بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 25 - المستشارية الإيرانية1 - مقومات حمل الأمانة.


2002-11-14

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل محمد وعلى أصحابه والتابعين وبعد.
 فيا أيها الأخوة الكرام: بادئ ذي بدء أشكر لكم دعوتكم الكريمة وأسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكم، من الثابت أيها الأخوة أن الإنسان يسعد بعمله أو يشقى بعمله، فالسؤال الأول في هذه الأمسية المباركة متى يصح عمل الإنسان؟
 أضرب مثلاً مبسطاً: لو أن واحداً سافر لبلد غربي وأقام في أحد فنادقه واستيقظ في صبيحة اليوم الأول وقال: إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن: لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت تاجراً اذهب إلى المؤسسات، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، نستنبط من هذا المثل أنه لا تصح حركة الإنسان في مكان ما إلا إذا عرف سر وجوده في هذا المكان، لو كبرنا هذا المثل: لماذا نحن في الدنيا ؟ لا يمكن أن يصح عملنا، ولا يمكن أن نسعد بصلاح عملنا إلا إذا عرفنا سر وجودنا وغاية وجودنا، لو قرأنا القرآن الكريم لوجدنا في قوله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

(سورة الذاريات)

 عبادة الله علة وجودنا وسره، ولكن العبادة لها مفهوم ضيق ولها مفهوم واسع عميق، في مفهومها الواسع العميق هي طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 أيها الأخوة: في هذا التعريف جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي، فالجانب السلوكي هو الأصل، والجانب المعرفي هو السبب، والجانب الجمالي هو الثمرة، وما لم نتحرك ونحن نعبد الله على الخطوط الثلاثة على خط تغذية العقل بالعلم وعلى خط تغذية الخط بالحب وعلى خط تغذية الجسم بالطعام والشراب مالم نتحرك بحيث نطلب العلم والقرب من الله والسعادة بالقرب منه.
 أيتها الأخوات الكريمات: أيها الأخوة الكرام: سؤال آخر: متى يسعد الإنسان ؟ لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري يبنى على نجاحه في هذا الامتحان تعينه ف وظيفة مهمة مرموقة، ويبنى على تعيينه زواجه، لو أن أصدقائه أخذوه إلى مكان جميل قبل الامتحان بيومين واستمتع بأجمل المناظر وأطعموه أطيب الطعام لماذا يشعر بالكآبة ؟ لأن هذه الحركة قبل يومين من الامتحان لا تتناسب مع هدفه !
 التاجر متى يتألم ؟ إذا كان هناك كساد في الأسواق مع أنه مرتاح ! يسعد التاجر إذا تعب في البيع والشراء ويتألم إذا ارتاح في كساد الأسواق، حينما تأتي حركة الإنسان متوافقة مع هدفه يسعد.
 تصح حركة الإنسان حينما يعلم سر وجوده في المكان، ثم يسعد إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه.
 أيها الأخوة: العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، لكن هناك مفهومات للعبادة رائعة، ينبغي أن تعبد الله فيما أقامك في هويتك فإن كنت قوياً أول عبادة لك إنصاف الضعيف ونصرة المظلوم، وإن كنت غنياً أول عبادة لك إنفاق المال، وإن كنت عالماً عبادتك الأولى تعليم العلم، هذه عبادة الهوية، أما عبادة الظرف ينبغي أن تعبد الله في الظرف الذي وضعك فيه، فإذا كان الأب مريضاً لا سمح الله أول عبادة العناية بالأب ! إذا كان عندك ضيف أول عبادة إكرام الضيف، هناك عبادة الوقت: إن لله عمل بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله عمل في النهار لا يقبله في الليل
 أيها الأخوة: على كل الله عز وجل جع الإنسان المخلوق الأول رتبة، قال تعالى:

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 هو المخلوق الأول، يقول الإمام علي كرم الله وجهه " رُكّب الملك من عقل بلا شهوة، ورُكب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان "

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾

 

(سورة البينة)

 أيها الأخوة الأحباب: الله جل جلاله حينما خلق الإنسان جعله المخلوق الأول وجعله المخلوق المكرم:

 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

 

(سورة الإسراء)

 ولأنك مكرم:

 

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

 

(سورة الجاثية)

 وجعلك مخلوقاً مكلفاً:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

 أيها الأخوة الكرام: حينما كلفك حمل الأمانة، والأمانة بإجماع المفسرين إنها نفسك التي بين جنبيك !

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

 وتزكية النفس ثمن الجنة.

 

﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

 

(سورة الشمس)

 جعلها أمانة بين يديك، إن عرفتها بربها وحملتها على طاعته فقد زكيتها، وإن زكيتها تستحق الجنة، وإن جعلتها تغفل عن الله و تتفلت من منهجه فقد دسيتها، وبشكل دقيق جداً الناس على اختلاف أجناسهم وأعراقهم و ألوانهم وانتماءاتهم ومللهم ونحلهم ومذاهبهم وطوائفهم هم رجلان رجل عرف الله فانضبط بمنهجه وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله وتفلت من منهجه وأساء إلى خلقه فشقي في الدنيا والآخرة ولن تجد شخصاً ثالثاً أي:

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

 

(سورة الليل)

 صدق أنه مخلوق للجنة، ولأنه صدق هذا اتقى أن يعصي الله، وبعدها بنى حياته على العطاء.

 

﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾

 

(سورة البقرة)

 رد الإله عليه:

 

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

 

(سورة الليل)

 والإنسان الآخر آمن بالدنيا ولم يؤمن بالآخرة:

 

﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

 

(سورة الليل)

 فعندما كذب بالحسنى استغنى عن طاعة الله، فلما استغنى عن طاعة الله بنى حياته على الأخذ.
 من ألطف ما قرأت: أن في النملة جهازين جهاز مص وجهاز ضخ، إن رأت نملة شبعة نملة جائعة تستخدم جهاز الضخ لتضخ لها من عصارتها الهاضمة ! لكن البشر المتفلتون من منهج الله عندهم جهاز مص فقط، بنى حياته على الأخذ، يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني منه على خوفهم، يبني حياته على موتهم.

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾

 نموذجان ! لذلك في دنيانا نبي وقوي، الأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والناس جميعاً أتباع نبي أو قوي فأتباع النبي يستخدمون الكمال البشري فيملكون قلوب الآخرين، وأتباع القوي يستخدمون قوتهم فيذلون الرقاب.
 أيها الأخوة الكرام: الأمانة التي حملنا الله إياها هي هذه النفس.

 

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

 الله جل جلاله ما كلفنا بحمل الأمانة إلا وأعطانا مقوماتها، أول مقومات حمل الأمانة هذا الكون الذي سخره الله لنا تسخيرين تسخير تعريف وتسخير تكريم، لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام الهلال قال.

 

 

((حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا ))

 

(سنن أبي داود)

 ينفعنا في الدنيا ويرشدنا إلى الله عز وجل، وهذا الكون مسخر مرتين، مسخر لنفع الإنسان ومسخر كي يعرف الله به، لو أن الإنسان عرف الله فآمن وقدر النعمة فشكر حقق الهدف من وجوده من هنا قال تعالى:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

 

(سورة النساء)

 إن آمنت وشكرت تكون قد استجبت لتسخير الكون لمعرفته واستجبت لتسخير الكون لإكرامك، الكون بسماواته وأرضه وجباله ووديانه وأنهار الأرض وبالبحار والبحيرات والأسماك والأطيار كلها تدل عليه وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد نقرأ القرآن الكريم يقول الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾

 

(سورة البقرة)

 ما من مخلوق هين على الإنسان كالبعوضة، بل إن النبي الكريم أشار إلى ذلك قال:

 

((عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 

(سنن الترمذي)

 ما هذه البعوضة ؟ !
 إخوتنا الكرام: شيء لا يصدق ! البعوضة في جبهتها مائة عين ! وفي فمها ثمانية وأربعون سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب قلب مركزي وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان و بطينان و دسامان، البعوضة تملك جهاز لا يملكه كل البشر تملك مستقبلات حرارية جهاز رادار ترى الأشياء لا بأشكالها بل بحرارتها، هذا الجهاز حساسيته واحد بالألف من درجة الحرارة المئوية فإذا كانت في غرفة ظلماء وفيها إنسان نائم تتجه إلى جبينه مباشرة دون أن تتجه لشيء آخر لأنها تراه بحرارتها، تقف على جبينه، لابد من جهاز فحص للدم، لأن ما كل دم يناسبها، فقد ينام أخوان على سرير يستيقظ الأول وقد ملئ من جزء البعوض والثاني لم تلسعه ولا بعوضة، ما كل دم يناسب البعوضة، معها فضلاً عن جهاز الرادار أو جهاز المستقبلات الحرارية أو جهاز الأشعة تحت الحمراء فضلاً عنه تملك جهاز تحليل للدم، الآن إذا وقفت على جلد الإنسان قد يشعر بها فيقتلها، لابد من أن تخدره ومعها جهاز تخدير، ولدقة خرطومها قد لا يسيل الدم في خرطومها معها جهاز تمييع فمن جهاز رادار أو مستقبل حراري إلى جهاز تحليل إلى جهاز تخدير إلى جهاز تمييع، هذا الكلام قلته مفصلاً مع الصور في ندوة في القناة الثانية في خرطومها ست سكاكين ! أربع سكاكين تحدث في جلد الإنسان جرحاً مربعاً والسكينان الأخريان تلتئمان فتشكلان أنبوباً يمر به الدم في خرطومها ست سكاكين والبعوضة في أرجلها مخالب إذا وقفت على سطح خشن، ومحاجم على أساس الضغط إذا وقفت على سطح أملس، والبعوضة يرف جناحاها ستين رفة في الثانية، وتشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلو متر ‍.هذه آية من آيات الله الدالة على عظمته !

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 إخواننا الكرام: الكون مسخر تسخير تعريف:

 

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

(سورة آل عمران)

 ألف وثلاثمائة آية في كتاب الله تتحدث عن الكون، هل يعقل أن يقول الله كلاماً لا معنى له ؟ هل يعقل أن نغفل ألفاً وثلاثمائة آية في القرآن الكريم ؟ إنها موضوعات للتفكر ولمعرفة الله عز وجل.
 أكبر محطة فضائية في العالم عندها مرصد عملاق هذه المحطة لها موقع على الإنترنت، اطلعت قبل خمس سنوات تقريباً على هذا الموقع فهو ينشر كل يوم صورة للفضاء الخارجي أحد هذه الصور عبارة عن وردة جورية ذات أوراق حمراء داكنة ووريقات خضراء زاهية وفي وسطها كأس أزرق اللون، إن نظرت إلى هذه الصورة لا تشك لثانية واحدة أنها وردة جورية بكل ما في هذه الكلمة من معنى وقد عرضتها مرة في ندوة قبل عامين على شاشة التلفزيون، هذه الوردة في الحقيقة انفجار نجم اسمه عين القط، يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، الآن اقرأ قوله تعالى:

 

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38)﴾

 

(سورة الرحمن)

 لو قرأت كل التفاسير لا يروى غليلك إلا بهذه الصورة وهذا مصداق قول الإمام علي كرم الله وجهه: في القرآن آيات لما تفسر بعد.
 أيها الأخوة الكرام: بيننا وبين الشمس مائة وستة وخمسون مليون كيلو متر يقطعها الضوء في ثماني دقائق ! والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمائة ألف أرض يقول الله عز وجل:

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

 

(سورة البروج)

 برج اسمه العقرب وفي هذا البرج نجم أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب، الآن استعدوا للصدمة ! قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما !

 

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

 

(سورة يوسف)

 أيها الأخوة: أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بعده عنا أربع سنوات ضوئية، من أجل أن نعلم ماذا تعني السنة الضوئية: الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر، بيننا وبين القمر ثلاثمائة وستين ألف كيلو متر يقطعها الضوء في ثانية وزيادة، لو أردنا أن نصل لهذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب إلينا بعده عنا أربع سنوات ضوئية، ومعنا مركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون عام ! بحساب بسيط يجريه طلابنا، بالثانية ثلاثمائة ألف، بالدقيقة ضرب ستين وبالساعة ضرب ستين باليوم أربع وعشرين بالسنة ضرب ثلاثمائة وخمس وستين بالأربع سنوات ضرب أربعة، لو قسمنا هذه المسافة على مائة السرعة لاحتجنا لقطع هذه المسافة لخمسين مليون عام، متى نصل لنجم القطب الذي بعده عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ؟ دققوا أربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام، الآن أربعة آلاف سنة ضوئية، متى نصل إلى المرأة المسلسلة مجرة صغيرة جداً بعدها عنا مليونا سنة ضوئية ! بعض المجرات سبعة عشر مليار سنة ضوئية، آخر مجرة اكتشفت تبعد عن الأرض عشرين مليار سنة ضوئية، الأربع سنوات تحتاج لخمسين مليون سنة، العشرين مليار قال تعالى:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

(سورة الواقعة)

 لو سمع هذه الآية فلكياً لوقع مغشياً عليه من كلمة واحدة، من كلمة مواقع ! ماذا تعني كلمة مواقع ؟ تعني أن هذا الموقع قد لا يكون فيه صاحب الموقع، لأن هذا النجم الذي يبعد عنا عشرين مليار سنة كان في هذا المكان قبل عشرين مليار سنة وأرسل ضوءه للأرض، وبقي الضوء يسير في الفضاء الخارجي عشرين مليار سنة، أما هو سرعته مائتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية، سرعة النجوم العملاقة تقترب من سرعة الضوء، فهذا النجم ينطلق بسرعة مائتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية وكان هنا قبل عشرين مليار سنة، أين هو الآن ؟ ما قال الله عز وجل: فلا أقسم بالمسافات بين النجوم ‍ ! قال:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

 أيها الأخوة: آية ثالثة يقول الله عز وجل:

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

(سورة الحج)

 هذه الآية حيرت العلماء على مدى طويل، لكن قبل سنوات عقد مؤتمر في موسكو للإعجاز العلمي في الكتاب والسنة وقد ألقي في هذا المؤتمر بحث طويل عندي أصله أقدم لكم ملخصه، القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، لو أخذنا مركز القمر ومركز الأرض وصلنا بينهما بخط، هذا الخط نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض بحساب بسيط نضر نصف القطر باثنين بثلاثة وأربعة عشرة البي عرفنا المحيط، عرفنا كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض كل شهر ! إن ضربنا هذا الرقم باثني عشر كم يقطع في رحلته حول الأرض بعام لو ضربنا بألف في ألف عام، بحساب بسيط لا يحتاج لأكثر من دقائق يمكن أن نحسب كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، لو قسمنا هذا الرقم على ثواني اليوم:

﴿يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ﴾

 لكانت النتيجة سرعة الضوء، الدقيقة مائتين وتسعة وتسعين ألف وسبعمائة واثنان وخمسين، نظرية أنشتاين في هذه الآية، ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد.

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

 أيها الأخوة الكرام: هذا الكون الذي خلقه الله عز وجل من أجل أن نعرفه قال تعالى:

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

(سورة فصلت)

 من آيات النفس أن العصب الشمي ينتهي بعشرين مليون فرع ! وفي كل فرع سبعة أهداب، وكل هدب مغموس بمادة تتفاعل مع الرائحة فيتشكل من تفاعلها شكل هندسي هو رمز الرائحة، هذه تشحن إلى الدماغ لتعرض على الذاكرة الشمية في الذاكرة الشمية عشرة آلاف بند فإذا توافق رمز الرائحة التي شممتها مع الرمز المحفوظ في الذاكرة عرفت أن هذه رائحة الياسمين.

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 

(سورة التين)

 أيها الأخوة: هذا الكون كل شيء فه يدل على الله على وجوده وكماله ووحدانيته.
 المقوم الثاني: العقل مناط التكليف مبادئ العقل متوافقة مع مبادئ الكون، العقل من مبادئه السببية فلا يفهم شيئاً إلا بسبب، وفي الكون مبدأ السببية، العقل من مبادئه الغائية، فلا يفهم شيئاً من دون غاية وفي الكون غايات واضحة جداً: العقل من مبادئه عدم التناقض، والإنسان لا يفهم شيئين متناقضين في وقت واحد، فالعقل مناط التكليف لكن مهمته في الدين أن يتأكد من صحة النص ثم أن يفهم النص، ولن يكون العقل حكماً على النص لأن هناك عقل ونقل، في الأساس العقل مقياس أودعه الله فينا، والنقل وحي الله، والكون خلق الله، والفطرة مقياس نفسي أودعه الله فينا، العقل والفطرة والواقع والوحي من الله كلها، مادامت هذه الفروع من أصل واحد ينبغي أن تتوافق فيما بينها، الحق دائرة يمر به خط النقل الصحيح مع خط العقل الصريح مع خط الفطرة السليمة مع خط الواقع الموضوعي، أقول نقل صحيح لأن هناك نقل غير صحيح يتعارض مع العقل، وأقول واقع موضوعي لأن هناك واقع مزور يتعارض مع النقل، أقول فقرة سليمة لأن هناك فقرة تتعارض مع الدين أقول نقل صحيح عقل صريح واقع موضوعي فطرة سليمة هذه كلها خطوط تتقاطع في دائرة الحق.
 المقوم الثالث هو الشهوة: أودع الله فينا الشهوات.

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

 

(سورة آل عمران)

 ما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات نرقى بها مرتين، نرقى بها صابرين ونرقى بها شاكرين، فمن غض بصره عن امرأة لا تحل له ارتقى إلى الله صابراً، ومن ملأ عينيه ممن تحل له ارتقى إلى الله شاكراً، من أكل المال الحلال وتنعم به ارتقى إلى الله شاكراً ومن تعفف عن مال حرام ارتقى إلى الله صابراً، فهذه الشهوة كالمحرك، والعقل كالمقود والشرع كالطريق، مهمة العقل أن تجعلك على الطريق دائماً بقوة المحرك، الشهوات بالضبط كالوقود السائل في السيارة، سائل منفجر بنزين ! إذا أودع هذا المفجر في مستودعاته المحكمة وسال في الأنابيب المحكمة وانفجر في الوقت والمكان المناسب ولد حركة نافعة فالشهوات قوة محركة أو قوة مدمرة، حيادية، الشهوات سلم نرقى بها، أو دركات نهوي بها، لذلك:

 

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾

 

(سورة القصص)

 المعنى المخالف لو أنه اتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، ليس في الإسلام حرمان بل تنظيم، المقوم الأول هو الكون والثاني هو العقل والثالث هو الشهوة والرابع الفطرة.

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 أيها السادة أتمنى أن لا تفهموا أبداً معنى ألهمها فجورها أنه خلق فيها الفجور، هذا المغنى ليس صحيحاً لكن فطرها فطرة راقية جداً بحيث لو أنها فجرت تعلم ذاتياً أنها فجرت.

 

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 

 هذه الفطرة الفطرة تعرف الحق ابتداء.

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ﴾

(سورة الروم )

 هو نفسه الذي فطر الناس عليها.

 

﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

 فالفطرة مقياس نفسي والعقل مقياس علمي، والكون يدل على الله، والشهوة محرك، بقي الاختيار !
 منحنا الله حرية الاختيار، لو أن الله أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب، لو تركنا هملاً لكان عجزاً في القدرة.
 واحداً سأل الإمام علي كرم الله وجهه: أكان مسيرنا من الشام بقضاء الله وقدره قال: ويحك لو كان قضاء لازماً وقدراً حاتماً إذاً لبطل الوعد والوعيد ولانتفى الثواب والعقاب، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً "
 الإمام الحسن يقول: لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب.
أحد الخلفاء الراشدين جاءوا إليه بشارب خمر قال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين قدر علي ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين مرة لنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله قال ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، فأحد المقومات الكون والعقل والفطرة والشهوة والحرية ثم الشرع فهو المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه، فالحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، ما كلفنا الله حمل الأمانة التي هي نفسنا التي بين جنبينا إلا وقد أعطانا مقومات التكليف كوناً ينطق بوجوده ووحدانيته وكماله وعقلاً متوافقاً في مبادئه مع الكون وهو مناط التكليف وأعطانا فطرة سليمة نعرف بها خطأنا وأعطانا شهوة تحركنا إليه، وأعطانا اختياراً يثمن أعمالنا ثمن أعطانا منهجاً دقيقاً، هذه مقومات التكليف وأرجو الله سبحانه وتعالى أن لا أكون قد أطلت عليكم وأنا مستعد لأي سؤال في موضوع المحاضرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 طالب: سؤال من شقين الشق الأول عندما ضرب الله مثلاً بالبعوضة كنا نفهم بأنه اعتبرها مخلوقاً حقيراً وصغيراً هكذا فهمنا الطبيعي لها لكن كما وضحت وكما هي الحقيقة فإنها مخلوق معقد، الشق الثاني من السؤال أن هذه المكتشفات العظيمة في المجرات والنجوم والكواكب وهذه الآثار الموروثة في التراث الإسلامي العظيم عن الإمام علي عليه السلام وعن الصحابة والتابعين الذين استشف في أحاديثهم يدل على وجود ذخيرة عظيمة بالإضافة إلى استشهاداتك من القرآن الكريم يدل على وجود ذخيرة علمية مكنونة جديرة في هذا الدين فما هو السر في رأيك عن تخلفنا مئات السنين، وأنت تستخرج وتستنبط من القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول العظيم وأحاديث الأئمة الميامين ما يكفي لنكون في أول المتقدمين والسلام عليكم.
 الأستاذ: الحقيقة أيها الأخوة أن الله سبحانه وتعالى لا يحابي أحداً، نحن معنا وحي السماء ومنهج النبي عليه الصلاة والسلام ولكن إن لم نطبق هذا الوحي والمنهج لا ننتفع به إطلاقاً الحقيقة أن المسلمين اليوم يعتقدون أن الله خلقهم ولكنهم في حركتهم اليومية لا يتبعون منهج رسول الله، ذلك أن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 

(سورة الأنفال)

 في حياة النبي الآية واضحة جداً مادام النبي في ظهراني أمته، لكن بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ما معنى الآية ؟ قال علماء التفسير: مادامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في بيوتنا وأعمالنا وأفراحنا و أتراحنا وعلاقتنا فنحن في مأمن من عذاب الله، هل تعتقد أن بيوت المسلمين إسلامية ؟ عاداتهم تقاليدهم كسب وإنفاق أموالهم ؟ شيء آخر:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

 نحن في بحبوحتين الأولى أن نطبق منهج رسول الله، والثانية أن نستغفر فإن كنا لا نطبق سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام ماذا قال: هذا تعريف رائع قال: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الرحم ونسيء الجوار حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، من خلال هذا التعريف يتضح أن الإسلام منهج أخلاقي، حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ﴾

 

(سورة النور)

 أخي الكريم أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 بربكم هل نحن مستخلفون في الأرض ؟ من دون مجاملة الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح هل نحن مستخلفون وممكنون وآمنون في الأرض ؟ لا والله، فإذا كان لا استخلاف ولا تمكين و تطمين أين وعد الله عز وجل ؟ يجيب القرآن فيقول:

 

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

(سورة مريم)

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي.

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

(سورة النور)

 هناك استنباط قطعي إن لم يمكنهم معنى ذلك أن الله عز وجل لم يرتضي دينهم الذي هم عليه، دين مظاهر وفلكلور لكن لا يوجد التزام بالكتاب والسنة، فلذلك هذا هو الجواب:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾

 يقول الله عز وجل:

 

 

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

 

(سورة الصافات)

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

(سورة غافر)

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

(سورة الروم)

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

(سورة النساء)

 فكيف إذا كان لهم علينا ألف سبيل وسبيل ؟ فالحقيقة أن الطغاة في الأرض عصي بيد الله، بربكم لو أن لا سمح الله واحد منكم تلقى ضربة بعصا هل يحقد على العصى ؟ يكون أبلهاً ! على الضارب، فمشكلتنا مع الله، والله كامل كمالاً مطلقاً فمشكلتنا مع أنفسنا، فردت الكرة لملعبنا ! فحينما تأتي الأمور على خلاف ما نريد لنراجع حساباتنا، لننظر لدخولنا وإنفاقنا هل هي شرعية ؟ وسلوك زوجاتنا وبناتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

 

(سورة الشورى)

 أيها الأخوة: أقول لكم ملخص الملخص هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله ! لو أنهم أطاعو الله لأن الله عز وجل هو القوي، هناك نصر استحقاقي:

 

﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

 

(سورة البقرة)

 وهناك نصر تفضلي:

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾

 

(سورة الروم)

 فإن لم نكن نحن والذين يقابلوننا على حق فصار النصر كونياً، الذي عنده طائرات أحدث وشبكة صواريخ وأقمار اصطناعية هو الذي ينتصر، فبين النصر الاستحقاقي كما نصر الله المسلمين في بدر وبين النصر التفضلي كما نصر الروم على الفرس وهناك النصر الكوني، فهو نصر لا علاقة له بالدين إطلاقاً ! الأقوى ينتصر.
 أيها الأخوة الأحباب: المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي ! هذا جوابي حول سؤالكم الكريم.
 طالب: هذه النظرية التعليمية للكون هم يستدلون بالقرآن الكريم على هذه الاكتشافات، ومن المعلوم أن هذه النظريات غير كافية، يمكن أن يأتي جيل يرفض هذه النظريات، وهم يحاولون بالإعجاز العلمي أن يضبطوا الآية القرآنية ويستمدون بها على صحة هذه النظرية، فتصير النظرية دليلاً على صحة الآية القرآنية، مع أن القرآن الكريم لا يعلم تكميله إلا الله سبحانه وتعالى كيف يمكن أن نوثق ونثبت هذا العلم الذي يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، نرجو توضيح وتفسير وملخص عن هذا العلم وصلته بالقرآن الكريم وأدلة على أن هذا العلم يمكن أن يجتهد فيه ويستمد به على صحة ما يقال، والسلام عليكم ورحمة الله.
 الأستاذ: الأخ الكريم جزاك الله خيراً، لا يمكن لا يمكن ولا يمكن أن أقبل أن نوفق بين نظرية وبين آية، لأن النظرية لم تثبت صحتها بعد، أنا أتحدث عن حقيقة قاطعة ما هو العلم؟ العلم حقيقة مقطوع بها تطابق الواقع عليها دليل، لا يمكن أن نتحدث عن إعجاز القرآن الكريم في آية قرآنية مع نظرية لم تثبت صحتها هذا مستحيل ولا أقبل ففيه خطورة كبيرة، فإذا أنت أتيت بنظرية لم تثبت بعد وربطها بآية ثم نقضت النرظية نقضت الآية ! فلا نقبل في إعجاز القرآن إلا حقيقة مقطوع بها تطابق الواقع عليها دليل، وأن يكون التطابق عفوياً تاماً من دون تكلف، الخطورة هنا أن يكون التطابق متكلفاً أو أن تكون القضية العلمية نظرية ولست حقيقة، أما إن كانت حقيقة هذا شيء آمن والله عز وجل.
 بالمناسبة معجزات الأنبياء كلهم معجزات حسية، والمعجزات الحسية تألق مرة واحدة وانطفأ ! فأصبح خبراً يصدقه من يصدق ويكذبه من يكذبه، لكن النبي الكريم نبينا عليه أتم صلاتنا والتسليم وعلى صحابته الميامين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين نبي إلى آخر الزمان خاتم الأنبياء، ينبغي أن تكون معه معجزة مستمرة، فتتميز معجزة نبينا عليه الصلاة والسلام بأنها مستمرة، إنها آيات كونية في القرآن الكريم تزيد عن ألف وثلاثمائة آية، والشيء الذي يحير أن النبي له مئات الأحاديث في أكثر الآيات التعاملية، في البيوع له مئتا حديث، لم يتحدث عن هذه الآيات الكونية إطلاقاً لحكمة بالغة بالغة أمره الله بها أو لاجتهاد منه لماذا لو شرح هذه الآيات شرحاً مبسطاً يفهمه من حوله من أصحابه وحسب معطيات البيئة لنكرنا عليه، ولو شرحها شرحاً عميقاً كما هي عليه لأنكروا عليه، هذه الآيات تركت، كلما تقدم العلم بحقائقه لا بنظرياته كشف جانباً من عظمة هذا الكتاب، فكانت معجزة النبي معجزة مستمرة إلى يوم القيامة، ولا شيء يخضع الغرب كإعجاز القرآن العلمي وأنا أرى الآن أن أقوى خطاب إسلامي أن تبين إعجاز القرآن، النهاية يجب أن نوقن أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن، أنا معك في خطورة أن تكون هناك علاقة بين نظرية وبين آية أرفضها أشد الرفض أنا مع حقيقة علمية مقطوع بها تطابق الواقع عليها دليل مع آية توافقتا توافقاً عفوياً وتاماً.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسم الطيبين الطاهرين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018