بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 38 - المستشارية الإيرانية - مفاهيم شهر رمضان.


2003-11-02

هذه أمسية من أمسيات شهر رمضان المباركة، وهي الأمسية السادسة من هذه الأمسيات التي تقدمها لكم المستشارية الثقافية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من دمشق حيث استضفنا في هذه الأمسيات الخمس الماضية قلة قليلة من العلماء والباحثين والأساتذة استضفناهم حيث بحرنا معهم في محيطات العلم والثقافة والحديث عن مختلف العلوم والأمور التي تهم المسلمين بشكل عام، ونستضيف هذه الليلة وهذه الأمسية فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الباحث والمفكر الإسلامي المعروف الذي أتحفنا خلال هذه السنوات الطويلة بأبحاثه وبكلماته وبمحاضراته القيمة لما فيها من خدمة الإسلام والمسلمين وتوعية المسلمين بشكل عام، ونشكره شكراً جزيلاً باسم المستشارية الثقافية على حضوره في هذه الأمسية وتلبيته لدعوة المستشارية، ندعو الآن فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ليتفضل ليلقي محاضرته وكلمته الطيبة مشكوراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فأنني أشكر للمستشارية الإيرانية هذه الدعوة الطيبة فهي إن دلت على شيء فعلى حسن ظنها بي، وأسال الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظن الأخوة الحاضرين والمستمعين.
أيها الأخوة:
يبدو أن عنوان المحاضرة رمضان وأهل البيت، فكأن هذا العنوان مؤلف من كلمتين فأتول الكلمة الأولى وسيتولى سماحة الشيخ الجليل عبد الله نظام الكلمة الثانية.
أيها الأخوة الكرام:
رمضان عبادة شعائرية، والعبادات كم تعلمون ؛ شعائرية وتعاملية، والعبادات الشعائرية هي الصلاة والصيام والحج والزكاة والنطق بالشهادتين، والعبادات التعاملية كم ذكرها سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه حينما سأله النجاشي عن الإسلام قال أيها الملك:
كنا قوم أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجل نعرف أمانته وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يبعد آبائنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.
هذا تعريف مجمل بالعبادة التعاملية، صدق، وأمانة، وعفاف، وأداء للحقوق وكف عن المحارم، وعن الإساءة بما حول الإنسان.
أيها الأخوة الكرام:
من الثابت قطعاً أن العبادات الشعائرية والصيام من أجلى هذه العبادات، لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا صحت العبادات التعاملية، وطالبوني بالدليل لأنه لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ولا قيمة في الدين لقول لا دليل له، حينما قال الله عز وجل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾

( سورة يوسف الآية: 108 )

فسر بعض علماء التفسير كلمة بصيرة بالدليل والتعليل، إذاً هناك عبادة تعاملية إذا حدثت الناس أن تكون صادقاً، وإذا عاملتهم أن تكون آميناً، وإذا استثيرت الشهوة أن تكون عفيفاً، وأن تصل رحمك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وأن يكون صمتك فكراً، ونطقك ذكراً، وتفكرك عبادة.
أيها الأخوة الكرام:
أنطلق من المقولة الأولى، العبادات الشعائرية، ومنها الصيام لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا صحت العبادات التعاملية، إليكم الدليل الأولى:
نبدأ بالصلاة:

((عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَالَ: لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، بِيضاً. فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً. قَالَ ثُوْبانُ: يَا رَسُولَ اللهِ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ. وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ، أنْتَهَكُوهَا.))

[ أخرجه ابن ماجه ]

((عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟قالُوا:المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمّ طُرِحَ في النّارِ))

[ أخرجه الترمذي ]

هل هناك أقوى من هاذين الدليلين، وهما لسيد الخلق وحبيب الحق، يؤكد أن الصلاة وهي العبادة الأولى، وهي عماد الدين وعصام اليقين وسيدة القربات ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا كان المصلي مستقيماً على أمر الله يعطي كل ذي حقاً حقه، ويلتزم شرع الله ويأتمر بما أمر وينتهي عما عنه نهى وزجر.
الصوم:

((عن أبي هُريرةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزّورِ والعَمَلَ بهِ فَلَيْسَ لله حاجَةٌ بأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ".))

[ أخرجه أحمد في مسنده والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة ]

(( كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش))

[ أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ]

الزكاة:

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

( سورة التوبة الآية: 53 )

النطق بالشهادتين:

((من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة " قيل: وما إخلاصها ؟ قال " تحجزه عما حرم الله))

[ أخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم في معجمه الكبير والأوسط بإسناد حسن ]

الحج:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من أم هذا البيت من الكسب الحرام شخص في غير طاعة الله فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام وزادك حرام وراحلتك حرام فارجع مأزوراً غير مأجور وأبشر بما يسوؤك ))

[ أخرجه البزار ]

هي الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين، إذاً العبادات الشعائرية والصيام أحد هذه العبادات لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا صحت العبادات التعاملية العبادات التعاملية أيها الأخوة كالعام الدراسي، دوام ودراسة ومراجعة ومذاكرة وبحث ودرس وسهر، والعبادة الشعائرية كساعات الامتحان الثلاثة، هذه الساعات الثلاثة إذا دخلها الطالب وهو محضر جيداً هي أروع ساعات حياته، لأنه يقطف ثمار دراسته في هذه الساعات الثلاثة حيث يكتب ما حفظ وما فهم وما بحث وما درس، أم الذي لم يداوم إطلاقاً ولم يفتح كتاباً ولم يسأل سؤالاً، ودخل الامتحان ماذا يفعل بالامتحان، لذلك:

﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

( سورة النساء )

لذلك:

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)﴾

( سورة البقرة )

أيها الأخوة:
إذاً العبادات لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، العبادات التعاملية هي حقيقة الدين وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
ولأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أثنى الله عليه أثنى على خلقه العظيم لأن في الأصل بشر ولولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، لأنه سيد البشر ؛ أي لأنه انتصر على بشريته.
أيها الأخوة الكرام:
هذا الأمر يقودنا إلى موضوع دقيق، نحن أمام عبادات شعائرية والله الذي لا إله إلا هو آكاد أقول ولا أبالغ إن منهج الله يزيد على مئة ألف بند والعبادات الخمس خمس بنود من هذه الأصناف التي لا تعد ولا تحصى لأن كل أمراً في القرآن الكريم يقتضي الوجوب فإذا قرآنا القرآن في رمضان وقال الله عزوجل:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾

( سورة البقرة الآية: 83 )

يجب أن نقول للناس حسنا، فأي أمراً في القرآن يقتضي الوجوب لكن أيها الأخوة بربكم، هل تقبل من مدير مؤسسة يقول لأحد الموظفين أذهب إلى حلب واتصل بي من حلب ثم عود إلى الشام، ولا عمل إطلاقاً هكذا عمل بلا جدوى، بلا فائدة، بلا ثمرة، لا يمكن أن يصدر عن إنسان محترم، فإلهاً عظيم يكفي أن يأمر المسلمين بترك الطعام والشراب وتكون هذه عبادة عظيمة، لا والله، لا بد من أن يكون خلف هذا الأمر حكماً لا تعد ولا تحصى، إن من أبرز هذه الحكمة أن الإنسان حينما يعد الطعام والشراب سوف يعد كل ما حرمه الله من باب أولى، وإلا يختلى توازنه، فكأن الله أرادنا أن تقوى إرادتنا على طاعته في جزئيات الدين، فنحن حينما ندع المباحات لا نستطيع أن نقترف المحرمات، لا يمكن أن ندع الطعام والشراب ونكذب، أن ندع الطعام والشراب ونطلق أبصارنا في الحرام أن ندع الطعام والشراب وأن نحتال على الناس، إذاً هذا شهر عبادة، ولكن لا يقبل ولا يصح أنه إذا جاء العيد أن نعود إلى ما كنا عليه، إذاً لا معنى لهذا الصيام، فكأنه قفزة نوعية في حياة المسلم، لذلك المنافق إذا صام مثله كمثل الناقة حبسها أهلها فلا تدري لما حبست ولا لما أطلقت، إذاً أول شيئاً في الصيام أنه يقوي إرادتك على طاعة الله فيما أمر والانتهاء عما عنه نهى وزجر، أنت في رمضان تغض البصر وينبغي أن تتابع غض البصر طوال العام أنت في رمضان تصلي الفجر في المسجد، والعشاء في المسجد ينبغي أن تتابع الصلاة في المسجد طوال العام.

((من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح.))

أنت في رمضان تقرأ القرآن وينبغي أن تتابع قراءة القرآن إلى آخر العام، أنت في رمضان تعطي من مالك الحلال لكل محتاج ومسكين، فهذه الأخلاق الرمضانية، وهذا الالتزام الرمضاني مهمته أن يستمر طوال العام، إذا هو قفزة نوعية.
تعريف آخر للصيام أيها الأخوة:
إنه إعادة تأهيل المسلم، أحياناً الدولة يكون عندها موظفون كثيرون تجري لهم دورات تأهيلية وكأن هذا الشهر دورة تأهيلية للمسلم ليجدد علاقته بالله عزوجل ليذوق طعم القرب، ليذوق طعم الحب، ليذق طعم الوقف بين يدي الله عز وجل، ليذوق طعم تلاوة القرآن، ليذوق طعم الإنفاق في سبيل الله، كأن الله عزوجل أرادنا أن نذوق جانب إيجابياً في الدين، فلعل هذا الذوق نستسيغه ونطرب له فيستمر معنا إلى نهاية العام.
أيها الأخوة الكرام:
رمضان شهر الصلح مع الله، وإذا رجع العبد إلى الله ناد منادى في السماوات والأرض أن هنئوا فلان فقد اصطلح مع الله، الحقيقة التئنهة الحقيقية، نحن نستخدمها في مناسبات الزواج، والنجاح في الجامعة، وتأسيس عمل تجاري، ولكن والله أيها الأخوة لا تقدر التئنهة الحقيقية إلا بمعرفة الله عزوجل والالتزام بأمره، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في بعض الأحاديث القدسية:

((عبدي خلقت السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك وعزتي وجلالي، إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطنَّ عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً. عبدي أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.))

شهر فتح صفحة مع جديدة.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي روأه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت آذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشتياقا لـــقربنا
ولو لاحت من أنوارنا لك لاحاً تركت جميع الكــائنات لأجلنا
فما حـــبنا سهلاً وكل ادعى سهولته قلنا له قد جهلـــتنا
***

أيها الأخوة الكرام:
ينبغي أن نفهم هذه الآية على نحو أو آخر، كنت أقول لو طفلاً صغيراً قال لك أنا معي مبلغ عظيم، كم سيبلغ هذا المبلغ ؟ مئة ليرة، لو قال موظف كبير بالبنتاغون أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً كم تفهم هذا الرقم ؟ 8 مليار دولار، كلمة عظيم واحدة لكن تختلف قالها طفل فقدرتها بمئة ليرة وقالها موظف كبير في دولة عظمة فقدرتها بثمانين مليون دولار فإذا قال الله عز وجل وهو ملك الملوك:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

( سورة النساء )

معنى ذلك في رمضان حينما تصطلح مع الله، حينما تعرف الله، حينما تعرف منهجه، حينما تأتمر فيما أمر وتنتهي عما نهى عنه وجزر، حينما تتصل به، حينما ترتاح في توبتك، حينما تفوز في إقبالك على الله، تكون قد حققت فرصة أو نجاحاً لا يقدر بثمن هو أن نقفز من هذا الشهر.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

( سورة البقرة )

لعلكم تتقون الله، لعلكم تتقون شقاء الدنيا وشقاء الآخرة، لعلكم تتقون متاعب الدنيا، إنك إن صلحت نفسك مع الله كما قال الله عز وجل:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

( سورة النساء )

أيها الأخوة الكرام:
الإنسان علة وجوده في الدنيا العبادة لذلك قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

( سورة الذاريات )

والعيادة: طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
هذا التعريف الدقيق تعريف متوازن، في جانب معرفي لابد من أن تكون على علم لأن مرتبة المؤمن تعني مرتبة علمية، ولأن مرتبة المؤمن تعني مرتبة أخلاقية، ولأن مرتبة المؤمن تعني مرتبة جمالية، إذاً هو العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، ما عبد الله من أكره على طاعته، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه، وما عبد الله من لم يكن مؤتمراً بما أمر ومنتهياً عما عنه نهى وزجر، هذه العبادة أيها الأخوة التي هي علة وجودنا.

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

لها معناً شمولي كبير من معانيها الكبيرة:
أن هناك ما يسمى بعبادة الهوية، أنت من ؟ عبادتك الأولى إنفاق المال، أنت عالم عبادتك الأولى تعليم العلم، أنت قوي عبادتك الأولى إنصاف المظلوم، أنتِ امرأة عبادتكِ الأولى رعاية الزوج والأولاد، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اعلمِ أيتها المرأة وأعلمي من دونك النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

أول عبادة عبادة الهوية، ونحن في شهر العبادة.
العبادة الثانية: عبادة الظرف، لك قريب مريض العبادة الأولى رعاية هذا المريض، عندك ضيف العبادة الأولى إكرام هذا الضيف، عندك ابن يؤدي امتحاناً العبادة الأولى العناية بهذا الابن، هذه عبادة الظرف.
العبادة الثالثة: عبادة العصر، الزمن، إذا كان الطرف الآخر يريد إفقار المسلمين فكسب المال الحلال وإنفاقه في مصالح المسلمين هو العبادة الأولى، وإذا كان الطرف الآخر يريد إضلال المسلمين فترسيخ معالم الدين هو العبادة الأولى، وإذا كان الطرف الآخر يريد إفساد المسلمين فالعبادة الأولى تحصين الشباب بمعاهد وجامعات ومؤسسات تربوية، ومناشط من أجل ألا ينطلقوا إلى مالا يرضي الله عز وجل، وإذا أراد الطرف الآخر إذلال المسلمين فينبغي أن نضحي بالغالي والرخيص والنفس والنفيس، فنحن في رمضان وهو شهر عبادة لكنه عبادة شعائرية، والعبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا صحت العبادة التعاملية، والعبادة التعاملية مفردات المنهج الإلهي أداء الأمانة، صلة الرحم، الإنفاق، الصدق، الأمانة، العفة، هذا هو الدين، والله الذي لا إله إلا هو لو فهم أصحاب رسول الله الإسلام كما نفهمه نحن والله ما خرج من مكة، بقي في مكة، لكن لأنهم فهموا الإسلام قيماً أخلاقية، ولأن النبي حينما قال عليه الصلاة والسلام:

((بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ ))

[ رواه البخاري ومسلم ]

كيف تفهمون هذا الحديث ؟ الإسلام شيء والخمس شيء آخر، نفهم هذا الحديث أن الإسلام منظومة قيم أخلاقية معتمدة على عبادات شعائرية، فنحن في عبادة شعائرية وينبغي ويجب أن ننتبه إلى أنه لا بد من ضبط الجوارح، من ضبط الرأس وما وعى وضبط البطن وما حوى، وأن نذكر الموت والبلا.
و الحمد لله رب العالمين
أحسنتم سماحة الدكتور، نشكر شكراً جزيلاً فضيلة الدكتور راتب النابلسي على هذه الكلمة القيمة في..... وأبعاد وفلسفة شهر رمضان المبارك ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الملتزمين من أهل الإسلام الأصيل، ومن المتعبدين بحق وحقيقة في هذا الشهر المبارك.
أود أن أوجه نقطة للدكتور راتب النابلسي، نتحدث عن موضوع العبادات سواء العبادات الفقهية أو الاجتماعية لو سمحت دكتور ؟؟؟؟.
الدكتور راتب:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أنا أتصور أنه حينما فهم المسلمون الأوائل الإسلام على أنه منهج عبادي وتعاملي كانت راياتهم ترفرف في مشارق الأرض ومغاربها، وحينما تقلص الإسلام إلى عبادات شعائرية تؤدى أداء أجوف وأهملنا العبادة التعاملية سرنا كأية أمة، دقق أيها الأخ الكريم حينما قال الله عز وجل:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

( سورة المائدة )

وإذا قال المسلمون نحن أمة محمد أمة مرحومة يقال لهم " فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ " الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، نحن أمة مقصرة الآن، لابد من توضيح معالم الحق، أقول هذه الكلمة، والله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، وقد قال الله عز وجل:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

أين الاستخلاف ؟

﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

( سورة النور الآية: 55 )

استخلاف وتمكين وتطمين، لمَ لم تحدث هذه الوعود مع أن وعد الله حق، قال:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

( سورة مريم )

وقد أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها ولكن يعني تفريغها من مضمونها، هذا الذي أحض عليه في كل لقاء طيب مع أخوة أكارم مؤمنين أن ننتبه إلى أن هذا الدين عظيم، لكن يحتاج إلى فهم عظيم، أذكر لكم هذه الكلمة:
رجل في أمريكة هداه الله إلى الإسلام أستاذ جامعي وزار الجالية الإسلامية في بريطانيا فقال له ما يلي قال: أنا أعتقد أنه في المدى المنظور لا يستطيع المسلمون اللحاق بالغرب، هذا قوله أنا لا أناقش قوله، أناقش الفقرة الثانية، قال ولكنني مؤمن أيماناً لا حدود له أن العالم كله سيركع أمام أقدامهم لأن معهم منهج الخلاص لهذه الأمة بشرط، الآن دقق أن يحسنوا فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه، ينبغي أن نحسن فهم الدين وأن نحسن تطبيقه، وأن نحسن عرضه، لماذا قال الله عز وجل:

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾

( سورة الأحزاب )

لأن أهل بيت النبي جزء من الدعوة إلى الله وما دام أهل البيت جزء من الدعوة فلابد أن يكنوا في كمال رائع، لأن الذي يدعو إلى الله، دقق في هذه الفكرة الذي يدعو إلى الله ولا تجد في بيته استقامة ولا التزاماً، هناك سؤالان خطيران لا جواب لهما، أول سؤال:
إذا كنت تدعي أنك على حق لما لا يطبقوا أهل بيتك هذا الحق ؟ إن كنت عاجزاً أنت لست أهلاً أن تقول كلمة، وإن كان هذا المنهج غير واقعي لا تعرضه للناس.
إذاً لا يمكن أن يستطيع الداعية في أي مكان وزمان أن يؤثر في الناس إلا إذا كان أهل بيته منضبطين.
لذلك حينما تولى الله بذاته تطهير أهل البيت لأن أهل بيت النبي جزء من الدعوة إلى الله، والله أعلم.
يقول السائل: تحدثتم بشكل يجعل القلوب وجلة لذكر الله تعالى ولكن نحن الآن في ظروف عصيبة وتهديدات متوالية من الشيطان الأكبر، لذلك نحن بحاجة في هذا الشهر لذكر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أخوتنا الكرام:
لقد قال الله عز وجل:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

( سورة آل عمران الآية: 110 )

لكن هذه الآية فيها ملمح دقيق، في الآية نفسها ذكر الله علة الخيرية.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

ففي اللحظة لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر فقدنا خيريتنا، وأصبحنا أمة كأية أمة لا شأن لنا، لذلك اضطر العلماء إلى تقسيم أمة محمد إلى أمتين، أمة الاستجابة وأمة التبليغ، أمة محمد إذا استجابت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أمة الاستجابة وهي خير أمة أخرجت للناس، وإن لم تستجب فهي أمة التبليغ ولا وزن لها عند الله.

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾

الآن: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( كيف بكم إن لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، قالوا أوكائن ذلك يا رسول الله، قال وأشد منه سيكون، قالوا وما أشد منه، قال كيف بكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ونهيتم عن المعروف، قال أوكائن ذلك رسول الله، قال أوشد منه سيكون قال وما أشد منه، قال كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ))

فحينما يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً نحن في حالة خطيرة جداً، ولكن النصر الذي نحلم به أولاً الحرب بين حقين تكون، إذاً الحق لا يتعدد وبين حق وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، لكن وبين باطلين لا تنتهي.
أيها الأخوة:
القضية الدقيقة جداً أن النصر الذي نحلم به في شتى أرجاء العالم الإسلامي يحتاج إلى شرطين كلاهما شرط لازم غير كافٍ، يحتاج إلى إيمان يحملنا على طاعة الله، أما الذي لا يحمل لا قيمة له بدليل من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال أن تحجزه عن محارم الله، ونحتاج إلى إعداد لأعدائنا، إن أمنا ولن نعد لا ننتصر، وإن أعددنا ولن نؤمن لا ننتصر، فإذا اجتمع الأعداد والإيمان انتصرنا، وهذه سنة الله في خلقه، فإذا أردنا أن نتحدث عن أسباب للنصر غير الذي وردت في القرآن لا ننتصر، إن لم نقم أمر الله في نفوسنا، وفي بيوتنا، وفي أعمالنا، هذا الذي بإمكاننا، ولإبليس الآن تلبيس على المسلمين الأشياء التي بإمكانهم أن يفعلوها لا يفعلوها، من يمنعك أن تكون صادقاً وأن تكون أميناً، وأن تكون متقناً لعملك، وأن تربي أولادك وبناتك، من يمنعك ؟ من يمنعك، تحمل هم المسلمين ؟ هناك فئة الآن إن لم تتحقق الأهداف المستحيلة لا يفعل شيئاً مع أنه بإمكانك أن تفعل مليون شيء والأهداف الكبرى لن تتحقق، وهذا اللقاء الطيب من هذه الأشياء، فأنت حينما تريد أن تتحرك الطرق سالكة إلى الله.

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾

( سورة الأنعام الآية: 153 )

الطريق إلى الله واحد، لكن طرق الشيطان لا تعد ولا تحصى بدليل:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾

آية ثانية:

﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾

جمع:

﴿إِلَى النُّورِ﴾

( سورة البقرة الآية: 257 )

الحق لا يتعدد، يعني بين نقطتين لا يمر إلا خط مستقيم واحد، لكن يمر مليون خط منحني ومنكسر، هذا هو الباطل.
فلذلك أيها الأخوة: لا بد من أن نؤمن بالله الإيمان الذي يحملنا على طاعته ولا بد من أن نعد لأعدائنا القوة التي ينبغي، لكن من فضل الله علينا أن الله ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة، لكنه كلفنا أن نعد القوة المتاحة وعلى الله الباقي، إذاً نؤمن ونستقيم ونعد لأعدائنا ما نستطيع عندئذ النصر قريب، أما أن نكف عن عمل نستطيعه ونبحث عن عمل لا نستطيعه هذا من تلبيس إبليس على المسلمين.
سؤال:
جواب:
والله لست متحققاً من هذا الحديث، فإما أن تعطيني فرصة، أنا ما مر معي هذا الحديث، لكن الذي مر معي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( يا فاطمة بنت محمد يا عبَّاس عمَّ رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.))

لماذا ؟ لأن الله أرادنا أن نكون مؤهلين للجنة.

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

( سورة الزمر )

هكذا يقول الله عز وجل، فالعبرة أن نعمل، والعبرة أن نرجو رحمة الله عز وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018