلة النووية، وعطلوا هذا الطيران المعادي وعطلوا كل تفوق في السلاح لا بشيء إلا لأن العدو أقصى ما يملكه أن يقتل هذا الإنسان، فإذا أراد الإنسان أن يضحي بنفسه باختياره، أصبح أقوى من عدوه، هذا الذي يحصل الآن، إذاً الطرف الآخر إن أراد الإفقار فكسب المال الحلال العبادة الأولى، وإن أراد الإضلال طلب العلم الشرعي وتوضيح حقائقه للناس العبادة الأولى، وإن أراد الإفساد تأسيس المعاهد الشرعية والمنتجعات الإسلامية تعد أول عبادة، وإن أراد الاجتياح ينبغي أن نقاومه كما يقاومه الأبطال في فلسطين.
 أيها الأخوة الكرام:
 ينبغي أن نعبد الله فيما أقامنا العالم عبادته الأولى تعليم العلم والغني عبادته الأولى إنفاق المال، والقوي عبادته الأولى إنصاف الضعيف والمرأة عبادتها الأولى رعاية زوجها وأولادها، إن شاء الله، الآن ينبغي أن تعبده فيما أقامك، وأن تعبده في الظرف الذي وضعك فيه أنت الآن طالب العبادة الأولى التفوق في الدراسة، في عند أحد الأخوة المؤمنين أب مريض العبادة الأولى رعاية الأب، في عنده ابن في عنده امتحان العبادة الأولى توفير جو الامتحان الطيب، والآن أن تعبده في الزمان الذي أضلك وقت الفجر وقت الصلاة لا وقت النوم، وقت النهار وقت العمل، سيدنا عمر دخل إلى المسجد صدفةً فيما بين الصلاتين رأى إنسان يقرأ القرآن هل تصدقون أنه عنفه، قال له إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به أفتخذت قراءته عملاً، هذا النهار للعمل، والفجر والمساء لقراءة القرآن، فأن تعبده فيما أقامك، وأن تعبده في الظرف الذي وضعك فيه، وأن تعبده في الزمان الذي أضلك، وأن تعبده وفق الأولويات، إما أن يكون كسب المال الحلال وإنفاقه على الفقراء والمحتاجين العبادة الأولى، وإما أن يكون نشر الحق العبادة الأولى، وإما أن يكون صون الشباب من الفساد العبادة الأولى وإما أن يكون مقاومة المحتل العبادة الأولى.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع جميعاً بهذه الحقائق التي استقيت من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنا مستعد للإجابة عن أي سؤال إن شاء الله.
 في الختام نشكر فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة السؤال الأول:
 لطالب العلم في المستقبل في الدعوة والموعظة فأي كتاب ننصح أن نشتريه من الكتب.
 الجواب:
 الحقيقة ما يطبع من الكتب في اليوم الواحد بلغة واحدة لا تستطيع قراءته في مئتين عام، ما يطبع في اليوم، إذاً لا بد من أن تصطفي، لو دخلت إلى مكتبة الكتب في الجدران الأربعة من الأرض إلى السقف وعندك بعد يومين امتحان مصيري وله كتاب والكتاب في هذه المكتبة فأي كتاب تقرأ من هذه المكتبة، الكتاب المقرر، فأنت بادئ ذي بدء كطالب علم لا بد لك من تفسير لكتاب الله قيم يكون في بيتك، الحقيقة التفاسير كثيرة جداً، لكن في تفسير فقهي كالقرطبي، في تفسير أدبي كالظلال، في تفسير مقيد بالكتاب والسنة كالتفسير القاسمي، في تفسير لغوي كالألوسي التفاسير متنوعة لكن أنا أنصحك أن تقتني كتاب تفسير أنت قانع به يكون لك مرجع، من كتب التفسير التي أنا انتفعت بها ـ محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي ـ اسم على مسمى، يعني هذا قرأ مئتين تفسير، وجمع أجمل ما في هذه التفاسير في تفسير، وهو مقيد بالكتاب والسنة، أما كتفسير فقهي تفسير القرطبي، والآن له طبعة جديدة مختصر، خمسة أجزاء، لا بد من كتاب حديث معتمد وليكن ـ رياض الصالحين ـ مثلاً أو كتاب إتحاف المسلم لما فيه من الترغيب والترهيب في صحيح بخاري ومسلم كتاب رائع جداً، أو كتاب الجامع الصغير، أو صحيح الجامع الصغير، لأن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، تحتاج إلى كتاب سيرة من هذه الكتب ـ صور من حياة رسول الله ـ لأمين دويدار ـ هذا من أروع الكتب التي انتفعت بها في السيرة، وفي الشمائل، كتب الشمائل كثيرة، أنا أعطيكم من كل باب من أبواب الدين كتاب قيم، لا بد لك من كتاب فقه مثلاً، يعني أبسط كتاب فقه على المذاهب كلها فقه السنة ـ للسيد سابق ـ بعده يأتي فقه ـ الدكتور الزحيلي ـ هذا كتاب الفقه، الآن كتاب في الطريق إلى الله، أنا درست تهذيب مدارج السالكين، من أجمل ما قرأت ودرست في حياتي تهذيب مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، هذه الكتب أنصحكم بها، لأنها مرجعية، أما أن طالب علم من دون مكتبة في بيته مستحيل، لكن الحمد لله الآن في أقراص مدمجة سي ديات الكتاب في سي دي واحد، في كتب ثمنها 200 ألف ليرة، 200 ألف ليرة ثمن كتب، سي دي ثمنه خمسين ليرة، الأمور ميسرة بشكل كبير جداً، لكنكم بحاجة إلى كمبيوتر، الآن وأنا أقول لكم هذه الكلمة ولا تبدو لكم قاسية الذي لا يتقن هذا الجهاز أمي العصر، لأن الجهد نزل من المليون للواحد والدقة صعدت من الواحد لمليون، أنت ممكن أي حديث بثواني تعرف تخريجه وأصله ووجوده فأنا أنصحكم باقتناء جهاز كمبيوتر، وأن تكثروا من الأقراص المدمجة لأنه هذه كتب ثمينة جداً بأسعار زهيدة جداً.
 سؤال:
 لماذا تعد عبادة النساء رعاية زوجها وأولادها ؟
 جواب:
 لأنها تفعل ما أقامها الله به، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((أعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله.))

 المرأة التي ترعى زوجها و أولادها تعبد الله فيما أقامها، وهذه التي تربي أولادها شهاداتها أولادها، هذه التي تدفع إلى المجتمع عناصر طيبة هذا من أعظم الأعمال عند الله عز وجل، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث يقول:

 

((أول من يمسك بحلق الجنة أنا فإذا امرأة تنازعي تريد أن تدخل الجنة قبلي ـ معقول ـ قلت من هذه يا جبريل قال هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاد فأبت الزواج من أجلهم.))

 يعني ربت أولادها، لذلك أعظم عمل على الإطلاق تربية الأولاد ولعلو مقام المرأة عند الله جعلها مربية أولادها.
 إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت نفسها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها.
 ما معنى حقيقة الاستخلاف ؟
 أن الله جعل الإنسان خليفته في الأرض، سأغمق معكم قليلاً.
 إن الله خلق آدم على صورته.
 هكذا في الحديث الصحيح، يعني الله عز وجل مبدع السماوات والأرض رتب المخلوقات بطريقة أن الإنسان يبدع فيها، الآن في إبداع بالنبات، في إبداع بأشياء كثيرة جداً الله عز وجل سمح للإنسان أن يبدع والإبداع من أسماء الله الحسنى، الله عز وجل مريد هذه الإرادة منحها للإنسان وأنت مخير أيضاً، الله عز وجل مشرع أيضاً جاءك بنص ظني الدلالة وسمح لك أن تجتهد، الله عز وجل فرد لا شبيه له، والإنسان في صفة فردية، كل إنسان نسيج لوحده أنت مكرم عند الله، والصفات كثيرة لله منحك إياها، هذا معنى:

 

 

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

 

( سورة البقرة الآية: 30 )

 والإنسان أيام يحكم الأرض، ويظلم أو يعدل، ويرحم أو يقسو ويتحكم بمقدرات كثيرة جداً بيده، هذا معنى الاستخلاف

﴿ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

 يعني جاعل إنسان يظهر بكمال بشري يحبب بالله عز وجل، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب، يظهر بكمال بشري يحبب بالله عز وجل.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018