بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 51 - اللاذقية - القاسم المشترك بين البشر.


2004-10-28

 أهلاً وسهلاً على لسان مدينتا يا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، إن سمحتم لي يا فضيلة الشيخ أن أوجه لكم أول سؤال من وحي هذا الحضور المتنوع من ذكور وإناث من متعلمين ومثقفين وحاصلين على دراسات عليا ومن أخوات وحتى هذه التركيبة التي حضرت معنا سبحان الله ولعل كل واحد فينا يا أحباب كل إنسان ينظر بمنظار معين إلى هذا اللقاء، أو لعل إلى أي حادثة تمر في ذهنه، هل تجدون من قواسم مشتركة بين كل البشر، هل هناك من قاسم مشترك بين كل البشر على الإطلاق فنرجو من فضيلتكم التكرم في هذا الشأن ؟
 الدكتور راتب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 فإنني أيها الإخوة الأحباب بادئ ذي بدء أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي وأسأل الله عز وجل أن أكون في مستوى حسن ظنكم وأن أقدم لكم شيئاً ننتفع به جميعاً في هذه الأمسية المباركة.
 أيها الإخوة الأحباب، جواباً عن السؤال الذي طرح عليّ لا بد من حقيقة صارخة وهي أن كل البشر من دون استثناء يحرصون على سلامتهم وسعادتهم وهذا قاسم مشترك بين كل البشر وقد يسأل سائل لماذا يكون الشقاء ؟ والجواب هو الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، وطلب العلم يلبي الحاجة العليا في الإنسان، في الإنسان حاجات عليا وحاجات دنيا لا يؤكد الإنسان إنسانيته إلا إذا بحث عن الحقيقة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾

[ سورة العنكبوت: الآية 69]

 أيها الإخوة الكرام، لو أن إنساناً سافر إلى بلد بعيد ليطلب العلم ونزل في بعض الفنادق واستيقظ في صبيحة اليوم الأول وسأل إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت تاجراً اذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، وإن جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، ما معنى هذا الكلام ؟ أي أن الإنسان لا تصح حركته في الدنيا إلا إذا عرف سر وجوده، وأكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يغفل عن سر وجوده، إن صحت حركة الإنسان سعد في الدنيا والآخرة ولا تصح حركته إلا إذا عرف سر وجوده، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
 أيها الإخوة الكرام، الإنسان تصح حركته إذا عرف سر وجوده، متى يسعد ؟ إذا جاءت حركته في الحياة مطابقة لهدفه، أوضح هذا بمثل لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري وقبل أيام من موعد الامتحان أخذه أصدقاؤه إلى مكان جميل وأطعموه أطيب الطعام واستمتع بأجمل المناظر، لماذا يشعر بانقباض ؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه الكبير، لو أنه قبع في غرفة قميئة وقرأ الكتاب المقرر واستوعبه يشعر براحة كبيرة إذاً متى يسعد الإنسان ؟ إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه.
 أيها الإخوة الكرام، نحن في شهر رمضان وفرق كبير بين الطقوس وبين العبادات، الطقوس حركات وسكنات وإيماءات وتمتمات لا معنى لها، لكن العبادات كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى معللة بمصالح الخلق فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام لعلكم تتقون، والزكاة تطهر وتزكي، والحج لنعلم أن الله يعلم، أيها الإخوة الكرام، أزمة أهل النار وهم في النار أزمة علم قال تعالى:

 

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ سورة الملك: الآية 10]

 لذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان مفطور على حب وجوده وعلى حب سلامة وجوده وعلى حب استمرار وجوده وعلى حب كمال وجوده، والإنسان أعقد آلة في الكون سلامتها وسعادتها بتطبيق تعليمات الصانع والصانع هو الله عز وجل.
الحقيقة الذي تكلمت به قبل قليل تمهيد للإجابة عن هذا السؤال الكريم، الله عز وجل أخبرنا بالقرآن الكريم قال تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 56]

 فالعبادة علة وجودنا في الأرض لكن هذه العبادة يفهمها معظم المسلمين على أنها أداء للعبادات الشعائرية ليس غير، إنها طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، في هذا التعريف الدقيق يتضح أن في العبادة كليات ثلاث، كلية معرفية وكلية سلوكية وكلية جمالية، فالكلية المعرفية هي السبب والكلية السلوكية هي الأصل والكلية الجمالية هي الثمرة.

 

فلو شاـهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت مـن قربنا لك نسمة  لمت غريباً واشتاقاً لقربنــا
***

 العبادة علة وجودنا على وجه الأرض، لكن مفهوم العبادة عند عامة المسلمين يضيق حتى يغطي العبادات الشعائرية بينما العبادة في حقيقتها تطبيق تعليمات الصانع التفصيلية، إن صح أن العبادات الشعائرية لا تزيد عن خمس عبادات فإنه يصح أن العبادات التعاملية تزيد عن مئة ألف عبادة، أن نكون صادقين أن نكون أمناء أن نكون أعفة أن ننجز وعودنا أن نحقق مواثقنا، لذلك سيدنا جعفر حينما سأله النجاشي عن الإسلام عرفه تعريفاً قد لا يخطر على بال قال: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الرحم ونسيء الجوار حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.
 الإسلام مجموعة قيم أخلاقية بني على خمس عبادات شعائرية لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((بني الإسلام على خمس ))

 فالإسلام قيم أخلاقية وهي العبادة التعاملية، وإن صح التعبير أن العبادة الشعائرية ومنها الصيام لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، هذا في الصيام.
 أما في الصلاة، عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ ابن ماجه ]

 أما الحج:

((من وضع رجله في الركاب وقال لبيك اللهم لبيك وحج بمال حرام ينادى أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك. ))

 أما إنفاق المال من دون طاعة لله قال تعالى:

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 53]

 العبادة الشعائرية كساعات الامتحان في نهاية العام والعبادة التعاملية العام الدراسي، فالطالب الذي داوم وأصغى إلى المعلم وكتب الوظائف وتابع الدروس وذاكر ساعات الامتحان فيها قمة نشوته لأنه يحقق ذاته أما الطالب الذي لم يداوم ولم يقرأ ولم يذاكر ولم يفعل شيئاً متعلقاً بالدراسة ماذا يفعل بساعات الامتحان الثلاث ؟
 علة وجودنا أن نعبد الله وعبادة الله بالمفهوم الواسع أن نسارع إلى طاعة الله فيما أمر.
 الحقيقة بارك الله بكم على هذا السؤال القيم، الحقيقة أن أثمن شيء نملكه هو الوقت، هذا الجواب نابع من أدق تعريف للإنسان، الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى عرف الإنسان تعريفاً جامعاً مانعاً فقال: الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. أنت وقت أثمن شيء تملكه هو الوقت رأسمالك الوحيد هو الوقت والوقت إذا مضى لا يعود، الوقت إذا مضى لا يعود لذلك خالق الأكوان أقسم بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن قال تعالى:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1)﴾

 

[ سورة العصر: الآية 1]

 العصر مطلق الزمن والواو واو القسم، جواب القسم إن الإنسان لفي خسر، الإنسان خاسر لا محالة بنص هذه الآية، يا رب ما نوع هذه الخسارة ؟ نوع هذه الخسارة أن مضي الزمن فقط يستهلكه، مضي الزمن يستهلكه فلذلك ربنا عز وجل قال:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

[ سورة العصر ]

 لا بد من وقفة متأنية مع هذه السورة الدقيقة، أيها الإخوة الكرام، رأس مالنا هو الوقت نحن وقت أثمن شيء نمله هو الوقت ولكن هذا الوقت غما أن ينفق إنفاقاً استهلاكياً وإما أن ينفق إنفاقاً استثمارياً كيف ننفق الوقت إنفاقاً استهلاكياً ؟ كما يفعل معظم الناس يأكلون ويشربون ويتمتعون ثم يفاجئون بالموت، كيف ننفق الوقت إنفاقاً استثمارياً ؟ حينما نفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعنا بعد مضي الوقت، لذلك من الذي يستثنى من الخسارة المحققة التي هي جواب القسم، قال تعالى:

 

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

[ سورة العصر: الآية 3]

 أي ينبغي أن نطلب العلم وينبغي أن نعمل به وينبغي أن ندعو إليه وينبغي أن نصبر على طلبه والعمل به والدعوة إليه، إن فعلنا ذلك فقد استثمرنا الوقت، إن فعلنا ذلك فقد أنفقنا الوقت إنفاقاً استثمارياً، إن فعلنا ذلك لا نندم.
 أيها الإخوة الكرام، الإنسان حينما يولد كل من حوله يضحك وهو يبكي وحده، فإذا جاء أجله كل من حوله يبكي فإذا كان بطلاً وعرف قيمة الوقت وأنفق الوقت إنفاقاً استثمارياً واستقام في الوقت على أمر الله وتقرب إليه بطاعته وأدى العبادات أداءً دقيقاً متقناً يضحك وحده، لذلك العطاء الأكبر أن ينجو الإنسان من عذاب الآخرة قال تعالى:

 

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 15]

 وأصعب ليلة في حياة الإنسان حينما يوضع في قبره ينادى أن عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت. أيها الإخوة الكرام، في البرمجة العصبية اللغوية وقد شاعت كثيراً في هذه الأيام في قاعدة ابدأ من النهاية، نهاية الإنسان مغادرة الدنيا، ومن أدق تعريفات الذكاء هو التكيف، فأنا حينما أبدأ من النهاية وأتكيف مع النهاية ليس معنى ذلك أن أدع العلم أدرس، أنال الدكتوراه، أؤسس عملاً، أؤسس معملاً، لكنني منضبط بمنهج الله لأنني أعلم علم اليقين أنني سأحاسب حساباً دقيقاً وبالمناسبة أيها الإخوة الكرام، الأولى أن نعد أعمارنا عداً تنازلياً كيف أننا إذا سافرنا من حمص إلى الشام مئة وستين، مئة وأربعين، مئة و ثلاثين، مئة وعشرين، تسعين، سبعين... آخر شيء دمشق ترحب بكم، يجب أن نعد أعمارنا عداً تنازلياً، أن نسأل كم بقي لنا ؟ لا أن نسأل كم بلغنا من العمر ؟ لأن أخطر حدث في حياة الإنسان مغادرة الدنيا. لذلك ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
 الحقيقة كإجابة سريعة لهذا السؤال، الله عز وجل يقول:

 

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾

 

[ سورة الرحمن ]

 أيعقل أن يتعلم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ هكذا الآية قال علماء التفسير هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً بل هو ترتيب رتبي بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه. أضرب لكم مثلاً لو اشتريت آلة بالغة التعقيد بمئات الملايين عظيمة النفع شديدة النفع ولم ترسل لك الشركة تعليمات التشغيل والصيانة إن استخدمتها من دون التعليمات أتلفتها وإن جمدتها جمدت ثمنها، أليست التعليمات أهم من الآلة نفسها ؟ الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، أيها الإخوة الكرام، الشيء الثابت الوحيد في الحياة هو هذا الكون فيه مجرات وفيه شمس وقمر وفيه ليل ونهار وفيه سماوات وأرض وفيه أطيار وفيه أسماك وفيه نباتات هذا الشيء الوحيد يدل على خالق عظيم، النظام يدل على المنظم، والخلق يدل على الخالق، والتسيير يدل على المسير، والرحمة تدل على الرحيم، هذا الكون العظيم هو الثابت الأول وهو يشف عن أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى.
 ولكن هناك قاعدة مسلم بها وهي أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، إذاً هذا الإله العظيم الكامل لابد له من أن يرسم لعباده منهجاً يسيرون عليه، لكل أمة نبي ولكل نبي كتاب ولكن الأنبياء السابقين كانوا لأممهم فقط والكتاب لم يحفظ من قبل الله عز وجل إلا بأمر تكليفي بما استحفظوا من كتاب الله ولكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام نبي لكل الأمم والشعوب ولآخر الزمان وهو خاتم الأنبياء، ولأن القرآن الكريم آخر الكتب، إذاً ينبغي أن يشهد الله لنا أن هذا القرآن كلامه وأنه منهج الإنسان للاتصال برب الأكوان، ولكن هذا المنهج فيه افعل ولا تفعل فيه أمر وفيه نهي، فالذي ألف التفلت من كل قيد يقول هذا القرآن ليس كلام الله إذاً كيف يشهد الله للناس أن هذا القرآن كلام الله هنا السؤال ؟ لذلك في القرآن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون وعن السماوات والأرض وعن الطعام والشراب وعن النباتات هذه الآيات الكونية فيها سبق علمي، بمعنى أن عاقلاً واحداً لا يصدق أن معنى هذه الآيات كان معروفاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لكن مع تقدم العلم ظهرت شهادة الله لهذا القرآن أنه كلامه، مثلاً في سورة البقرة قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 ما من مخلوق أهون على الإنسان من بعوضة وهذا معنى أكده النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

(( لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))

 بعد أن اخترع المجهر الإلكتروني الذي يكبر الشيء أربعة آلاف مرة أو أربعين ألف مرة أو أربعمئة ألف مرة، اكتشف أن في رأس البعوضة مئة عين، وفي فمها ثمانية وأربعون سناً وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح وفي كل قلب دسامان وأذينان وبطينان وأن هذه البعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهازاً سماه العلماء جهاز استقبال حراري أي أنها ترى الأشياء لا بألوانها ولا بأشكالها ولا بأحجامها ولكن بحرارتها وأن حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية حساسية هذا الجهاز، أقول لكم أن هذا الجهاز التي تملكه البعوضة لا تملكه الطائرات، معها جهاز آخر اسمه جهاز تحليل الدم ما كل دم يناسبها قد ينام أخوان على سرير واحد يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لم يلسع إطلاقاً، فمعها جهاز تحليل دم وقد يقتلها من وقفت على يده كي تمتص دمه لذلك معها جهاز تخدير الإنسان يضرب يده والبعوضة في الجو، حينما ينتهي مفعول التخدير يحاول أن يقتلها وهي في الجو.
 معها جهاز استقبال حراري، معها جهاز تخدير، معها جهاز تحليل، ولأن الدم لا يسري في خرطومها معها جهاز تمييع، هذه البعوضة، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 معها جهاز استقبال حراري، معها جهاز تخدير، معها جهاز تحليل وجهاز تمييع وفي خرطومها ست سكاكين أربعة سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم وفي أرجلها مخالب كي تقف على سطح خشن ومحاجم على أساس الضغط إذا وقفت على سطح أملس، هذه البعوضة من ينتبه إلى دقة صنعتها قبل اختراع المجهر الإلكتروني هذا الذي ذكرته لكم عرض في التلفزيون بندوة عرضت الصور لذلك شهادة الله لنا بأن هذا القرآن الكريم كلامه آيات الإعجاز العلمي.
 أيها الإخوة الكرام، كلكم يعلم أن في الكون مليون مليون مجرة وأن المجموعة الشمسية هي نقطة في مجرة درب التبابنة وهي مجرة متوسطة وأن أقرب نجم ملتهب إلينا نجم يبعد عنا أربعة سنوات ضوئية، أريد أن أبين لكم ببساطة ما معنى سنوات ضوئية أربع، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، يعني بهذه العشر دقائق أو الربع ساعة قطعنا مئات ألوف الكيلو مترات، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر كم يقطع بالدقيقة؟ ضرب ستين، كم يقطع بالساعة ؟ ضرب ستين، كم يقطع في اليوم ؟ ضرب أربعة وعشرين، كم يقطع في العام ؟ ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، وباعتبار هذا النجم قريب جداً منا يبعد عنا أربع سنوات ضوئية ضرب أربعة، في عندنا رقم كبير ثلاثمئة ألف ضرب ستين ضرب، ضرب ستين ضرب أربع وعشرين ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ضرب أربعة، لو أردنا أن نصل لهذا لنجم بمركبة أرضية والسرعة مئة، لو قسمنا هذا الرقم على مئة كم ساعة على أربع وعشرين كم يوم، على ثلاث مئة وخمسة وستين كم سنة نحتاج أن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض ؟ خمسين مليون سنة، متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ؟ متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليوني سنة ضوئية ؟ متى نصل إلى أحدث نجم اكتشف حديثاً يبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ؟ الآن دققوا في قوله تعالى:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 متى عرفت عظمة هذه الآية ؟ بعد أن وصلنا إلى الفضاء، بعد أن عرفنا الأبعاد الفلكية، بعد أن صورنا المجرات بالمراصد العملاقة، أيها الإخوة الكرام، لكن عالم الفلك من كلمة واحدة في هذه الآية يجب أن يخر ساجداً لله، هي كلمة مواقع لأن هذا النجم الذي وصل إلينا ضوءه وهو على بعد عشرين مليار سنة ضوئية كان في هذه الجهة وأرسل الضوء وبقي الضوء يمشي في الفضاء الخارجي عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا النجم سرعته في الفضاء الخارجي مئتي وأربعين ألف كيلو متر في الثانية أين هو الآن ؟ لو أن الآية فلا أقسم بالمسافات بين النجوم ليس قرآناً لأن هذا المكان ليس فيه النجم هذا موقع النجم، الموقع يعني أن صاحب الموقع ليس في الموقع قال تعالى:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 إخوتنا الكرام الحديث عن الإعجاز يطول، الإعجاز القرآني يمكن أن تؤلف فيه مئات المجلدات، ذكرت لكم آية لبعوضة نحتقرها جميعاً وذكرت لكم آية عن مجرة كبيرة فالقرآن الكريم فيه شهادة الله أنه كلامة، هذه شهادة الله وهو منهج الإنسان افعل ولا تفعل والإنسان بدافع من حبه لذاته ينبغي أن يطيع الله لأن طاعة الله عز وجل سلامة له وسعادته في التقرب إلى الله.
 الدكتور راتب: سؤال دقيق لكن يحتاج إلى تفصيل، الحقيقة يوجد بالقرآن الكريم وعود من الله عز وجل للمؤمنين، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 173]

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة غافر: الآية 51]

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[ سورة الروم: الآية 47]

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

[ سورة النور: الآية 55]

 بربكم والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هل نحن مستخلفون في الأرض ؟ لا والله، هل نحن ممكنون في الأرض ؟ لا والله، هل نحن آمنون ؟ لا والله، ماذا نفعل بهذه الآيات الكريمة بهذه الوعود الإلهية للمؤمنين ؟ بالنصر والتأييد والاستخلاف والتمكين والتطمين وكلها ليست محققة، ماذا نفعل ؟ أقول لكم أيها الإخوة الكرام زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين وهذه الوعود ليست محققة، الجواب، الجواب في القرآن قال تعالى:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59]

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي، إضاعة الصلاة لا يعني تركها ولكن يعني تفريغها من مضمونها، فليس كل مصل يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي وعزتي و جلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما والظلمة نورا، يدعونني فألبيه ويسألني فأعطيه ويقسم علي فأبره، أكلأه بقربي و أستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها.
 إذاً:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59]

 وأجمل ما قرأت في تفسير قوله تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 القلب السليم: القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله وسلم، من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله وسلم، من تحكيم غير شرع الله، وسلم من عبادة غير الله، هذا الجواب الأول إضاعة الصلاة واتباع الشهوات.
 الجواب الثاني قال تعالى:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 الاستنباط المنطقي أنه إذا لم يمكن لهم دينهم معنى ذلك أنه لم يرتضيه لهم، دين فلكلور دين مناسبات احتفالات مؤتمرات ألقاب علمية لكن ليس دين التزام وتطبيق، قال تعالى:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 في معظم البلاد الإسلامية المعاصي الكبيرة جداً تكون في رمضان إكراماً لشهر رمضان المبارك أليس كذلك ؟

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن دينهم لم يرتضِ لهم.
 جواب ثالث بارك الله بك على هذا السؤال، يقول الله عز وجل:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46]

 إلهنا ورب السماوات والأرض يصف مكر الطرف الآخر بأنه لهوله تزول منه الجبال، لو أن دول الأرض اجتمعت جميعاً على إزاحة جبل من مكان إلى مكان هل تستطيع ؟ وصف الله مكرهم بأنه تزول منه الجبال، الآن دققوا استعدوا لهذه الآية:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 هذا كلام خالق السماوات والأرض، وفضل كلام الله عن كلام خلقه كفضل الله عن خلقه الذي خلقنا من لا شيء، الذي صورنا، الذي خلق السماوات والأرض، الذي بيده كل شيء يطمئننا وإن تتقوا وتصبروا لا يضركم كيدهم شيئاً، لذلك عندنا حالتين معصية وصبر وطاعة وصبر، المعصية والصبر تنتهي إلى القبر أما الطاعة والصبر تنتهي إلى النصر الكرة في ملعبنا والفرصة أمامنا واضحة وإن تتقوا وتصبروا لا يضركم كيدهم شيئاً وإن لم تستطع أن تحمل الناس جميعاً على طاعة الله أطع الله أنت.
 مرة سمعت قصة طريفة بدوي بشمال جدة عنده أرض لما توسعت جدة كثيراً اقتربت جدة من أرضه فارتفع ثمنها فذهب ليبيعها لمكتب عقاري خبيث جداً اشتراها بربع قيمتها وضحك عليه فهذه الأرض بني عليها بناء ارتفاعه اثني عشر طابقاً أصحاب هذه الأرض والبناء شركاء ثلاثة أول شريك وقع من أعلى البناء فنزل ميتاً والثاني دهس بسيارة انتبه الثالث بحث عن هذا البدوي صاحب الأرض الذي احتال المكتب عليه واشترى الأرض بربع قيمتها حتى عثر عليه بعد ستة أشهر ونقده ثلاثة أضعاف الثمن فقال له البدوي ترى أنت لحقت حالك.
 فنحن الآن بحاجة أن نلحق حالنا أيها الإخوة الكرام.
 الدكتور راتب: الحقيقة أنا سميتها ورقة عمل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أنت لا تستطيع إقناع قوى البغي والعدوان أن يكفوا عن طغيانهم لكنك تملك أن تقيم الإسلام في بيتك، وتملك أن تقيم الإسلام في عملك، بيتك وعملك مملكتان لك، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك. أول ورقة عمل أيها الإخوة الكرام، من يمنعك أن تكون صادقاً ؟ من يحاسبك إذا كنت أميناً ؟ من يسائلك إذا كنت عفيفاً ؟ من يمنعك أن تربي أولادك ؟ من يمنعك أن تربي بناتك ؟ من يمنعك أن تقيم الإسلام في بيتك وعملك ؟ أول ورقة عمل الواقعية أفضل ما نحن نتفلت من منهج الله ونحمل هم المسلمين ولا نستطيع أن نفعل شيئاً، الأصح أن نقيم الإسلام في بيوتنا وعملنا أول بند من بنود ورقة العمل، البند الثاني قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

 في البرمجة اللغوية العصبية يعد الغبي هو الذي ينتظر نتائج لم يقدم ثمنها، يعني طالب أدى امتحان الشهادة الثانوية أخذ مئة وثلاث علامات أحب أن يعيد الثانوية درس دراسة كالعام السابق وتوقع مئتي وثلاثين يكون أحمق، إذا ما غيرت الله لا يغير، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

 ورقة العمل الثانية أن نغير، أيها الإخوة الكرام، لو كان المسلم سلبي تابع الأخبار فهم التحليلات ما فعل شيئاً، لو أنك ربيت أولادك لفعلت شيئاً، لو طورت عملك لفعلت شيئاً، لو عمقت خبرتك لفعلت شيئاً، لو نفعت المسلمين لفعلت شيئاً، لو صنعت بضاعة طرحتها بالأسواق فانخفضت الأسعار صنعت شيئاً، بدل أن تتحول وتقول انتهينا والله يمكن أن نصنع مليون شيء والأمر كما هو، ورقة العمل أن تقدم للإسلام شيئاً، أن تقدم لهم خدمة خبرة علماً صناعة أخلاقاً دعوة مؤلفاً حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
 دائماً وأبداً أريد أن أبين لكم أن الكرة في ملعبنا هناك قهر وهناك تسليط، نحن الآن سمح لطرف معين أن يتسلط علينا الرد الفعلي أن نستقيم على أمر الله هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً في ورقة العمل، قبل أن يأتيني سؤل آخر عالم كبير في أمريكا هداه الله إلى الإسلام فزار بريطانيا والتقى بالجالية الإسلامية ماذا قال ؟ قال أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لماذا ؟ لأن في الإسلام خلاص العالم، كل الأنظمة الوضعية أعلنت إفلاسها لم تحقق للإنسان لا سلامته ولا سعادته بقي الإسلام ولكن دققوا الآن يمكن أن يركع العالم أمام أقدام المسلمين إذا أحسنوا فهم دينهم وأحسنوا تطبيقه وأحسنوا عرضه، هذه من ورقة العمل إن شاء الله.
 الدكتور راتب: أيها الإخوة الكرام، أخطر شيء يصيب المسلمون أن يهزموا من الداخل الله عز وجل يقول:

 

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

 

[ سورة ل عمران: الآية 139]

 أيها الإخوة الكرام، صدقوا لا يمكن لجهة على وجه الأرض مهما كانت قوية أن تفسد على الله هدايته لخلقه اطمأنوا لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله والله متكفل بنصره ولكن اقلقوا على أنفسكم ما إذا سمح الله لنا أو لم يسمح أن نكون جنوداً له، شيء آخر جهة قوية جداً طاغية متغطرسة خططت لرفاه شعبها على حساب الشعوب على حساب ثقافات الشعوب على حساب إفقار الشعوب على حساب إذلال الشعوب دققوا الآن أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب بل مع وجوده الله عز وجل، لا يسمح لجهة في الأرض أن تتأله إلى المدى البعيد، الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني منهما شيئاً أذقته عذابي ولا أبالي، قال تعالى:

 

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

 

[ سورة الشعراء: الآية 213]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود: الآية 123]

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

[ سورة الزخرف: الآية 84]

﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

[ سورة الكهف: الآية 26]

 أنت حينما تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى لا يسلمك إلى أحد، قال تعالى:

 

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

 

[ سورة هود: الآية 123]

 متى أمرك أن تعبده ؟ بعد أن طمأنك، أنت حينما ترى قال تعالى:

 

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

 

[ سورة الفتح: الآية 10]

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 17]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

[ سورة هود: الآية 123]

 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد نحن بحاجة إلى التوحيد، نحن بحاجة أن نرى أن يد الله وحدها تعمل وأن الذي يجري وأن كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، الله عز وجل لا يعقل ولا يقبل أن يسلمنا إلى غيره نحن عبيده ومرة ثانية الكرة في ملعبنا ومرة ثانية وإن تعودوا نعد وبيننا وبين أن ننتصر أن نؤمن الإيمان الحق وأن نستقيم على أمره وأن نعد لأعدائنا ما نستطيع ومن رحمة الله بنا أنه ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة بل كلفنا أن نعد القوة المتاحة وعندئذ يتولى ترميم الفرق بيننا وبينه.
 ماذا ينصحنا الشيخ أن نفعل في رمضان ؟
 الدكتور راتب: أيها الإخوة الكرام، الإسلام عقيدة وعمل أنهي هذه الكلمة بقصتين لبنت فرعون ماشطة في أثناء تمشيط شعر بنت فرعون وقع المشط من يدها فقالت بسم الله، قالت لها بنت فرعون ألك رب غير أبي ؟ قالت الله ربي وربك ورب أبيك، قالت سأخبر أبي، فأخبرت أباها فجاء بهذه الماشطة ومعها أربعة أولادها وجاء ببقرة من نحاس أضرمها ناراً حتى احمرت وأمسك ولدها الأول وقال لها ألك رب غيري ؟ قالت الله ربي وربك فألقى ولدها في النار حتى تفحم، ثم أمسك ولدها الثاني وقال لها ألك رب غيري ؟ قال الله وربي وربك فألقى ولدها الثاني في النار حتى تفحم، ثم أمسك ولدها الثالث وقال ألك رب غيري ؟ قالت الله ربي وربك فألقاه في النار حتى تفحم، أمسك ولدها الرابع وكان رضيعاً وقال لها ألك رب غيري ؟ فسكتت تضعضعت، الله عز وجل أنطق غلامها الرضيع قال اثبتي يا أمي أنت على حق فألقاه في النار حتى تفحم ثم ألقاها في النار حتى تفحمت.
 يقول عليه الصلاة والسلام والقصة في الحديث الصحيح في أثناء الإسراء والمعرج:

 

(( شم النبي عليه الصلاة والسلام رائحة لم يشم مثلها قط قال يا جبريل ما هذه الرائحة قال هذه رائحة ماشطة بنت فرعون.))

 هذا الثبات على العقيدة فالإسلام عقيدة وهذه المرأة بالتعبير الحديث كوافيرة مراتب عالية جداً تفتي بخلاف ما تعلم إرضاء أو خوفاً بينما هذه المرأة التي تعمل ماشطة شعر بنت فرعون ثبتت على عقيدتها.
 أما القصة الثانية والإسلام عمل فهناك إمام مسجد في بريطانيا نقل إلى ظاهر لندن فاضطر أن يركب مركبة كل يوم مع السائق نفسه مرة صعد المركبة أعطى السائق ورقة نقدية كبيرة ردّ له السائق التتمة عدها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما تستحق لأنه مسلم ولأنه إمام مسجد قال لابد من أن أرد هذه الزيادة وجلس فإذا بخاطر آخر معاكس يقول له إنها شركة عملاقة ودخلها فلكي والمبلغ زهيد لا يقدم ولا يؤخر وأنا في أمس الحاجة إليه فلا علي أن آخذه لكن حينما أراد أن يغادر المركبة دون أن يشعر مد يده وأخرج التتمة الزيادة العشرين بنس ودفعها للسائق، ابتسم السائق وقال ألست إمام هذا المسجد ؟ قال نعم قال والله أردت قبل يومين أن آتيك إلى المسجد لأتعبد الله عندك ولكنني أردت أن أمتحنك، فلما سمع هذه الكلمة وقع مغشياً عليه لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها فلما صحا من غفلته قال يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
 أيها الإخوة الكرام، كم مسلم يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ؟ أنا ذكرت هاتين القصتين الأولى متعلقة بعقيدة والثانية متعلقة بالسلوك وقد ورد بالحديث القدسي:

 

((إني والإنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري للعباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها. ))

((عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة ولك علي رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك فعزتي و جلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما تريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.))

 وقد ورد في الأثر أن بعض أنبياء الله قال:

 

(( يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوء أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي، قال يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.))

 أيها الإخوة الكرام، مرة أراد أحد أن يداعبني فسألني هذه الدعوة التي استمرت ثلاثين عاماً ما ملخصها ؟ أجبته بلغة دارجة يا تأتي ركضاً يا يحضرك ركضاً.
 ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماء والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه وقطعت أسباب السماء بين يديه، ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة.
 أحب ثلاثاً وحبي لثلاث أشد، أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد، وأحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، وأبغض ثلاثة وبغضي لثلاث أشد أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد.
 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

 

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

 

[ سورة هود: الآية 123]

 أشكر لكم دعوتكم وإكرامكم وترحيبكم وحضوركم وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018