بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 50 - طفس - مهمة الإنسان في الدنيا.


2004-10-13

 بادئ ذي بدء أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة وأشكر لكم أيضاً هذا الحضور الكريم الذي إن دل على شيء فعلى اهتمامكم بالمعرفة ذلك لأن في الإنسان حاجات دنيا يستوي بها مع بقية المخلوقات، وفي الإنسان حاجات عليا يتميز بها على بقية المخلوقات من هذه الحاجات العليا طلب المعرفة، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، و إذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، و العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، و يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً والذي لم يطلب العلم كالأعمى يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، أيها الإخوة الكرام، قيل إن الإنسان إذا عرف نفسه عرف ربه، الإنسان هو المخلوق الأول لأن الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 72]

 لمجرد أن هذا المخلوق قبل حمل الأمانة وقال أنا لها يا رب، قال تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) ﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 70]

 والإنسان حينما جيء به إلى الدنيا جيء به إلى الدنيا لمهمة كبيرة هي أن يتعرف إلى الله، وأن يحمل نفسه على طاعته، وأن يتقرب إليه بالعمل الصالح، لأن معرفة الله وطاعته والعمل الصالح ثمن الجنة، والإنسان خلق لجنة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.
 أيها الإخوة الكرام، علة وجودنا في الدنيا أن نعبد الله عز وجل، قال تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 56]

 والعبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية مفهوم العبادة واسع جداً، لكن المسلمين في عصور تخلفهم ضيقوه ومسخوه إلى أداء عبادات شعائرية لا تقدم ولا تؤخر أداء أجوف، بينما العبادة تدور مع الإنسان في كل حركاته وسكناته، نحن بعد أيام ندخل في أكبر ثاني عبادة في الإسلام عبادة الصيام، وينبغي أن نعلم علم اليقين أن في الإسلام عبادات شعائرية وأن في الإسلام عبادات تعاملية، العبادات الشعائرية كالصلاة و الصيام والحج والزكاة، هذه العبادات لا تصح ولا تقبل وهذه أخطر فكرة في هذا اللقاء الطيب العبادات الشعائرية كالصلاة و الصيام والحج والزكاة، لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية الدليل: عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ ابن ماجه ]

 من هو المفلس ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ قَالَ الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم، الترمذي ]

 إن لم تصح العبادة التعاملية لا تصح ولا تقبل العبادة الشعائرية هذه حقيقة مهمة جداً لأن المسلمين تغافلوا عن العبادات التعاملية كالصدق والأمانة و العفة و الإتقان و إنجاز الوعد و ما إلى ذلك و اكتفوا بالعبادات الشعائرية التي لا تكلفهم شيئاً إلا حركات و سكنات و قراءات.
 أما الصيام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[ البخاري، الترمذي أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

 أما الزكاة:

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 53]

 أما الحج:

((من حج بمال حرام و وضع رجله في الركاب و قال لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك و لا سعديك و حجك مردود عليك.))

 إذاً نحن على مشارف عبادة كبيرة ما لم تتحقق العبادة التعاملية لا قيمة لها.
 علة وجودنا أن نعبد الله، و لكن كيف نعبده ؟ نعبده فيما شرع لنا، لكن الحقيقة الدقيقة التي هي سبب هذه المحاضرة هو أن الإنسان إذا عرف الله ثم عرف الأمر تفانى في طاعة الآمر، أما إذا عرف الأمر و لم يعرف الآمر تفنن في التفلت من الأمر، لذلك الأصل أن نعرفه، كيف نعرفه ؟ نستهدي إلى معرفته، طبعاً هناك معرفة بالكون و هذا اختصاص الجامعات كلها بالأمر التكويني، و هناك معرفة بالله عز وجل، و هناك معرفة بأمره.
 المعرفة بأمره من اختصاصات كليات الشريعة، و المعرفة بخلقه من اختصاص جامعات العالم، أما المعرفة به لا تكون إلا من خلال الكون الذي هو خلقه، و الحوادث التي هي أفعاله، و القرآن الذي هو كلامه، طرق ثلاث موصولة إلى الله عز وجل.
 في هذه المحاضرة نتحدث عن الكون و عن الإنسان، لأن الله سبحانه و تعالى لا تدركه الأبصار و لكن العقول تصل إليه عن طريق خلقه لذلك قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 نحن أمام كون ندركه بحواسنا من منا يصدق أن في الكون مليون مليون مجرة وأن مجرتنا التي نحن فيها اسمها درب التبابنة على شكل مغزل وأن المجموعة الشمسية بأكملها لا تزيد عن نقطة في هذه المجرة، نقطة الآن أقرب نجم ملتهب إلى الأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، ما معنى أربع سنوات ضوئية يعني أن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، كم يقطع بالدقيقة ؟ ضرب ستين، كم يقطع بالساعة أيضاً ضرب ستين، كم يقطع في اليوم ؟ ضرب أربع وعشرين، كم يقطع في السنة ؟ ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، كم يقطع في أربع سنوات ؟ طالب من طلاب الثانوي بإمكانه أن يضرب... هذا الرقم لو قسمناه على مئة يعني أردنا أن نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية قسمناه على مئة كم ساعة ؟ أربع وعشرين كم يوم ؟ على ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة ؟ أقرب نجم ملتهب إلى الأرض إن أردنا أن نصل إليه بمركبة أرضية نحتاج إلى خمسين مليون عام، خمسين مليون عام ونحن في الطريق إلى هذا الكوكب الذي هو أقرب نجم ملتهب إلينا.
 لو انتقلنا إلى نجم القطب بعده عنا أربعة آلاف سنة، الأربعة سنوات تحتاج إلى خمسين مليون عام القطب أربعة آلاف سنة ضوئية، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، الآن في نجم اكتشف عشرين مليار سنة ضوئية والمليار مليون مليون، الله عز وجل ماذا قال ؟ قال تعالى:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 إنه لقسم لو تعلمون عظيم، يعني هذا النجم الذي يبعد عنا عشرين مليار سنة كان في هذا المكان وأرسل ضوءه وبقي الضوء يمشي عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا، تاريخ البشرية كله ستة آلاف عام.
 أيها الإخوة الكرام، لذلك قال تعالى:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 هذه ملاحظة من إعجاز القرآن الكريم العلمي، شيء آخر هو أن الأرض في دورتها حول الشمس، الأرض في دورتها حول الشمس تسير في مسار إهليلجي والمسار الإهليلجي كالشكل البيضوي له قطر أطول وقطر أصغر وأن الذي يربط الأرض بالكواكب نظام الجاذبية ونظام الجاذبية أحد أكبر عوامله المسافة والكتلة فالأرض في رحلتها حول الشمس إذا اقتربت من الشمس في القطر الأصغر يمكن أن تنجذب إلى الشمس وإذا انجذبت إليها تبخرت الأرض كلها في ثانية واحدة لأن الحرارة في مركز الشمس عشرين مليون درجة إذاً تنتهي الحياة قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 41]

 أي أن تنحرف عن مسارها ما الذي يبقي الأرض في مسارها حول الشمس ؟ الله جل جلاله ولكن كيف ؟ الأرض حينما تقترب من القطر الأصغر ترفع سرعتها لينشأ من ارتفاع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها، أما إذا اقتربت من القطر الأطول لئلا تضعف الجاذبية فتتفلت من مسارها حول الشمس تنخفض سرعتها لينشأ من انخفاض السرعة قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 41]

 يد من تبقي الأرض في مسارها حول الشمس لأنها لو اقتربت من الشمس لتبخرت في ثانية واحدة ولو خرجت عن مسارها لأصبح الكوكب كوكباً جليدياً تنتهي الحياة فيه، لكن افتراضاً لو أن هذه الشمس تفلتت و أردنا إرجاعها عن طريق الحبال قال نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي كل حبل فولاذي قطره خمس أمتار والحبل الفولاذي الذي قطره خمسة أمتار يتحمل من قوى الشد مليوني طن، يعني الأرض مرتبطة بالشمس بمليون مليون ضرب مليوني طن من أجل أن تنحرف ثلاثة مليمتر في كل ثانية لتبقى في مسارها حول الشمس، صنع من ؟ قدرة من ؟ علم من ؟ حكمة من ؟ لذلك هذه الحبال لو ربطت فيها الأرض لكان بين كل حبلين مسافة حبل واحد نحن أمام غابة من الحبال لا طرقات ولا زراعة ولا طيران ولا بناء ماذا قال الله عز وجل ؟

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 2]

 يعني رفعها بعمد لا ترونها، هذه قوى التجاذب القرآن الكريم فيه ألف وثلاثمئة آية أيها الإخوة الكرام، تتحدث عن الكون ذلك لأن كل كتاب سابق وكل نبي سابق كان لقومه والمعجزات السابقة كانت حسية بمعنى شيء حصل وانتهى وبقي خبراً يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه، لكن معجزة النبي عليه الصلاة والسلام لأنه لكل البشر ولأنه خاتم الأنبياء ولأنه كتاب إلى نهاية الحياة إذاً لابد له معجزة مستمرة، ما المعجزة المستمرة التي تثبت أن هذا القرآن كلام الله ؟ آيات كونية في كتاب الله عددها تقريباً ألف وثلاثمئة آية فيها إشارات إلى السماء والأرض وإلى المطر وإلى النهر والشجر والزهر والحجر والبحار والأطيار والأسماك وإلى خلق الإنسان، ألف وثلاثمئة آية الذي يلفت النظر أيها الإخوة الكرام، أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفسر هذه الآيات مع أن أي موضوع تعبدي له فيه مئات الأحاديث إلا أن هذه الآيات ألف وثلاث مئة كأن النبي عليه الصلاة والسلام باجتهاد منه أو بتوجيه من ربه امتنع عن تفسيرها لماذا ؟ لأنه لو فسرها تفسيراً بسيطاً قريباً لأنكرنا نحن عليه ولو فسرها تفسيراً عميقاً موسعاً لأنكر عليه أصحابه لذلك امتنع النبي عليه الصلاة والسلام عن تفسيرها وتركت هذه الآيات لتكون علامة إعجاز على أن هذا القرآن الكريم كلام الله فكلما تقدم العلم كشف عن جانب منها.
 فالأرض في دروتها حول الشمس تمر ببروج قال تعالى:

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾

 

[ سورة البروج: الآية 1]

 من هذه البروج برج العقرب، برج العقرب أيها الإخوة الكرام، برج كبير فيه نجم صغير متألق اسمه قلب العقرب، هذا النجم الصغير الذي اسمه قلب العقرب استعدوا الآن... يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة ومع ذلك هذا النجم الصغير قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما ذلكم الله رب العالمين.
 هذا الإله العظيم أيها الإخوة الكرام، يعصى ؟ هذا الإله العظيم ألا تتقى ناره ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا يطاع ؟ كيف ينام الإنسان وهو عاص لله عز وجل ؟

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

[ سورة يونس: الآية 101]

 لا تنظر إلى صغر الذنب و لكن انظر على من اجترأت، ما من عبد يعتصم بي، ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات و الأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، و ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه و قطعت أسباب السماء بين يديه، و من أصبح و أكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، و شتت عليه شمله، و لم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، و من أصبح و أكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، و جمع عليه شمله، و أتته الدنيا و هي راغمة.
 ورد في بعض الأحاديث القدسية أيها الإخوة:

((إني و الأنس و الجن في نبأ عظيم أخلق و يعبد غيري، و أرزق و يشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، و شرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي و أنا الغني عنهم، و يتبغضون إليّ بالمعاصي و هم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، و من أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، و إن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب و المعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها، خلقت لك السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، فعزتي و جلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً.))

 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

[ سورة يونس: الآية 101]

 وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، قل انظروا ينبغي أن نتفكر في خلق السموات والأرض لأننا إذا عرفنا الله تفانينا في طاعته أما إذا لم نعرفه نتفنن في التفلت من أمره كحال المسلمين اليوم، أيها الإخوة الكرام، المسلمون اليوم بحال لا يحسدون عليه مع أن الله وعدهم قال تعالى:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 بربكم هل نحن مستخلفون في الأرض ؟ لا، هل نحن ممكنون في الأرض ؟ لا، هل نحن مطمئنون ؟ لا، أين وعود الله عز وجل مع أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ؟ زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعوده للمؤمنين ومع ذلك لا استخلاف ولا تمكين ولا تطمين لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59]

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي، وحينما قال الله عز وجل:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن الدين الذي هم عليه لم يرتضيه لهم، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 مع أن الله يقول:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46]

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 وعد الله عز وجل عباده المؤمنين أنهم إذا صبروا وإذا اتقوا لا يضرهم كيدهم شيئاً فكل هذا الكيد الكبير يلغى، أيها الإخوة الكرام، بعض محطات الفضاء الكبرى عرضت صورة قبل سنوات إذا تأملت فيها لا تشك لثانية واحدة أنك أمام وردة جورية، وردة جورية بكل ما في هذه الكلمة من معنى أوراق حمراء داكنة وريقات خضراء زاهية كأس أزرق في الوسط، الحقيقة ليست هذه وردة جورية إنما هي صورة انفجار نجم اسم عين القط يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، الأربع سنوات تحتاج لخمسين مليون عام، هذا النجم يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية قال تعالى:

 

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) ﴾

 

[ سورة الرحمن]

 لو قرأت كل التفاسير لا يروى غليلك إلا بهذه الصورة لذلك قال سيدنا علي في القرآن الكريم آيات لما تفسر بعد.
 أيها الإخوة الكرام، هذه بعض آيات الله في الأكوان وأنهي آيات الآفاق بأن في القرآن الكريم آية تشير إلى أكبر نظرية عرفت حتى الآن هي النظرية النسبية التي جاء بها أنشتاين والذي عرف من خلالها السرعة المطلقة في الكون إنها سرعة الضوء وهي ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية تقريباً وأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 والعرب تعد السنة القمرية أي إن القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، وإخوانا الطلبة الذين يلمون بالرياضيات ببساطة بالغة يمكن أن يعرفوا كم كيلو متر يقطع القمر في رحلته حول الأرض كيف ؟ نأخذ خطاً من مركز الأرض إلى مركز القمر هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، ضرب اثنين القطر، ضرب 3.14 يكون المحيط إذاً يمكن أن نعلم كم كيلو متر يقطع القمر في رحلته حول الأرض في شهر، في العام ضرب اثني عشر في ألف عام ضرب ألف، هذا الرقم الكبير لو قسمناه على ثواني اليوم، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 لو قسمنا المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثواني اليوم لكانت سرعة الضوء الدقيقة 299972 هذه سرعة الضوء الدقيقة لذلك هذه الآية، عرض هذا الموضوع في مؤتمر الإعجاز العلمي الخامس في موسكو والموضوع أصله عندي، آية كريمة تشير إلى أكبر نظرية في الفيزياء جاء بها أنشتاين هي النظرية النسبية، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 هذا عن آيات الله في الآفاق فماذا عن آيات الله في النفس ؟ قال تعالى:

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾

 

[ سورة التين: الآية 4]

 شعرات الإنسان، الإنسان المتوسط في رأسه ثلاثمئة ألف شعرة في كل شعرة شريان و وريد و عصب و عضلة و غدة دهنية و غدة صبغية، في شبكية العين الشبكية حجمها كجبة العدس تقريباً فيها مئة و ثلاثين مليون عصية و مخروط من أجل رؤية دقيقة، و لو درجنا اللون الأخضر ثمانمئة ألف درجة لاستطاعت العين البشرية أن تفرق بين درجتين:

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 11]

 المرأة حينما تولد ينزل مع الجنين المشيمة، المشيمة من آيات الله الدالة على عظمته، المشيمة تجتمع فيها دورة دم الأم مع دورة دم الجنين، و الدمان من زمرتين مختلفتين و لو أعطينا إنساناً دماً من غير زمرته لمات فوراً، و دم الأم زمرة و دم الجنين زمرة و يجتمع الدمان في هذه المشيمة دون أن يختلطا لأن بينهما غشاء رقيق سمي الغشاء العاقل، هذا الغشاء يقوم بمهمات لا يستطيعها أطباء الأرض مجتمعين، ماذا يفعل ؟ يأخذ الأوكسجين من دم الأم يطرحه في دم الجنين، هذا الأوكسجين قام مقام جهاز التنفس، ثم يأخذ عوامل المناعة في دم الأم يطرحها في دم الجنين لئلا يصاب الجنين بأمراض أمه محصنة منها، فعوامل المناعة يأخذها الغشاء العاقل من دم الجنين و يطرحها في دم الأم، ثم إن الغشاء العاقل يأخذ السكر من دم الجنين و يطرحه في دم الأم مع الأنسولين يأخذه من دم الجنين و يطرحه في دم الأم، ثم يأخذ المكونات الغذائية، البروتينات، مواد دسمة، شحوم، أنزيمات، فيتامينات، معادن، أشباه معادن، كلها يأخذها بمعايير لا يستطيعها بنو البشر يعرف المعايير و ينفذها يطرحها في دم الجنين:

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾

 

[ سورة التين: الآية 4]

 ثم يأخذ من دم الجنين ثاني أكسيد الكربون الذي نتج من حرق السكر، يأخذه و يطرحه في دم الأم كي يطرح عبر رئتيها، ثم يأخذ حمض البول من دم الجنين الذي هم محصلة الاستقلاب يطرحه في دم الأم كي يطرح عبر كليتيها، ما هذا الغشاء ؟ هل هذه من بديهيات الطب أيها الإخوة:

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾

 

[ سورة التين: الآية 4]

 قلب الإنسان يضخ ثمانية أمتار مكعبة في اليوم، قلب إنسان عاش ستين سنة يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم، أكبر مضخة عرفها الكون هذا القلب الذي لا يكل و لا يمل:

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾

 

[ سورة التين: الآية 4]

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)﴾

[ سورة الطارق ]

 في اللقاء الزوجي يخرج من الزوج من ثلاثمئة إلى خمسمئة مليون حوين منوي، و البويضة تحتاج إلى حوين واحد ما هذه الدقة في خلق الإنسان ؟ لذلك أيها الإخوة يقول الله عز وجل:

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 28]

 ورد في بعض كتب الأثر:

 

((أن أحد الأنبياء قال يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني و أحب من أحبني و حببني إلى خلقي، قال يا رب إنك تعلم أني أحبك و أحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال ذكرهم بآلائي و نعمائي و بلائي، أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني، و ذكرهم بنعمائي كي يحبوني، و ذكرهم ببلائي كي يخافوني ))

 و لابد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله و محبة له و خوف منه.
 أيها الإخوة الكرام، كلما ازددت علماً بالله ازددت خشية له لقوله تعالى:

 

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 28]

 و كلما بعد الإنسان عن الخشية لأنه ضألت معرفته بالله تصبح العبادات عليه ثقيلة:

 

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 45]

 أيها الإخوة الكرام، من أدق تعريفات الإنسان أنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، نحن بضعة أيام، نحن زمن، لذلك أقسم الله بمطلق الزمن بهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن، قال تعالى:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

[ سورة العصر ]

 فالإنسان في نص الآية خاسر لا محالة، خاسر كجواب للقسم:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

[ سورة العصر ]

 لكن الإنسان يتلافى الخسارة إذا آمن و عمل صالحاً و تواصى بالحق و تواصى بالصبر، أي إذا طلب العلم و عمل به و دعا إليه و صبر على طلبه و على العمل به و على الدعوة إليه عندئذ ينجو من الخسارة.
 أيها الإخوة الكرام، بقيت آية يلفت النظر من آيات الله الدالة على عظمته، تحدثنا عن آيات الكون و عن آيات في خلق الإنسان، من آيات خلق الإنسان أن العصب الشمي هو عشرين مليون عصب، و أن كل نهاية عصب من هذه الأعصاب فيه سبعة أهداب، و أن هذه الأهداب مغمسة بمادة تتفاعل مع الرائحة فيتشكل من تفاعلها شكل هندسي، فكل رائحة لها شكل هندسي هو رمز لها، و الإنسان إذا شمّ عطراً معيناً يتشكل من هذا العطر مع نهايات العصب الشمي شكل هندسي ينتقل إلى الدماغ، بالدماغ يوجد ذاكرة شمية هذه الذاكرة الشمية فيها عشرة آلاف بند، يعرض هذا الرمز على كل بنود هذه الذاكرة فحيثما تشابه الرمزان عرفت أنت أنها رائحة الياسمين و هذا يتم بثوان معدودة:

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ﴾

 

[ سورة التين: الآية 4]

 تحثنا عن آيات الله في الآفاق، و عن بعض آيات الله في الإنسان، و أنهي هذه المحاضرة بالحديث عن آية من آيات الله الدالة على عظمته في مخلوق هو أهون مخلوق على بني البشر إنه البعوضة و قد ذكرت في القرآن الكريم، و لما ذكرت استهزأ بها الكفار قال:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 لكن بعد تقدم العلم و بعد اكتشاف المجاهر الإلكترونية التي يمكن أن تكبر الشيء أربعة آلاف مرة أو أربعين ألف مرة أو أربعمئة ألف مرة، و صورت البعوضة تحت هذه المجاهر فكانت الحقائق المذهلة، في رأس البعوضة مئة عين، وفي فمها ثمانية وأربعون سناً وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح وفي كل قلب دسامان وأذينان وبطينان وأن هذه البعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهازاً سماه العلماء جهاز استقبال حراري أي أنها ترى الأشياء لا بألوانها ولا بأشكالها ولا بأحجامها ولكن بحرارتها وأن حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية، و البعوضة تملك جهاز تحليل للدم لأنه ما كل دم يناسبها، ينام أخوان على سرير واحد يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لم يلسع، تملك جهاز تخدير، تملك جهاز تمييع للدم، وفي خرطومها ست سكاكين أربعة سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم وفي أرجلها مخالب إن وقفت على سطح خشن ومحاجم إن وقفت على سطح أملس:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 إخوانا الكرام: في نهاية هذا اللقاء الطيب لابد من أن ألخص المحاضرة، الإنسان خلق لمعرفة الله، إن عرفه أطاعه و تقرب إليه بالعمل الصالح يستحق سلامة الدنيا و جنات الآخرة، كيف أعرفه ؟ إما من خلقه أو من أفعاله أو من قرآنه، خلقه كله يدل عليه و قرآنه فيه ألف و ثلاثمئة آية تتحدث عن الكون فإذا تفكرنا في هذه الآيات عرفنا الله عز وجل:

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 

[ سورة فاطر: الآية 28]

 و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
 الشكر الجزيل لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه المعلومات القيمة المفيدة لنا جميعاً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018